النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ (٥) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ إِدَارَةِ الْمَاءِ وَاللََّنِ وَنَحْوِهِمَا عَنْ يَمِينٍ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٧٩) [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف تَذَتُهُ، كالأسانيد الخمسة اللاحقة، وهو (٣٩٤) من رباعيّات الكتاب، وشرح الحديث يأتي في الحديث التالي، وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ مما هنا، فتنبّه. وقوله: (أَتِيَ بِلَبَنِ) ببناء الفعل للمفعول، والآتي به هو أنس به، كما سيبيَّن في الرواية التالية. وقوله: (قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ) بكسر الشين المعجمة، مبنيّاً للمفعول، ومعناه: خُلط به. وقوله: (وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ) سيأتي الخلاف في اسمه في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى -. وقوله: ((الأَيْمَنَ، فَالأَيْمَنَ))) يجوز نَصْبهما على تقدير: أَعْطِ الأيمنَ، ورَفْعهما على تقدير: الأيمنُ أحقّ، أو نحو ذلك. وبالسند المتصل إلى المؤلّف كَُّ أوّل الكتاب قال: [٥٢٧٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ◌ِ﴿ِ الْمَدِينَةَ، وَأَنَا ابْنُ عَشْرٍ، وَمَاتَ، وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ، وَكُنَّ أُمَّهَاِي يَحْتُنْتَنِي عَلَى خِدْمَتِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا دَارَنَا، فَحَلَبْنَا لَهُ مِنْ شَاةٍ دَاجٍِ، وَشِيبَ لَهُ مِنْ بِثْرٍ فِي الدَّارِ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللهِ وَةِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ - وَأَبُو بَكْرِ عَنْ شِمَالِهِ -: يَا رَسُولَ اللهِ أَعْطِ(١) أَبَا بَكْرٍ، فَأَعْطَاهُ أَعْرَابِيّاً عَنْ يَمِينِهِ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((الأَيْمَنَ، فَالأَيْمَنَ))). رجال هذا الإسناد: سبعة : وكلهم تقدّموا في الباب، وفي الأبواب الأربعة السابقة. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف، كسابقه، والأسانيد الأربعة اللاحقة. (١) وفي نسخة: ((أعطه)). ١٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة شرح الحديث : (عَنْ أَنَسٍ) وفي رواية البخاريّ من طريق يونس عن الزهريّ، قال: أخبرني أنس بن مالك رَظُه (قَالَ: قَدِمَ) بكسر الدال، كعَلِمِ يَعْلَمُ، (النَّبِيُّ ◌َيقول الْمَدِينَةَ، وَأَنَا ابْنُ عَشْرٍ) جملة في محلّ نصب على الحال، (وَمَاتَ) وَِّ (وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ، وَكُنَّ أُمَّهَاتِي) قال النوويّ تَظْلَتُهُ: المراد بأمهاته: أمه أم سُليم، وخالته أم حرام، وغيرهما، من محارمه، فاستَعْمَل لفظ الأمهات في حقيقته ومجازه، وهذا على مذهب الشافعيّ تََّثُ، والقاضي أبي بكر الباقلانيّ، وغيرهما، ممن يجوّز إطلاق اللفظ الواحد على حقيقته ومجازه. انتهى (١). وقوله أيضاً: (وَكُنَّ أُمَّهَاتِي) قال النوويّ كَُّهُ: هذا على لغة ((أكلوني البراغيث))؛ وهي لغة صحيحة، وإن كانت قليلة الاستعمال، وقد تقدّم إيضاحها عند قوله وَله: ((يتعاقبون فيكم ملائكة))، ونظائره. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: اللغة الفصحى تجريد الفعل عن علامة التثنية والجمع، وقد أشار ابن مالك تَخَّتُهُ إلى اللغتين في ((خلاصته))، فقال: لاثْنَيْنِ أَوْ جَمْع كَـ«فَازَ الشُّهَدَا)» وَجَرِّدِ الْفِعْلَ إِذَا مَا أُسْنِدَا وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ وَقَدْ يُقَالُ ((سَعِدَا))، و((سَعِدُوا)) وقال الحريريّ في ((مُلحته)): كَقَوْلِهِمْ ((سَارَ الرِّجَالُ السَّاعَهْ)) وَوَحِّدِ الْفِعْلَ مَعَ الْجَمَاعَهْ وَإِنْ تَشَأُ فَزِدْ عَلَيْهِ الثَّاءَ نَحْوُ (اشْتَكَتْ عُرَاتُنَا الشِّتَاءَ)) (يَحْثُقْتَنِي) من باب نصر؛ أي: يُحرّضنني، قال الفيّوميّ ◌َّتُهُ: حَثثت الإنسان على الشيء حثّاً، من باب قَتَلَ، وحرّضته عليه بمعنى، وذَهَب حثيثاً؛ أي: مسرعاً، وحثثتُ الفرسَ على الْعَدْو: صِحْتُ به، أو وَكَزته برجل، أو ضرب، واستحثثته ذلك. انتهى(٣). وقال القرطبيّ تَخُّْ: حَثّ، وحضّ، ورغّب بمعنى واحد (٤). (عَلَى خِدْمَتِهِ) وَّهِ (فَدَخَلَ) بَلِّ (عَلَيْنَا دَارَنَا) وفي الرواية التالية: ((أتانا (١) (شرح النوويّ)) ٢٠٢/١٣. (٣) ((المصباح المنير)) ١/ ١٢١. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢٠٢/١٣. (٤) ((المفهم)) ٢٩٠/٥. ١٨٣ (٥) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ إِدَارَةِ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَنَحْوِهِمَا عَنْ يَمِينٍ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٧٩) رسول الله ﴿﴿ في دارنا، فاستسقى، فحلبنا شاةً لنا)). (فَحَلَبْنَا لَهُ) وفي رواية للبخاريّ: ((فحلبت شاةً))، فبيّن أن أنساً هو الذي تولّى الحلب. والْحَلْب بفتح، فسكون، أو بفتحتين: استخراج ما في الضرع من اللبن، كالْحِلاب بالكسر، والاحتلاب، وهو من بابي ضرب، ونصر، أفاده المجد (١). (مِنْ شَاةٍ دَاجِنٍ) بغير هاء صفة لـ(شاة))، وقد يقال: داجنة بالهاء؛ أي: آلفة للبيت، قال المجد ◌َُّهُ: ودَجَنَ بالمكان دُجُوناً: أقام، والْحَمَامُ، والشاة، وغيرهما: أَلِفِت البيوت، وهي داجنٌ، والجمع: دَوَاجن. انتهى(٢). وقال الفيّوميّ كَُّهُ: دَجَنَ بالمكان دَجْناً، من باب قَتَلَ، ودُجُوناً: أقام به، وأدجن بالألف مثله، ومنه قيل لِمَا يَأَلَف البيوت من الشاة، والحمام، ونحوه: دواجن، وقد قيل: داجنةٌ بالهاء، وسَحَابةٌ داجنة؛ أي: ممطرةٌ، والدَّجْنُ وزانُ فَلْس: المطر الكثير. انتهى(٣). وقال النوويّ كَّلُ: قوله: ((من شاة داجنٍ)) هي بكسر الجيم، وهي التي تُعْلَف في البيوت، يقال: دَجَنت تَدْجُن دُجُوناً، ويُطلق الداجن أيضاً على كل ما يَألَف البيت من طير وغيره. انتهى (٤). وقال في ((العمدة)): قوله: ((شاة داجن)): الداجن شاةٌ أَلِفت البيوتَ، وأقامت بها، والشاة تذكَّر وتؤنَّث، فلذلك قال: داجنٌ، ولم يقل: داجنةٌ، وقال ابن الأثير: الداجن: الشاة التي يَعلِفها الناسُ في منازلهم، يقال: دَجَنت تَدْجُنُ دُجُوناً. انتهى(٥) . