النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ (٨) - بَابُ جَوَازِ اسْتِتُبَاعِ الشَّخْصِ غَيْرَهُ إِلَى دَارِ مَنْ يَثِقُ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٠٢) ئه في هذه القصّة يمدح بها أبا الهيثم ابن وقال عبد الله بن رواحة ـه [من الطويل]: التيهان وَلَا مِثْلَ أَضْيَافِ الإِرَاشِيِّ مَعْشَرَا فَلَمْ أَرَ كَالإِسْلَامِ عِزّاً لأُمَّةٍ نَبِيٍّ وِصِدِّيقٌ وَفَّارُوقُ أُمَّةٍ وَخَيْرُ بَنِي حَوَّاءَ فَرْعاً وَعُنْصُرَا وَكَانَ قَضَاءُ الله قَدْراً مُقَدَّرَا فَوَافَوْا لِمِيقَاتٍ وَقَدْرٍ قَضِيِّةٍ شُمُوسَ الضُّحَى جُوداً وَمَجْداً وَمْفَخَرا إِلَى رَجُلٍ نَجْدٍ يُبَارِي بِجُودِهِ إِذَا لَبِسَ الْقَوْمُ الْحَدِيدَ الْمُسَمَّرا فَلَمْ يَقْرِهِمْ إِلَّا سَمِيناً مُتَمَّرًا(١) وَفَارِسٍ خَلْقِ اللهِ فِي كُلِّ غَارَةٍ فَفَدَّى وَحَيَّا ثُمَّ أَدْنَى قِرَاهُمُ ١٤ - (ومنها): استحباب تقديم الفاكهة على الخبز واللحم وغيرهما . ١٥ - (ومنها): استحباب المبادرة إلى الضيف بما تيسّر، وإكرامه بعده بطعام يصنعه له، لا سيما إن غلب على ظنه حاجته في الحال إلى الطعام، وقد يكون شديد الحاجة إلى التعجيل، وقد يشق عليه انتظار ما يُصنع له لاستعجاله للانصراف، قال النوويّ: وقد كَرِه جماعة من السلف التكلف للضيف، وهو محمول على ما يشقّ على صاحب البيت مشقةً ظاهرةً؛ لأن ذلك يمنعه من الإخلاص، وكمال السرور بالضيف، وربما ظهر عليه شيء من ذلك، فيتأذى به الضيف، وقد يُحضر شيئاً يعرف الضيف من حاله أنه يشقّ عليه، وأنه يتكلفه له، فيتأذى الضيف؛ لشفقته عليه، وكل هذا مخالف لقوله ويلي: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه))؛ لأن أكمل إكرامه إراحة خاطره، وإظهار السرور به، وأما فعل الأنصاريّ ◌َ﴿به، وذَبْحه الشاة فليس مما يشقّ عليه، بل لو ذبح أغناماً، بل جمالاً، وأنفق أموالاً فى ضيافة رسول الله وَله وصاحبيه كان مسروراً بذلك، مغبوطاً فيه، والله أعلم. انتهى(٢). ١٦ - (ومنها): جواز الشِّبَع، وأما ما جاء في كراهة الشِّبَع فمحمول على المداومة عليه؛ لأنه يُقسي القلب، ويُنسي أمر المحتاجين. وقال القرطبيّ تَّثُ: في الحديث دليل على جواز الشبع من الحلال، وما جاء مما يدلُّ على كراهة الشبع عن النبيّ وَّر، وعن السلف: إنما ذلك في (١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٣٤١/٢٤. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢١٣/١٣. ٢٦٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة الشبع المثقل للمعدة، المبطئ بصاحبه عن الصلوات، والأذكار، المضرِّ للإنسان بالتُّخَم، وغيرها؛ الذي يفضي بصاحبه إلى البطر، والأشر، والنوم، والكسل، فهذا هو المكروه، وقد يُلْحَق بالْمُحرَّم إذا كثرت آفاته، وعمَّت بليَّاته، والقسطاس المستقيم ما قاله النبيّ وَلفيه: ((ما ملأ آدمي وعاءً شرّاً من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه؛ فإنَّ كان ولا بدَّ، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسِه)). انتهى(١). ١٧ - (ومنها): كراهية ذبح ما يَجري نفعه مياومةً، ومداومةً كراهية إرشاد، لا كراهية تحريم، قاله ابن عبد البرّ تَذَقُ(٢). ١٨ - (ومنها): مشروعيّة استعذاب الماء، وتخيّره، وتبريده بالريح وغير ذلك مما في معناه. ١٩ - (ومنها): بيان أن الناس سيُسألون يوم القيامة عن نعيم الدنيا كلّها، جليلها ودقيقها؛ لظاهر الآية، وظاهر حديث الباب. وقال ابن عبد البرّ كَّلُهُ: وفيه دليل على أن ما سدّ الجوع، وسَتَر العورة من خَشِن الطعام واللباس، لا يُسأل عنه المرء في القيامة، والله أعلم، وإنما يُسأل عن النعيم، هذا قاله ابن عيينة، واحتج بقول الله ◌َ لآدم ظلّا: ﴿وَأَنَّكَ ﴾ [طه: ١١٩]، وبقوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَؤْمَيِذٍ عَنِ (١٩) لَا تَظْمَؤُأْ فِهَا وَلَا تَضْحَى النَّعِيمِ ﴾﴾ [التكاثر: ٨]، قال: وهذه المسألة فيها نظر، واختلاف، وليس هذا موضع ذِكر ذلك، وبالله التوفيق. انتهى(٣). قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله ابن عبد البرّ، ونقله عن ابن عيينة لا يخفى ما فيه؛ لمخالفته ظاهر الآية، وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢٠ - (ومنها): جواز الجمع بين طعامين، فأكثر على مائدة واحدة، والله تعالى أعلم. (١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٠٥/٥. (٣) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٣٤٠/٢٤. (٢) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٣٣٩/٢٤. ٢٦٣ (٨) - بَابُ جَوَازِ اسْتِثْبَاعِ الشَّخْصِ غَيْرَهُ إِلَى دَارِ مَنْ يَثِقُ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٠٢) (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُتْشَلُنَّ يَوْمَيِذٍ عَنِ النَّعِيمِ : قال أبو عبد الله القرطبيّ تَخُّْ في ((تفسيره)): واختلف أهل التأويل في النعيم المسئول عنه على عشرة أقوال: [أحدها]: الأمن، والصحة، قاله ابن مسعود [الثاني]: الصحة، والفراغ، قاله سعيد بن جبير، وفي (صحيح البخاريّ)) عنه ◌َّلة: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ)). [الثالث]: الإدراك بحواس السمع، والبصر، قاله ابن عباس ﴿ها، وفي التنزيل: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، وأخرج الترمذيّ عن أبي هريرة، وأبي سعيد ظُها قالا: قال رسول الله وَلاتٍ: ((يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقول له: ألم أجعل لك سمعاً، وبصراً، ومالاً، وولداً ... ))، الحديث، قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح. [الرابع]: ملاذٌ المأكول والمشروب، قاله جابر بن عبد الله الأنصاريّ چا، وحديث أبي هريرة يدل عليه. [الخامس]: أنه الغداء، والعشاء، قاله الحسن. [السادس]: قول مكحول الشاميّ: إنه شِبَع البطون، وبارد الشراب، وظلال المساكن، واعتدال الخلق، ولذة النوم، ورواه زيد بن أسلم عن أبيه، قال: قال رسول الله وَله: ﴿لَتُتْشَلُنَّ يَؤْمَيِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]؛ يعني: عن شبع البطون ... ، فذكره، ذكره الماورديّ، وقال: وهذا السؤال يعم الكافر والمؤمن، إلا أن سؤال المؤمن تبشير بأن يجمع له بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة، وسؤال الكافر تقريع أن قابَلَ نعيم الدنيا بالكفر والمعصية. وقال قوم: هذا السؤال عن كل نعمة، إنما يكون في حق الكفار، فقد روي أن أبا بكر لمّا نزلت هذه الآية قال: يا رسول الله، أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيّهان، من خبز شعير، ولحم، وبسر قد ذّب، وماء عذب، أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه؟ فقال ◌َله : ((ذلك للكفار، ثم قرأ: ﴿وَهَلْ تُجَرِىّ إِلَّا الْكَفُورَ (٧﴾ [سبأ: ١٧]))، ذكره القشيريّ أبو نصر. ٢٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة قال الجامع عفا الله عنه: هذه الحكاية عن أبي بكر لا تصحّ؛ لأن الثابت في ((صحيح مسلم)) عكسها، وهو أنه ◌َّ قال لهما في نفس القصّة: ((لتسألنّ عن هذا النعيم يوم القيامة))، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. قال: وقال الحسن: لا يُسأل عن النعيم إلا أهل النار. وقال القشيريّ: والجمع بين الأخبار: أن الكل يُسألون، ولكن سؤال الكافر توبيخ؛ لأنه قد ترك الشكر، وسؤال المؤمن سؤال تشريف؛ لأنه شكر، وهذا النعيم في كل نعمة. قال القرطبيّ: هذا القول حسن؛ لأن اللفظ يعمّ، وقد ذكر الفريابيّ قال: حدّثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُشْئَلُنَّ قال: كل شيء من لذّة الدنيا. يَؤْمَئِذٍ عَنِ اٌلَّعِيمِ وروى أبو الأحوص عن عبد الله عنه، عن النبيّ وَّر أنه قال: ((إن الله تعالى ليعدِّد نِعَمَه على العبد يوم القيامة، حتى يعدّ عليه: سألتَني فلانة أن أزوجكها - فيسميها باسمها - فزوجتكها)). وفي الترمذيّ عن أبي هريرة قال: لمّا نزلت هذه الآية: ﴿ثُمَّ لَتُشْعَلُنَّ يُؤْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾﴾ قال الناس: يا رسول الله، عن أيّ النعيم نُسأل؟ فإنما هما الأسودان، والعدو حاضر، وسيوفنا على عواتقنا؟ قال: ((إن ذلك سیکون)»(١). وعنه قال: قال رسول الله وَله: ((إن أول ما يُسأل عنه يوم القيامة - يعني: العبد - أن يقال له: ألم نُصَحّ لك جسمك، ونُرويك من الماء البارد؟))(٢). وفي حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله -8* يقول: ((إذا كان يوم القيامة دعا الله بعبد من عباده، فيوقفه بين يديه، فيسأله عن جاهه كما يسأله عن ماله))(٣)، والجاه من نعيم الدنيا لا محالة. وقال مالك تَّثُ: إنه صحة البدن، وطِيْب النفس، وهو القول السابع. (١) حديث حسن. (٢) حديث صحيح. (٣) حديث ضعيف، قال الهيثميّ: في سنده يوسف بن يونس الأفطس، وهو ضعيف جدّاً . ٢٦٥ (٨) - بَابُ جَوَازِ اسْتِتُبَاعِ الشَّخْصِ غَيْرَهُ إِلَى دَارِ مَنْ يَثِقُ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٠٢) وقيل: النوم مع الأمن والعافية. وقال سفيان بن عيينة: إن ما سدَّ الجوع وسَتَر العورة من خشن الطعام واللباس، لا يُسأل عنه المرء يوم القيامة، وإنما يُسأل عن النعيم. قال: والدليل عليه أن الله تعالى أسكن آدم الجنة، فقال له: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا [طه: ١١٨، ١١٩]. (١٩) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُاْ فِهَا وَلَا تَضْحَى تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى فكانت هذه الأشياء الأربعة - ما يسد به الجوع، وما يدفع به العطش، وما يستكن فيه من الحرّ، ويستر به عورته - لآدم عَلَّا بالإطلاق، لا حساب عليه فيها؛ لأنه لا بدّ له منها . قال: ونحو هذا ذكره القشيريّ أبو نصر، قال: إن مما لا يسأل عنه العبد: لباساً يواري سوأته، وطعاماً يقيم صُلبه، ومكاناً يكنّه من الحرّ والبرد. قال القرطبيّ: وهذا منتزَع من قوله وَّ هِ: ((ليس لابن آدم حقّ في سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجِلْف الخبز والماء))(١)، خرجه الترمذيّ. وقال النضر بن شميل: جِلْف الخبز: ليس معه إدام. وقال محمد بن كعب: النعيم: هو ما أنعم الله علينا بمحمد وَلّ، وفي التنزيل: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. وقال الحسن أيضاً والمفضل: هو تخفيف الشرائع، وتيسير القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُّدُّكِرٍ ﴾ [القمر: ١٧]. قال القرطبيّ: وكل هذه نِعَم، فيُسأل العبد عنها: هل شَكَر ذلك أم كَفَر؟ والأقوال المتقدمة أظهر، والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ◌َظّهُ(٢). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن أرجح الأقوال هو القول بعموم المسألة عن النِّعم كلّها، جليلها وحقيرها؛ لظاهر الآية، وظاهر حديث الباب، (١) قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح، وضعّفه الشيخ الألبانيّ، والظاهر أن ما قاله الترمذيّ صحيح. (٢) ((تفسير القرطبيّ)) ١٧٦/٢٠ - ١٧٨. ٢٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة ولا ينافيه حديث الترمذيّ المذكور: ((ليس لابن آدم حقّ في سوى هذه الخصال ... )) الحديث؛ لأنه لا ينافي السؤال، وإنما غايته أنّ هذه الأشياء مباحة له، لا يعذّب عليها، وهذا لا ينافي السؤال، على أن الحديث ضعّفه بعضهم، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّل الكتاب قال: [٥٣٠٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو هِشَام - يَعْنِي: الْمُغِيرَةَ بْنَ سَلَمَةَ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: بَيْنَا أَبُو بَكْرٍ قَاعِدٌ، وَعُمَرُ مَعَهُ، إِذْ أَتَاهُمًّا رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ: ((مَا أَقْعَدَكُمَا هَا هُنَا؟))