النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
(٢) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ الشُّرْبِ قَائِماً - حديث رقم (٥٢٦٧ - ٥٢٦٨)
كسرها، والذي ذكره السمعانيّ، وصاحبا ((المشارق))، و((المطالع)) هو الضم
فقط، قال أبو عليّ الغسانيّ، والسمعانيّ، وغيرهما: لا يُعرفِ اسمه، قال
الإمام أحمد بن حنبل: لا نعلم أحداً روى عنه غير قتادة، وقال الطبرانيّ: هو
بصريّ ثقة، وهو منسوب إلى الأسوار، وهو الواحد من أَساورة الفُرْس، قال
الجوهريّ: قال أبو عبيدة: هو الفرسان، قال: والأساورة أيضاً قوم من العجم
بالبصرة، نزلوها قديماً، كالأخامرة بالكوفة. انتهى(١).
والباقون ذُكروا قبل حديثين، والحديث من أفراد المصنّف، وتقدّم
تخريجه قبل حدیثین.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٦٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ
- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ، وَابْنِ الْمُثَنَّى - قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي عِيسَى الأُسْوَارِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهـ
نَھَی عَنِ الشُّرْبِ قَائِماً).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
وكلّهم ذُكروا في الباب، والبابين قبله، والحديث من أفراد المصنّف،
وقد مضى شرحه، وبيان مسائله أول الباب، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٦٨] (٢٠٢٦) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ - يَعْنِي:
الْفَزَارِيَّ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ، أَخْبَرَنِي أَبُو غَطَفَانَ الْمُرُِّّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ
يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ (٢) قَائِماً، فَمَنْ نَسِيَ، فَلْيَسْتَقِىْ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ) بن عبد الجبّار العطار، أبو بكر البصريّ،
نزيل مكّة، لا بأس به [١٠] (ت٢٤٨) (م ت س) تقدم في ((البيوع)) ٣٩٧٣/٢٥.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩٧/١٣.
(٢) وفي نسخة: ((أحدكم)).

١٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
٢ - (مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ) ابن معاوية بن الحارث بن أسماء، أبو عبد الله
الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظٌ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨]
(ت١٩٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٨/٨.
٣ - (عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العُمريّ المدنيّ،
ضعيف [٦] (خت م د ت ق) تقدم في ((النكاح)) ٣٥٤٢/٢٢.
٤ - (أَبُو غَطَفَانَ(١) الْمُرُِّّ(٢)) ابن طَريف، أو ابن مالك المدنيّ، قيل:
اسمه سَعْد، من كبار [٣] (م د س) تقدم في ((الحيض)) ٨٠٣/٢٣.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَُّه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع.
شرح الحديث:
عن عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ أنه قال: (أَخْبَرَنِي أَبُو غَطَفَانَ) بفتح الغين المعجمة،
والطاء المهملة، مشهور بكنيته، ولا يُعرف اسمه. (الْمُرِّيُّ) بضمّ المیم،
وتشديد الراء: نسبة إلى عدّة قبائل فصّلها في ((اللباب))(٣). (أَنَّهُ سَمِعَ أَبًا
هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: (لا) ناهية، والفعل بعدها مجزوم
المحلّ؛ لكونه مبنيّاً؛ لاتّصاله بنون التوكيد المشدّدة. (يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ) وفي
بعض النسخ: ((أحدكم)) بالإضافة، حال كونه (قَائِماً، فَمَنْ نَسِيَ) بكسر السين،
من باب تَعِب؛ أي: من نسي الشرب قاعداً، فشرب قائماً (فَلْيَسْتَقِئْ)))؛ أي:
فليتكلّف خروج قيئه، يقال: قاء الرجلُ ما أكله قيئاً، من باب باع: إذا استخرج
ما في جوفه من الطعام، ثمّ أُطلق المصدر على الطعام المقذوف، واستقاء
استقاءةً، وتقيّأ: تكلّفه، ويتعدّى بالتضعيف، فيقال: قيّأه غيرُهُ، قاله الفيّوميّ(٤).
قال العراقي فيّ ((شرح الترمذيّ)): إن قوله: ((فمن نَسِي)) لا مفهوم له، بل
يُستحب ذلك للعامد أيضاً بطريق الأَولى، وإنما خَصّ الناسي بالذِّكر؛ لكون
(٢) بضمّ الميم، وتشديد الراء.
(١) بفتحات.
(٣) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢٠١/٣ - ٢٠٢.
(٤) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٢٢ بزيادة يسيرة.