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((تذكّر وتؤنّث)) عبارة الفيّوميّ: الشاة: من الغنم يقع على الذكر والأنثى، فيقال: هذا شاةٌ للذكر، وهذه شاةٌ للأنثى، وشاةٌ ذَكَرٌ، وشاةٌ أنثى، وتصغيرها شُوَيهةٌ، والجمع شاءٌ، وشِياهٌ بالهاء رُجوعاً إلى الأصل، كما قيل: شَفَةٌ وشِفَاءٌ، ويقال: أصلها شاهَةٌ، مثلُ عَاهَةٍ. انتهى(٦). (١) ((القاموس المحيط)) ص ٣١٠. (٣) ((المصباح المنير)) ١٩٠/١. (٥) (عمدة القاري)) ١٢/ ١٩٢. (٢) ((القاموس المحيط)) ص٤١٦. (٤) ((شرح النوويّ)) ١٣/ ٢٠٢. (٦) ((المصباح المنير)) ٣٢٦/١. ١٨٤ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة (وَشِيبَ) بكسر الشين، مبنيّاً للمفعول؛ أي: خُلط، قال الفيّوميّ ◌َُّهُ: شابه شَوْباً، من باب قال: خَلَطه، مثلُ شُوبَ اللبنُ بالماء، فهو مَشُوبٌ، والعربُ تُسَمّي العسلَ شَوْباً؛ لأنه عندهم مِزَاجٌ للأشربة، وقولهم: ليس فيه شائبة مِلْكٍ يجوز أن يكون مأخوذاً من هذا، ومعناه: ليس فيه شيءٌ مختلطٌ به، وإن قَلّ، كما ليس له فيه عُلْقَةٌ ولا شُبهةٌ، وأن تكون فاعلةً بمعنى مفعولةٍ، مثلُ [الحاقة: ٢١]، هكذا استعمله الفقهاء، قال: ولم أجد فيه أَعِيشَةٍ رَّضِيَةٍ نصّاً، نعم قال الجوهريّ: الشائبة واحدة الشوائب، وهي الأدناس والأقذار. (١) انتھی(١) . قال العلماء: والحكمة في شوب اللبن بالماء ليبرد، أو ليكثر، أو للمجموع(٢). (لَهُ)؛ أي: لأجله وَِّ، (مِنْ بِثْرٍ فِي الدَّارِ)؛ أي: دار أنس، وفي الرواية التالية: ((ثمّ شُبته من ماء بئري هذه))، (فَشَرِبَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ، فَقَالَ لَهُ) وَِّ، (عُمَرُ) بن الخطّاب ◌َّه، قال في ((الفتح)): كذا لجميع أصحاب الزهريّ، وشذّ معمر فيما رواه وُهيب عنه، فقال: ((فقال عبد الرحمن بن عوف)) بدل عمر، أخرجه الإسماعيليّ، والأول هو الصحيح، ومعمر لَمّا حَدّث بالبصرة حدَّث من حفظه، فوَهِمَ في أشياء، فكان هذا منها، ويَحْتَمِل أن يكون محفوظاً، بأن يكون كلٌّ من عمر وعبد الرحمن قال ذلك؛ لتوفُّر دواعي الصحابة على تعظيم أبي بكر. انتهى(٣). وقوله: (وَأَبُو بَكْرِ عَنْ شِمَالِهِ) جملة حاليّة؛ أي: والحال أن أبا بكر الصدّيق ◌ُه جالس في جهة شمال النبيّ وَلهو، وفي الرواية التالية: ((وأبو بكر عن يساره، وعمر وُجاهه، وأعرابيّ عن يمينه)). (يَا رَسُولَ اللهِ أَعْطِ) وفي بعض النسخ ((أعطه))، (أَبَا بَكْرٍ) الصدّيق، وفي رواية للبخاريّ: ((فقال عمر - وخاف أن يعطيه الأعرابيّ -: أعط أبا بكر))، وفي رواية أبي طوالة التالية: ((فقال عمر: هذا أبو بكر يا رسول الله يُريه إيّاه)). (١) ((المصباح المنير)) ٣٢٨/١. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢٠١/١٣. (٣) ((الفتح)) ١٥٦/٦، كتاب ((المساقاة)) رقم (٢٣٥٢). ١٨٥ (٥) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ إِدَارَةِ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَنَحْوِهِمَا عَنْ يَمِينٍ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٧٩) قال الخطابيّ وغيره: كانت العادة جاريةً لملوك الجاهلية، ورؤسائهم بتقديم الأيمن في الشرب، حتى قال عمرو بن كلثوم في قصيدة له [من الطويل]: وَكَانَ الْكَأُسُ مَجْرَاهَا الْيَمِينَا فخَشِي عمر لذلك أن يقدِّم الأعرابيّ على أبي بكر في الشرب، فنّه عليه؛ لأنه احتَمَل عنده أن النبيّ وَل ◌ِ يُؤثِر تقديم أبي بكر على تلك العادة، فتصير السُّنَّة تقديم الأفضل في الشرب على الأيمن، فبَيَّن النبيّ وَ ﴿ بفعله وقوله أن تلك العادة لم تغيّرها السُّنَّة، وأنها مستمرّة، وأن الأيمن يقدَّم على الأفضل في ذلك، ولا يلزم من ذلك حط رتبة الأفضل، وكان ذلك لفضل اليمين على (١) اليسار. انتهى(١). (فَأَعْطَاهُ)؛ أي: أعطى النبيّ ◌َِّ ذلك اللبن (أَعْرَابِيّاً عَنْ يَمِينِهِ) قيل: إن الأعرابيّ هو خالد بن الوليد، حكاه ابن التين، وتُعُقّب بأن مثله لا يقال له: أعرابيّ، وكأن الحامل له على ذلك أنه رأى في حديث ابن عباس الذي أخرجه الترمذيّ، قال: ((دخلت أنا وخالد بن الوليد على ميمونة، فجاءتنا بإناء من لبن، فشرب رسول الله وعليه، وأنا على يمينه، وخالد على شماله، فقال لي: الشَّرْبة لك، فإن شئت آثرتَ بها خالداً))، فقلت: ما كنت أُوثر على سؤرك أحداً، فظنّ أن القصة واحدة، وليس كذلك، فإن هذه القصة في بيت ميمونة، وقصة أنس في دار أنس، فافترقا، نعم يصلح أن يُعَدّ خالد من الأشياخ المذكورين في حديث سهل بن سعد، والغلام هو ابن عباس، ويقوّيه قوله في حديث سهل أيضاً: ما كنت أوثر بفضلي منك أحداً، ولم يقع ذلك في حديث أنس، وليس في حديث ابن عباس ما يمنع أن يكون مع خالد بن الوليد