، قَالَا: أَخْرَجَنَا الْجُوعُ مِنْ بُيُوتِنَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ خَلَفِ بْنِ خَلِيفَةَ). [تنبيه]: وقع في النسخة التي شَرَح عليها النوويّ هذا السند هكذا: ((وحدثني إسحاق بن منصور، أنبأنا أبو هشام - يعني: المغيرة بن سلمة - أنبأنا يزيد، أنبأنا أبو حازم، قال: ((سمعت أبا هريرة يقول ... إلخ)) بإسقاط عبد الواحد، فقال النوويّ: هكذا وقع هذا الإسناد في النسخ ببلادنا، وحَكَى القاضي عياض أنه وقع هكذا في رواية ابن ماهان، وفي رواية الرازيّ من طريق الجلوديّ، وأنه وقع من رواية السجزيّ، عن الجلوديّ بزيادة رجل بين المغيرة بن سلمة ويزيد بن كيسان، هو عبد الواحد بن زياد، قال أبو عليّ الجيانيّ(١): ولا بد من إثبات عبد الواحد، ولا يتصل الحديث إلا به، قال: وكذلك خرّجه أبو مسعود الدمشقيّ في ((الأطراف)) عن مسلم، عن إسحاق، عن مُغيرة، عن عبد الواحد، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال الجيانيّ: وما وقع في رواية ابن ماهان، وغيره، من إسقاطه خطأ بَيٌِّ. قال النوويّ: ونقله خلف الواسطيّ في ((الأطراف)) بإسقاط عبد الواحد، والظاهر الذي يقتضيه حال مغيرة ويزيد أنه لا بدّ من إثبات عبد الواحد، كما قاله الجيانيّ، والله أعلم. انتهى (٢). (١) راجع: ((تقييد المهمل)) ٨٩٨/٣ - ٨٩٩. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢١٤/١٣ - ٢١٥. ٢٦٧ (٨) - بَابُ جَوَازِ اسْتِبَاعِ الشَّخْصِ غَيْرَهُ إِلَى دَارِ مَنْ يَيْثُ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٠٤) رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرام الْكَوْسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. ٢ - (أَبُو هِشَام الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ) المخزوميّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٠) (خت م د س ق) تقدم في ((الطهارة)) ١١ / ٥٨٤. ٣ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العَبْديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٦) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤. والباقون ذكروا قبله، و (یزید)) هو: ابن کیسان. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ خَلَفِ بْنٍ خَلِيفَةَ) فاعل ((ذَكَّرَ)) ضمير عبد الواحد بن زياد. [تنبيه]: رواية عبد الوحد بن زياد، عن يزيد بن كيسان هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّل الكتاب قال: [٥٣٠٤] (٢٠٣٩) - (حدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنِي الضَّحَّاُ بْنُ مَخْلَدٍ، مِنْ رُقْعَةٍ عَارَضَ لِي بِهَا، ثُمَّ قَرَأَهُ عَلَيَّ، قَالَ: أَخْبَرَنَاهُ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللهِ نَّهِ خَمَصاً، فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأَنِي، فَقُلْتُ لَهَا: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللهِ وَّهِ خَمَصاً شَدِيداً، فَأَخْرَجَتْ لِي جِرَاباً فِيهِ صَاعُ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا (١) بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ، قَالَ: فَذَبَحْتُهَا، وَطَحَنَتْ، فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي، فَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا، ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ، فَقَالَتْ: لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللهِ وَ﴿ وَمَنْ مَعَهُ، قَالَ: فَجِئْتُهُ، فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا قَدْ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا، وَطَحَنَتْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، كَانَ عِنْدَنَا، فَتَعَالَ أَنْتَ فِي نَفَرٍ مَعَكَ(٢)، فَصَاحَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وَقَالَ: ((يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ إِنَّ جَابِراً قَدْ صَنَعَ لَكُمْ سُوراً، فَحَيَّهَلَا بِكُمْ))، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ، وَلَا تَخْبِزُنَّ (١) وفي نسخة: ((ولها)). (٢) وفي نسخة: ((ونفرٌ معك)). ٢٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة عَجِينَتَكُمْ (١)، حَتَّى أَجِيءَ))، فَجِئْتُ، وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَقْدُمُ النَّاسَ، حَتَّى جِئْتُ امْرَأَنِي، فَقَالَتْ: بِكَ، وَبِكَ، فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتٍ لِي، فَأَخْرَجْتُ لَهُ عَجِينَنَا(٢)، فَبَصَقَ فِيهَا، وَبَارَََ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا، فَبَصَقَ فِيهَا، وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ: ((ادْعِي خَابِزَةً، فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ، وَلَا تُنْزِلُوهَا))، وَهُمْ أَلْفٌ، فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ، وَانْحَرَفُوا، وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُ كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِيتَنَا(٣) - أَوْ كَمَا قَالَ الضَّخَُّ - لَتُخْبَزُ كَمَا هُوَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٥٩) (مد) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٤٠. ٢ - (الضَّخَُّكُ بْنُ مَخْلَدٍ) أبو عاصم النبيل، تقدّم قبل باب. ٣ - (حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) الأسود بن عبد الرحمن بن صفوان بن أُميّة الْجُمَحيّ المكيّ، ثقةٌ حجةٌ [٦] (ت١٥١) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٣/٥. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ) - بكسر الميم، والمدّ - مولى البختريّ بن أبي ذُباب الحجازيّ المكيّ، أو المدنيّ، يكنى أبا الوليد، ثقةٌ [٣] (خ م د ت ق) تقدم في ((الجنائز)) ٢٢٠٧/٢١. ٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) ◌َّا تقدّم في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ◌َظْلُهُ، وأنه مسلسل بالتحديث، والإخبار، والسماع، وفيه جابر بن عبد الله ظه الصحابيّ ابن الصحابيّ، أحد المكثرين السبعة، ومن المعمَّرين، مات وقد جاوز التسعين. شرح الحديث: قال حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ: (حَدَّثَنِي الضَّخَُّكُ بْنُ مَخْلَدٍ) أبو عاصم النبيل (مِنْ رُقْعَةٍ) بضم، فسكون: ما يُكتب فيه، (عَارَضَ لِي بِهَا)؛ أي: قابل نسختي بِرُقْعته، يقال: عارضتُ الشيءَ بالشيء: قابلته به(٤). (ثُمَّ قَرَأَهُ)؛ أي: قرأ (١) وفي نسخة: ((عجينكم)). (٣) وفي نسخة: ((وإن عجيننا)). (٢) وفي نسخة: ((عجيننا)). (٤) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٠٤. ٢٦٩ (٨) - بَابُ جَوَازِ اسْتِتُبَاعِ الشَّخْصِ غَيْرَهُ إِلَى دَارِ مَنْ يَثِقُ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٠٤) الضحّاك الحديث الذي عارض لي بتلك الرقعة (عَلَيَّ، قَالَ) الضحّاك (أَخْبَرَنَاهُ)؛ أي: هذا الحديث (حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) تقدّم أن اسمه الأسود، قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ) بكسر الميم، والمدّ، (قَالَ) سعيد (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) (يَقُولُ: لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: لَمّا حفر لأنصاريّ الخندق بأمره وَلّ، و ((الخَنْدق)) كجعفر: حَفِيرٌ حول أسوار المُدُن، قال ابن دُريد: فارسيّ معرّب كَنْدَه، قاله في ((التاج))(١). الصحابة والمراد بالخندق: غزوة الخندق، وتُسمّى أيضاً غزوة الأحزاب، وكانت سنة أربع من الهجرة، على ما قال موسى بن عقبة، وقال ابن إسحاق: كانت في شوّال سنة خمس، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفَّى في محلّه، ولله الحمد والمنّة. (رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللهِ وَلِ خَمَصاً) بخاء معجمة، وميم مفتوحتين، وصاد مهملة، وقد تُسكّن الميم، وهو خُمُوص البطن، قال المجد تَّثُ: والمخمصة: المجاعة، وقد خَمَصه الجوع خَمْصاً، ومَخْمَصَةً، وخَمِّص البطن مثلَّثة الميم: خلا. انتهى (٢)، وفي رواية البخاريّ: ((رأيت بالنبيّ ◌َلّ خمصاً شديداً)). (فَانْكَفَأْتُ) بفاء مفتوحة، وهمزة ساكنة؛ أي: انقلبت، ورجعت (إِلَى امْرَأَتِي) هي سهلة بنت مسعود الأنصاريّة ◌ٌ﴿ّا، (فَقُلْتُ لَهَا: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟)؛ أي: مما يؤكل، (فَإِنِّي) الفاء للتعليل؛ أي: إنما سألتك عنه؛ لأني (رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللهِ وَّهِ خَمَصاً شَدِيداً، فَأَخْرَجَتْ لِي جِرَاباً) - بكسر الجيم، وفتحها، والكسر أشهر -: وِعاءٌ من جلد (فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا) وفي بعض النسخ: («ولها))، (بُهَيْمَةٌ) - بضم الباء الموحّدة - تصغير بَهْمة، وهي الصغيرة من أولاد الضأن، قال الجوهريّ: وتُطلق على الذكر والأنثى؛ كالشاة، والسَّخْلةُ الصغيرة من أولاد المعز(٣)، وقوله: (دَاجِنٌ) صفة لـ((بُهيمة))، وقد سبق قريباً أن الداجن ما أَلِف البيوت، وقال في ((العمدة)): الداجن - بكسر الجيم: هو من أولاد الغنم يُرَبَّى في البيوت، ولا يخرج إلى المرعَى، واشتقاقه من الدَّجْن، وهو (١) ((تاج العروس)) ٦٢٩٥/١. (٣) ((شرح النوويّ)) ٢١٦/١٣. (٢) ((القاموس المحيط)» ص٣٩٥. ٢٧٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة الإقامة بالمكان، ولم تدخل التاء فيه؛ لأنه صار اسْماً للشاة. انتهى(١). (قَالَ) جابر (فَذَبَحْتُهَا)؛ أي: ذبحت تلك البهيمة، (وَطَحَنَتْ) امرأتي ذلك الشعير، (فَفَرَغَتْ) امرأتي من طحنها (إِلَى فَرَاغِي)؛ أي: مع فراغي من ذبح تلك البهيمة، والفراغ بفتح الفاء: اسمٌ مِنْ فَرَغ من الشُّغْل فُرُوغاً، من باب قَعَد، وفَرِغَ يَفْرَغْ، من باب تَعِبَ لغة لبني تميم، وفرغت للشيء، وإليه: قصدت، وفرغ الشيءُ: خلا، ويتعدّى بالهمزة والتضعيف، فيقال: أفرغته، وفرّغته، قاله الفيّوميّ(٢)، وقال المجد كَُّ: فَرَغَ منه، كمَنَعَ، وسَمِعَ، ونَصَرَ فُرُوغاً، وفَرَاغاً، فهو فَرِغٌ، وفارٌ: خلا ذَرْعه، وفرغ له، وإليه: قصده. انتهى(٣). وفي رواية عند أحمد: ((فأمرت امرأتي، فطحنت لنا الشعير، وصنعت لنا منه خبزاً)). (فَقَطَّعْتُهَا) بتشديد الطاء المهملة؛ أي: قطّعت تلك البهيمة المذبوحة، وجعلتها (فِي بُرْمَتِهَا) - بضمّ الموحّدة، وإسكان الراء -: قِدْرٌ من حجارة، جمعه: بُرْمٌ بضمّ، فسكون أيضاً، وكصُرَد، وجِبَالٍ، والْمُبْرِمُ كمُحْسٍ: صانعها، أو من يقتلع حجارتها من الجبال، قاله المجد(٤). قال جابر رَُّله: (ثُمَّ وَلَّيْتُ)؛ أي: أدبرت، وذهبت (إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ﴾؛ أي: ليدعوه إلى ذلك الطعام، (فَقَالَتْ) امرأته (لَا تَفْضَحْنِي)؛ أي: لا تكشف عيبي، قال الفيّوميّ نَّهُ: الفضيحة: العيب، والجمع: فضائح، وفضحته فَضْحاً، من باب نَفَعَ: كَشَفْته، وفي الدعاء: ((لا تفضحنا بين خلقك))؛ أي: استُر عُيوبنا، ولا تكشفها، ويجوز أن يكون المعنى: اعصِمنا حتى لا نعصي، فنستحقّ الکشف. انتهى(٥) . والمعنى هنا: لا تكشف عيبي (ب) مجيء (رَسُولِ اللهِن ◌َّهِ وَمَنْ مَعَهُ) من الصحابة ﴿؛ لأن الطعام لا يكفيهم، فأفتضح بذلك، ويظهر عيبي بين الناس. (قَالَ) جابر (فَجِئْتُهُ) وَِّ (فَسَارَرْتُهُ)؛ أي: كلّمته سرّاً فيما بيني وبينه، (١) ((عمدة القاري)) ١٧/ ١٨١. (٣) ((القاموس