١٦٣
(٢) - بَابُ النَّهْرِ عَنِ الشُّرْبِ قَائِماً - حديث رقم (٥٢٦٨)
المؤمن لا يقع ذلك منه بعد النهي غالباً إلا نسياناً. انتهى(١).
وقال النوويّ: الأمر بالاستقاء محمول على الاستحباب، فيستحب لمن
يشرب قائماً أن يستقيء؛ لهذا الحديث الصحيح، فإن الأمر إذا تعذّر حَمْله على
الوجوب يُحمل على الاستحباب. انتهى (٢).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُه هذا من أفراد المصنّف ◌َّلهُ.
[تنبيه]: إن قلت: كيف أخرج مسلم رواية عمر بن حمزة، وهو ضعيف؟.
[قلت]: إنما أخرج له لكونه لم ينفرد بها، بل تابعه الأعمش، عن أبي
صالح، عند عبد الرزّاق في ((مصنّفه)) (٤٢٧/١٠)، وأحمد في ((مسنده)) (٢/
٢٨٣)، وابن حبّان في ((صحيحه)) (١٤٢/١٢)، (والبيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧]
٢٨٢)، ولفظ ((المسند)):
(٧٧٩٥) - حدثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن
الزهريّ، عن رجل، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَليقول: ((لو يعلم الذي
يشرب، وهو قائم، ما في بطنه لاستقاءه)) .
(٧٧٩٦) - حدثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن
الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ ◌َ كمثل حديث
الزهريّ. انتهى(٣).
[فإن قلت]: لماذا أخرج رواية عمر، دون رواية الأعمش؟.
[قلت]: لعله لكون رواية عمر مسموعة له، دون رواية الأعمش؛ إذ
يحتمل أن تكون إجازةً، أو نحوه، والله تعالى أعلم.
ثم إن هذا كلّه بالنسبة لزيادة: ((فمن نَسِيَ فليستقىء))، وأما أصل
الحديث، فهو صحيح لا كلام فيه، وقد أخرجه مسلم قبل هذا بأسانيد
صحيحة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(١) ((نيل الأوطار)) ٩/ ٨٢.
(٣) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٨٣/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٩٦/١٣.

١٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٦٨/٢] (٢٠٢٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(١٥١/٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٨٢/٧)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٣) - (بَابٌ فِي الشُّرْبِ مِنْ زَمْزَمَ قَائِماً)
وبالسند المتَّصل إلى المؤلّف كَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٦٩] (٢٠٢٧) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ
عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَقَيْتُ رَسُولَ اللهِوَهُ مِنْ زَمْزَمَ،
فَشَرِبُّ، وَهُوَ قَائِمٌ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ
[١٠] (ت٢٣٧) وله أكثر من ثمانين سنةً (خت م « ت س) تقدم في ((المقدمة))
٥٧/٦.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ
[٧] (ت٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٣ - (عَاصِمُ) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤]
مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٧/٥.
٤ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمر الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهور
[٣] مات بعد المائة، وله نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر ظًّا، مات سنة (٦٨) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٢٤/٦.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف، وأن فيه روايةً تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن
عبّاس ◌ُّ حبر الأمة، وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة،
والمشهورين بالفتوى، والله تعالى أعلم.