في بيت ميمونة غيره، بل قد روى ابن أبي حازم، عن أبيه، في حديث سهل بن سعد ذِكر أبي بكر الصديق فيمن كان على يساره وَ ﴿. ذكره ابن عبد البرّ، وخَطّأه. قال ابن الجوزيّ: إنما استأذن الغلامَ، ولم يستأذن الأعرابيّ؛ لأن (١) ((الفتح)) ٦٦٢/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦١٢). ١٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة الأعرابيّ لم يكن له علم بالشريعة، فاستألفه بترك استئذانه، بخلاف الغلام، قاله في ((الفتح) (١). وقال في ((الفتح)) أيضاً في موضع آخر ما حاصله: من زَعَم أن اسم هذا الأعرابي خالد بن الوليد، فقد وَهِمَ، ووقع عند الطبرانيّ من حديث عبد الله بن أبي حبيبة قال: ((أتانا رسول الله وَلهو في مسجد قباء، فجئت، فجلست عن يمينه، وجلس أبو بكر عن يساره، ثم دعا بشراب، فشرب، وناولني عن يمينه))، وأخرجه أحمد، لكن لم يسمّ الصحابيّ، قال: ولا يمكن تفسير المبهَم في حديث أنس به أيضاً؛ لأن هذه القصة كانت بقُباء، وتلك في دار أنس أيضاً، فهو أنصاريّ، ولا يقال له: أعرابيّ، كما استُبْعِد ذلك في حقّ خالد بن الوليد. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أنه لم يُعرف اسم الأعرابيّ المذكور في حديث أنس به هذا، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((الأَيْمَنَ، فَالأَيْمَنَ))) بالنصب، على تقدير: قدِّموا، أو أعطوا الأيمن، أو بالرفع؛ أي: الأيمن مقدّم، وفي رواية أبي طوالة التالية: ((الأيمنون، الأيمنون، الأيمنون))، وهذه الرواية ترجّح الرفع على النصب في قوله هنا: ((الأيمنُ، فالأيمنُ))، وفي رواية البخاريّ: ((الأيمنون، الأيمنون، ألا فَيَمِّنوا)). قال في ((الفتح)): قوله: ((الأيمنون الأيمنون)) فيه تقدير مبتدأ مضمر؛ أي: المقدَّم الأيمنون، والثانية للتأكيد، وقوله: ((ألا فَيَمِّنوا)) كذا وقع بصيغة الاستفتاح، والأمر بالتيامن، قال: وتوجيهه أنه لمّا بَيّن أن الأيمن يقدَّم، ثم أكّده بإعادته، أَكْمَل ذلك بصريح الأمر به، ويُستفاد من حذف المفعول التعميم في جميع الأشياء؛ لقول عائشة ثنا: ((كان يعجبه التيمن في شأنه كله)). انتھی(٣) . (١) ((الفتح)) ١٥٦/٦، كتاب ((المساقاة)) رقم (٢٣٥٢). (٢) ((الفتح)) ٦٦٢/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦١٢). (٣) ((الفتح)) ٤٢٢/٦، كتاب ((الهبة)) رقم (٢٥٧١). ١٨٧ (٥) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ إِدَارَةِ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَنَحْوِهِمَا عَنْ يَمِينٍ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٧٩) وقال القرطبيّ تَخّْثُ: وإنما بدأ النبيّ وَّ بالأعرابيّ؛ لأنه كان عن يمينه، فبيَّن أن ذلك سُنَّة، ولذلك قال: ((الأيمن فالأيمن))؛ أي: أَعْطِ الأيمن، وابدأ به، وقيل: أيضاً إنه قصد استئلافه، فإنَّه كان من كبراء قومه، فلذلك جلس عن يمينه وَله، والأول أظهر، ولا يبعد قَصْد المعنى الثاني. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): استنبط بعضهم من تكرار الأيمن أن السُّنَّة إعطاء من على اليمين، ثم الذي يليه، وهَلُمّ جَرّاً، ويلزم منه أن يكون عُمر في الصورة التي وردت في هذا الحديث شَرِب بعد الأعرابيّ، ثم شرب أبو بكر بعده، لكن الظاهر عن عُمر إيثاره أبا بكر بتقديمه عليه، والله أعلم. [تنبيه]: ألحق بعضهم بتقديم الأيمن في المشروب تقديمه في المأكول، ونُسب لمالك، وقال ابن عبد البرّ: لا يصحّ عنه. انتهى(٢). وقال المناويّ: قوله: ((الأيمن، فالأيمن))؛ أي: ابتدأوا بالأيمن، أو قَدِّموا الأيمن؛ يعني: مَنْ عِند اليمين في نحو الشرب، فهو منصوب، ورُوي رفعه، وخبره محذوف؛ أي: الأيمن أحقّ، ورجّحه العينيّ بقوله في بعض طرق الحديث: ((الأيمنون، فالأيمنون))، وكَرّر لفظ ((الأيمن)) للتأكيد؛ إشارةً إلى نَذْب البداءة بالأيمن، ولو مفضولاً، وحُكي عليه الاتفاق، بل قال ابن حزم: لا يجوز مناولة غير الأيمن إلا بإذنه، قال ابن العربيّ: وكلّ ما يدور على جَمْع من كتاب، أو نحوه، فإنما يدور على اليمين قياساً على ما ذَكَره، وتقديم مَن على اليمين ليس لمعنى فيه، بل المعنى في جهة اليمين، وهو فضْلها على جهة اليسار، فيؤخذ منه أن ذلك ليس ترجيحاً لمن عن اليمين، بل لجهته، ولا يعارِض هذا ما في خبر الأمر بمناولة السواك الأكبر، ولا ما ثبت في خبر القسامة: ((كَبِّر كَبِّر))، ولا قوله في حديث أبي يعلى: ((كان إذا سقى قال: ابدؤوا بالكبير))؛ لِحَمْله على الحالة التي يجلسون فيها متساويين بين يديه، أو عن يساره، أو خلفه، فتُخص هذه الصورة من عموم تقديم الأيمن، أو يُخَصّ من عموم الأمر بالبداءة بالكبير ما لو قَعَد بعض عن يمين الرئيس، وبعض عن (١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٢٩٠/٥. (٢) ((الفتح)) ١٥٦/٦، كتاب ((المساقاة)) رقم (٢٣٥٢). ١٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة يساره، ففي هذه الصورة يقدَّم الصغير على الكبير، والمفضول على الفاضل، فالأيمن لم يَمْتَزْ بمجرد القعود في الجهة اليمنى، بل لخصوص كونها يمين الرئيس، فالفضل إنما فاض عليه من الأفضل، وأُخذ من الحديث أن كل ما كان من أنواع التكريم يقدَّم فيه مَن على اليمين. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ظُبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٧٨/٥ و٥٢٧٩ و٥٢٨٠] (٢٠٢٩)، و(البخاريّ) في ((الهبة)) (٢٥٧١) و((الأشربة)) (٥٦١٢ و٥٦١٩)، و(أبو داود) في (الأشربة)) (٣٧٢٦)، و(الترمذيّ) في ((الأشربة)) (١٨٩٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٩٣/٤)، و(ابن ماجه) في ((الأشربة)) (٣٤٢٥)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (٩٢٦/٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤٢٥/١٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٠٨/٥)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٤٩٩/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٠/٣ و١١٣ و٢٣١ و٢٣٩)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢/ ١٦٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٥٥/٥ و١٥٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٣٣٣ و٥٣٣٤ و٥٣٣٦ و٥٣٣٧)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٦/ ٢٥٣ و٢٥٥ و٢٦٠ و٢٦٢ و٢٨٦ و٢٩٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٨٥/٧) و(«شُعَب الإيمان)) (١٢١/٥)، و(أبو الشيخ) في ((أخلاق النبيّ وَّ)) (ص٢٢٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٠٥١ و٣٠٥٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما قاله النوويّ كَّلُهُ: في أحاديث الباب بيان هذه السُّنَّة الواضحة، وهو موافق لِمَا تظاهرت عليه دلائل الشرع، من استحباب التيامن في كل ما كان من أنواع الإكرام(٢). (١) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) للمناويّ كتذم ١٩٠/٣ - ١٩١. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢٠٠/١٣. ١٨٩ (٥) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ إِدَارَةِ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَنَحْوِهِمَا عَنْ يَمِينٍ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٧٩) ٢ - (ومنها): بيان مشروعية تقديم من هو على يمين الشارب في الشرب، وإن كان صغيراً، أو مفضولاً بالنسبة إلى من كان على يسار الشارب؛ لفضل جهة اليمين على جهة اليسار، فقد قدّم رسول الله وَ ﴿ الأعرابيّ، والغلام على أبي بكر. قال في ((العمدة: وهل هو على جهة الاستحباب، أو أنه حقّ ثابت للجالس على اليمين؟ فقال القاضي عياض: إنه سُنَّةٌ، قال: وهذا مما لا خلاف فيه، وكذا قال النوويّ: إنها سُنَّة واضحة، وخالف فيه ابن حزم، فقال: لا بُدّ من مناولة الأيمن كائناً من كان، فلا يجوز مناولة غير الأيمن إلا بإذن الأيمن، قال: ومن لم يُرِدْ أن يناول أحداً فله ذلك. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن حزم هو الحقّ الذي عليه ظواهر النصوص، فلا ينبغي عنها العدول إلا لنصّ صحيح، فلا يجوز تقديم غير الأيمن إلا بإذنه، ولم يأت من ادّعى الاستحباب بصارف يصرف الأمر عن الوجوب إليه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم. [فإن قلت]: في حديث ابن عباس ◌ًا أخرجه أبو يعلى بإسناد صحيح، قال: كان رسول الله وَ ﴿ إذا سقى قال: ((ابدأوا بالكبراء))، أو قال: ((بالأكابر))، فكيف الجمع بينه وبين أحاديث الباب؟. [أجيب]: بأن هذا الحديث يُحْمَل على ما إذا لم يكن على جهة يمينه وهو، بل كان الحاضرون تلقاء وجهه مثلاً، أو وراءه. وقال النوويّ: وأما تقديم الأفاضل والكبار، فهو عند التساوي في باقي الأوصاف، ولهذا يقدَّم الأعلم، والأقرأ على الأسنّ النسيب في الإمامة في الصلاة. انتهى. ٣ - (ومنها): ما قيل: إن غير المشروب، مثل الفاكهة، واللحم، ونحوهما، هل حكمه حكم الماء؟ فنُقل عن مالك تخصيص ذلك بالشرب، وقال ابن عبد البر وغيره: لا يصحّ هذا عن مالك، وقال القاضي عياض: يُشْبِهِ أن يكون قول مالك: إن السُّنَّة وردت في الشرب خاصّة، وإنما يقدَّم الأيمن، فالأيمن في غيره بالقياس؛ لأن السُّنّة منصوصة فيه، وكيف ما كان فالعلماء متفقون على استحباب التيامن في الشرب، وأشباهه. ١٩٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة ٤ - (ومنها): جواز شَوْب اللبن بالماء لنفسه، ولأهل بيته، ولأضيافه، وإنما يمتنع شَوْبه بالماء إذا أراد بيعه؛ لأنه غَشّ. ٥ - (ومنها): أن الجلساء شركاء في الهديّة، وذلك على جهة الأدب، والمروءة، والفضل، والأخوّة، لا على الوجوب؛ لإجماعهم على أن المطالبة بذلك غير واجبة لأحد. [فإن قلت]: رُوي أنه رَّير قال: ((جلساؤكم شركاؤكم في الهدية)). [أجيب]: بأنه محمول على ما ذَكَرنا من الاستحباب، مع أن إسناده فيه لِيْن(١)، قاله في ((العمدة))(٢). وعبارة ((الفتح)): وفيه أن الجلساء شركاء فيما يُقَرَّب إليهم على سبيل الفضل، لا اللزوم؛ للإجماع على أن المطالبة بذلك لا تجب، قاله ابن عبد البرّ، ومحله ما إذا لم يكن فيهم الإمام، أو من يقوم مقامه، فإن كان فالتصرف في ذلك له. انتهى(٣). ٦ - (ومنها): أن من قُدِّم إليه شيء من الأكل، أو الشرب، فليس عليه أن يسأل من أين هو؟ وما أصله؟ إذا عَلِم طِيْب مكسب صاحبه في الأغلب. ٧ - (ومنها): جواز طلب الأعلى من الأدنى ما يريده من مأكول، ومشروب، إذا كانت نفس المطلوب منه طيّبة به، ولا يُعَدّ ذلك من السؤال (٤) المذموم(٤). ٨ - (ومنها): ما قيل: ما الحكمة في كونه * استأذن ابن عباس أن يعطي خالد بن الوليد قبله، ولم يستأذن الأعرابيّ في أن يعطي أبا بكر الصديق رَظُه قبله؟. [وأجيب]: بأنه إنما استأذن الغلام دون الأعرابيّ؛ إدلالاً على الغلام، وهو ابن عباس ثقةً بطِيْب نَفْسه بأصل الاستئذان، والأشياخ أقاربه، وأما (١) قاله الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ كَذَتُ في ((التمهيد)) ١٢٤/٢١. (٢) ((عمدة القاري)) ١٩٣/١٢. (٣) ((الفتح)) ٦٦٣/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦١٢). (٤) ((الفتح)) ٤٢٢/٦ - ٤٢٣، كتاب ((الهبة)) رقم (٢٥٧١). ١٩١ (٥) - بَابُ اسْتِحْبَابِ إِدَارَةِ الْمَاءِ وَاللََّنِ وَنَحْوِهِمَا عَنْ يَمِينٍ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٨٠) الأعرابي فلم يستأذنه مخافةً من إيحاشه في استئذانه في صرفه إلى أصحابه، وربما سبق إلى قلب ذلك الأعرابيّ شيء يأنف به؛ لقُرب عهده بالجاهلية. ٩ - (ومنها): ما قيل: ما الحكمة في كون ابن عباس لم يوافق استئذان النبيّ وَّر له في أن يقدّم في الشرب من هو أولى منه بذلك؟. [وأجيب]: بأنه * لم يأمره بذلك بقوله: اترك له حقّك، ولو أَمَره لأطاعه فلمّا لم يقع منه إلا استئذانه له في ذلك فقط لم يفوّت نَفْسه حظه من سؤر النبيّ ◌َلام . ١٠ - (ومنها): ما قيل: هل مَنْ سَبَق إلى مجلس عالم، أو كبير، أو إلى موضع من المسجد، أو إلى موضع مباح فهو أحقّ به ممن يجيء بعده أم لا؟. والجواب أن حكمَ الشرب في أن القاعد على اليمين أحقّ كائناً من كان، فكذلك هنا السابق أحقّ كائناً من كان، ولا يُقام أحد من مجلس جَلَسه، قاله في ((العمدة))(١). وقال في ((الفتح)): وفيه أن من سَبَق إلى مجلس علم، أو مجلس رئيس، لا يُنَخَّى منه لمجيء من هو أولى منه بالجلوس في الموضع المذكور، بل يجلس الآتي حيث انتهى به المجلس، لكن إن آثره السابق جاز. انتهى. ١١ - (ومنها): أن من استحقّ شيئاً لم يُدْفَع عنه إلا بإذنه كبيراً كان، أو صغيراً، إذا كان ممن يجوز إذنه. ١٢ - (ومنها): جواز دخول الكبير بيت خادمه، وصاحبه، ولو كان صغير السنّ، وتناوله مما عندهم من طعام وشراب، من غير بحث، قاله في ((الفتح))(٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٨٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَزْمِ أَبِي طُوَالَةَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِك (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ ء (١) راجع: ((عمدة القاري)» ١٩٣/١٢. (٢) ((الفتح)) ٦٦٣/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦١٢). ١٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة مَسْلَمَةَ بْنٍ قَعْنَبِ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يُحَدِّثُ، قَالَ(١): أَنَانَا رَسُولُ اللهِ وَلِي فِي دَارِنَا، فَاسْتَسْقَى، فَحَلَبْنَا لَهُ شَاةً، ثُمَّ شُبْتُهُ مِنْ مَاءِ بِثْرِي هَذِهِ، قَالَ: فَأَعْطَيْتُ(٢) رَسُولَ اللهِنَّهِ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللهِنَّهِ، وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَسَارِهِ، وَعُمَرُ وُجَاهَهُ، وَأَعْرَابِيٌّ عَنْ يَمِينِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ وَِّ مِنْ شُرْبِهِ، قَالَ عُمَرُ: هَذَا أَبُو بَكْرِ يَا رَسُولَ اللهِ، يُرِيهِ إِيَّهُ، فَأَعْطَى رَسُولُ اللهِنَّهِ الأَعْرَابِيَّ، وَتَرَكَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ : ((الأَيْمَنُونَ، الأَيْمَنُونَ، الأَيْمَنُونَ))، قَالَ أَنَسٌ: فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ). رجال هذين الإسنادين: ثمانية: ١ - (بَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، أبو زكريّاء البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) بن إياس السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارىء، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢/ ١١٠. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَزْمٍ أَبِي طُوَالَةَ (٣) الأَنْصَارِيِّ) المدنيّ، قاضي المدينة لعمر بن عبد العزيز، ثقةٌ [6] (ت١٣٤) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((الصيام)) ١٣/ ٢٥٩٣. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ) القعنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، كان ابن معين، وابن المدينيّ لا يقدّمان عليه في ((الموظّأ)» أحداً، من صغار [٩] (ت٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في ((الطهارة)) ١٧ / ٦١٧. (١) وفي نسخة: ((يقول)). (٢) وفي نسخة: ((فأعطيته)). (٣) بضمّ الطاء المهملة، وتخفيف الواو، قال النوويّ: هذا هو الصحيح المشهور، وحَكَى صاحب ((المطالع)) ضمّها، وفتحها، قالوا: ولا يُعرَف في المحدّثين من يُكنى أبا طوالة غيره، وقد ذكره الحاكم أبو أحمد في الكنى المفردة. انتهى. ١٩٣ (٥) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ إِدَارَةِ الْمَاءِ وَاللََّنِ وَنَحْوِهِمَا عَنْ يَمِينٍ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٨٠) ٦ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيّوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤. والباقيان ذُكرا في الباب، وقبله. [تنبيه]: من لطائف هذين الإسنادين أنهما من رباعيّات المصنّف ◌َّلُ، كالأسانيد الماضية واللاحقة. وقوله: (فَاسْتَسْقَى)؛ أي: طلب منّا أن نسقيه ماءً، قال في ((الفتح)): أشار الإسماعيليّ إلى أن سليمان بن بلال تفرّد عن أبي طوالة بقوله: ((فاستسقى))، وأخرجه من طريق إسماعيل بن جعفر، وخالد الواسطيّ، عن أبي طُوالة بدونها. انتهى. قال الحافظ: وسليمان حافظ، وزيادته مقبولة، وقد ثبتت هذه اللفظة في حديث جابر، من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عنه في حديث - تقدّم عند مسلم في ((الأشربة)) [٥٢٣٣/١٠] (٢٠١١) _ (١). وقوله: (ثُمَّ شُبْتُهُ) بضمّ الشين المعجمة، من باب قال. وقوله: (مِنْ مَاءِ بِثِي هَذِهِ) اسم الإشارة بدل من ابتري)). وقوله: (قَالَ عُمَرُ: هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللهِ، يُرِيهِ إِيَّاهُ) قال الفنوويّ تَخّْتُهُ: إنما قال عمر ◌َُّه هذا لتذكيره وَ ل﴿ بأبي بكر مخافةً من نسيانه، وإعلاماً لذلك الأعرابيّ الذي على اليمين بجلالة أبي بكر ظُه. انتهى (٢). وقوله: (الأَيْمَنُونَ، الأَيْمَنُونَ، الأَيْمَنُونَ) مبتدأ خبره محذوف؛ أي: الأيمنون مقدّمون، أو الأيمنون أولى بالتقديم، وإن كانوا مفضولين. وقوله: (قَالَ أَنَسٌ: فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ) كرّره للتأكيد؛ يعني: أن هذه الخصلة، وهي تقديم الأيمن على غيره سُنَّة ثابتة عن النبيّ وَّـ، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ٤٢٢/٦، كتاب ((الهبة)) رقم (٢٥٧١). (٢) (شرح النوويّ)) ٢٠٠/١٣. ١٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٨١] (٢٠٣٠) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ أُتِّيَّ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنَّ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: ((أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟»، فَقَالَ الْغُلَامُ: لَا، وَالله، لَا أُوْثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَداً))، قَالَ: فَتَلَّهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ فِي بَدِهِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو حَازِم) سلمة بن دينار التمّار الأعرج المدنيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (سَهْلُ بَّنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) بن مالك بن خالد الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿هَا، تقدّم أيضاً قريباً. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف رَّتُهُ، كالأسانيد السابقة، والآتي بعده، وهو (٣٩٨) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: ﴿ُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ أُتِيَ بِشَرَابٍ) ببناء (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ) الفعل للمفعول، والآتي به هي ميمونة بنت الحارث زوج النبيّ وَّ رَّا، فقد أخرج الترمذيّ وغيره عن ابن عباس ظها قال: دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله ◌َ﴿ على ميمونة، فجاءتنا بإناء من لبن، فشَرِب رسول الله وَله، وأنا عن يمينه، وخالد عن شماله، فقال لي: ((الشَّرْبة لك، وإن شئت آثرت بها خالداً))، فقلت: ما كنت لأوثر بسؤرك أحداً، ثم قال رسول الله وَلّى: ((من أطعمه الله طعاماً، فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وأطعمنا خيراً منه، ومن سقاه الله لبناً، فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه))، قال الترمذيّ: حديث حسنٌّ، وهو كما قال. (فَشَرِبَ مِنْهُ)؛ أي: من ذلك اللبن، وقوله: (وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ) جملة حاليّة من الفاعل، والأصحّ أن الغلام هو عبد الله بن عبّاس ◌ًَّا، وقال ابن ١٩٥ (٥) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ إِدَارَةِ الْمَاءِ وَاللََّنِ وَنَحْوِهِمَا عَنْ يَمِينٍ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٨١) التين: من قال: الغلام هو ابن عباس يؤخذ منه أن الصبيّ يُسَمَّى غلاماً، ومن قال: إنه الفضل يؤخذ منه أن البالغ يُسَمّى غلاماً. انتهى(١). (وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ) خالد بن الوليد وغيره (فَقَالَ) وَ (لِلْغُلَامِ: ((أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَّ هَؤُلَاءٍ؟))) الأشياخ، قال في ((الفتح)): لم يقع في حديث أنس أنه استأذن الأعرابيّ الذي عن يمينه، فأجاب النوويّ وغيره بأن السبب فيه أن الغلام كان ابن عمه، فكان له عليه إدلالٌ، وكان مَنْ على اليسار أقارب الغلام أيضاً، وطيّب نفسه مع ذلك بالاستئذان لبيان الحكم، وأن السُّنَّة تقديم الأيمن، ولو كان مفضولاً بالنسبة إلى مَن على اليسار، وقد وقع في حديث ابن عباس في هذه القصّة أن النبيّ وَلّ تلطف به حيث قال له: ((الشَّرْبة لك، وإن شئت آثرت بها خالداً))، كذا في ((السنن))، وفي لفظ لأحمد: ((وإن شئت آثرت به عمّك))، وإنما أطلق عليه عمه؛ لكونه أسنّ منه، ولعل سنّه كان قريباً من سنّ العباس، وإن كان من جهة أخرى من أقرانه؛ لكونه ابن خالته، وكان خالد مع رياسته في الجاهلية، وشَرَفه في قومه قد تأخر إسلامه، فلذلك استأذن له، بخلاف أبي بكر، فإنّ رسوخ قدمه في الإسلام وسَبْقه يقتضي طمأنينته بجميع ما يقع من النبيّ وَّر، ولا يتأثر لشيء من ذلك، ولهذا لم يستأذن الأعرابيّ له، ولعله خَشِي من استئذانه أن يتوهّم إرادة صرفه إلى بقية الحاضرين بعد أبي بكر دونه، فربما سَبَق إلى قلبه من أجل قُرب عهده بالإسلام شيء، فجرى نَّ على عادته في تأليف مَن هذا سبيله، وليس ببعيد أنه كان من كبراء قومه، ولهذا جلس عن يمين النبيّ وَّ، وأقره على ذلك. انتهى(٢). (فَقَالَ الْغُلَامُ: لَا)؛ أي: لا آذن لك في ذلك، (وَاللهِ، لَا أُوْثِرُ بِنَصِيبِي)؛ أي: بحظي (مِنْكَ أَحَداً، قَالَ) سهل ◌َظُه (فَتَلَّهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ﴾ قال النوويّ ◌َّتُهُ: أي وَضَعه فيها، وقد