النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ (٧) - بَابُ مَا يَفْعَلُ الضَّيْفُ إِذَا تَبِعَهُ غَيْرُ مَنْ دَعَاهُ صَاحِبُ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٠٠) (٥١١٨) - حدّثنا محمد بن يوسف، حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن أبي مسعود الأنصاريّ، قال: كان من الأنصار رجل يقال له: أبو شعيب، وكان له غلام لَحّام، فقال: اصنع لي طعاماً أدعو رسول الله اليهود خامس خمسة، فدعا رسولَ الله ◌َ* خامس خمسة، فتبعهم رجل، فقال النبيّ وَليقول: ((إنك دعوتنا خامس خمسة، وهذا رجل قد تبعنا، فإن شئت أذنت له، وإن شئت تركته))، قال: بل أذنت له. قال محمد بن يوسف: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: إذا كان القوم على المائدة، ليس لهم أن يناولوا من مائدة إلى مائدة أخرى، ولكن يناول بعضهم بعضاً في تلك المائدة، أو يَدَعُوا. انتهى (١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتَّصل إلى المؤلّف تَخْذُّ أوّل الكتاب قال: [٥٣٠٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّابِ، حَدَّثَنَا عَمَّارٌ - وَهْوَ: ابْنُ رُزَيْقٍ - عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أبي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ (ح) وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِّ ◌ِه، وَعَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ). رجال الإسنادين: أحد عشر: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ) هو: محمد بن عمرو بن عبّاد بن جَبَلَة بن أبي رَوّاد الْعَتَكيّ، أبو جعفر البصريّ، صدوقٌ [١١] (ت٢٣٤) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ٣٤٨/٦٣. ٢ - (أَبُو الْجَوَّابِ) أحوص بن جوّاب الضبيّ الكوفيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت٢١١) (م د ت س) تقدم في ((الإيمان) ٣٤٨/٦٣. ٣ - (عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ) الضبيّ، أو التميميّ، أبو الأحوص الكوفيّ، ثقة [٧](٢) (ت١٥٩) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٤٨/٦٣. (١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٠٧١/٥. (٢) في ((التقريب)): ((لا بأس به من الثامنة)). والظاهر أنه ثقةٌ، فقد وثّقه الأئمة، وأنه= ٢٤٢ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة ٤ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسمعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار [١١] مات سنة بضع و(١٤٠) (م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٠. ٥ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين، نُسب لجدّه الحرّاني، أبو عليّ، صدوقٌ [٩] (ت٢١٠) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤. ٦ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج، أبو خيثمة الجعفيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً . والباقون ذُكروا في الباب وقبله، و((أبو سفيان)) هو: طلحة بن نافع الإسكاف. وقوله: (وَعَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ... إلخ) هذا من كلام زهير بن معاوية، فهو يروي هذا الحديث عن الأعمش بطريقين: طريق شقيق بن سلمة، عن أبي مسعود عن النبيّ ◌َّ، وطريق أبي سفيان طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد الله رضيًّا، عن النبيّ وَّر، فالحديث محفوظ بالطريقين جميعاً، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية عمّار بن رُزيق عن الأعمش ساقها الإمام أحمد تَظُّ في (مسنده))، بلفظ: ((سادس ستّة))، والمشهور: ((خامس خمسة))، فقال: (١٤٨٤٣) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، حدّثنا أبو الْجَوّاب، حدّثنا عمّار بن رُزيق، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: كان رجل من الأنصار، يقال له: أبو شعيب، وكان له غلام لَحّام، فقال له: اجعل لنا طعاماً، لعلي أدعو رسول الله وسل* سادس ستة، فدعاهم، فاتَّبعهم رجل، فقال له رسول الله وسلم: ((إن هذا قد اتّبعنا، أفتأذن له؟)) قال: نعم. انتهى(١). ورواية زهير بن معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن أبي مسعود ساقها الطبرانيّ ◌َُّهُ في ((المعجم الكبير))، فقال: = من السابعة، كما يظهر من النظر في شيوخه، والرواة عنه، فتأمل، والله تعالى أعلم. (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٥٣/٣. ٢٤٣ (٧) - بَابُ مَا يَفْعَلُ الضَّيْفُ إِذَا تَبِعَهُ غَيْرُ مَنْ دَعَاهُ صَاحِبُ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٠١) (٥٢٧) - حدّثنا محمد بن عمرو بن خالد، ثنا أبي، زهير بن معاوية(١)، عن سليمان الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن عقبة بن عمرو، قال: كان لأبي شعيب غلام لَحّام، فلما رأى ما برسول الله ◌َ﴿ وأصحابه من الجَهد أمر غلامه أن يأتي بلحم، يكفي خمسة، فأرسل إلى رسول الله و لو أن ائتنا خامس خمسة، فخرج رسول الله ﴿﴿ خامس خمسة، وتبعهم رجل سادس، فلما انتهى إلى باب أبي شعيب قال: ((إنك أرسلت إلى خمسة، وإن هذا قد تبعنا، فإن أذنت له دخل، وإلا رجع))، فقال: لا، بل قد أذنت له، فليأكل. (٢) انتھی . ورواية زهير، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر ساقها الإمام أحمد تَخْلُ في ((مسنده))، فقال: (١٥٣٠٢) - حدثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا أحمد بن عبد الملك، ثنا زهير، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: كان لأبي شعيب غلام لحام، فلما رأى ما برسول الله وَلقول من الجهد أمر غلامه أن يجعل له طعاماً يكفي خمسة، فأرسل إلى رسول الله ( * أن ائتنا خامس خمسة، فقام رسول الله ﴿ ﴿، واتبعه رجل، فلما انتهيا إلى بابه قال: ((إنك أرسلت إليّ أن آتيك خامس خمسة، وإن هذا قد اتبعنا، فإن أذنت له دخل، وإلا رجع))، قال: فإني قد أذنت له يا رسول الله، فدخل. