النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ (٦) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ لَعْقِ الأَصَابِعِ، وَالْقَصْعَةِ، وَأَكْلِ اللُّقْمَةِ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٩٥) وقوله: (وَذَكَرَ اللَّقْمَةَ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير محمد بن فضيل. وقوله: (نَحْوَ حَدِيثِهِمَا)؛ أي: رَوَى محمد بن فُضيل عن الأعمش نحو حديث جرير، وأبي معاوية عنه. [تنبيه]: رواية محمد بن فُضيل عن الأعمش ساقها أبو عوانة دَّتُهُ في (مسنده)) مقروناً بأبي معاوية، فقال: (٨٢٨٧) - حدثنا عليّ بن حرب، قال: ثنا أبو معاوية، ومحمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: قال النبيّ وَلّى: ((إذا سقطت لقمة أحدكم فليأخذها، فلْيُمِظْ ما بها، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان)). (١) . انتھی وأما رواية محمد بن فُضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، وأبي سفيان كلاهما عن جابر ظُه فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٩٥] (٢٠٣٤) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا بَهْزُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، خَّدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ كَانَ إِذَا أَكَلَ طَعَاماً لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ، قَالَ: وَقَالَ: ((إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْهَا الأَذَى، وَلْيَأْكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ))، وَأَمَرَنَا أَنْ نَسْلُتَ الْقَصْعَةَ، قَالَ: ((فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَِّ طَعَامِكُمُ الْبَرَكَةُ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون، ذُكر في الباب. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ) هو: محمد بن أحمد بن نافع البصريّ، تقدّم قريباً. ٣ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَميّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣. ٤ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، تقدّم قريباً. (١) ((مسند أبي عوانة)) ١٧١/٥. ٢٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة ٥ - (ثَابِتُ) بن أسلم البنانيّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٦ - (أَنَسُ) بن مالك ظُبه، تقدّم أيضاً قريباً. [تنبيه] من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف، وأنه مسلسل بالبصريين، غير محمد بن حاتم، فبغداديّ، وفيه أنس به أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة. شرح الحديث : (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ كَانَ إِذَا أَكَلَ طَعَاماً لَعِقَ) بكسر العين (عَنْ أَنَسٍ) المهملة، من باب تَعِبَ، (أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ) تقدّم أنه الإبهام، والتي تليها، والوسطى. (قَالَ) أنس (وَقَالَ) وَّهِ ((إِذَا سَقَطَتْ) على الأرض (لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ)؛ أي: يُزِل (عَنْهَا الأَذَى)؛ أي: ما تعلّق بها، من التراب، ونحوه (وَلْيَأْكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا)؛ أي: لا يتركها (لِلشَّيْطَانِ)))؛ أي: لأجله حيث يأكلها، أو لكونه هو السبب في احتقار نعمة الله تعالى. (وَأَمَرَنَا) ◌َِّ (أَنْ نَسْلُتَ) بضمّ اللام، من باب نصر، وضرب (١)، يقال: سَلَت المرأةُ خضابَها من يدها: نحّته، وأزالته(٢). (الْقَصْعَةَ) قال الفيّومِيّ كَلَقُ: «الْقَصْعة بالفتح: معروفٌ، والجمع قِصَعٌ، مثلُ بِذْرَةٍ وبِدَرٍ، وقِصَاعٌ، مثلُ كَلْبَةٍ وكِلابٍ، وقَصَعَاتٌ، مثلُ سَجْدةٍ وسَجَدَات، وهي عربيّة، وقيل: مُعَرّبٌ)). انتهى(٣). وقال المجد تَخْتُ: الْقَصْعَةُ: الصَّحْفَةُ، جَمْعِه قَصَعَاتٌ، محرّكةً، وكَعِنَبٍ، وچِبالٍ. انتهى(٤). قال النوويّ كَّلُهُ: معناه: أن نمسح القصعة، ونتتبّع ما بقي فيها من الطعام، ومنه سلت الدم. انتهى(٥). (قَالَ) وَِّ سبب أمره بسَلْت القصعة ((فَإِنَّكُمْ) الفاء للتعليل؛ أي: لأنكم (لَا تَدْرُونَ)؛ أي: لا تعلمون (فِي أَيِّ طَعَامِكُمُ الْبَرَكَةُ)))؛ يعني: فيما أكل، أو (١) راجع: ((القاموس المحيط)) ص٦٢٧. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٨٤/١. (٣) ((المصباح المنير)) ٢ / ٥٠٦. (٤) راجع: ((القاموس المحيط)) ص١٠٦٤. (٥) ((شرح النوويّ)) ٢٠٧/١٣. ٢٢٣ (٦) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ لَعْقِ الأَصَابِعِ، وَالْقَصْعَةِ، وَأَكْلِ اللُّقْمَةِ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٩٥) فيما بقي في الإناء، فيلعق يده، ويمسح الإناء؛ رجاءً حصول البركة، والمراد بالبركة - والله أعلم - ما يحصل به التغذية، وتسلم عاقبته من أذى، ويُقَوِّي على طاعة الله تعالى، وغير ذلك، وقال النووي: وأصل البركة الزيادة، وثبوت الخير، والتمتّع به، قاله في ((العمدة)»(١) . وقال في ((العمدة)»: الكلام في هذا الباب على أنواع: [الأول]: أن نَفْس اللعق مستحبّ محافظةً على تنظيفها، ودفعاً للكِبْر، والأمر فيه محمول على الندب، والإرشاد، عند الجمهور، وحَمَله أهل الظاهر على الوجوب. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما ذهب إليه الظاهرية من الوجوب هو ظواهر النصوص، فتبصّر بالإنصاف. والله تعالى أعلم. [الثاني]: أن من الحكمة في لعق الأصابع ما ذَكَره في حديث أبي هريرة رضيه، وأخرجه الترمذيّ قال: قال رسول الله وَليقول: ((إذا أكل أحدكم، فليلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أيّ طعامه البركة))، ولفظ مسلم: ((فإنه لا يدري في أيّتهنّ البركة)). [والثالث]: أنه ينبغي في لعق الأصابع الابتداء بالوسطى، ثم السبابة، ثم الإبهام، كما جاء في حديث كعب بن عُجرة ﴿ه، رواه الطبراني في (الأوسط))، قال: ((رأيت رسول الله وسلم يأكل بأصابعه الثلاث: بالإبهام، والتي تليها، والوسطى، ثم رأيته يلعق أصابعه الثلاث قبل أن يمسحها، ويلعق الوسطى، ثم التي تليها، ثم الإبهام)). وكأن السبب في ذلك أن الوسطى أكثر الثلاثة تلويثاً بالطعام؛ لأنها أعظم الأصابع، وأطولها، فينزل في الطعام منه أكثر مما ينزل من السبابة، وينزل من السبابة في الطعام أكثر من الإبهام؛ لطول السبابة على الإبهام. ويَحْتَمِل أن يكون البدء بالوسطى؛ لكونها أول ما ينزل في الطعام؛ لطولها . [والرابع]: أن في الحديث: ((فلا يمسح يده حتى يَلعقها))، وهذا مطلق، (١) ((عمدة القاري)) ٢١/ ٧٧. ٢٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة والمراد به: الأصابع الثلاث التي أَمَر بالأكل بها، كما في حديث أنس هذا، ففيه: ((كان إذا أكل طعاماً لَعِق أصابعه الثلاث))، وبَيّن الثلاث في حديث كعب بن عُجرة المذكور آنفاً، وهذا يدلّ على أنه كان يأكل بهذه الثلاث المذكورة في حديث كعب، وقال ابن العربيّ: فإن شاء أحد أن يأكل بالخمس فليأكل، فقد كان النبيّ وَّه يتعرَّق العظم، وينهش اللحم، ولا يمكن أن يكون ذلك في العادة إلا بالخمس كلها . وتعقّبه الحافظ العراقيّ، فقال: فيه نظر؛ لأنه يمكن بالثلاث، ولئن سلّمنا ما قاله فليس هذا أكلاً بالأصابع الخمس، وإنما هو ممسك بالأصابع فقط، لا آكل بها، ولئن سلّمنا أنه آكل بها؛ لعدم الإمكان فهو محل الضرورة، کمن ليس له يمين فله الأكل بالشمال. قال العينيّ: حاصل هذا أن العراقيّ منع استدلال ابن العربيّ بما ذكره، والأمر فيه أن السُّنَّة أن يأكل بالأصابع الثلاث، وإن أكل بالخمس فلا يُمنع، ولكنه يكون تاركاً للسُّنَّة، إلا عند الضرورة، فافهم. [الخامس]: أنه ورد أيضاً استحباب لعق الصحفة أيضاً على ما رَوَى الطبرانيّ من حديث العرباض بن سارية ظبه قال: قال رسول الله وَله: ((مَن لَعِق الصحفة، ولَعِق أصابعه أشبعه الله في الدنيا والآخرة))(١). ورَوَى الترمذيّ من حديث أبي اليمان، قال: حدثتني أم عاصم، وكانت أم ولد لسنان بن سلمة، قالت: دخل علينا نُبيشة الخير (٢)، ونحن نأكل في قَصعة، فحدّثنا أن رسول الله وَ ل قال: ((من أكل في قصعة، ثم لحسها، استغفرت له القصعة))، وقال: هذا حديث غريب(٣). (١) قال الشيخ الألبانيّ كَُّ في ((السلسلة)): ضعيف جدّاً. (٢) قال في ((العمدة): نُبيشة - بضم النون، وفتح الباء الموحدة، وسكون الياء آخر الحروف، وبشين معجمة - ابن عبد الله بن عمرو بن عتاب بن الحارث بن نصير بن حصين بن رابغة، وقيل: لرابغة بن لحيان بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار الهذليّ، ويقال له: نبيشة الخير، ويقال: الخيل باللام، وهو ابن عم سَلَمة بن الْمُحَبّق. انتهى. (٣) هذا حديث ضعيف. ٢٢٥ (٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ لَعْقِ الأَصَابِعِ، وَالْقَصْعَةِ، وَأَكْلِ اللُّقْمَةِ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٩٦) قال العينيّ تَخْلُهُ: استغفار القصعة يحتمل أن يكون الله تعالى يخلق فيها تمييزاً، أو نُطقاً تطلب به المغفرة، وقد ورد في بعض الآثار أنها تقول: ((آجرك الله كما آجرتني من الشيطان)»، ولا مانع من الحقيقة، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك مجازاً كُنِي به. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: لا حاجة إلى ترديد هذه الاحتمالات؛ لأن الأحاديث الواردة في استغفار القصعة ليست ثابتةً، فتنبّه، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس به هذا من أفراد المصنّف ◌َذَلُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٩٥/٦ و٥٢٩٧] (٢٠٣٤)، و(أبو داود) في ((الأطعمة)) (٣٨٤٥)، و(الترمذيّ) في ((الأطعمة)) (١٨٠٣) و((الشمائل)) (١٤١)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٧٦/٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٩٤/٨)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٠٠/٣ و١٧٧ و٢٩٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٢٤٩ و٥٢٥٢)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١٧٠/٥)، و(أبو يعلى) في «مسنده)) (٦٣/٦)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٤٨٢/١)، و(عبد بن حميد) في «مسنده)) (٤٠٠/١)، و(أبو الشيخ) في ((أخلاق النبيّ وَّ)) (ص١٩٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٧٨/٧) و((شُعَب الإيمان)) (٨٢/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢٨٧٣)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ◌َغُّْ أوّل الكتاب قال: [٥٢٩٦] (٢٠٣٥) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِهِ قَالَ: ((إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيَّتِهِنَّ الْبَرَكَةُ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، (١) ((عمدة القاري)) ٢١/ ٧٧. ٢٢٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة ثقةٌ ثبتٌ تغير بآخره قليلاً [٧] (ت١٦٥) أو بعدها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٣. ٢ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، صدوقٌ تغيّر بآخره [٦] (ت١٣٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦١. ٣ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌ُه تقدّم قريباً . والباقون ذُكروا في الإسنادين الماضيين، و(أبو سُهيل)) هو: أبو صالح السمّان . وقوله: (فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيَّتِهِنَّ الْبَرَكَةُ) قال النوويّ كَُّهُ: هكذا هو في معظم الأصول، وفي بعضها: ((لا يدري أيتهنّ))، وكلاهما صحيح، أما رواية: ((في أيتهنّ)) فظاهرةٌ، وأما رواية: ((لا يدري أيتهنّ البركة)) فمعناه: أيتهن صاحبة البركة، فَحَذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، والله أعلم. انتهى(١). مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة له هذا من أفراد المصنّف تَخَّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٩٦/٦] (٢٠٣٥)، و(الترمذيّ) في ((الأطعمة)) (١٨٠١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٤١/٢ و٤١٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٦٩/٥)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٩٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِي: ابْنَ مَهْدِيٍّ - قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَّرَ أَنَّهُ قَالَ: ((وَلْيَسْلُتْ أَحْدُكُمُ الصَّحْفَةَ))، وَقَالَ: ((فِي أَيِّ طَعَامِكُمُ الْبَرَكَةُ، أَوْ يُبَارَكُ لَكُمْ))). قال الجامع عفا الله عنه: هكذا النُّسخ الموجودة بين أيدينا كلّها بتأخير هذه الرواية على حديث أبي هريرة رضيه، وكان حقّها أن تقدَّم عليه؛ لأنها من توابع حديث أنس ﴿به، أَوْرَدَها لبيان متابعة عبد الرحمن بن مهديّ لبهز بن (١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٧/١٣. ٢٢٧ (٦) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ لَعْقِ الأَصَابِعِ، وَالْقَصْعَةِ، وَأَكْلِ اللُّقْمَةِ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٩٧) أسد، والظاهر أن هذا من تصرّف النُّسّاخ، والله تعالى أعلم. ورجال إسناده: ثلاثة: وكلّهم ذُكروا في الباب، و((أبو بكر بن نافع)) هو: محمد بن أحمد بن نافع البصريّ، و((حمّاد)) هو: ابن سلمة. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((وَلْيَسْلُتْ ... إلخ) فاعل ((قال)) ضمير عبد الرحمن بن مهديّ. وقوله: (وَلْيَسْلُتْ أَحْدُكُمُ) تقدّم أنه بضمّ اللام، من باب نصر، والسَّلْت معناه: الإزالة، والتنحية. وقوله: (الصَّحْفَةَ) بفتح الصاد، وإسكان الحاء المهملتين، قال المجد تثاثه: الصَّحْفة: معروفة، وأعظم الْقِصاع: الْجَفْنة، ثمّ الصَّحْفة، ثمّ الْمِثْكلة، ثم الصُّحَيفة. انتهى(١). وقال المرتضى: في ((شرحه)): الصَّحْفةُ: مَعْروفَةٌ، والجَمْعُ: صِحَافٌ. قال الأعشى: والمَكَاكِيكَ والصِّحَافَ مِنَ الْعضَّـةِ والضَّامِرَاتِ تَحْتَ الرِّجالِ وقال ابنُ سِيدَه: الصَّفْحَةُ: شِبْهُ قَصْعَةٍ، مُسْلَنْطِحَةٍ، عَرِيضَةٍ، وهي تُشْبِعُ الخَمْسَةَ، ونَحْوَهُم، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿يُطَافُ عَيِهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ﴾ [الزخرف: ٧١] وقال الكِسَائِيُّ: أَعْظَمُ الْقِصَاعِ: الجَفْنَةُ، ثم القَصْعَةُ تَلِيها، تُشْبِعُ العَشَرَةِ، ثُمَّ الصَّحْفَةُ تُشْبِعُ الخَمْسَةَ، ثُمَّ الِمِثْكَلَةُ تُشْبِعُ الرَّجُلَيْنِ، والثَّلَاثَةَ، ثُمَّ الصُّحَيْفَةُ مُصَغَّراً، تُشْبِعُ الرَّجُلَ، هذا نَصُّ الكسائيِّ، وقال غيرُه في الأَخير: وكأَنَّه مُصَغَّرٌ لا مُكَبَّرَ لَهُ. انتھی(٢). وقوله: (أَوْ يُبَارَكُ لَكُمْ) ((أو)) للشكّ من الراوي، والظاهر أن الشكّ من ابن مهديّ، في أيّ اللفظين قال حمّاد، هل قال: ((في أي طعامكم البركة))، أو قال: ((في أيّ طعامكم يبارك لكم))؟ وهذا الشكّ لم أجده في رواية أحمد الآتية في التنبيه، وإنما وقع عند مسلم هنا، ولم أجده عند غيره، والله تعالى أعلم. (١) ((القاموس المحيط)) ص٧٢٩. (٢) (تاج العروس)) ١/ ٥٩٥٢. ٢٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة [تنبيه]: رواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن حمّاد بن سلمة هذه ساقها الإمام أحمد تَخّْثُ في ((مسنده))، دون ذكر الشكّ، فقال: (١٢٨٣٨) - حدثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا عبد الرحمن، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن النبيّ وَ ل﴿ كان يَلعق أصابعه الثلاث، إذا أكل، وقال: ((إذا وقعت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى، وليأكلها، ولا يَدَعها للشيطان، وليسلُت أحدكم الصحفة، فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة)). فى (١). انتھی (٧) - (بَابُ مَا يَفْعَلُ الضَّيْفُ إِذَا تَبِعَهُ غَيْرُ مَنْ دَعَاهُ صَاحِبُ الطَّعَامِ، وَاسْتِحْبَابٍ إِذْنِ صَاحِبِ الطَّعَامِ لِلتَّبِعِ) وبالسند المتَّصل إلى المؤلّف كَّتُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٩٨] (٢٠٣٦) - (حَدَّثَنَا قُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ - وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ - قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو شُعَيَّبٍ، وَكَانَ لَهُ غُلَامٌ لَخَّمٌ، فَرَأَى رَسُولَ اللهِ وَّهِ، فَعَرَفَ فِي وَجْهِهِ الْجُوعَ، فَقَالَ لِغُلَامِهِ: وَيْحَكَ اصْنَعْ لَنَا طَعَاماً لِخَمْسَةِ نَفَرِ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ النَّبِيَّ وَّهِ خَامِسَ خَمْسَةٍ، قَالَ: فَصَنَعَ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ◌َ، فَدَعَاهُ خَامِسَ خَمْسَةٍ، وَاتَّبَعَهُمْ رَجُلٌ، فَلَمَّا بَلَغَ الْبَابَ قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((إِنَّ هَذَا اتَّبَعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ رَجَعَ))، قَالَ: لَا، بَلْ آذَنُ لَهُ یَا رَسُولَ اللهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو وَائِلِ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] (ت٨٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧. ٢ - (أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة البدريّ الصحابيّ الشهير، (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١٧٧/٣. ٢٢٩ (٧) - بَابُ مَا يَفْعَلُ الصَّيْفُ إِذَا تَبِعَهُ غَيْرُ مَنْ دَعَاهُ صَاحِبُ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٩٨) مات قبل الأربعين، وقيل: بعدها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٥٨. والباقون تقدّموا في البابين السابقين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَثُ، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحادهما تحمّلاً، وأداء، فهما سمعا من جرير، ولذا قال: ((حدّثا جرير))، وأنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره، غير قتيبة، فبغلانيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ) عقبة بن عمرو ظُه، وفي رواية أبي أسامة الآتية: ((عن الأعمش، حدّثنا شقيق بن سلمة، حدّثنا أبو مسعود الأنصاريّ))، وسيأتي من طريق زهير وغيره، عن أبي سفيان، عن جابر مقروناً برواية أبي وائل، عن أبي مسعود، وهو عقبة بن عمرو، قال الحافظ: ووقع في بعض النسخ المتأخرة: ((عن ابن مسعود))، وهو تصحیف. انتھی(١). [تنبيه]: قال في ((الفتح)): اتّفَقَت الطرق على أن هذا الحديث من مسند أبي مسعود الأنصاريّ ◌ُبه، إلا ما رواه أحمد، عن ابن نُمير، عن الأعمش بسنده، فقال فيه: ((عن رجل من الأنصار، يُكنى أبا شعيب، قال: أتيت رسول الله وَل﴿، فعَرَفتُ في وجهه الجوع، فأتيت غلاماً لي))، فذكر الحديث، قال الحافظ تَخَُّ: وكذا رويناه في الجزء التاسع من ((أمالي المحامليّ)) من طريق ابن نُمير، وزاد في مسلم في بعض طريقه الآتية: ((وعن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر)). انتهى (٢). (قَالَ) أبو مسعود رَظُه (كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو شُعَيْبٍ) قال الحافظ رَغُّْهُ: لم أقف على اسمه. (وَكَانَ لَهُ غُلَامٌ) قال الحافظ أيضاً: لم أقف (١) ((الفتح)) ٣٥١/١٢، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٤٣٤). (٢) ((الفتح)) ٥٣٨/٥، كتاب ((البيوع)) رقم (٢٠٨١). ٢٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة على اسمه، و((الغلام)): الطارّ الشاربِ، والكهل، ضِدٌّ، أو من حين يولد إلى أن يَشِبّ، جمعه أَغْلمةٌ، وغِلْمةٌ، وغلمانٌ، وهي غلامة، قاله المجد ◌َّتُهُ(١). (لَخَّاٌ) بفتح اللام، وتشديد الحاء المهملة: هو الذي يبيع اللحم، وهو الجزّار، وهذا على قياس قولهم: عطّارٌ، وتمّار للذي يبيع ذلك، قاله القرطبيّ كَّهُ(٢) . ووقع في رواية للبخاريّ بلفظ: ((قصّاب)) بفتح القاف، وتشديد الصاد المهملة، وآخره موحّدة، وهو الجزّار. (فَرَأَى رَسُولَ اللهِ ◌َِّ، فَعَرَفَ فِي وَجْهِهِ) وَِّ (الْجُوعَ)؛ أي: أثر الجوع، (فَقَالَ لِغُلَامِهِ: وَيْحَك) - بفتح الواو، وإسكان التحتانيّة، بعدها حاء مهملة، فكاف خطاب -: كلمة ترحّم، ويجوز رفعها، ونصبها، كما يأتي. [فائدة]: قال المجد رَّتُهُ: وَيْحٌ لزيد، وويحاً له: كلمة رحمة، ورفْعه على الابتداء، ونصْبه بإضمار فِعل، وويحَ زيد، وويحَه نصبهما به أيضاً، وويحُمَا زيد بمعناه، أو أصله وَيْ، فوصلت بحاء مرّةً، وبلام مرّةً، وبباء مرّةً، وبسين مرّةً. انتهى(٣). وقال المرتضى في ((شرحه)): وَيْحٌ لزيدٍ بالرفْع، ووَيْحاً له بالنّصب: كَلمةٌ رَحْمَةٍ، وويْلٌ: كلمةُ عَذَابٍ، وقيل: هما بمعنىّ واحدٍ، وقال الأَصمعيّ: الوَيل قُبُوحٌ، والوَيْح تَرِخُمٌ، ووَيْسٌ تَصغيرُها؛ أَي: هي دونها، وقال أَبو زيد: الوَيْلُ هَلَكَةٌ، والويْحُ قُبُوحٌ، والوَيْس ترَخُّمٌ، وقال سيبويه: الوَيْلُ يقال لمن وَقَعَ في الهَلَكَةِ، والوَيْحُ زَجْرٌ لمن أَشرَف في الهَلَكةِ، ولم يذْكر في الوَيس شيئاً، وقال ابن الفَرج: الوَيْحُ، والوَيْلُ، والوَيْس واحدٌ، وقال ابن سِيدَهْ: وَيْحَه، كوَيْله، وقيل: وَيْحُ تقبيحٌ، قال ابن جّي: امتنعوا من استعمال فِعْل الويح؛ لأَنّ القياس نَفاه، ومَنَع منه، وذلك لأَنّه لو صُرِّف الفِعْلُ من ذلك لوجبَ إِعِلالُ فائِه، كوَعَد، وعَيْنِهِ، كباع، فتحامَوا استعمالَه؛ لِمَا كان يُعقِب من اجتماع إِعلالين، قال: ولا أَدرِي أَأُدخل الأَلفُ واللّام على الوَيْحِ سَمَاعاً، أَم تَبسُّطاً، وإِدلالاً؟ (١) ((القاموس المحيط)) ص٦٥٨. (٣) ((القاموس المحيط)) ص١٤٢٤. (٢) ((المفهم)) ٣٠٢/٥. ٢٣١ (٧) - بَابُ مَا يَفْعَلُ الضَّيْفُ إِذَا تَبِعَهُ غَيْرُ مَنْ دَعَاهُ صَاحِبُ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٩٨) وقال الخليل: وَيْسٌ كلمةٌ في موضع رأفةٍ، واستملاح، كقَولك للصّبيّ: وَيْحَه ما أَمْلَحَه، ووَيْسَه ما أَمْلَحَه، وقال نصرٌ النَّحوِيّ: سمعْت بعضَ مَن يَتنطَّع يقول: الوَيْحِ رَحمةٌ، وليس بينه وبين الوَيْل فُرْقَانٌ، إِلّا أَنّه كان أَلْيَنَ قليلاً. وفي ((التهذيب)): قد قال أَكثرُ أَهلِ اللُّغَةِ: إِنّ الوَيلَ كلمةٌ تقال لكلّ مَن وَقَع في هَلَكَةٍ وعَذاب، والفرْقُ بين وَيْحِ، وَوَيْلِ: أَنّ وَيْلاً تقال لمن وَقَعَ في هَلَكَةٍ، أَو بَلِيّةٍ لا يُترجَّمُ عليه، ووَيْح تُقال لكلِّ مَن وَقَعَ في بَلِيّة يُرْحَم، ويُدعَى له بالتخلُّص منها، أَلا ترَى أَنَّ الوَيْل في القرآن لمستحِقيِّ العذابِ بجرائِمهم، وأَمّا وَيْح فإِنّ النّبيّ وَ له قالها لعمّار: ((وَيْحَك يا ابنَ سُميّةَ بُؤْساً لك تَقْتُلكَ الفِتْهُ الباغِية))، كأَنّه أُعلِمَ ما يُبتَلَى به من القَتْل، فتوجَّعَ له، وتَرحَّمَ عليه. ورَفْعُه على الابتداءِ؛ أَي: على أَنه مبتدأٌ، والظرْف بعده خبَرُهُ: والمسوّغ للابتداءِ بالنكرة التعظيمُ المفهومُ من التنوين، أَو التنكير، أَو لأَنَّ هذه الألفاظَ جَرتْ مَجْرَى الأَمثال، أَو أُقيمَت مُقامَ الدُّعَاءِ، أَو فيها التعجُّبُ دائماً، أَو لوضوحه، أَو نحو ذلك مما يُبديه النّظَرُ، وتَقتضِيه قواعدُ العربيّة. ونَصْبُه بإِضمارٍ فعْل، وكأنك قلت: أَلْزِمَه اللهُ وَيْحاً، كذا في ((الصّحاح))، و((اللّسان))، وفي ((الفائق)) للزّمخشريّ؛ أَي: أَتَرَّّمه تَرجُّماً، وزاد في ((الصّحاح)): وأما قوله: ﴿فَتَعْسًا لَّمْ﴾ [محمد: ٨]، و﴿بُعْدًا لِّشَمُودَ (بَ)﴾ [هود: ٦٨]، وما أشبه ذلك فهو منصوبٌ أَبَداً؛ لأَنّه لا تَصِحُّ إِضافتُه بغير لام؛ لأنّك لو قلْتَ: فتعسَهم، أَو بُعْدَهم، لم يَصلُح، فلذلك افترقًا، ولك أَن تقوّل: وَيْحَ زيدٍ، ووَيْحَه، ووَيْلَ زَيْدٍ، ووَيْلَه، بالإِضافة ونَصْبُهما به؛ أَي: بإِضمار الفِعْل أيضاً، كذا في ((الصّحاح))، وربما جُعِل مع ((ما)) كلمةً واحدةً، وقيل: ويْحمَا زيدٍ بمعْناهُ؛ أي: هي مثلُ وَيْح، كلمة ترخُم، قال حُميدُ بنُ ثورٍ [من الطويل]: أَلَا هَيَّمَا مِمّا لَقِيتُ وهَيَّمَا ووَيْحٌ لمن لم يَدْرِ مَا هُنّ ويْحَمَا أَوَ أَصلُه؛ أي: أَصلُ وَيْحِ: ويْ، وكذلك ويْس، ووَيْل، وُصِلَت بحاءٍ مَرَةً، فقيل: وَيْل، وبباءٍ مرّةً، فقيل: وَيْب، وبسِينٍ مرّة، فقيل: وَيْس، وكذا ويْك، ووَيْهِ، وويْح، قال سيبويه: سألتُ الخليلَ عنها، فزعم أَنّ كلّ مَن نَدِم، فَأَظهر نَدَامَتَه قال: وَيْ، ومعناها التَّنديمُ، والتَّنبيه، قال ابن كَيْسَان: إِذا قالوا: وَيْلٌ له، ووَيْحٌ له، ووَيْسٌ له، فالكلام فيهنّ الرَّفعُ على الابتداءِ، واللام في ٢٣٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة موضع الخبر، فإِن حذفت اللام لم يكن إِلّ النصب، كقوله: وَيْخَه، ووَيْسَه. انتهى كلام المرتضى تَُّهُ ببعض اختصار (١)، وهو بحث ممتعٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. (اصْنَعْ لَنَا طَعَاماً لِخَمْسَةٍ نَفَرٍ) - بفتحتين - جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يقالَ نَفَرٌ فيما زاد على العشرة(٢). (فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ النَّبِيَّ نَّهِ خَامِسَ خَمْسَةٍ) يقال: خامس أربعة، وخامس خمسة بمعنَى، قال الله تعالى: ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠]، وقال: ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٌ﴾ [المائدة: ٧٣]، وفي حديث ابن مسعود: ((رابع أربعة))، ومعنى خامس أربعة: أي: زائد عليهم، وخامس خمسة؛ أي: أحدهم، والأجود نصب ((خامسَ)) على الحال، ويجوز الرفع، على تقدير مبتدأ؛ أي: وهو خامس، والجملة حينئذ حالية، أفاده في ((الفتح)). وقال في ((العمدة)): قوله: ((خامس خمسة))؛ أي: أحد خمسة، وقال الداوديّ: جائز أن يقول: خامس خمسة، وخامس أربعة، وعن المهلَّب: إنما صنع طعام خمسة؛ لِعِلْمِه أن النبيّ وَّر سيتبعه من أصحابه غيره. انتهى(٣). وقال في موضع آخر: قوله: ((خامس خمسة)) معناه: أدعو أربعة أنفس، ويكون النبيّ ◌َ﴿ خامسهم، يقال: خامس أربعة، وخامس خمسة، بمعنى واحد، وفي الحقيقة يكون المعنى: الخامس مُصَيِّر الأربعة خمسةً، وانتصاب (خامسَ)) على الحال، ويجوز الرفع، بتقدير: أدعو رسول الله مَّ، وهو خامس خمسة، والجملة أيضاً تكون حالاً. انتهى (٤). (قَالَ: فَصَنَعَ)؛ أي: صنع له الغلام الطعام الذي طلبه منه، (ثُمَّ أَتَى) أبو شعيب (النَّبِيَّ نَّهِ، فَدَعَاهُ خَامِسَ خَمْسَةٍ)؛ أي: أحد خمسة، وفي رواية الترمذيّ: ((فدعاه، وجلساءه الذين معه))، وكأنهم كانوا أربعة، وهو خامسهم. (وَاتَّبَعَهُمْ) بتشديد التاء، من الاتّباع، وهو افتعال من تَبع، وفي رواية للبخاريّ: (١) ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ١٧٩٤/١ - ١٧٩٥. (٢) ((المصباح المنير)) ٦١٧/٢. (٤) ((عمدة القاري)) ٦٣/٢١. (٣) ((عمدة القاري)) ١١/ ١٩٧. ٢٣٣ (٧) - بَابُ مَا يَفْعَلُ الضَّيْفُ إِذَا تَبِعَهُ غَيْرُ مَنْ دَعَاهُ صَاحِبُ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٩٨) (فتبعهم))، ثلاثيّاً، وذكرها الداوديّ بهمزة قطع، وتكلف ابن التين في توجيهها، ووقع في رواية: «فجاء معهم رجل»، وقوله: (رَجُلٌ) قال الحافظ ◌َُّهُ: ولم أقف على اسم هذا الرجل في شيء من طرق هذا