المحيط)) ص ٩٩٠. (٥) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٧٥. (٢) ((المصباح المنير)) ٤٧٠/٢. (٤) ((القاموس المحيط)) ص١٠١. ٢٧١ (٨) - بَابُ جَوَازِ اسْتِتُبَاعِ الشَّخْصِ غَيْرَهُ إِلَى دَارِ مَنْ يَثِقُ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٠٤) حتى لا يسمع الناس، قال النوويّ كَثّلُهُ: فيه جواز المساررة بالحاجة بحضرة الجماعة، وإنما نُهِي أن يتناجى اثنان دون الثالث، كما سنوضحه في موضعه - إن شاء الله تعالى -. (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا قَدْ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا، وَطَحَتَتْ) امرأتي (صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، كَانَ) ذلك الصاع من الشعير (عِنْدَنَا، فَتَعَالَ) أمرُ تعالى يتعالى، بمعنى أقبِلْ، وقوله: (أَنْتَ) تأكيد للضمير المستتر في ((تعال))، (فِي نَفَرٍ)؛ أي: في جملة جماعة (مَعَكَ) وفي بعض النسخ: ((ونفرٌ معك))، (فَصَاحَ رَسُولُ اللهِ وَلِ)؛ أي: نادى رافعاً صوته (وَقَالَ: ((يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ إِنَّ جَابِراً قَدْ صَنَعَ لَكُمْ سُوراً) - بضم السين، وإسكان الواو، غير مهموز -، وهو الطعام الذي يُدْعَى إليه، وقيل: الطعام مطلقاً، وهي لفظة فارسية، وقد تظاهرت أحاديث صحيحة بأن رسول الله ◌َ﴿ تكلّم بألفاظ غير العربية، فيدلّ على جوازه، قاله النوويّ كَذُهُ(١). وقال في ((العمدة)): قوله: ((سُوراً)) بضم السين المهملة، وسكون الواو بغير همز، ومعناه الصنيع بالحبشية، وقيل: معناه العرس بالفارسية، ويُطلق أيضاً على البناء الذي يحيط بالمدينة، وأما السؤر بالهمزة، فهو البقية، والذي يُحفظ أنه ◌َ و مما تكلم به من الأعجمية هذه اللفظة، وقوله للحسن (كِخْ))، ولعبد الرحمن بن عوف: ((مَهْيَم؟))؛ أي: ما هذا؟ ولأم خالد: ((سَنَا سَنَا))؛ يعني: حسنة، وذكر ابن فارس أن معنى مهيم: ما حالك، وما شأنك؟، ولم يذكر أنها أعجمية، وقال الهرويّ: إنها كلمة يمانية. انتهى(٢). (فَحَيَّهَلَا بِكُمْ)))؛ أي: أقبلوا، وهلُمّوا، وقال النوويّ تَُّ: هو: بتنوين ((هَلاّ))، وقيل: بلا تنوين، على وزن علا، ويقال: حَيَّ هَلْ، فمعناه: عليك بكذا، أو ادع بكذا، قاله أبو عبيد وغيره، وقيل: معناه: أعجل به، وقال الهرويّ: معناه: هاتِ، وعَجِّلْ به. انتهى(٣). وقال في ((العمدة)): قوله: ((فحَيّ هلا بكم)) هي كلمة استدعاء، فيها حَثّ؛ أي: هَلُمُّوا مسرعين، ومنه ((حيّ على الصلاة)) بمعنى هَلُمّوا، وفيها (١) ((شرح النوويّ)) ٢١٦/١٣. (٣) ((شرح النوويّ)) ٢١٦/١٣. (٢) ((عمدة القاري)) ١٧/ ١٨١. ٢٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة لغات، يقال: حَيّهَلْ بفلان، وحَيّهَلًا، بزيادة الألف، وحَيَهلاً، بالتنوين للتنكير، وحَيْهلا، بتخفيف الياء، ورُوي حَيّهْل، بالتشديد، وسكون الهاء. انتهى(١). (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا تُنْزِلُنَّ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإنزال، (بُرْمَتَكُمْ)؛ أي: من الأثافي؛ لأنها كانت عليها، ففي رواية البخاريّ: ((والْبُرْمة بين الأثافي))، وهي بمثلّثة، وفاء: الحجارة التي توضع عليها القِدْر، وهي ثلاثة، قاله في ((الفتح))(٢). (وَلَا تَخْبِزُنَّ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من باب ضرب، (عَچِينَتَكُمْ) وفي بعض النسخ: ((عجينكم))، (حَتَّى أَجِي ءَ)) إنما نهاهم ليدعو لهم بالبركة، فيشبع الجميع. (فَجِئْتُ، وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ يَقْدُمُ) بضمّ الدال؛ أي: يتقدّم (النَّاسَ) قال النوويّ كَّلُ: إنما فعل هذا؛ لأنه ◌َّ دعاهم، فجاؤا تبعاً له؛ كصاحب الطعام إذا دعا طائفةً، يمشي قُدّامهم، وكان رسول الله وَّ ر في غير هذا الحال لا يتقدمهم، ولا يُمَكِّنهم من وطء عقبيه، وفعله هنا لهذه المصلحة. انتهى(٣). وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((يقدم الناس)) هذا منه وَّ مخالفٌ للذي نُقل من سيرته مع أصحابه أنه كان لا يتقدمهم، ولا يوطأ عقبه؛ وإنما كان يمشي بين أصحابه، أو يقدِّمهم. إنَّما تقدّمهم في هذا الموضع؛ لأنه هو الذي دعاهم، فكان دليلهم إلى الموضع الذي دعاهم إليه. انتهى(٤). (حَتَّى جِئْتُ امْرَأَنِي، فَقَالَتْ: بِكَ، وَبِكَ)؛ أي: ذَمّته، ودعت عليه، وقيل: معناه: بك تَلحَق الفضيحة، وبك يتعلق الذمّ، وقيل: معناه: جرى هذا برأيك، وسوء نظرك، وتسبّك، قاله النوويّ(٥). وقال في ((العمدة)): قوله: ((فقالت: بك، وبك)) الباء فيه تتعلق بمحذوف، تقديره: فعل الله بك كذا وكذا، حيث أتيت بناس كثير، والطعام (١) ((عمدة القاري)) ١٨١/١٧ - ١٨٢. (٢) ((الفتح)) ١٩٠/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٠١). (٣) ((شرح النوويّ)) ٢١٦/١٣ - ٢١٧. (٤) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٠٩/٥. (٥) ((شرح النوويّ)) ٢١٦/١٣. ٢٧٣ (٨) - بَابُ جَوَازِ اسْتِتْبَاعِ الشَّخْصِ غَيْرَهُ إِلَى دَارِ مَنْ يَثِقُ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٠٤) قليل، وذلك موجب للخجلة. انتهى وقال القرطبيّ تَخّتُهُ: قولها: ((بك وبك)) عَتْبٌ عتَبت عليه، وكأنها قالت له: فعلت هذا برأيك، وسوء نظرك؛ تعني: دعاءه للناس كلهم، وظنّت أنه لم يُخبر رسول الله وَ﴿ بقدر الطعام، ويَحْتَمِل أن يكون معناه: بك تنزل الفضيحة، وبك يقع الخجل، ويَحْتَمل أن يكون دعاء؛ أي: أوقع الله بك الفضيحة، أو الخجل، ونحو هذا. انتهى(٢). (فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ لِي)؛ أي: وهو إخباره وَّه بمقدار ما صنعه من الطعام، حتى لا يكثر الناس، ولكنه جاء بالناس كلّهم، فهو أعلم بالمصلحة. (فَأَخْرَجْتُ) المرأة (لَهُ) ◌َّرِ (عَجِينَتَنَا) وفي بعض النسخ: ((عجيننا))، (فَبَصَقَ) من باب