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتَّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٣٠١] (٢٠٣٧) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ جَاراً لِرَسُولِ اللهِ نَّهِ فَارِسِيّاً، كَانَ طَيِّبَ الْمَرَقِ، فَصَنَعَ لِرَسُولِ اللهِ بِّهِ، ثُمَّ جَاءَ يَدْعُوهُ، فَقَالَ: ((وَهَذِهِ؟» لِعَائِشَةَ، فَقَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((لَ)) فَعَادَ يَدْعُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: (١) هكذا النسخة، وهو غلطٌ بلا شكّ، سقط منه لفظة ((عن))، أو ((حدّثنا))، والأصل: عن زهير بن معاوية، أو: حدّثنا زهير بن معاوية، فتأمله بالإمعان، والله أعلم. (٢) ((المعجم الكبير)) ١٧/ ١٩٧. (٣) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٩٦/٣. ٢٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة ((وَهَذِهِ؟))، قَالَ: لَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لَا))، ثُمَّ عَادَ يَدْعُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّتِ: (وَهَذِهِ؟))، قَالَ: نَعَمْ فِي الثَّالِئَةِ، فَقَامَا يَتَدَافَعَانِ، حَتَّى أَتَيَا مَنْزِلَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في ((المقدمة) ٤٥/٦. والباقون ذُكروا في الباب الماضي. شرح الحديث: (أَنَّ جَاراً) قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرفه، ولا أعرف (عَنْ أَنَسٍ) في الصحابة فارسيّاً إلا سلمان رَظُه. انتهى(١). (لِرَسُولِ اللهِ وَلِّ فَارِسِيّاً)؛ أي: منسوباً إلى البلد المسمّى بفارس، قال ابن منظور: وفارس بلد ذو جيل، والنسبة إليه فارسيّ، والجمع فُرْس، قال ابن مقبل: طَافَتْ بِهِ الْفُرْسُ حَتَّى بَدَّ نَاهِضُهَا(٢) (كَانَ طَيِّبَ الْمَرَقِ) بفتحتين، قال ابن منظور: الْمَرَق: الذي يؤْتَدَم به، معروفٌ، واحدته مرقةٌ، والمرقة أخصّ منه. انتهى. (فَصَنَعَ لِرَسُولِ اللهِ وََّ)؛ يعني: صنع له طعاماً، (ثُمَّ جَاءَ يَدْعُوهُ)؛ أي: يدعو النبيّ ◌َّ إلى طعامه الذي صنعه له، (فَقَالَ: ((وَهَذِهِ؟))) يحتمل أن يكون كلاماً استفهاميّاً؛ أي: أتدعو هذه معي؟ أو أمراً منه و ﴿ أن يدعوها؛ أي: ادعها معي، وسياق المصنّف يقتضي أنه رَله صرّح بذلك بالقول، ولكن وقع عند النسائيّ أنه بالإشارة، ولفظه: ((كان لرسول الله وَ﴿ جار فارسيّ طيّبُ المرقة، فأتى رسول الله وَّ ذات يوم، وعنده عائشة؛ فأومأ إليه بيده أن تَعَالَ، وأومأ رسول الله بَله إلى عائشة؛ أي: وهذه، فأومأ إليه الآخر هكذا بيده أن لا مرّتين أو ثلاثاً))، ويمكن الجمع بأنه جَمَع بين الإشارة والقول الصريح، ولا مانع من ذلك، والله تعالى أعلم. واللام في قوله: (لِعَائِشَةَ) قيل: هي بمعنى ((عن))، وقيل: هي لام التعليل، وقيل: لام التبليغ، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَتْ أُخْرَهُمْ لِأُولَئُهُمْ رَبََّ هَؤُلَاءِ (١) «تنبيه المعلم)) ص ٣٥٠. (٢) (لسان العرب)) ١٦٣/٦. ٢٤٥ (٧) - بَابُ مَا يَفْعَلُ الضَّيْفُ إِذَا تَبِعَهُ غَيْرُ مَنْ دَعَاهُ صَاحِبُ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٠١) أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف: ٣٨]، وقوله: ﴿وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيّ أَعْيُئُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ [هود: ٣١]، وقول الشاعر [من الكامل]: كَضَرَائِرِ الْحَسْنَاءِ قُلْنَ لِوَجْهِهَا حَسَداً وَبُغْضاً إِنَّهُ لَدَمِيمُ(١) (فَقَالَ) الفارسيّ (لَا)؛ أي: لا أدعوها معك، بل الدعوة قاصرة عليك. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ ((لَا)))؛ أي: لا أُجيبك لدعوتك إلا أن تدعوها معي. (فَعَادَ)؛ أي: رجع الفارسيّ من بيته إلى النبيّ وَّهِ مرّةً ثانية، حال كونه (يَدْعُوهُ) إلى ما صنعه له من الطعام، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ) مرّةً أخرى ((وَهَذِهِ))؛ يعني: عائشة ◌َ﴿ّا (قَالَ) الفارسيّ (لَا) أدعوها معك، (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ الَ: ((لَا))) أجيب دعوتك، (ثُمَّ عَادَ)؛ أي: رجع الفارسيّ مرّةً ثالثة (يَدْعُوهُ) وَِّ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((وَهَذِهِ؟))، قَالَ) الفارسيّ (نَعَمْ) أدعوها معك، (فِي) المرّة (الثَّالِثَةِ، فَقَامًا)؛ أي: قام النبيّ وَّهِ، وعائشة ◌َّا إلى بيت الفارسيّ (يَتَدَافَعَانِ)؛ أي: يمشي كلّ واحد منهما إثر صاحبه، (حَتَّى أَتَيَا مَنْزِلَهُ)؛ أي: بيت الفارسيّ. وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((فقاما يتدافعان)): معناه: يمشي كل واحد منهما في إثر صاحبه، قالوا: ولعل الفارسيّ إنما لم يَدْع عائشة ◌َّا أوّلاً؛ لكون الطعام كان قليلاً، فأراد توفيره على رسول الله وله . وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: وامتناع الفارسيّ من الإذن لعائشة ﴿يَا أَولى ما قيل فيه: إنه إنَّما كان صَنَع من الطعام ما يكفي النبيّ وَّرِ وحده؛ للذي رأى عليه من الجوع، فكأنه رأى أن مشاركة النبيّ ◌َّ في ذلك يُجحف بالنبيّ أَ وامتناع النبيّ ◌َّر من إجابة الفارسيّ عند امتناعه من إذن عائشة ◌ّا إنما كان - والله أعلم - لأن عائشة ◌ّا كان بها من الجوع مثل الذي كان بالنبيّ وَلآ، فكره النبيّ ◌َ﴿ أن يستأثر عليها بالأكل دونها، وهذا تقتضيه مكارم الأخلاق، وخصوصاً مع أهل بيت الرجل، ولذلك قال بعض الشعراء (٢): (١) راجع: ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ٤١٩/١ - ٤٢٠. (٢) هو: بشر بن المغيرة بن المهلّب بن أبي صفرة، وهو عَجُز بيت من الطويل، وصَدْره: وَكُلُّهُمُ قَدْ نَالَ شِبْعاً لِبَظْنِهِ ٢٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة وَشِبْعُ الْفَتَى لُؤمِّ إِذَا جَاعَ صَاحِبُهْ وقد نبَّه مالك تَخْتُ على هذا المعنى حين سُئل عن الرجل يدعو الرجل يُكرمه، قال: إذا أراد فليبعث بذلك إليه يأكله مع أهله. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى) حديث أنس به هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣٠١/٧] (٢٠٣٧)، و(النسائيّ) في ((الطلاق)) (١٥٨/٦) و((الكبرى)) (٥٦٢٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٢٣/٣ و٢٧٢)، و(الدارمي) في ((سننه)) (٢٠٦٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٧٢/٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): جواز أكل المرق، والطيّبات، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَاَلِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ الآية [الأعراف: ٣٢]. قال القرطبيّ تَخْلَلهُ: فيه دليل على جواز تطييب الأطعمة، والاعتناء بها، ولا خلاف في جواز ذلك بين الأئمة. انتهى (٢). ٢ - (ومنها): أن في امتناع النبيّ وَّل من إجابة دعوة الفارسيّ، إلا أن يأذن لعائشة ﴿ٌّا دليلٌ على أنه لا تجب إجابة الدعوة في مثل ذلك؛ فيكون من مسقطات وجوب إجابة الدعوة، قال النووي تَخَّلُ ما معناه: هذا محمول على أنه كان هناك عذرٌ يمنع وجوب إجابة الدعوة، فكان النبيّ وَل﴿ مخيّراً بين إجابته، وتَرْكها، فاختار أحد الجائزين، وهو تَرْكها، إلا أن يأذن لعائشة پتا؛ لِمَا كان بها من الجوع، أو نحوه، فكره وَلّ الاختصاص بالطعام دونها، وهذا من جميل المعاشرة، وحقوق المصاحبة، وآداب المجالسة، فلمّا أَذِن لها اختار النبيّ وَّ الجائز الآخر؛ لتجدّد المصلحة، وهو حصول ما كان يريده، من (١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٠٣/٥ - ٣٠٤. (٢) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٠٣/٥ - ٣٠٤. ٢٤٧ (٧) - بَابُ مَا يَفْعَلُ الضَّيْفُ إِذَا تَبِعَهُ غَيْرُ مَنْ دَعَاهُ صَاحِبُ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٠١) إكرام جليسه، وإيفاء حقّ معاشره، ومواساته فيما يحصل. انتهى كلام النوويّ نَاتُهُ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في قوله: ((على أنه كان هناك عذر يمنع ... إلخ)) نظر؛ إذ الظاهر من سياق الحديث أن المانع من الإجابة هو عدم سماح الفارسيّ لعائشة ◌ّ في مصاحبته ◌َ﴿ في أكل الطعام، لا أمر آخر، فيُستفاد منه أن المدعوّ إذا كانت زوجته، أو من عليه نفقته محتاجين إلى الطعام، فله أن يمتنع من الإجابة، إلا أن يؤذَن لهم، فيكون هذا عذراً من الأعذار التي تُسقط وجوب إجابة الدعوة. وقال في ((الفتح)): وأما ما أخرجه مسلم من حديث أنس ◌َ به ((أن فارسيّاً كان طيب المرق صنع للنبيّ وَ طعاماً ... إلخ))، فيجاب عنه بأن الدعوة لم تكن لوليمة، وإنما صنع الفارسيّ طعاماً بقدر ما يكفي الواحد، فخشي إن أذن لعائشة أن لا يكفي النبيّ وَله، ويَحْتَمِل أن يكون الفرق أن عائشة ها كانت حاضرة عند الدعوة، بخلاف الرجل في قصّة أبي شعيب، وأيضاً فالمستحب للداعي أن يدعو خواصّ المدعوّ معه، كما فعل اللحّام بخلاف الفارسيّ، فلذلك امتنع ◌َ﴿ من الإجابة إلا أن يدعوها، أو عَلِم حاجة عائشة لذلك الطعام بعينه، أو أحب أن تأكل معه منه؛ لأنه كان موصوفاً بالجودة، ولم يعلم مثله في قصة اللحّام. انتهى(١). ٣ - (ومنها): أن النسائيّ كَّلُ استنبط من هذا الحديث وقوع الطلاق بالإشارة المفهومة، ووجه الاستدلال بالحديث أن الإشارة المفهومة تُستعمل في المقاصد؛ لأن الفارسيّ دعا النبيّ وَّ ه للطعام بالإشارة، ففهمها بَّ، وبنى على ذلك، أنْ طَلَب منه الإذن لعائشة ◌َّ، وراجعه في ذلك حتى أَذِن لها، فمضيا إلى بيته بناء على ذلك، فدلّ على أن الإشارة تقوم مقام العبارة إذا كانت مفهومة . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاستدلال لا يتمّ على رواية مسلم؛ لأنها بالقول الصريح، لا بالإشارة، وإنما يتمّ على رواية النسائيّ؛ لأنها بالإشارة، (١) ((الفتح)) ٣٥٤/١٢، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٤٣٤). ٢٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة كما أسلفته قريباً، والظاهر أنه جَمَع بينهما، فلا يتمّ الاستدلال المذكور، والله تعالى أعلم بالصواب. (٨) - (بَابُ جَوَازِ اسْتِتْبَاعِ الشَّخْصِ غَيْرَهُ إِلَى دَارٍ مَنْ يَثِقُ بِرِضَاهُ بِذَلِكَ، وَيَتَحَقَّقُهُ تَحَقُّقاً تَمَّاً، وَاسْتِحْبَابِ الإِجْتِمَاعِ عَلَى الطَّعَامِ) وبالسند المتَّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٣٠٢] (٢٠٣٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَِّ ذَاتَ يَوْم، أَوْ لَيْلَةٍ، فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بِّكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ: ((مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَّةَ؟))