الحديث، ولا على اسم واحد من الأربعة. انتهى(١). (فَلَمَّا بَلَغَ) وَ (الْبَابَ)؛ أي: باب أبي شعيب، (قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((إِنَّ هَذَا اتَّبَعَنَا) بتشديد التاء، وفي رواية للبخاريّ: ((وهذا رجل تَبِعنا))، وفي رواية: ((لم يكن معنا حين دعوتنا))، (فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ) بتقدير الجواب، وقد ذُكر في رواية البخاريّ: ((فإن شئت أَذِنت له، وإن شئت تركته))، (وَإِنْ شِئْتَ رَجَعَ))) وفي رواية للبخاريّ: ((وإن شئت أن يرجع رجع))، وفي رواية: ((فإنه اتّبعنا، ولم يكن معنا حين دعوتنا، فإن أذنت له دخل)). (قَالَ) أبو شعيب (لَا)؛ أي: لا يرجع، (بَلْ آذَنُ) بالمدّ مضارع للمتكلّم من أَذِنَ يأذن، كفرح يفرح، (لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ) وفي رواية: ((فقد أَذِنّا له، فليدخل)). قال القرطبيّ تَّلهُ: هذا الحديث، وما يأتي بعده يدلّ على ما كانوا عليه من شدَّة الحال، وشظف العيش، وذلك للتمحيص في الدنيا، وليتوفّر لهم أجر الآخرة. وهذا المتَّبع لهم كان ذا حاجة، وفاقة، وجوع، واستئذان النبيّ لصاحب الدعوة في حقّ المتبع بيان لحاله، وتطييب لقلب المستأذَن، ولو أَمَره بإدخاله معهم له لكان ذلك، فإنَّه وَّر قد أَمَرهم بذلك، وقال: ((من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، أو أربع فليذهب بخامس))، متّفقٌ عليه، والوقت كان وقت فاقة وشدِّة، وكانت المواساة واجبة إذ ذاك، والله أعلم. ومع ذلك فاستأذن صاحب المحلّ؛ تطييباً لقلبه، وبياناً للمشروعية في ذلك؛ إذ الأصل ألا يَتَصَرَّف في مُلك الغير أحدٌ إلا بإذنه. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((الفتح)) ٣٥٢/١٢ - ٣٥٣، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٤٣٤). (٢) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٠٢/٥ - ٣٠٣. ٢٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي مسعود الأنصاريّ ◌َُّّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٩٨/٧ ٥٢٩٩ و٥٣٠٠] (٢٠٣٦)، و(البخاريّ) في ((البيوع)) (٢٠٨١) و((المظالم)) (٢٤٥٦) و((الأطعمة)) (٥٤٣٤ و٥٤٦١)، و(الترمذيّ) في (النكاح)) (١٠٩٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٥٣/٣ و٣٩٦)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٠٥/٢، ١٠٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٣٠٠)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥٣٠/١٧، ٥٣١) و((الأوسط)) (٢١/٢ و١٨٤/٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٧٣/٥، ١٧٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦٤/٧، ٢٦٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز الاكتساب بصنعة الجزارة. ٢ - (ومنها): جواز استعمال العبد فيما يطيق من الصنائع، والانتفاع بکسبه منها . ٣ - (ومنها): مشروعية الضيافة، وتأكد استحبابها لمن غلبت حاجته لذلك. ٤ - (ومنها): أن مَن صَنَع طعاماً لغيره فهو بالخيار بين أن يُرسله إليه، أو يدعوه إلى منزله. ٥ - (ومنها): أن من دعا أحداً استُحِبّ أن يدعو معه من يرى من أخصّائه، وأهل مجالسته. ٦ - (ومنها): أن فيه الحكمَ بالدليل؛ لقوله: ((إني عرفت في وجهه الجوع)). رُ ◌ّ كانوا يديمون النظر إلى وجهه وَله تبركاً ٧ - (ومنها): أن الصحابة به، وكان منهم من لا يطيل النظر في وجهه؛ حياءً منه، كما صَرَّح به عمرو بن العاص ربه فيما أخرجه مسلم. ٨ - (ومنها): بيان أنه وَلقر كان يجوع أحياناً. ٩ - (ومنها): أن فيه إجابةَ الإمام، والشريف، والكبير دعوةَ من دونهم، ٢٣٥ (٧) - بَابُ مَا يَفْعَلُ الضَّيْفُ إِذَا تَبِعَهُ غَيْرُ مَنْ دَعَاهُ صَاحِبُ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٩٨) وأكْلَهم طعامَ ذي الحرفة غير الرفيعة، كالجزار، وأن تعاطي مثل تلك الحرفة لا يَضَع قَدْر من يتوقى فيها ما يَكْرَه، ولا تَسْقُط بمجرد تعاطيها شهادته. ١٠ - (ومنها): أن من صنع طعاماً لجماعة، فليكن على قَدْرهم إن لم يقدر على أكثر، ولا ينقص من قدرهم مستنداً إلى أن طعام الواحد يكفي الإثنين. ١١ - (ومنها): أن من دعا قوماً متصفين بصفة، ثم طرأ عليهم من لم يكن معهم حينئذٍ أنه لا يدخل في عموم الدعوة، وإن قال قوم: إنه يدخل في الهدية، كما تقدم أن جلساء المرء شركاؤه فيما يُهدى إليه. قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن هذا الحديث لا يثبت، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ١٢ - (ومنها): أن من تطفل في الدعوة كان لصاحب الدعوة الاختيار في حرمانه، فإن دخل بغير إذنه كان له إخراجه. ١٣ - (ومنها): أن من قَصَد التطفيل لم يُمنع ابتداءً؛ لأن الرجل تَبع النبيّ ◌َطة، فلم يردّه؛ لاحتمال أن تطيب نفس صاحب الدعوة بالإذن له، كما الواقع في هذه القصّة. ١٤ - (ومنها): ما قيل: إنه ينبغي أن يكون هذا الحديث أصلاً في جواز التطفيل، لكن يقيَّد بمن احتاج إليه، وقد جمع الخطيب في أخبار الظُّفَيليين جزءاً فيه عدة فوائد: منها: أن الطفيلي منسوب إلى رجل كان يقال له: طفيل من بني عبد الله بن غطفان، كَثُر منه الإتيان إلى الولائم بغير دعوة، فسُمِّي طفيل العرائس، فسُمِّي من اتَّصف بعده بصفته: طفيليّاً، وكانت العرب تسميه: الوارش - بشين معجمة - وتقول لمن يتبع المدعوّ بغير دعوة: ضيفن - بنون زائدة - قال الكرمانيّ: في هذه التسمية مناسبة اللفظ للمعنى في