١٦٥
(٣) - بَابٌ فِي الشُّرْبٍ مِنْ زَمْزَمَ قَائِماً - حديث رقم (٥٢٦٩)
شرح الحديث:
أنه (قَالَ: سَقَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿) بفتح القاف، من
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ)
باب ضرب، يقال: سَقَيْتُ الزرعَ سَقْياً، فأنا سَاقٍ، وهو مَسْقِيٍّ، على مَفْعول،
ويقال للقناة الصغيرة: سَاقِيَةٌ؛ لأنها تَسْقِي الأرض، وأَسْقَيْتُهُ بالألف لغةٌ،
وسَقَانَا اللهُ الغيثَ، وأَسْقَانَا، ومنهم من يقول: سَقَيْتُهُ: إذا كان بيدك، وأَسْقَيْتُهُ
بالألف: إذا جَعَلت له سِقْياً، وسَقَيْتُهُ، وأَسْقَيْتُهُ: دعوت له، فقلت له: سَقْياً
لَكَ، وفي الدعاء: ((سُقْيَا رَحْمَةٍ، وَلا سُقْيَا عَذَابٍ))، على فُعْلى بالضم؛ أي:
اسقنا غَيثاً فيه نفعٌ، بلا ضرر، ولا تخريب، والسِّقَايَةُ، بالكسر: الموضع يُتّخَذ
لسقي الناس، قاله الفيّوميّ(١).
(مِنْ زَمْزَمَ) اسم لبئر مكة، ولا تُصرف؛ للتأنيث والعلميّة. (فَشَرِبَ، وَهُوَ
قَائِمٌ) وفي رواية ابن ماجه من وجه آخر عن عاصم، في هذا الحديث: ((قال
- أي: عاصم -: فذكرت ذلك لعكرمة، فحَلَف أنه ما كان حينئذٍ إلا راكباً))،
وعند أبي داود من وجه آخر، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبيّ وَّ طاف
على بعيره، ثم أناخه بعد طوافه، فصلى ركعتين، فلعله - كما قال الحافظ -
حينئذ شرب من زمزم قبل أن يعود إلى بعيره، ويخرج إلى الصفا، بل هذا هو
الذي يتعيّن المصير إليه؛ لأن عمدة عكرمة في إنكار كونه شرب قائماً إنما هو
ما ثبت عنده أنه و * طاف على بعيره، وخرج إلى الصفا على بعيره، وسعى
كذلك، لكن لا بدّ من تخلل ركعتي الطواف بين ذلك، وقد ثبت أنه صلاهما
على الأرض، فما المانع من كونه شرب حينئذ من سقاية زمزم قائماً؟ كما
حفظه الشعبيّ عن ابن عباس ◌ًا (٢)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﴿ه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) ((المصباح المنير)) ١/ ٢٨١.
(٢) ((الفتح)) ٦٧٧/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦١٧).

١٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٦٩/٣ و٥٢٧٠ و٥٢٧١ و٥٢٧٢ ٥٢٧٣]
(٢٠٢٧)، و(البخاريّ) في ((الحجّ)) (١٦٣٧) و((الأشربة)) (٥٦١٧)، و(الترمذيّ)
في ((الأشربة)) (١٨٨٢) و((الشمائل)) (٢٠٧)، و(ابن ماجه) في ((الأشربة))
(٣٤٢٢)، و(النسائيّ) في ((مناسك الحجّ)) (٢٣٧/٥) و((الكبرى)) (٤١٠/٢)،
و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (٣٤٤/١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٢٢٥/١)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٢٠/١ و٢٤٣ و٢٤٩ و٢٨٧ و٣٤٢ و٣٦٩ و٣٧٢)،
و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٩٤٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٨٣٨
و٥٣١٩ و٥٣٢٠)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٤٠٦)، و(الطحاويّ) في ((معاني
الآثار)) (٢٧٣/٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٥١/٥ - ١٥٢)، و(الطبرانيّ)
في ((الكبير)) (١٢٥٧٥ و١٢٥٧٦ و١٢٥٧٧) و((الأوسط)) (٤١/٢) و((الصغير))
(٢٣٩/١)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٣١٦/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(١٤٧/٥ و٤٨٢/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٠٤٦)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٧٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
عَاصِم، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ، مِنْ دَلْوٍ مِنْهَا،
وَهُوَ قُّائِمٌ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، وسفيان هو: ابن عيينة.
[تنبيه]: روى البخاريّ هذا الحديث في ((صحيحه))، فقال: ((حدّثنا أبو
نعيم، حدّثنا سفيان، عن عاصم الأحول ... إلخ))، فقال الكرمانيّ: ذكر
الكِلاباذيّ أن أبا نعيم سمع من سفيان الثوريّ، ومن سفيان بن عيينة، وأن كلّاً
منهما روى عن عاصم الأحول، فَيَحْتَمِل أن يكون أحدهما.
وتعقّبه الحافظ، فقال: ليس الاحتمالان فيهما هنا على السواء، فإن أبا
نعيم مشهور بالرواية عن الثوريّ، معروف بملازمته، وروايتُهُ عن ابن عيينة
قليلةٌ، وإذا أطلق اسم شيخه حُمِل على من هو أشهر بصحبته، وروايته عنه
أكثر، ولهذا جزم المزيّ في ((الأطراف)) أن سفيان هذا هو الثوريّ، وهذه قاعدة