جاء في ((مسند أبي بكر بن أبي شيبة)) أن هذا الغلام هو عبد الله بن عباس، ومن الأشياخ خالد بن الوليد وظابه. انتهى(٣). (١) ((عمدة القاري)) ٢٩٧/١٢. (٢) ((الفتح)) ٦٧٩/١٢ - ٦٨٠، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦٢٠). (٣) ((شرح النوويّ)) ٢٠١/١٣. ١٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة وقال في ((الفتح)): قوله: ((فتلّه)) - بفتح المثناة، وتشديد اللام -؛ أي: وَضَعه، وقال الخطابيّ: وضعه بعُنْف، وأصله من الرمي على الثّلّ، وهو المكان العالي المرتفع، ثم استُعمل في كل شيء يُرمَى به، وفي كل إلقاء، وقيل: هو من التَّلْتَل بلام ساكنة بين المثناتين المفتوحتين، وآخره لام، وهو ﴾ [الصافات: ١٠٣]؛ أي: صَرَعه، فألقى عنقه، ١٠٢ العنق، ومنه: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِيِنِ وجعل جنبه إلى الأرض، والتفسير الأول أليق بمعنى حديث الباب، وقد أنكر بعضهم تقييد الخطابيّ الوضع بالعنف، قاله في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد (المسألة الثانية): في تخريجه : ! هذا متّفقٌ عليه . أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٨١/٥ و٥٢٨٢] (٢٠٣٠)، و(البخاريّ) في ((المساقاة)) (٢٣٥١ و٢٣٦٦) و((المظالم)) (٢٤٥١) و((الهبة)) (٢٦٠٢ و٢٦٠٥) و((الأشربة)) (٥٦٢٠)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٩٥/٤)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٩٢٦/٢)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٣٣/٥ و٣٣٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٣٣٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٥٨/٥)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٣٩/٦ و١٧٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٨٦/٧) و((شُعَب الإيمان)) (١٢١/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٠٥٤)، و(الضياء المقدسيّ) في ((المختارة)) (٢٤٣/٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن سُنَّة الشُّرب العامة تقديم الأيمن في كل موطن، وأن تقديم الذي على اليمين ليس لمعنى فيه، بل لمعنى في جهة اليمين، وهو فَضْلها على جهة اليسار، فيؤخذ منه أن ذلك ليس ترجيحاً لمن هو على اليمين، بل هو ترجیح لجهته . قال في ((الفتح)): وقد يعارض حديثَ سهل هذا، حديثُ أنس الذي قبله، (١) ((الفتح)) ٦٧٩/١٢ - ٦٨٠، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦٢٠). ١٩٧ (٥) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ إِدَارَةِ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَنَحْوِهِمَا عَنْ يَمِينٍ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٨١) وحديث سهل بن أبي خيثمة المتقدّم في ((القسامة)): (كَبِّر كَبِّر))، وتقدم في ((الطهارة)) حديث ابن عمر في الأمر بمناولة السواك الأكبر، وأخص من ذلك حديث ابن عباس الذي أخرجه أبو يعلى بسند قويّ، قال: كان رسول الله وَلا قه إذا سَقَى، قال: ((ابدءوا بالكبير)). ويُجْمَع بأنه محمول على الحالة التي يجلسون فيها متساوين، إما بين يدي الكبير، أو عن يساره كلهم، أو خلفه، أو حيث لا يكون فيهم، فتُخَصّ هذه الصورة من عموم تقديم الأيمن، أو يُخص من عموم هذا الأمر بالبداءة بالكبير ما إذا جلس بعضٌ عن يمين الرئيس، وبعض عن يساره، ففي هذه الصورة يقدَّم الصغير على الكبير، والمفضول على الفاضل، ويظهر من هذا أن الأيمن ما امتاز بمجرد الجلوس في الجهة اليمنى، بل بخصوص كونها يمين الرئيس، فالفضل إنما فاض عليه من الأفضل. وقال ابن المنير: تفضيل اليمين شرعيّ، وتفضيل اليسار طبعيّ، وإن كان وَرَد به الشرع، لكن الأول أدخل في التعبد. انتهى(١). ٢ - (ومنها): ما قاله ابن المنيّر تَخُّْ: إذا تعارضت فضيلة الفاعل، وفضيلة الوظيفة اعتُبرت فضيلة الوظيفة، كما لو قُدّمت جنازتان لرجل وامرأة، ووليّ المرأة أفضل من وليّ الرجل، قُدِّم وليّ الرجل، ولو كان مفضولاً؛ لأن الجنازة هي الوظيفة، فتُعتبر أفضليتها، لا أفضلية المصلي عليها، قال: ولعل السرّ فيه أن الرجولية، والميمنة أمر يقطع به كل أحد، بخلاف أفضلية الفاعل، فإن الأصل فيه الظنّ، ولو كان مقطوعاً به في نفس الأمر، لكنه مما يخفَى مثله على بعض، كأبي بكر بالنسبة إلى علم الأعرابي، والله أعلم. انتهى (٢). ٣ - (ومنها): أن قوله: ((أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟)) ظاهر في أنه لو أَذِن له لأعطاهم، ويؤخذ منه جواز الإيثار بمثل ذلك، وهو مشکِل على ما اشتَهَر من أنه لا إيثار بالقُرَب، وعبارة إمام الحرمين في هذا: لا يجوز التبرع في العبادات، ويجوز في غيرها، وقد يقال: إن القُرَب أعمّ من العبادة، وقد أُورد (١) ((الفتح)) ٦٧٩/١٢ - ٦٨٠، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦٢٠). (٢) ((الفتح)» ٦٧٩/١٢ - ٦٨٠، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦٢٠). .... ١٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة على هذه القاعدة تجويز جذب واحد من الصفّ الأول ليصلي معه؛ ليخرج الجاذب عن أن يكون مصلياً خلف الصفّ وحده؛ لثبوت الزجر عن ذلك، ففي مساعدة المجذوب للجاذب إيثار بقربة كانت له، وهي تحصيل فضيلة الصفّ الأول؛ ليحصل فضيلة تحصل للجاذب، وهي الخروج من الخلاف في بطلان صلاته . ويمكن الجواب بأنه لا إيثار؛ إذ حقيقة الإيثار إعطاء ما استحقه لغيره، وهذا لم يُعطِ الجاذب شيئاً، وإنما رجَّح مصلحته