التبعية، من حيث إنه تابع للضيف، والنون تابعة للكلمة. ١٥ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على منع استتباع المدعو غيره إلا إذا عَلِم من الداعي الرضا بذلك، وأن الطفيليّ يأكل حراماً . ولنصر بن عليّ الجهضميّ في ذلك قصة جرت له مع طفيليّ، واحتَجّ ٢٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة نصر بحديث ابن عمر رفعه: ((مَن دخل بغير دعوة دخل سارقاً، وخرج مُغِيراً))، وهو حديث ضعيف، أخرجه أبو داود. واحتَجّ عليه الطفيليّ بأشياء يؤخذ منها تقييد المنع بمن لا يحتاج إلى ذلك، ممن يتطفل، وبمن يتكره صاحب الطعام الدخول إليه، إما لقلة الشيء، أو استثقال الداخل، وهو يوافق قول الشافعية: لا يجوز التطفيل إلا لمن كان بینه وبین صاحب الدار انبساط . ١٦ - (ومنها): بيان أن المدعو لا يمتنع من الإجابة إذا امتنع الداعي من الإذن لبعض من صحبه، وأما قصّة الفارسي الآتي في الحديث التالي، فيجاب عنه بأن الدعوة لم تكن لوليمة، وإنما صنع الفارسيّ طعاماً بقدر ما يكفي الواحد، فخشي إن أذن لعائشة رضي ◌ّا أن لا يكفي النبيّ وََّ، ويَحْتَمِل أن يكون الفرق أن عائشة ﴿ّا كانت حاضرةً عند الدعوة بخلاف الرجل، وأيضاً فالمستحب للداعي أن يدعو خواص المدعوّ معه، كما فعل اللحام، بخلاف الفارسيّ، فلذلك امتنع ◌َّ من الإجابة إلا أن يدعوها، أو عَلِم حاجة عائشة ◌ّ لذلك الطعام بعينه، أو أحبّ أن تأكل معه منه؛ لأنه كان موصوفاً بالجودة، ولم يعلم مثله في قصة اللحام. وأما قصة أبي طلحة نظُبه حيث دعا النبيّ وَّ إلى طعام، كما سيأتي في الباب التالي - إن شاء الله تعالى - فقال ﴾ لمن معه: ((قوموا))، فأجاب عنه المازريّ أنه يَحْتَمِل أن يكون عَلِم رضا أبي طلحة، فلم يستأذنه، ولم يعلم رضا أبي شعيب، فاستأذنه، ولأن الذي أكله القوم عند أبي طلحة كان مما خَرَق الله تعالى فيه العادة لنبيّهِ وَّ، فكان جلّ ما أكلوه من البركة التي لا صنيع لأبي طلحة فيها، فلم يفتقر إلى استئذانه، أو لأنه لم يكن بينه وبين القصّاب من الموَّة ما بينه وبين أبي طلحة، أو لأن أبا طلحة صنع الطعام للنبيّ وَّ، فتصرّف فيه كيف أراد، وأبو شعيب صنعه له ولنفسه، ولذلك حدّد بعدد معين؛ ليكون ما يفضُل عنهم له، ولعياله مثلاً، واطَّلَع النبيّ وَّ على ذلك، فاستأذنه لذلك؛ لأنه أخبر بما يصلح نفسه وعياله(١)، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ٣٥٤/١٢، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٤٣٤). ٢٣٧ (٧) - بَابُ مَا يَفْعَلُ الضَّيْفُ إِذَا تَبِعَهُ غَيْرُ مَنْ دَعَاهُ صَاحِبُ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٩٨) ١٧ - (ومنها): أنه ينبغي لمن استؤذن في مثل ذلك أن يأذن للطارئ، كما فعل أبو شعيب، وذلك من مكارم الأخلاق، ولعله سمع الحديث: ((طعام الواحد يكفي الاثنين))، أو رجا أن يعم الزائد بركة النبيّ وَّل، وإنما استأذنه النبيّ وَّ ر تطييباً لنفسه، ولعله عَلِم أنه لا يمنع الطارئ. وأما توقف الفارسيّ في الإذن لعائشة ﴿ها ثلاثاً وامتناع النبيّ وَلخير من إجابته، فأجاب عياض بأنه لعله إنما صنع قدر ما يكفي النبيّ وَّ﴿ وحده، وعَلِم حاجته لذلك، فلو تبعه غيره لم يسدّ حاجته، والنبيّ وَّ اعتَمَد على ما أَلِف من إمداد الله تعالى له بالبركة، وما اعتاده من الإيثار على نفسه، ومن مكارم الأخلاق مع أهله، وكان من شأنه غير أن لا يراجع بعد ثلاث، فلذلك رجع الفارسيّ عن المنع. ١٨ - (ومنها): أن في قوله ◌َله: ((إنه اتَّبعنا رجل لم يكن معنا حين دعوتنا)) إشارةً إلى أنه لو كان معهم حالة الدعوة لم يَحتج إلى الاستئذان عليه، فيؤخذ منه أن الداعي لو قال لرسوله: ادعُ فلاناً وجلساءه جاز لكل من كان جلیساً له أن يحضر معه، وإن کان ذلك لا یستحبّ، أو لا يجب حيث قلنا بوجوبه إلا بالتعيين. ١٩ - (ومنها): أنه لا ينبغي أن يُظهر الداعي الإجابةَ وفي نفسه الكراهة؛ لئلا يَطعَم ما تكرهه نفسه، ولئلا يجمع الرياء، والبخل، وصفةَ ذي الوجهين، کذا استدلّ به عیاض. وتعقبه العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)) بأنه ليس في الحديث ما يدلّ على ذلك، بل فيه مطلق الاستئذان والإذن، ولم يكلّفه أن يَطّلع على رضاه بقلبه، قال: وعلى تقدير أن يكون الداعي يكره ذلك في نفسه، فينبغي له مجاهدة نفسه على دفع تلك الكراهة، وما ذَكَره من أن النفس تكون بذلك طيّبة لا شك أنه أولى، لكن ليس في سياق هذه القصة ذلك، فكأنه أَخَذه من غير هذا الحديث. قال الحافظ: والتعقب عليه واضحٌ؛ لأنه ساقه مساق من يستنبطه من حدیث الباب، وليس ذلك فیه. انتهى. ٢٠ - (ومنها): ما قال في ((الفتح)): إن في قوله ◌َلقول: ((اتبعنا رجل))، فأبهمه، ولم يعيّنه أدباً حسناً؛ لئلا ينكسر خاطر الرجل، ولا بد أن ينضم إلى ٢٣٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة هذا أنه اطّلع على أن الداعي لا يردّه، وإلا فكان يتعيَّن في ثاني الحال، فيحصل كسر خاطره، وأيضاً ففي رواية لمسلم: ((إن هذا اتبعنا))، ويُجمع بين الروايتين بأنه أبهمه لفظاً، وعيّنه إشارةً، وفيه نوع رفق به بحسب الطاقة. انتهى(١). [تنبيه]: قال في ((الفتح)): وقع هنا عند أبي ذرّ عن المستملي وحده: ((قال محمد بن يوسف - وهو الفريابيّ -: سمعت محمد بن إسماعيل - هو البخاريّ - يقول: إذا كان القوم على المائدة، فليس لهم أن يناولوا من مائدة إلى مائدة أخرى، ولكن يناول بعضهم بعضاً في تلك المائدة، أو يَدَعُوا؛ أي: يتركوا، وكأنه استَنْبَط