١٦٧
(٣) - بَابٌ فِي الشُّرْبٍ مِنْ زَمْزَمَ قَائِماً - حديث رقم (٥٢٧٠)
مطردة عند المحدثين في مثل هذا، وللخطيب فيه تصنيف سمّاه ((المكمل لبيان
المهمل))، وقد روى هذا الحديث بعينه سفيان بن عيينة، عن عاصم الأحول،
أخرجه أحمد عنه، وكذا هو عند مسلم رواية ابن عيينة، وأخرجه أحمد أيضاً
من وجه آخر، عن سفيان الثوريّ، عن عاصم الأحول، لكن خصوص رواية
أبي نعيم فيه إنما هي عن الثوريّ كما تقدم. انتهى كلام الحافظ تَظُّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ تَُّ بحث نفيسٌ،
وتحقيقٌ أنيس، وقد نظمت هذه القاعدة، أعني قاعدة التمييز بين السفيانين، مع
قاعدة التمييز بين الحمادين: ابن سلمة، وابن زيد، فقلت في القاعدة الأولى:
بِابْنِ عُيَيْنَةَ فَتَابِعْ سَيْرِي
وَابْنُ عُيَيْنَةَ لَهُ الصِّغَارُ
عَاشِرَةٍ لأَوَّلِ لَهَا اخْتِيَارْ
أَبُو نُعَيْمِ وَوَكَيعٌ يَهْدِي
يَحْيَى يَزِيدُ مَخْلَدٌ لَهُ نَفَادْ
مُسَدَّدٌ وَنَحْوُهُمْ فَقَدْ حَذَا
فَاعْنَ بِحِفْظِهَا فَفِيهَا الْفُرْقَةُ
فَابْنُ عُيَيْنَةَ الرَّفِيعُ الْمُسْتَوَى
فِي سِيَرِ الأَعْلَامِ فَاقْبَلْ نَصَبِي
وَهَكَذَا جَاءَ اشْتِبَاهُ الثَّوْرِي
فَأَوَّلٌ أَصْحَابُهُ كِبَارُ
تَاسِعَةُ الطِّبَاقِ أَوْ بَعْضُ كِبَارْ
فَمِنْهُمُ الْقَطَّانُ وَابْنُ مَهْدِي
وَابْنُ كَثِيرٍ وَقَبِيصَةُ مُعَاذْ
أَمَّا الْحُمَيْدِيُّ قُتَيْبَةُ كَذَا
لِلثَّانِ فَالْمُمَيِّزُ الطَّبِقَةُ
وَإِنْ عَنِ الزُّهْرِيِّ سُفْيَانُ رَوَى
وَهَكَذَا اعْتَنَى الإِمَامُ الذّهَبِي
وقد تقدّمت الأبيات في هذا الشرح، وهي القاعدة السابعة والثلاثون في
((الفوائد السميّة))، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (مِنْ دَلْوٍ مِنْهَا) الجارّ والمجرور الأول بدل من قوله: ((من زمزم))،
والثاني صفة لـ((دلو)).
قال الفيّوميّ تَخُّْهُ: الدَّلْوُ تأنيثها أكثر، فيقال: هي الدَّلْوُ، وفي التذكير
يُصَغَّر على دُلَيٍّ، مثل فَلْس وقُلَيس، وثلاثة أَدْلٍ، وفي التأنيث دُلَيَّةٌ بالهاء،
وثلاث أَدْلٍ، وجمع الكثرة الدِّلاءُ، والدُّليُّ، والأصل فُعُول، مثل قُلُوس،
وأَدْلَيْتُهَا إِدْلاءً: أرسلتها؛ ليُستَقَى بها، ودَلَوْتُهَا، أَدْلُوهَا لغةٌ فيه، ودَلَوْتُهَا،
(١) ((الفتح)) ٦٧٧/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦١٧).

البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
١٦٨
ودَلَّوْتُ بها: أخرجتها مملوءةً. انتهى(١).
وقوله: (وَهُوَ قَائِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي،
ولله الحمد.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف رَغُّْ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٧١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ
الأَحْوَلُ (ح) وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيَّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم، قَالَ إِسْمَاعِيلُ:
أَخْبَرَنَا، وَقَالَ يَعْقُوبُ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ الأَحْوَلُ، وَمُغِيرَةُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ِ شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ، وَهُوَ قَائِمٌ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم، أبو الحارث البغداديّ، مروزيّ
الأصل، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت٢٣٥) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥.
٢ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي
خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت١٨٣) وقد
قارب الثمانين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٣ - (يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ) ابن إبراهيم بن كثير بن أفلح العبديّ مولاهم، أبو
يوسف البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (٢٥٢) وله (٩٦) سنةً (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم) الصائغ البغداديّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] من
أفراد مسلم، تقدم في ((الحيضِ) ٧٤٨/١٠.
٥ - (مُغِيرَةُ) بن مِقْسم الضبّيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ
متقنٌّ، إلا أنه يدلّس [٦] (ت١٣٦) على الصحيح (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٥/٤.
والباقون ذُكروا قبله، والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله،
ولله الحمد.
(١) ((المصباح المنير)) ١٩٩/١.
٠

١٦٩
(٣) - بَابٌ فِي الشُّرْبِ مِنْ زَمْزَمَ قَائِماً - حديث رقم (٥٢٧٢ - ٥٢٧٣)
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَُّ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٧٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ عَاصِم، سَمِعَ الشَّعْبِيَّ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَقَيْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ مِنْ
زَهْزَمَ، فَشَرِّبَ قَائِماً، وَاسْتَسْقَى، وَهُوَ عِنْدَ الْبَيْتِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
وقوله: (وَاسْتَسْقَى)؛ أي: طلب سَقْيَ الماء.
وقوله: (وَهُوَ عِنْدَ الْبَيْتِ)؛ أي: الكعبة؛ لأنه صار لها عَلَماً بالغلبة، كما
قال في ((الخلاصة)):
مُضَافٌ اوْ مَصْحُوبُ ((أَنْ)) كَالْعَقَبَهْ
وَقَدْ يَصِيرُ عَلَماً بِالْغَلَبَهْ
والحديث متفقٌ عليه.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٧٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح)
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، كِلَأَهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِمَا: فَأَتَيْتُهُ بِدَلْوٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندر، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بن حازم الأزديّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [٩]
(ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٥/٥٠.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ) ضمير التثنية لمحمد بن جعفر، ووهب بن
جرير.
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر عن شعبة ساقها الإمام أحمد تَخّْثهُ في
((مسنده))، فقال:

١٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
(٢٢٤٤) - حدثنا عبد الله(١)، حدّثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، ثنا
شعبة، عن عاصم الأحول، عن الشعبيّ، عن ابن عباس، أن رسول الله وَل
دعا بشراب، قال: فأتيته بدلو من ماء زمزم، فشرب قائماً. انتهى (٢).
ورواية وهب بن جرير عن شعبة ساقها البيهقيّ نَّثُ في ((الكبرى))، فقال:
(٩٠٨٠) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب،
ثنا إبراهيم بن مرزوق، ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة، عن عاصم، عن
الشعبيّ، عن ابن عباس، قال: مَرّ رسول الله وَله بزمزم، فاستسقى، فأتيته بدلو
من ماء زمزم، فشرب، وهو قائم. انتهى(٣) .
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾.
(٤) - (بَابُ كَرَاهَةِ الََّفُسِ فِي نَفْسِ الإِنَاءِ،
وَاسْتِحْبَابِ التََّفُسِ ثَلَاثاً خَارِجَ الِإِنَاءِ)
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٧٤] (٢٦٧) (٤) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ،
عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِِّ نَهَى
أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الإِنَاءِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ،
تقدّم قبل بابين.
٢ - (الثَّقَفِيُّ) عبد الوهّاب بن عبد المجيد، تقدّم قريباً.
٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتِيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
(١) عبد الله هو: ابن الإمام أحمد راوي ((المسند)) عنه، وقائل: ((حدثنا)) هو القطيعيّ،
أو غيره ممن روى عنه ((المسند)).
(٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٤٩/١.
(٣) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ٨٦/٥.
(٤) هذا الرقم مكرّر، تقدّم.