على مصلحته؛ لأن مساعدة الجاذب على تحصيل مقصود ليس فيه إعطاؤه ما كان يحصل للمجذوب لو لم يوافقه، والله أعلم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: لم يثبت في الجذب المذكور حديث، وما ورد من ذلك فضعيف؛ فلا ينبغي الجذب، ولا موافقة الجاذب فيه، بل ينتظر حتى يأتي آخر، وإلا صلّى وحده؛ للضرورة، قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، فتنبّه، وقد استوفيت البحث فيه في محلّه، والله تعالى أعلم. وقد لخّص النوويّ تَّقُ فوائد هذا الحديث، أحببت إيراده، وإن كان تقدّم؛ لتلخيصه، قال: تضمَّن بيان هذه السُّنَّة، وهي أن الأيمن أحقّ، ولا يدفع إلى غيره إلا بإذنه، وأنه لا بأس باستئذانه، وأنه لا يلزمه الإذن، وينبغي له أيضاً أن لا يأذن إن كان فيه تفويت فضيلة أخروية، ومصلحة دينية، كهذه الصورة، وقد نَصّ أصحابنا وغيرهم من العلماء على أنه لا يُؤْثِر في القُرَب، وإنما الإيثار المحمود ما كان في حظوظ النفس دون الطاعات، قالوا: فيكره أن يؤثر غيره بموضعه من الصف الأول، وكذلك نظائره، وأما الأعرابيّ فلم يستأذنه مخافة من إيحاشه في استئذانه في صرفه إلى أصحابه ◌َّته، وربما سبق إلى قلب ذلك الأعرابيّ شيء يهلك به؛ لقُرْب عهده بالجاهلية وأَنَفَتها، وعدم تمكّنه في معرفته خُلُق رسول الله وَّه، وقد تظاهرت النصوص على تألّفه وَل قلب من يخاف عليه. (١) ((الفتح)) ٦٧٩/١٢ - ٦٨٠، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦٢٠). ١٩٩ (٥) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ إِدَارَةِ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَنَحْوِهِمَا عَنْ يَمِينٍ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٨٢) قال: وفي هذه الأحاديث أنواع من العلم، منها أن البداءة باليمين في الشراب ونحوه سُنّة، وهذا مما لا خلاف فيه، ونُقِل عن مالك تخصيص ذلك بالشراب، قال ابن عبد البرّ وغيره: لا يصحّ هذا عن مالك، قال القاضي عياض: يُشبه أن يكون قول مالك تَخْذُ: أن السُّنَّة وردت في الشراب خاصّة، وانما يقدَّم الأيمن فالأيمن في غيره بالقياس، لا بسُّنَّة منصوصة فيه، وكيف كان فالعلماء متفقون على استحباب التيامن في الشراب، وأشباهه، وفيه جواز شرب اللبن المشوب، وفيه أن من سبق إلى موضع مباح، أو مجلس العالم والكبير، فهو أحق به ممن يجيء بعده. انتهى(١)، والله أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ◌َخَذَتُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٨٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمِ (ح) وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ - كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهُ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَقُولًا: فَتَلَّهُ، وَلَكِنْ فِي رِوَايَةٍ يَّعْقُوبَ: قَالَ: فَأَعْطَاهُ إِيَّهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمِ) سلمة بن دينار المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٨] (ت١٨٤) أو قبل ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٠/٤٥. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حليف بني زُهْرة، ثقةٌ [٣] (ت١٨١) (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٥/٣٥. [تنبيه]: قوله: ((القاريّ)) بتشديد الياء، وليس بتخفيفها من القراء، بل هو نسبة إلى قارة اسم قبيلة معروفة. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف، كالأسانيد الخمسة الماضية، وهو (٣٩٩) من رباعيّات الكتاب. (١) (شرح النوويّ)) ٢٠١/١٣ - ٢٠٢. ٢٠٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة وقوله: (وَلَمْ يَقُولًا: فَتَلَّهُ) ضمير التثنية لعبد العزيز، ويعقوب القاريّ. وقوله: (وَلَكِنْ فِي رِوَايَةٍ يَعْقُوبَ: قَالَ: فَأَعْطَاهُ إِيَّهُ) هكذا نصّ مسلم على أن قوله: ((فأعطاه إياه)) في رواية يعقوب، ويُفهم منه أنه ليس في رواية عبد العزيز، وفيه نظر، فإنه أيضاً في روايته بهذا اللفظ، كما سنورده في التنبيه من رواية البخاريّ(١)، اللَّهم إلا أن يقال: إن مسلماً لم يقع له كذلك، وهو إمام مطّلع، لا يدافع، ولا ينازَع، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه ساقها البخاريّ ◌َُّهُ في ((صحيحه))، فقال: (٢٢٣٧) - حدثنا قتيبة، حدّثنا عبد العزيز، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الله، قال: أُتي رسول الله وَلّ بقدح، فشرب، وعن يمينه غلام، هو أحدث القوم، والأشياخ عن يساره، قال: ((يا غلام أتأذن لي أن أعطي الأشياخ؟))، فقال: ما كنت لأوثر بنصيبي منك أحداً يا رسول الله، فأعطاه (٢) إياه. انتهى ٠ ورواية يعقوب، عن أبي حازم ساقها أبو عوانة تَخَُّ في ((مسنده))، فقال : (٨٢٣٢) - حدثني إسماعيل بن إبراهيم أبو الأحوص، قال: ثنا أبو رجاء قتيبة بن سعيد، قال: ثنا يعقوب، عن أبي حازم، أنه سمع سهل بن سعد يقول: أُتي رسول الله وَّل بقدح، فشرب، وعن يمينه غلام، وهو أحدث القوم، والأشياخ عن يساره، فقال للغلام: ((ائذن لي أن أعطي الأشياخ))، فقال: ما كنت لأؤثر بنصيبي منك أحداً يا رسول الله، فأعطاه إياه. (٣) انتھی . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بٍَِّ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (١) وكذا وقع بلفظ: ((فأعطاه إياه)) عند أبي عوانة في ((مسنده)) ١٥٩/٥. (٢) ((صحيح البخاريّ)) ٢/ ٨٣٤. (٣) ((مسند أبي عوانة)) ١٥٨/٥.