، قَالَا: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((وَأَنَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَخْرَ جَنِي الَّذِي أَخْرَ جَكُمَا، قُومُوا))، فَقَامُوا مَعَهُ(١)، فَأَتَى رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ: مَرْحَباً، وَأَهْلاً، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَيْنَ فُلَانٌ؟))، قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ، إِذْ جَاءَ الأَنْصَارِيُّ، فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِهِ وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافاً مِنِّي، قَالَ: فَانْطَلَقَ، فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ، وَتَمْرٌ، وَرُطَبٌ، فَقَالَ: كُلُوا مِنْ هَذِهِ، وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِيََّكَ وَالْحَلُونَ))، فَذَبَحَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا مِنَ الشَّةِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ، وَشَرِبُوا، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا، وَرَوُوا، قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا الَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ) بن صاعد الأشجعيّ مولاهم، أبو أحمد الكوفيّ، (١) وفي نسخة: ((قوما، فقاما معه)). ٢٤٩ (٨) - بَابُ جَوَازِ اسْتِتُبَاعِ الشَّخْصِ غَيْرَهُ إِلَى دَارِ مَنْ يَثِقُ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٠٢) نزيل واسط، ثم بغداد، صدوقٌ اختلط في آخره، وادّعى أنه رأى عمرو بن حُريث الصحابيّ، فأنكر عليه ذلك ابن عيينة، وأحمد [٨] (ت١٨١) على الصحيح (بخ م ٤) تقدم في «الطهارة)) ١٣ / ٥٩٢. ٣ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) اليشكريّ، أبو إسماعيل، أو أبو منين الكوفيّ، صدوقٌ يُخطىء [٦] (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤٢. ٤ - (أَبُو حَازِم) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات على رأس المائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤٢. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َُّبه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وأنه مسلسل بالكوفيين غير الصحابيّ فمدنيّ، وهو رأس المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهَ أنه (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِنَّهِ ذَاتَ يَوْمٍ، أَوْ لَيْلَةٍ) ((أو)) هنا للشكّ من الراوي، (فَإِذَا) هي ((إذا)) الفجائيّة، (هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ) الصدّيق ◌َظُه، (وَعُمَرَ) الفاروق ◌َظ له؛ يعني: أنه فاجأ خروجه ◌َل﴿ لقاء هذين الصحابيين ﴿ه، (فَقَالَ) وَّ ((مَا) استفهاميّة؛ أي: أيُّ شيء (أَخْرَ جَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا) بضمّ الباء، وكسرها، لغتان فصيحتان قُرىء بهما في السبع(١). (هَذِهِ السَّاعَةَ؟») الظاهر أن تلك الساعة لا يخرج من بيته عادة من كان مثلهما إلا للضرورة، ولهذا قال لهما * مستغرباً ذلك: ((ما أخرجكما ... إلخ))، وقد أشار إلى هذا في رواية الترمذيّ، ولفظه: ((قال: خرج النبيّ وَ﴿ في ساعة لا يَخرُج فيها، ولا يلقاه فيها أحدٌ ... )) الحديث، وجاء في بعض الروايات أن ذلك كان وقت الظهيرة(٢)، والله تعالى أعلم. (١) ((شرح النوويّ)) ٢١٢/١٣. (٢) راجع: ((الرياض النضرة)) ٣٣٩/١، ولفظه: ((خرج علينا رسول الله و لهم يوماً عند الظهيرة، فرأى أبا بكر جالساً في المسجد، فقال: ما أخرجك يا أبا بكر هذه الساعة ... )) الحديث. ٢٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة (قَالَا: الْجُوعُ) فاعل لفعل مقدَّر دلّ عليه السؤال؛ أي: أخرجنا الجوع (يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) بَر ((وَأَنَا) بالواو، وفي بعض النسخ: ((فأنا)) بالفاء، (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) فيه الحَلِف من غير استحلاف، (الأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَ جَكُمَا)؛ أي: وهو الجوع. قال النوويّ ◌َّتُهُ: وأما قولهما ضيّ: ((أخرجنا الجوع))، وقوله وَله: ((وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما)): فمعناه: أنهما لِمَا كانا عليه من مراقبة الله تعالى، ولزوم طاعته، والاشتغال به، فعَرَض لهما هذا الجوع الذي يُزعجهما، ويُقلقهما، ويمنعهما من كمال النشاط للعبادة، وتمام التلذذ بها، سَعَيَا في إزالته بالخروج في طلب سبب مباح، يدفعانه به، وهذا من أكمل الطاعات، وأبلغ أنواع المراقبات، وقد نُهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين، وبحضرة طعام، تتوق النفس إليه، وفي ثوب له أعلام، وبحضرة المتحدثين، وغير ذلك، مما يَشْغَل قلبه، ونُهي القاضي عن القضاء في حال غضبه، وجوعه، وهمّه، وشدة فرحه، وغير ذلك، مما يَشغَل قلبه، ويمنعه كمال الفكر، والله أعلم. انتهى(١). ثم قال لهما: (قُومُوا))) أمرٌ بالقيام لطلب العيش عند الحاجة، (فَقَامُوا مَعَهُ) قال الطيبيّ كَُّهُ: هكذا هو في الأصول بضمير الجمع، وهو جائز، فمن قال: إن أقل الجمع اثنان فظاهرٌ، ومن قال: إن أقله ثلاثة فمجاز. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم غير مرّة أن المذهب الصحيح أن أقل الجمع اثنان؛ الأدلّة كثيرة، قد أوضحتها في ((التحفة المرضيّة))، و((شرحها)) في الأصول، فراجعها، وبالله تعالى التوفيق. ووقع في بعض النسخ بلفظ: ((قوما، فقاما معه))، وهو ظاهر، والله تعالى أعلم. (فَأَتَّى) وَّهِ (رَجُلاً)؛ أي: بيت رجل، أو قَصَده، (مِنَ الأَنْصَارِ) قال الطيبيّ ◌َخْتُهُ: إفراد الضمير، وإسناده إلى النبيّ وَّل بعد قوله: ((قوموا، فقاموا)) (١) ((شرح النوويّ)) ٢١٢/١٣. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٨٦٧/٩. ٢٥١ (٨) - بَابُ جَوَازِ اسْتِتُبَاعِ الشَّخْصِ غَيْرَهُ إِلَى دَارِ مَنْ يَثِقُ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٠٢) إيذان بأنه ** هو المطاع، وأنهما كانا مطيعين، منقادين، كمن لا اختيار له. قال النوويّ كَّلُهُ: الرجل الأنصاريّ هو أبو الهيثم مالك بن التّيِّهان - بفتح التاء، وكسر المثنّاة تحتُ، وتشديدها(١). وقال في ((الإصابة)): أبو الهيثم بن التَّيِّهان - بفتح المثناة الفوقانية، مع كسر الياء - ابن مالك بن عَتيك بن عمرو بن عبد الأعلم بن عامر بن زعوراء الأنصاريّ الأوسيّ، وزعوراء أخو عبد الأشهل، ويقال: التَّيِّهان لقب، واسمه مالك، وهو مشهور بكنيته، وقد وقع في ((مصنف عبد الرزاق)) أن اسمه عبد الله، قال ابن إسحاق فيمن شهد بدراً: أبو الهيثم، واسمه مالك، وأخوه عَتيك ابنا التَّيِّهان، وقال في بيعة العقبة: وكان نقيبَ بني عبد الأشهل أُسيدُ بنُ حُضير وأبو الهيثم بن التّهان، وقال ابن السكن: ذكر ابن إسحاق أن أبا الهيثم مِن بَلِيّ، من بني عمرو بن الحاف بن قُضاعة، حالف بني عبد الأشهل، وآخى النبيّ وَّه بينه وبين عثمان بن مظعون، وشهد المشاهد كلها، وكذا قال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، فيمن شهد بدراً، والعقبة: وكان أول من بايع. ثم ذكر الاختلاف في وفاته، ثم قال: وكأن الأصوب قول من قال: سنة عشرين، أو إحدى وعشرين، قال: وقال: القول بأنه مات سنة عشرين نقله ابن أبي خيثمة، عن صالح بن كيسان، عن الزهريّ. وأنشده أبو الربيع بن سالم الكلاعيّ لأبي الهيثم في النبيّ وَّه بمرثية يقول فيها : لَقَدْ جُدِعَتْ آذَانُنَا وَأُنُوفُنَا غَدَاةَ فُجِعْنَا بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ(٢) وقال صاحب ((التنبيه)): قوله: ((فأتى رجلاً من الأنصار)) هو أبو الهيثم بن التَّيِّهان الأنصاريّ، واسم أبي الهيثم: مالك، وقيل: هو أبو أيوب الأنصاريّ. (٣) انتھی(٣). وقال الزرقانيّ كَخُّ: وفي رواية الترمذيّ: ((فانطلقوا إلى منزل أبي (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٨٦٧/٩. (٢) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٧/ ٤٥٠ - ٤٥١. (٣) «تنبيه المعلم)) ص ٣٥٠. ٢٥٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة الهيثم بن التيّهان الأنصاريّ، وكان رجلاً كثير النخل والشياه، ولم يكن له خَدَمٌ))، وكذا عند البزار، وأبي يعلى، والطبرانيّ عن ابن عباس، وللطبراني أيضاً: عن ابن عمر، أنه أبو الهيثم، وللطبراني أيضاً، وابن حبان، عن ابن عباس أنه أبو أيوب، والظاهر أن القصة اتَّفَقت مرّةً مع أبي الهيثم، كما صَرّح به في أكثر الروايات، ومرّةً مع أبي أيوب، قاله المنذريّ. قال: وذهابهم إليه لا ينافي كمال شَرَفهم، فقد استَطْعَم قبلهم موسى والخضر لإرادة الله سبحانه بتسلية الخلق بهم، وأن يستن بهم السنن، ففعلوا ذلك تشريعاً للأمة. وهل خَرَج قاصداً من أول خروجه إنساناً معيناً، أو جاء التعيين بالاتفاق؟ احتمالان، قال بعضهم: الأصح أن أول خاطر حرّكه للخروج لم يكن إلى جهة معينة؛ لأن الكُمّل لا يعتمدون إلا على الله. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((الكمّل ... إلخ)) فيه نظر لا يخفى، فإن هذا ليس من الاعتماد على غير الله تعالى، بل هو من باب الأخذ بالأسباب، فتنبّه، ولا تغترّ به، والله تعالى أعلم. (فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ) ((إذا)) هي الفجائيّة أيضاً؛ أي: ففاجأهم عدم وجود أبي الهيثم في بيته؛ كقوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الروم: ٤٨]. (فَلَمَّا رَأَنْهُ الْمَرْأَةُ) قال صاحب ((التنبيه)): إن كان أبا الهيثم فامرأته لا أعرفها، وإن كان أبا أيوب، فامرأته هي أم أيوب، وهي بنت قيس بن عمرو بن امرىء القيس من الخزرج، ولا أعرف اسمها، ولعلّ اسمها كنيتها. انتهى (٢). (قَالَتْ: مَرْحَباً، وَأَهْلاً) قال النوويّ تَظْلُ: كلمتان معروفتان للعرب، ومعناهما: صادفت رَحْباً، وسعةً، وأهلاً تأنس بهم. انتهى(٣). وقال ابن منظور كَّلُ: وقولهم: مَرْحَباً وأهلاً؛ أي: أتيت سعةً، وأتيت أهلاً، فاستأنِس، ولا تستوحش، قال: وقيل: معنى مَرْحَباً: أتيت، أو لقيت رُحْباً وسعةً، لا ضِيقاً، وكذلك إذا قال: سهلاً، أراد: نزلت بلداً سهلاً، (١) ((شرح الزرقاني)) ٣٩٦/٤. (٣) ((شرح النوويّ)) ٢١٢/١٣. (٢) (تنبيه المعلم)) ص٣٥١. ٢٥٣ (٨) - بَابُ جَوَازِ اسْتِبَاعِ الشَّخْصِ غَيْرَهُ إِلَى دَارِ مَنْ يَثِقُ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٠٢) لا حَزْناً غَلِيظاً. انتهى باختصار(١). (فَقَالَ لَهَا)؛ أي: للمرأة (رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((أَيْنَ فُلَانٌ؟))) يريد: زوجها، (قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ)؛ أي: يأتينا بماء عذب طيّب؛ لأن ماء المدينة أكثره مالح، قال الطيبيّ تَخُّْ: و((من)) إما بيانيّة، أو تبعيضيّة. انتهى (٢). (إِذْ جَاءَ الأَنْصَارِيُّ) أبو الهيثم ◌َظُه (فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَصَاحِبَيْهِ) أبي بكر وعمر ﴿هَا، (ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ) على ما أنعم به عليّ من نزول رسول الله وِّهه وصاحبيه في بيتي، (مَا) نافية، (أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافاً مِنِّي)؛ لأنه لا يوجد على الإطلاق أكرم وأشرف على الله تعالى من رسول الله وَلفيه، ومن صاحبيه بعد النبيين، وقال القرطبيّ كَُّهُ: هذا قولٌ صدقٌ، ومقالٌ حقٌّ؛ إذ لم تُقِلّ الأرض، ولا أظلَّت