نصر، (فِيهَا)؛ أي: تفل وَّ من ريقه المبارك في تلك العجينة، قال المجد تَخْذَلُهُ: البصاق؛ كالغُراب، والبُساق، والْبُزاق: ماء الفم إذا خرج منه، وما دام فيه فَرِيقٌ. انتهى(٣). وقال النوويّ تَخَّلُهُ: وقوله: ((بَصَق)) هكذا هو في أكثر الأصول، وفي بعضها: ((بسق))، وهي لغة قليلة، والمشهور ((بصَق))، و(بزق))، وحكى جماعة من أهل اللغة بسق، لكنها قليلة، كما ذكرنا. انتهى(٤). (وَبَارَلَكَ)؛ أي: دعا بالبركة، فاستجيب له على الفور، وظهرت معجزاته، وبركاته لَمّا أكل من صاع الشعير، والبهيمة ذلك العدد الكثير، ثم بقي الطعام على حاله كما كان أوَّل مرة، وعلى هذا: لو كانوا مائة ألف لكفاهم(٥). (ثُمَّ عَمَدَ) بفتح الميم؛ أي: قصد، يقال: عَمَدت للشيء عَمْداً، من باب ضرب، وعمدت إليه: قصدتُ، وتعمّدته: قصدت إليه أيضاً (٦). (إِلَى بُرْمَتِنَا، (١) ((عمدة القاري)) ١٨٢/١٧. (٢) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٠٩/٥. (٣) ((القاموس المحيط)) ص١١١. (٤) (شرح النوويّ)) ٢١٧/١٣. (٥) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٠٩/٥. (٦) ((المصباح المنير)) ٤٢٨/٢. (١) ٠ ٢٧٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة فَبَصَقَ فِيهَا، وَبَارََكَ، ثُمَّ قَالَ) بَ للمرأة ((ادْعِي خَابِزَةً، فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ) قال النوويّ كَّهُ: هذه اللفظة، وهي (ادعي)) وقعت في بعض الأصول هكذا: ((ادع)) بعين، ثم ياء، وهو الصحيح الظاهر؛ لأنه خطاب للمرأة، ولهذا قال: ((فلتخبز معك))، وفي بعضها: ((ادعوني)) بواو، ونون، وفي بعضها: ((ادعني))، وهما أيضاً صحيحان، وتقديره: اطلبوا، واطلب لي خابزة. انتهى. (وَاقْدَحِي)؛ أي: اغرفي، والْمِقْدَحة: الْمِغْرفة، يقال: قَدَحت المرقَ أقدحه: بفتح الدال، من باب منع: غَرَفْته. (مِنْ بُرْمَتِكُمْ، وَلَا تُنْزِلُوهَا)))؛ أي: من الأثافي، قال جابر وظه: (وَهُمْ)؛ أي: القوم الذين أكلوا من ذلك الطعام (أَلْفٌ) قال في ((الفتح)): وفي رواية أبي نعيم في ((المستخرج)): ((فأخبرني أنهم كانوا تسعمائة، أو ثمانمائة))، وفي رواية عبد الواحد بن أيمن، عند الإسماعيليّ: ((كانوا ثمانمائة، أو ثلاثمائة))، وفي رواية أبي الزبير: ((كانوا ثلاثمائة))، والحكم للزائد؛ لمزيد علمه؛ لأن القصة متحدةٌ. انتهى(١). (فَأُقْسِمُ بِاللهِ لأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ)؛ أي: تركوا ذلك الطعام لِشِبَعهم، (وَانْحَرَفُوا)؛ أي: مالوا، وانصرفوا إلى جهة أخرى، (وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطَ) بكسر الغين المعجمة، وتشديد الطاء المهملة؛ أي: تغلي، وتفور من الامتلاء، فيُسمع غطيطها، وهو من معجزات النبيّ وَ ال9. (كَمَا هِيَ)؛ أي: ممتلئة على حالتها الأولى قبل الغرف منها، فخبر ((هي)) محذوف، والمعنى: تغلي غلياناً مثل غليان هي عليه قبل ذلك، قال الطيبيّ: ((ما)) كافّة، وهي المصحّحة لدخول الكاف على الجملة، و(هي)) مبتدأ، والخبر محذوف؛ أي: كما هي قبل ذلك. انتهى(٢). (وَإِنَّ عَجِينَتَنَا) وفي بعض النسخ: ((عجيننا))، وقوله: (أَوْ كَمَا قَالَ الضَّخَّاُ) شكٌّ من حجّاج الشاعر في قول الضحّاك بن مخلد، هل هو ((وإن عجينتنا))، أو هو ((عجيننا))، كما هو في بعض النسخ، أو غير ذلك. (لَتُخْبَزُ) بالبناء للمفعول، (كَمَا هُوَ) هكذا النسخ، بالتذكير، وقال النوويّ: وقوله: ((كما هو)) يعود إلى العجين. انتهى. (١) ((الفتح)) ١٩٣/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٠١). (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٢/ ٣٧٦٤. ٢٧٥ (٨) - بَابُ جَوَازِ اسْتِتُبَاعِ الشَّخْصِ غَيْرَهُ إِلَى دَارِ مَنْ يَثِقُ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٠٤) قال الجامع عفا الله عنه: عَوْدُه إلى العجين على ما هو في بعض النسخ ظاهر، وأما على نسخة ((عجينتنا))، فيكون من باب التأويل؛ أي: بتأويل العجينة بالعجيب، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ظنّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣٠٤/٨] (٢٠٣٩)، و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٣٠٧٠) و((المغازي)) (٤١٠١ و٤١٠٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٠٠/٣ و٣٠١ و٣٧٧)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٣٢/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤/ ٣٥١ و١٧٧/٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٧٤/٧)، و(الفريابيّ) في ((دلائل النبوّة)) (١/ ٥٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز استتباع الشخص غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ◌َله وأصحابه من الابتلاء بالأعداء حتى تكلّفوا بحفر الخندق تحصّناً من كيدهم، يأتيهم النصر، وتكون العاقبة لهم، كما قال الله وَك: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ﴿ إِنَّهُمْ لَمُمُ الْمَصُورُونَ وَإِنَّ جُنَدَنَا لَمُ الْغَبُونَ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]. ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﴿ه من شدّة حبهم للنبيّ وَّهه وتفقّدهم أحواله، فإن جابراً عَظُه لَمّا نظر إليه ◌َّ رأى فيه الجوع، وقد أثّر فيه، فبادر إلى بيته حتى يزيل عنه ذلك الجوع. ٤ - (ومنها): بيان فضل جابر، وزوجته ﴿ها حيث قاما بضيافة رسول الله ◌َ﴾ وأصحابه في تلك الشدّة. ٥ - (ومنها): بيان كمال إيمان زوجة جابر ﴿ًا، حيث قالت - لَمّا أخبرها أنه كلّم النبيّ وَّ بمقدار ما عندهم من الطعام، ثم أقبل هو بجميع أهل الخندق - قالت: ((الله ورسوله أعلم))، وفي رواية يونس: قال جابر: ((فلقيت ٢٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة من الحياء ما لا يعلمه إلا الله ، وقلت: جاء الخلق على صاع من شعير، وعناق، فدخلت على امرأتي، أقول: افتَضَحتِ، جاءك رسول الله وَّ بالخندق أجمعين، فقالت: هل كان سألك كم طعامك؟ فقلت: نعم، فقالت: الله ورسوله أعلم، ونحن قد أخبرناه بما عندنا، فكَشَفتْ عني غمّاً شديداً)). قال في ((الفتح)): ويُجمع بين هذا، وبين قوله: ((فقالت: بك وبك)) بأنها أوصته أوّلاً بأن يُعلمه بالصورة، فلما قال لها: إنه جاء بالجميع ظنت أنه لم يُعلمه، فخاصمته، فلما أعلمها أنه أعلمه سَكَن ما عندها؛ لِعِلْمها بإمكان خرق العادة، ودلّ ذلك على وفور عقلها، وكمال فضلها . وقد وقع لها مع جابر في قصة التمر أن جابراً أوصاها لمّا زارهم رسول الله ﴿ أن لا تكلمه، فلما أراد رسول الله وسلم الانصراف نادته: يا رسول الله صَلِّ عليّ، وعلى زوجي، فقال: ((صلى الله عليك، وعلى زوجك)) فعاتبها جابر، فقالت له: أكنت تظن أن الله يورد رسوله وَليل بيتي، ثم يخرج، ولا أسأله الدعاء؟ أخرجه أحمد بإسناد حسن، في حديث طويل. انتهى (١). ٦ - (ومنها): أن البخاريّ كَُّ استنبط من الحديث جواز التكلّم بغير العربيّة لمن يطيقها، فقال: ((باب من تكلّم بالفارسيّة، والرَّطانة))، وقول الله رغمّى: ﴿وَأَخْئِلَفُ أَلْسِنَئِكُمْ وَأَلْوَيِّكُمْ﴾ [الروم: ٢٢]، وقال: ﴿وَمَّا أَرْسَلْنَا مِن ◌َّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]. و((الرطانة بكسر الراء، وفتحها: كلام غير عربيّ، وكأن البخاريّ أشار بالآية الثانية أنه وسط* كان يعرف الألسنة كلها؛ لأنه أُرسل إلى الأمم كلّها على اختلاف ألسنتهم، فجميع الأمم قومه بالنسبة إلى عموم رسالته، فاقتضى أن يعرف ألسنتهم؛ ليفهم عنهم، ويفهموا عنه، ويَحْتَمل أن يقال: لا يستلزم ذلك نُطقه بجميع الألسنة؛ لإمكان الترجمان الموثوق به عندهم، قاله في ((الفتح))(٢). قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن الاحتمال الثاني غير ظاهر، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ١٩١/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٠١). (٢) ((الفتح)) ٣٢٤/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٣٠٧٠). ٢٧٧ (٨) - بَابُ جَوَازِ اسْتِبَاعِ الشَّخْصِ غَيْرَهُ إِلَى دَارِ مَنْ يَثِقُ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٠٥) ٧ - (ومنها): بيان ما حصل للنبيّ 18َّ في تلك الواقعة من المعجزات الباهرة، قال النوويّ تَخْتُ: وقد تضمن هذا الحديث عَلَمين من أعلام النبوة: أحدهما: تكثير الطعام القليل، والثاني: عِلْمه ◌َ ر بأن هذا الطعام القليل الذي يكفي في العادة خمسة أنفس، أو نحوهم سيكثر، فيكفي ألفاً، وزيادةً، فدعا له ألفاً قبل أن يَصِل إليه، وقد عَلِم أنه صاع شعير، وبهيمة. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّثُ أوّل الكتاب قال: [٥٣٠٥] (٢٠٤٠) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يَقُولُ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لأُمَّ سُلَيْمٍ: قَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللهِ﴿ِ ضَعِيفاً، أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصاً مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخَذَتْ خِمَاراً لَهَا، فَلَقَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ ثَوْبِي، وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ، قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهِ، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ جَالِساً فِي الْمَسْجِدِ، وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟))، قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: ((أَلِطَعَام؟))، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهـ لِمَنْ مَعَهُ: ((قُومُوا))، قَالَ: فَانْطَلَقَ، وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْم، قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللهِ وَهَ بِالنَّاسِ(٢)، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ، فَقَالَت: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ، حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللهِنَ ◌ّهِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِنَّهِ مَعَهُ، حَتَّى دَخَلَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وٍَّ: ((هَلُمِّي مَا عِنْدَكِ يَا أُمَّ سُلَيْم))، فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ وَهِ، فَقُتَّ، وَعَصَرَتْ عَلَيْهِ أُمُّ سُلَيْمَ عُكَّةً لَهَا، فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِّهِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: ((ائْذَّنْ لِعَشَرَةٍ))، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا، حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ((اقْذَنْ لِعَشَرَةٍ»، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا، حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ((ائْذَنْ (١) ((شرح النوويّ)) ٢١٧/١٣. (٢) وفي نسخة: ((والناسُ)). ٢٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة لِعَشَرَةٍ»، حَتَّى أَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، وَشَبِعُوا، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ رَجُلاً، أَوْ ثَمَانُونَ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْتَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم قبل باب. ٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم قبل بابين. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت١٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٦٧/٣٠. ٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) الصحابيّ الخادم الشهير ظُه، تقدّم في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وهو (٤٠١) من رباعيّات الكتاب، وهو مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك، وفيه رواية الراوي عن عمّه، فأنس عمّ لإسحاق، وفيه مالك بن أنس أحد الأئمة الأربعة، وفيه أنس به أحد المكثرين السبعة روى (٢٢٨٦) حديثاً، وهو أحد المشهورين بخدمة النبيّ ◌َ﴾، خدمه عشر سنين، فنال بركة دعوته المباركة، فطال عمره، وكثر ماله، وأولاده، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة، مات سنة (٢ أو٩٣) وقد جاوز المائة. شرح الحديث: (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاري حفيد أبي طلحة صاحب القصّة، وابن أخي أنس بن مالك، (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ) (يَقُولُ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ) هو: زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاريّ النجّاريّ الصحابيّ المشهور، شهد بدراً وما بعدها، ومات سنة (٣٤هـ)، وقيل غير ذلك، تقدّمت ترجمته في ((الحيض)) ٧/ ٧٢٠. (لأُمَّ سُلَيْم) - بالتصغير - بنت مِلْحان بن خالد الأنصاريّة، والدة أنس، يقال: اسمهاً سهلة، أو رُميلة، أو رُميثة، وقيل غير ذلك، كانت من الصحابيّات الفاضلات، ماتت في خلافة عثمان ﴿ها، تقدّمت ترجمتها في ((الحيض)) ٧١٦/٧. ٢٧٩ (٨) - بَابُ جَوَازِ اسْتُبَاعِ الشَّخْصِ غَيْرَهُ إِلَى دَارِ مَنْ يَثِقُ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٠٥) [تنبيه]: قال في ((الفتح)): وقد اتفقت الطرق على أن هذا الحديث من مسند أنس، وقد وافقه على ذلك أخوه لأمه عبد الله بن أبي طلحة، فرواه مطوّلاً عن أبيه، أخرجه أبو يعلى من طريقه، بإسناد حسن، وأوله: ((عن أبي طلحة قال: دخلت المسجد، فعرفت في وجه رسول الله (مطر الجوع ... )) الحديث، والمراد بالمسجد: الموضع الذي أعدّه النبيّ ◌َّ للصلاة فيه حين محاصرة الأحزاب للمدينة، في غزوة الخندق. انتهى(١). (قَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللهِ وَلِ ضَعِيفاً)؛ أي: من شدّة الجوع، كما قال: (أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ) فيه العمل على القرائن، ووقع في رواية مبارك بن فَضَالة، عن بكر بن عبد الله، وثابت، عن أنس، عند أحمد: ((أن أبا طلحة رأى رسول الله وَلقر طاوياً))، وعند أبي يعلى، من طريق محمد بن سيرين، عن أنس: ((أن أبا طلحة بلغه أنه ليس عند رسول الله وَ ﴿ طعام، فذهب، فأخّر نفسه بصاع من شعير، بعمل بقية يومه ذلك، ثم جاء به ... )) الحديث. وفي رواية عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة - وهو أخو إسحاق، راوي حديث الباب - عن أنس، الآتية عند مسلم، وأبي يعلى، قال: ((رأى أبو طلحة رسول الله وَ﴾ مضطجعاً، يتقلّب ظهراً لبطن)). وفي رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة الآتية عند مسلم أيضاً، عن أنس، قال: ((جئت رسول الله وَل﴿، فوجدته جالساً مع أصحابه، يحدثهم، وقد عَصَب بطنه بعصابة، فسألت بعض أصحابه، فقالوا: من الجوع، فذهبت إلى أبي طلحة، فأخبرته، فدخل على أم سليم، فقال: هل من شيء ... )) الحديث. وفي رواية محمد بن كعب، عن أنس، عند أبي نعيم: ((جاء أبو طلحة إلى أم سليم، فقال: أعندك شيء؟ فإني مررت على رسول الله وَلقوله وهو يقرئ أصحاب الصفّة ((سورة النساء))، وقد ربط على بطنه حجراً من الجوع)). قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أورد الروايات في ((الفتح))، ولم يتكلّم على وجه الجمع فيها، والذي يظهر لي أنه لا تعارض بينها؛ لإمكان حَمْلها على التعدّد، ففي بعضها يظهر فيه هذا المعنى، فإن حديث الباب يوم الخندق، (١) ((الفتح)) ٢٣٦/٨، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٥٧٨). ٢٨٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة وحديث إقرائه وسير أصحاب الصفّة غيره، وحديث أنس في تحديثه وَّ يَحتمل أن يكون قصّة أصحاب الصفّة، فذهب إلى أبي طلحة، فأخبره به، فجاء حتى نظر إليه نفسه، ويَحْتَمل أن تكون واقعة أخرى، والله تعالى أعلم. (فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟)؛ أي: مما يكون طعاماً له وَّرَ، (فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصاً) بفتح الهمزة: جمع قُرص، بضمّ، فسكون، وهو الْخُبْزِ، قال الفيّوميّ: الْقُرْص: معروف، والجمع أقراص، مثلُ قُفْل وأقفال، وقِرَصَةٌ، مثلُ عِنْبَةِ، وقَرَّصتُ العجين بالتثقيل: قطعته قُرْصاً قُرْصاً. انتهى (١). وقال المجد: الْقُرصةُ: الْخُبْزةُ؛ كالقُرْص، جمعه: قِرَصَةٌ، وأَقْراصٌ، وقُرَصٌ. انتهى(٢). (٢) وقوله: (مِنْ شَعِيرٍ) بيان لـ((أقراصاً))، وفي رواية محمد بن سيرين، عن أنس، عند أحمد: ((قالَ: عَمَدَت أم سليم إلى نصف مُدّ من شعير، فطحنته))، وعند البخاريّ من هذا الوجه، ومن غيره عن أنس: ((أن أمه أم سليم عَمَدت إلى مُدّ من شعير جَرَشته، ثم عملته))، وفي رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أنس، عند أحمد، ويأتي أيضاً عند مسلم في الباب: ((أتى أبو طلحة بمُدّ من شعير، فَأَمَر به، فصُنع طعاماً)). قال الحافظ: ولا منافاة بين ذلك؛ لاحتمال أن تكون القصة تعدّدت، وأن بعض الرواة حَفِظ ما لم يحفظ الآخر. قال: ويمكن الجمع بأن يكون الشعير في الأصل كان صاعاً، فأفْرَدَتْ بعضه لعيالهم، وبعضه للنبيّ وَلَّ، ويدلّ على التعدد ما بين العصيدة، والخبز المفتوت الملتوت بالسمن من المغايرة. وقد وقع لأم سليم في شيء صنعته للنبيّ ◌َّه لمّا تزوج زينب بنت جحش قريبٌ من هذه القصة، من تكثير الطعام، وإدخال عشرة عشرة، كما تقدّم في مكانه من «كتاب النكاح)) [٣٥٠٧/١٦]. ووقع عند أحمد في رواية ابن سيرين، عن أنس: ((عَمَدت أم سليم إلى (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٩٧. (٢) ((القاموس المحيط)) ص١٠٤٤.