١٧١
(٤) - بَابُ كَرَاهَةِ النَّفُسِ فِي نَفْسِ الإِنَاءِ، وَاسْتِخْبَابِ النََّفُسِ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٧٤)
حجةٌ فقيهٌ عابدٌ [٥] (ت١٣١) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٠٥.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر
البصريّ، ثمّ اليماميّ، ثقةٌ ثُبتٌ يدلّس ويرسل [٥] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في
((شرح المقدمة)) ج٢ ص٤٢٤.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (٩٥) (ع) تقدم
في ((الطهارة)) ٦١٩/١٨.
٦ - (أَبُوهُ) أبو قتادة الحارث بن رِبْعيّ بن يُلْدُمة، وقيل: غيره، الأنصاريّ
السَّلَميّ الصحابيّ الشهير، شهِد أُحداً، وما بعدها، ولم يشهد بدراً، مات
سنة (٥٤) على الصحيح تقدم في ((الطهارة)) ٦١٩/١٨.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ تَّثُ - بعد أن أورد إسناد مسلم
المذكور - ما نصّه: هكذا رُوي إسناد هذا الحديث مُجَوَّداً، ووقع في النسخة
عن الجلوديّ، روايةِ السجزيّ فيه وَهَمِّ، قال: ((عن يحيى بن أبي كثير، عن
عبد الله، عن أبي قتادة، عن أبيه))، وهذا ليس بشيء، إنما هو عبد الله بن أبي
قتادة، عن أبيه، واتّفَقَ الرازيّ مع الكسائيّ، وابن ماهان على الصواب.
انتھی(١).
[تنبيه آخر]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَّتُهُ، وأن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ
عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريّ (عَنْ أَبِيهِ) أبي قتادة
الأنصاريّ
(أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّهُ نَهَى أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الإِنَاءِ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: نهى
الشارب عن تنفّسه في نفس الإناء، وأما التنفّس ثلاثاً خارج الإناء فسُنّة معروفة.
وقال القرطبيّ تَخْلُهُ: نهيه ◌َ عن التنفس في الإناء إنما هو لئلا يتنفس
(١) ((تقييد المهمل)) ٨٩٦/٣ - ٨٩٧.

١٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
فيه، فيتقذر الماء ببزاقٍ يخرج من الفم، أو بريح كريهة تتعلَّق بالماء، أو
بالإناء، وعلى هذا: فإذا لم يتنفس في الإناء فليشرب في نفسٍ واحد ما شاء،
قاله عمر بن عبد العزيز، وأجازه جماعة؛ منهم: ابن المسيِّب، وعطاء بن أبي
رباح، ومالك بن أنس، وكره ذلك قومٌ؛ منهم: ابن عباس، وطاووس،
وعكرمة، وقالوا: هو شرب الشيطان، والقول الأول أظهر؛ لقوله ◌َلقر للذي
قال: إنه لا يروي من نفس واحدٍ: (أَبِنِ القَدَحَ عن فِيكَ، ثم تَنَفَّس))، وظاهره
أنه أباح له الشرب في نفس واحدٍ إذا كان يَروى منه. انتهى (١).
[تنبيه]: قيل: الحكمة في النهي عن التنفّس في الإناء أنه أبعد عن تقذير
الإناء والماء، فإنه من ألطف الجواهر، وأقبلها للتغيّر بالريح، وعن خروج شيء
تَعَافُهُ النفس من الفم، فإذا أبانه عند إرادة التنفّس أُمِن من ذلك، وقد ثبت إبانة
الإناء للتنفّس ثلاثاً، ولأن إبانة الإناء أهنأ في الشرب، وأحسن في الأدب،
وأبعد عن الشَّرَه، وأخفّ للمعدة، وإذا تنفّس في الإناء، واستوفى رِيّه حَمَله
ذلك على فوات ما ذكرناه من حكمة النهي، وتكاثر الماء في حلقه، وأثقل
معدته، وربّما شُرق به، وآذى كبده، وقيل غير ذلك مما تقدّم ذِكره في ((كتاب
الطهارة)).
وهذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تخريجه، وبيان مسائله في ((كتاب
الطهارة)) [٦١٩/١٨] (٢٦٧) فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٧٥] (٢٠٢٨) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَزْرَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ
أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الِإِنَاءِ ثَلَاثاً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيُّ) هو: عزرة بن ثابت بن أبي زيد بن أخطب
الأنصاريّ البصريّ، ثقةٌ [٥] (خ م قد ت س) تقدم في ((الحج)) ٣١٨٨/٦٠.
(١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٢٨٨/٥.