السَّماء في ذلك الوقت - أي: ولا في وقت من الأوقات على الإطلاق - أفضل من أضيافه؛ فإنَّهم: محمد رسول الله وَّته، وخليفتاه: أبو بكر، وعمر، ولمّا تحقق الرجل عظيم هذه النعمة قابلها بغاية مقدور الشكر، فقال: الحمد لله. انتهى(٣). (قَالَ) أبو هريرة: (فَانْطَلَقَ) أبو الهيثم (فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ) بكسر العين، وهي الكِباسة، وهي الغصن من النخل، وإنما أتى بهذا العذق الملَوَّن؛ ليكون أطرف، وليجمعوا بين أكل الأنواع، فقد يطيب لبعضهم هذا، ولبعضهم هذا، قاله النوويّ تَخْذُهُ(٤) . وقال الفيّوميّ كَلَتُهُ: العِذْقُ: الكِباسة، وهو جامع الشماريخ، والجمع: أَعْذَاقٌ، مثل حِمْل وأَحَمْاَل، والعَذْقُ، مثالُ فَلْس: النخلة نفسها، ويُطلق العَذْقُ على أنواع من التمر، ومنه عَذْقُ ابن الْحُبَيق، وعَذْق ابن طاب، وعَذْق ابن زيد، قاله أبو حاتم. انتهى(٥). وقال القرطبيّ تَخْتُ: و((العِذق)) - بكسر العين -: الكِباسة، وهي: (١) ((لسان العرب)) ٤١٤/١. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٨٦٨/٩. (٣) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٠٦/٥. (٤) ((شرح النوويّ)) ٢١٢/١٣. (٥) ((المصباح المنير)) ٣٩٩/٢. ٢٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة العرجون، و((العَذْق)) - بفتح العين -: النخلة، وإنما قدَّم لهم هذا العرجون؛ لأنَّه الذي تيسَّر له بغير كلفة، لا سيما مع تحققه حاجتهم، ولأن فيه ألواناً من التمر، والبسر، والرطب، ولأن الابتداء بما يتفكه به من الحلاوة أولى من حيث إنه أقوى للمعدة؛ لأنَّه أسرع هَضْماً. انتهى (١). (فِيهِ بُسْرٌ) بضمّ، فسكون. قال ابن فارس: الْبُسْر من كلّ شيء: الْغَضّ، ونَباتٌ بُسْرٌ؛ أي: طريّ. انتهى(٢)، وقال المجد كَذَتُهُ: الْبُسْر: التمرُ قبل إرطابه، واحدته بُسرة، وتُضمّ الميم. انتهى(٣) . (وَتَمْر) قال الفيّوميّ ◌َّتُهُ: ((التمر)): من ثمر النخل؛ كالزبيب من العنب، وهو اليابس بإجماع أهل اللغة؛ لأنه يُترك على النخل بعد إرطابه حتى يجفّ، أو يقارب، ثم يُقطع، ويُترك في الشمس حتى يَيْبَس، قال أبو حاتم: وربما جُدّت النخلة، وهي باسرة بعدما أَخَلّت؛ ليُخَفَّف عنها، أو لخوف السرقة، فتُترك حتى تكون تمراً، الواحدة: تَمْرَةٌ، والجمع: تُمُورٌ، وتُمْرَانٌ بالضمّ. (٤) انتھی (وَرُطَبٌ) بضمّ، ففتح، بوزن صُرَد: نَضِيجِ الْبُسْر، واحدته بِهاء، قاله المجد أخذته (٥) ٠ وقال الفيّوميّ تَخْذَتُهُ: الرُّطَبُ: ثمر النخل إذا أَدْرك، ونَضَج قبل أن يتتمر، الواحدة رُطَبَةٌ، والجمع أَرْطَابٌ، وأَرْطَبَتِ البسرة إِرْطَاباً: بدا فيها التَّرْطِيبُ، والرُّطَبُ نوعان: أَحَدُهُمَا: لا يتتمّر، وإذا تأخر أَكْله تسارع إليه الفساد، والثَّانِي: يتمّر، ويصير عجوةً، وثمراً يابساً. انتهى(٦). (فَقَالَ) الأنصاريّ للنبيّ ◌ِنَّهِ، وصاحبيه ﴿ه (كُلُوا مِنْ هَذِهِ) البسر، والتمر، والرطب، (وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ) بضمّ الميم، وكسرها، وسكون الدال: هي السكّين، وتقدّم بيانها مرّات. (١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٠٦/٥. (٢) ((المصباح المنير)) ٤٨/١. (٣) ((القاموس المحيط)) ص١٠٦. (٤) ((المصباح المنير)) ٧٦/١ - ٧٧. (٦) ((المصباح المنير)) ٢٣٠/١. (٥) ((القاموس المحيط)) ص ٥١٣. ٢٥٥ (٨) - بَابُ جَوَازِ اسْتِبَاعِ الشَّخْصِ غَيْرَهُ إِلَى دَارِ مَنْ يَثِقُ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٠٢) وقال الفيّوميّ: الْمُدْيةُ: الشَّفْرة، والجمع: مُدَى، ومُدْياتٌ، مثلُ غُرْفة، وغُرَف، وغُرُفات بالسكون، والفتح، وبنو قُشير تقول: مِدْيةٌ بكسر الميم، والجمع مِدِى بالكسر، مثلُ سِدْرة وسِدَر، قاله الفيّوميّ(١). (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِيََّكَ وَالْحَلُوبَ)))؛ أي: احذر ذبح الحلوب؛ أي: ذات اللَّبَن، وهو فعولٌ بمعنى مفعول، کرَكُوب، ونظائره، وقال ابن الأثير ◌َّهُ: ((إيّاك والحلوبَ))؛ أي: ذات اللبن، يقال: ناقة حَلُوب؛ أي: هي مما يُخْلَب، وقيل: الحلوب، والحلوبة سواء، وقيل: الحلوب: الاسم، والحلوبة: الصفة، وقيل: الواحدة، والجماعة. انتهى(٢). وقال القرطبيّ كَّلهُ: ((الحلوب)) - بفتح الحاء -: الشاة التي تُحلَب لبناً كثيراً، إنَّما نهاه عنها؛ لأنَّ ذَبْحها تضييعٌ لِلَبَنها، مع أن غير ذات اللبن تتنزل منزلتها عند الضيف، ويحصل بها المقصود. انتهى(٣). (فَذَبَحَ لَهُمْ) وفي رواية الترمذيّ: ((فذبح لهم عَنَاقاً، أو جَدْياً))، (فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ، وَشَرِبُوا) من ذلك الماء العذب الذي أتى به أبو الهيثم. (فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا، وَرَوُوا) بضمّ الواو الأولى، وسكون الثانية، أصله رَوِيُوا بوزن عَلِموا، فنُقلت ضمّة الياء إلى الواو بعد سلب كسرتها استثقالاً للخروج من الكسرة إلى الضمّة، ثم حُذفت الياء لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة الساكنة، فصار: رَؤُوا. (قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ لاَّبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) كما قال الله رَّت: ﴿ثُمَّ [التكاثر: ٨]، ثم بيّن وجه عظمة النعم، وذلك أنه لَتُتْعَلُنَّ يَؤْمَئِذٍ عَنِ النَّعِمِ (أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا) الى بيوتكم (حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا التَّعِيمُ))) حيث أكلتم، وشربتم، فزال جوعكم. وقال الطيبيّ نَّثُ: قوله: ((أخرجكم من بيوتكم ... إلخ)) جملة مستأنفة بيان لموجب السؤال عن النعيم؛ يعني: حيث كنتم محتاجين إلى الطعام، مضطرين إليه، فنلتم غاية مطلوبكم من الشِّبَع، والرِّيّ، يجب أن تُسألوا، ويقال (١) ((المصباح المنير)) ١ / ٥٦٧. (٢) (النهاية في غريب الأثر)) ٤٢٢/١. (٣) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٠٦/٥. ٢٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة لكم: هل أدّيتم شكرها أم لا؟. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَُّهُ: وقول النبيّ وَّهِ: ((لتُسألُنَّ عن نعيم هذا اليوم))؛ أي: سؤال عَرْض، لا سؤال مناقشة، وسؤال إظهار التفضل والمنن، لا سؤالاً يقتضي المعاتبة، والْمِحَن، و((النعيم)): كل ما يُتنعم به؛ أي: يُستطاب، ويُتلذذ به، وإنما قال النبيّ ◌َ ﴿ هذا استخراجاً للشكر على النعم، وتعظيماً لذلك، والله تعالى أعلم. انتهى(٢) . وقال النوويّ تَخْلُهُ: وأما السؤال عن هذا النعيم، فقال القاضي عياض: المراد السؤال عن القيام بحقّ شكره، والذي نعتقده أن السؤال هنا سؤال تعداد النعم، وإعلام بالامتنان بها، وإظهار الكرامة بإسباغها، لا سؤال توبيخ، وتقريع، ومحاسبة، والله أعلم. انتهى(٣). [تنبيه]: أخرج الترمذيّ تَّثُ هذا الحديث مطوّلاً، فقال: (٢٣٦٩) - حدّثنا محمد بن إسماعيل، حدّثنا آدم بن أبي إياس، حدّثنا شيبان أبو معاوية، حدّثنا عبد الملك بن عُمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: خرج النبيّ وَ ◌ّ في ساعة لا يَخرُج فيها، ولا يلقاه فيها أحدٌ، فأتاه أبو بكر، فقال: ((ما جاء بك يا أبا بكر؟)) فقال: خرجت ألقى رسول الله وَلقول، وأنظر في وجهه، والتسليم عليه، فلم يلبث أن جاء عمر، فقال: ((ما جا بك يا عمر؟)) قال: الجوع يا رسول الله، قال: فقال رسول الله وَله: ((وأنا قد وجدت بعض ذلك))، فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التِّّهان الأنصاريّ، وكان رجلاً كثير النخل والشاء، ولم يكن له خَدَمٌ، فلم يجدوه، فقالوا لامرأته: أين صاحبك؟ فقالت: انطلقَ يستعذب لنا الماء، فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بقربة يزعبها(٤)، فوضعها، ثم جاء يلتزم النبيّ بَّه، ويُفَدِّيه بأبيه وأمه، ثم انطلق بهم (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٨٦٨/٩. (٢) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٠٦/٥. (٣) ((شرح النوويّ)) ٢١١/١٣ - ٢١٤. (٤) قال في ((النهاية في غريب الأثر)) ٢/ ٣٠٢: يَزْعبها؛ أي: يتدافع بها، ويحملها؛ لثقلها، وقيل: زعب بحمله إذا استقام. انتهى. ٢٥٧ (٨) - بَابُ جَوَازِ اسْتْبَاعِ الشَّخْصِ غَيْرَهُ إِلَى دَارِ مَنْ يَثِقُ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٠٢) إلى حديقته، فبسط لهم بساطاً، ثم انطلق إلى نخلة، فجاء بقِنْوٍ، فوضعه، فقال النبيّ وَل: ((أفلا تنقيت لنا من رُطَبه؟)) فقال: يا رسول الله إني أردت أن تختاروا، أو قال: تخيَّروا من رُطَبه، وبُسره، فأكلوا، وشربوا من ذلك الماء، فقال رسول الله ويلقى: ((هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تُسألون عنه يوم القيامة، ظلّ باردٌ، ورُطَب طيبٌ، وماء باردٌ))، فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعاماً، فقال النبيّ ◌َله: ((لا تذبحنّ ذات دَرّ))، قال: فذبح لهم عَناقاً، أو جَدْياً، فأتاهم بها، فأكلوا، فقال النبيّ ◌َّ: ((هل لك خادم؟)) قال: لا، قال: ((فإذا أتانا سبي فائتنا))، فأُتِيَ النبيّ وَله برأسين ليس معهما ثالث، فأتاه أبو الهيثم، فقال النبيّ وَّ﴾: ((اختر منهما))، فقال: يا نبيّ الله اختر لي، فقال النبيّ وَّ: ((إن المستشار مؤتمنٌ، خذ هذا، فإني رأيته يصلي، واستوص به معروفاً))، فانطلق أبو الهيثم إلى امرأته، فأخبرها بقول رسول الله وَله، فقالت امرأته: ما أنت ببالغ ما قال فيه النبيّ وَل و إلا أن تُعتقه، قال: فهو عتيق، فقال النبيّ ◌َّل: ((إن الله لم يبعث نبيّاً، ولا خليفةً، إلا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف، وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالاً، ومن يوق بطانة السوء، فقد وُقِي))، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب. قال الجامع عفا الله عنه: هو كما قال؛ فإن رجاله رجال الصحيح، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظبه هذا من أفراد المصنّف تَُّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣٠٢/٨ و٥٣٠٣] (٢٠٣٨)، و(الترمذيّ) في ((الزهد)) (٢٣٦٩) و((الشمائل)) (١١٣)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٩٣٢/٢)، و(ابن ماجه) (٣١٨٠) مختصراً، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١٧٦/٥)، و(الطبريّ) في (تهذيب الآثار)) (٧٠٥/٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٥٧/١٩)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (٤١/١١)، و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (١٤٤/٤)، والله تعالى أعلم. ٢٥٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز استتباع الإنسان غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك، ويتحققه تحققاً تاماً . ٢ - (ومنها): بيان ما كان القوم عليه في أول الإسلام، من ضيق الحال، وشَظَف العيش، وما زال الأنبياء والصالحون يجوعون مرّةً، ويشبعون أخرى، وتُزوَى عنهم الدنيا، قاله ابن عبد البرّ كَّتُهُ(١). وقال القرطبيّ كَّتُهُ: هذا يدلّ على شدَّة حالهم في أوَّل أمرهم، وسبب ذلك أن أهل المدينة كانوا في شَظَف من العيش عندما قَدِم عليهم النبيّ مع المهاجرين، وكان المهاجرون فرُّوا بأنفسهم، وتركوا أموالهم، وديارهم، فقَدِموا