ذلك من استئذان النبيّ وَّر الداعي في الرجل الطارئ، ووجْهُ أخْذِه منه أن الذين دُعُوا صار لهم بالدعوة عموم إذن بالتصرف في الطعام المدعوّ إليه، بخلاف من لم يُدْعَ، فيتنزّل مَن وُضع بين يديه الشيء منزلة من دُعِي له، وينزل الشيء الذي وُضع بين يدي غيره منزلة من لم يُدْعَ إليه، قال الحافظ: وأغفل مَن وقفت على كلامه من الشراح التنبيه على ذلك. انتهى (٢). وبالسند المتصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٩٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَاهُ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ بِنَحْوِ حَدِيثٍ جَرِيرٍ، قَالَ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشَرُ، حَدَّثَنَا شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ). رجال هذه الأسانيد: خمسة عشر: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيُّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، تقدّم قريباً. (١) ((الفتح)) ٣٥٤/١٢، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٤٣٤). (٢) ((الفتح)) ٣٥٥/١٢ - ٣٥٦، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٤٣٤). ٢٣٩ (٧) - بَابُ مَا يَفْعَلُ الضَّيْفُ إِذَا تَبِعَهُ غَيْرُ مَنْ دَعَاهُ صَاحِبُ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٩٩) ٢ - (أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حصين الكنديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) (ع) أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة تقدم في ((المقدمة)) ١٧/٤. ٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد الكوفيّ، تقدّم قريباً. ٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٥ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضاً قبل أربعة أبواب. ٦ - (شُعْبَةٌ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّم أيضاً قبل أربعة أبواب. ٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السَّمَر قنديّ الحافظ، صاحب ((المسند))، ثقةٌ متقنٌّ فاضلٌ [١١] (ت٢٥٥) وله (٧٤) سنةً (م د ت) تقدم في ((المقدمة)) ٢٩/٥. ٨ - (مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) بن واقد بن عثمان الضبيّ مولاهم الفِريابيّ، نزيل قيسارية من ساحل الشام، ثقةٌ فاضلٌ [٩] (ت٢١٢) (ع) تقدم في ((القسامة)) ٢/ ٤٣٤٩. والباقون كلّهم ذُكروا في الباب الماضي، و((سُفْيَانُ)) هو: الثوريّ. وقوله: (كُلَّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ ... إلخ) الضمير يرجع إلى أبي معاوية، وأبي أسامة، وشعبة، وسفيان الثوريّ؛ يعني: أن هؤلاء الأربعة رووا هذا الحديث عن الأعمش بسنده السابق، وهو عن أبي وائل، عن أبي مسعود الأنصاريّ، عن النبيّ وَّر، بنحو حديث جرير بن عبد الحميد المذكور في السند الماضي عن الأعمش. وقوله: (قَالَ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ... إلخ) غَرَضُه بذلك أن شيخه نصر بن عليّ صرّح بتحديث الأعمش له، وتحديث شقيق بن سلمة، وهو أبو وائل للأعمش، وتحديث أبي مسعود عظته لشقيق، فانتفت تهمة تدلیس الأعمش؛ إذ هو مدلّس. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل ((ساق)) ضمير نصر بن عليّ. [تنبيه]: رواية أبي معاوية عن الأعمش ساقها ابن حبّان في ((صحيحه))، مقروناً بجرير بن عبد الحميد، فقال: ٢٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة (٥٣٠٠) - أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى، قال: حدّثنا أبو خيثمة، قال: حدّثنا جرير، وأبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن أبي مسعود، قال: كان رجل من الأنصار، يقال له: أبو شعيب، وكان له غلام لَحّام، فرأى رسول الله وَّة، فعرف في وجهه الجوع، فقال لغلامه: اصنع لنا طعاماً لخمسة، فإني أريد أن أدعو النبيّ وَلّر خامس خمسة، قال: فصنع، ثم جاء النبيّ وَّر خامس خمسة، وتَبِعهم رجل، فلما بلغ الباب، قال النبيّ ◌َّ: ((إن هذا تَبِعنا، فإن شئت أن تأذن له، وإن شئت رجع))، قال: بل آذن له يا رسول الله. انتهى(١). ورواية أبي أسامة عن الأعمش ساقها البخاريّ كَّتُهُ في ((صحيحه))، فقال: (٥١٤٥) - حدثنا عبد الله بن أبي الأسود، حدّثنا أبو أسامة، حدّثنا الأعمش، حدّثنا شقيق، حدّثنا أبو مسعود الأنصاريّ، قال: كان رجل من الأنصار يكنى أبا شعيب، وكان له غلام لَحّام، فأتى النبيّ وَّ، وهو في أصحابه، فعَرَف الجوع في وجه النبيّ ◌َِّ، فذهب إلى غلامه اللحام، فقال: اصنع لي طعاماً يكفي خمسةً، لعلّي أدعو النبيّ وَّ خامس خمسة، فصنع له طُعيماً، ثم أتاه، فدعاه، فتبعهم رجل، فقال النبيّ وَّ: ((يا أبا شعيب إن رجلاً تبعنا، فإن شئت أذنت له، وإن شئت تركته))، قال: لا، بل أذنت له. انتهى (٢). ورواية شعبة، عن الأعمش ساقها أبو عوانة تَّتُ في ((مسنده))، فقال: (٨٢٩٨) - حدثنا يونس بن حبيب، وأبو أمية، قالا: ثنا أبو داود الطيالسيّ، قال: ثنا شعبة، عن الأعمش، قال: سمعت أبا وائل يحدث عن أبي مسعود البدريّ، قال: صنع رجل منا يكنى أبا شعيب لرسول الله وَلـ طعاماً، فقال: تعال أنت وخمسة معك، فقال رسول الله ومثل: ((تأذن لي في السادس؟)). انتهى (٣). ورواية سفيان الثوريّ، عن الأعمش ساقها البخاريّ تَخْتُ في (صحيحه))، فقال: (١) ((صحيح ابن حبان)) ١١١/١٢. (٣) ((مسند أبي عوانة)) ١٧٤/٥. (٢) ((صحيح البخاريّ)) ٢٠٧٩/٥.