فقراء على أهل شدّة، وحاجة، مع أن الأنصار ظه واسوهم فيما كان عندهم، وأشركوهم فيما كان لهم، ومنحوهم، وهادَوْهم، غير أن ذلك ما كان يسدُّ خلَّاتهم، ولا يرفع فاقاتهم، مع إيثارهم الضراء على السراء، والفقر على الغنى. ولم يزل ذلك دأبهم إلى أن فتح الله عليهم وادي القرى، وخيبر، وغير ذلك؛ فردُوا لهم منائحهم، واستغنوا بما فتح الله عليهم، ومع ذلك فلم يزل عيشهم شديداً، وجهدهم جهيداً حتَّى لقوا الله تعالى مؤثرين ما عندهم، صابرين على شدَّة عيشهم، معرضين عن الدنيا وزهرتها ولذاتها، مقبلين على الآخرة، ونعيمها، وكراماتها، فحماهم الله ما رغبوا عنه، وأوصلهم إلى ما رغبوا فيه، حشرنا الله في زمرتهم، واستعملنا بسنَّتهم. انتهى(٢). وقال النوويّ كَّتُهُ: هذا الحديث فيه بيان ما كان عليه النبيّ وَّ، وكبار أصحابه ﴿ه من التقلل من الدنيا، وما ابتُلُوا به من الجوع، وضيق العيش فى أوقات، وقد زعم بعض الناس أن هذا كان قبل فتح الفتوح والقرى عليهم، وهذا زعم باطل، فإن راوي الحديث أبو هريرة مظلته، ومعلوم أنه أسلم بعد فتح خيبر. [فإن قيل]: لا يلزم من كونه رواه أن يكون أدرك القضية، فلعله سمعها من النبيّ ◌ٍَّ، أو غيره. (١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٣٣٩/٢٤. (٢) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٠٥/٥. ٢٥٩ (٨) - بَابُ جَوَازِ اسْتِبَاعِ الشَّخْصِ غَيْرَهُ إِلَى دَارِ مَنْ يَثِقُ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٠٢) [فالجواب]: أن هذا خلاف الظاهر، ولا ضرورة إليه، بل الصواب خلافه، وأن رسول الله وَ ﴿ لم يزل يتقلّب فى اليسار والقلّة حتى توفي وَلّه فتارةً يوسر، وتارة يَنْفَد ما عنده، كما ثبت في ((الصحيح)) عن أبي هريرة ظُه: خرج رسول الله و18َ من الدنيا، ولم يشبع من خبز الشعير، وعن عائشة ما شبع آل محمد ◌ّ﴿ منذ قدم المدينة من طعام ثلاث ليال تباعاً حتى قُبض، وتُوفّي ◌َّ ودرعه مرهونة على شعير استدانه لأهله، وغير ذلك، مما هو معروف، فكان النبيّ وَّ في وقت يوسِر، ثم بعد قليل يَنْفَد ما عنده؛ لإخراجه في طاعة الله تعالى من وجوه البرّ، وإيثار المحتاجين، وضيافة الطارقين، وتجهيز السرايا، وغير ذلك، وهكذا كان خُلُق صاحبيه ﴿مَا، بل أكثر أصحابه، مع بِرّهم له رَ﴾، وإكرامهم وكان أهل اليسار من المهاجرين والأنصار إياه، وإتحافه بالظُّرَف، وغيرها ربما لم يعرفوا حاجته في بعض الأحيان؛ لكونهم لا يعرفون فراغ ما كان عنده من القوت، بإيثاره به، ومَن عَلِم ذلك منهم ربما كان ضيق الحال في ذلك الوقت، كما جرى لصاحبيه، ولا يُعلم عَلِم حاجة النبيّ ◌َّر، وهو متمكن من إزالتها إلا بادر أحد من الصحابة إلى إزالتها، لكن كان ◌َ* يكتمها عنهم؛ إيثاراً لتحمل المشاقّ، وحملاً عنهم، وقد بادر أبو طلحة حين قال: ((سمعت صوت رسول الله وَ ل﴿ ضعيفاً، أعرف فيه الجوع)) إلى إزالة تلك الحاجة، وكذا حديث جابر ظته، وسنذكرهما بعد هذا - إن شاء الله تعالى - وكذا حديث أبي شعيب الأنصاريّ الذي سبق في الباب قبله أنه عَرَف في وجهه وَّهي الجوع فبادر بصنيع الطعام، وأشباه هذا كثيرة، في ((الصحيح)) مشهورة، وكذلك كانوا يُؤْثِر بعضهم بعضاً، ولا يَعلم أحد منهم ضرورة صاحبه إلا سعى في إزالتها، وقد وصفهم الله ع ◌َلَ بذلك، فقال تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، وقال تعالى: ﴿رُحَمَّةُ [الفتح: ٢٩]. انتهى كلام النوويّ كَّلُهُ، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله بينهم. تعالى أعلم (١). ٣ - (ومنها): جواز ذكر الإنسان ما يناله من ألم ونحوه، لا على سبيل (١) ((شرح النوويّ)) ٢١١/١٣ - ٢١٢. ٢٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة التشكّي، وعدم الرضا، بل للتسلية، والتصبر؛ كفعله وَ ل هنا، ولالتماس دعاء، أو مساعدة على التسبب في إزالة ذلك العارض، فهذا كله ليس بمذموم، إنما يُذَمّ ما كان تشكياً وتسخطاً وتجزعاً. ٤ - (ومنها): طلب الرزق، والنزول على الصَّدِيق الذي يوثَق به، وأكل ماله، واستتباع جماعة إلى بيته. ٥ - (ومنها): أن فيه منقبةً لأبي الهيثم ظُه؛ إذ جعله النبيّ وَّ أهلاً لضيافته، وصاحبيه، وكفى به شرفاً ذلك. ٦ - (ومنها): بيان استحباب الاجتماع على الطعام. ٧ - (ومنها): مشروعيّة الضيافة، وبرّ الضيف بكل ما يمكن، ولا سيّما إذا كان مستحقّاً لذلك؛ كالنبيّ وَلّر، وصاحبيه ـيّا . ٨ - (ومنها): استحباب إكرام الضيف بقول: ((مرحباً، وأهلاً))، وشِبْهِه، وإظهار السرور بقدومه، وجَعْله أهلاً لذلك، كلّ هذا وشِبْهِه إكرام للضيف، وقد قال ◌َّه: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليُكْرِم ضيفه))، متّفقٌ عليه. ٩ - (ومنها): جواز سماع كلام الأجنبية، ومراجعتها الكلام للحاجة. ١٠ - (ومنها): جواز إذن المرأة في دخول منزل زوجها لمن علمت علماً محقّقاً أنه لا يكرهه، بحيث لا يخلو بها الخلوة المحرمة. ١١ - (ومنها): استحباب حمد الله تعالى عند حصول نعمة ظاهرة، وكذا يستحب عند اندفاع نقمة كانت متوقعةً، وفي غير ذلك من الأحوال. ١٢ - (ومنها): استحباب إظهار البشر والفرح بالضيف في وجهه، وحَمْد الله تعالى، وهو يَسْمَع على حصول هذه النعمة، والثناء على ضيفه إن لم يَخَفْ عليه فتنةً، فإن خاف لم يُثْنِ عليه في وجهه، وهذا طريق الجمع بين الأحاديث الواردة بجواز ذلك ومنعه، قاله النوويّ تَظْذّهُ(١). ١٣ - (ومنها): أن فيه دليلاً على كمال فضيلة هذا الأنصاريّ رُه، وبلاغته، وعظيم معرفته؛ لأنه أتى بكلام مختصر بديع في الحُسْن في هذا الموطن ◌َظُه، حيث قال: ((الحمد لله ما أحدٌ اليومَ أكرم أضيافاً منّي)). (١) ((شرح النوويّ)) ٢١٣/١٣.