١٧٣
(٤) - بَابُ كَرَاهَةِ النَّفُسِ فِي نَفْسِ الإِنَاءِ، وَاسْتِخْبَابِ النَنَفِّسِ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٧٥)
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): عَزْرَة - بفتح المهملة، وسكون الزاي، بعدها
راء - ابن ثابت، هو تابعيّ صغير، أنصاريّ، أصله من المدينة، نزل البصرة،
وقد سمع من جدّه لأمه عبد الله بن يزيد الخطميّ، وعبد الله بن أبي أوفى،
وغيرهما. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله في ((الفتح)) يردّ جعله في
((التقريب)) من الطبقة السابعة، وقد كنت قلدته فيما مضى من ترجمته، والآن
تبيّن لي أنه ليس من السابعة، بل هو من الخامسة، فليُتنبّه، والله تعالى وليّ
التوفيق.
٢ - (ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ) بن مالك الأنصاريّ البصريّ قاضيها،
صدوقٌ [٤].
رَوَى عن جدّه أنس، والبراء بن عازب، وأبي هريرة، ولم يدركه.
ورَوَى عنه ابن أخيه عبد الله بن المثنى، وحميد الطويل، وعَزْرة بن
ثابت، وعبد الله بن عون، وحماد بن سلمة، ومعمر، وعوف الأعرابيّ، وأبو
عوانة، وجماعة.
قال أحمد، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن عديّ: له أحاديث عن أنس،
وأرجو أنه لا بأس به، وأحاديثه قريبة من غيره، وهو صالح فيما يرويه عن
أنس عندي، وقال العجليّ: تابعيّ ثقة، وقال ابن سعد: كان قليل الحدیث،
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وذكره ابن عديّ في ((الكامل))، ورَوَى عن أبي
يعلى أن ابن معين أشار إلى تضعيفه.
قال عُمر بن شَبّة: سمعت بعض علمائنا يذكر أن ثمامة لمّا دُعي إلى
ولاية القضاء شاور محمد بن سيرين، فأشار عليه أن لا تَقْبَلْ، فقال: لا أُتْرَك،
فقال: أخبرهم أنك لا تحسن القضاء، قال: فأكذب، قال: فجعل ابن سيرين
يَعْجَب منه، وقال ثمامة: وقعت على باب من القضاء جسيم أدفع الخصوم،
حتى يصطلحوا، فكتب بذلك بلال إلى خالد، فعزله عن القضاء في سنة عشر
ومائة، وكان ولّاء في سنة (١٠٦).
(١) ((الفتح)) ٦٩٠/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦٣١).

١٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقون تقدّموا قبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف، وأنه مسلسل بالبصريين من عزرة، وفيه رواية
الراوي عن جدّه، فأنس ر﴿ه جدّ ثمامة، وفيه أنس
أحد المكثرين السبعة،
وآخر من مات من الصحابة بالبصرة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) بن مالك ◌َبُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الِإِنَاءِ ثَلَاثاً)
معناه: أنه كان يتنفّس في حالة الشرب من الإناء ثلاثاً، خارج الإناء، لا فيه،
فلا تعارض بينه وبين حديث أبي قتادة ظه الذي قبله: ((نهى أن يُتنفّس في
الإناء))، فتنفّسه وَّو كان خارج الإناء، والنهي إنما هو عن التنفّس فيه، فتنبّه.
قال البغويّ كَّلُهُ: المراد من هذا الحديث أنه كان يشرب ثلاثاً، كلّ ذلك
يُبِينُ الإناء عن فيه. انتهى(١).
ثم إن رواية مسلم ((ثلاثاً)) بالجزم، ووقع في رواية البخاريّ: ((كان يتنفّس
في الإناء مرّتين، أو ثلاثاً))، فقال في ((الفتح)): قوله: ((أو ثلاثاً)) يَحْتَمِل أن
تكون ((أو)) للتنويع، وأنه كان وَّهُ لا يقتصر على المرّة، بل إن رَوِيَ من نَفَسَيْن
اکتفی بهما، وإلا فثلاث.
ويَحْتَمِل أن تكون ((أو)) للشكّ، فقد أخرج إسحاق بن راهويه الحديث
المذكور، عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن عزرة، بلفظ: ((كان يتنفس
ثلاثاً))(٢)، ولم يقل: ((أو)).
وأخرج الترمذيّ بسند ضعيف، عن ابن عباس، رفعه: ((لا تشربوا
واحدةً، كما يشرب البعير ولكن اشربوا مثنى، وثلاث))، فإن كان محفوظاً فهو
يُقَوِّي ما تقدم من التنويع.
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٨٧٥/٩ - ٢٨٧٦.
(٢) قال الجامع: هذا غريب من الحافظ تَقْتُ لِمَ نَسَبَ هذه الرواية لـ((مسند ابن
راهويه)»، ولم ينسبها إلى مسلم؟ !.

١٧٥
(٤) - بَابُ كَرَاهَةِ التََّفُّسِ فِي نَفْسِ الإِنَاءِ، وَاسْتِخْبَابِ التَّنَفْسِ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٧٥)
وأخرج أيضاً بسند ضعيف، عن ابن عباس أيضاً: أن النبيّ وَلير ((كان إذا
شَرِب تنفس مرتين))، وهذا ليس نصّاً في الاقتصار على المرتين، بل يَحْتَمِل أن
يُراد به التنفس في أثناء الشرب، فيكون قد شرب ثلاث مرّات، وسكت عن
التنفس الأخير؛ لكونه من ضرورة الواقع.
وأخرج مسلم، وأصحاب ((السنن)) من طريق أبي عاصم، عن أنس: أن
النبيّ وَّ﴾ ((كان يتنفس في الإناء ثلاثاً، ويقول: هو أروى، وأمرأ، وأبرأ))، لفظ
مسلم، وفي رواية أبي داود: ((أهنا)) بدل قوله: ((أروى))، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس رح لته هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٧٥/٤ و٥٢٧٦ و٥٢٧٧] (٢٠٢٨)،
و(البخاريّ) في ((الأشربة)) (٥٦٣١)، و(الترمذيّ) في ((الأشربة)) (١٨٨٤) وفي
((الشمائل)) (٢١٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٦٨/٤ و١٦٩)، و(ابن ماجه)
في ((الأشربة)) (٣٤١٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢١٩/٨)، و(أحمد) في
(«مسنده)) (١١٤/٣ و١١٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٣٢٩)، و(أبو الشيخ)
في ((أخلاق النبيّ وَّ)) (ص٢٢٣)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (١٥٤/٤)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٨٤/٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده(١):
١ - (منها): بيان آداب الشرب، وهو الشرب في ثلاثة أنفاس، وأن يكون
ذلك النّفس خارج الإناء، وبهذا يتّفق مع حديث أبي قتادة ربه الماضي: ((نهى
أن يتنَفَّس في الإناء)»، فتنبّه.
٢ - (ومنها): أنه يؤخذ من قوله: ((إنه أروى، وأبرأ، وأمرأ)) أنه أقمع
للعطش، وأقوى على الهضم، وأقلّ أثراً في ضَعف الأعضاء، وبرد المعدة.
(١) المراد فوائد حديث أنس ظه برواياته المختلفة، لا خصوص السياق الماضي،
فتنبه .

١٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
٣ - (ومنها): أن استعمال أفعل التفضيل في قوله: ((أروى ... إلخ)) يدلّ
على أن للمرتين في ذلك مدخلاً في الفضل المذكور.
٤ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أيضاً أن النهي عن الشرب في نفس واحد
للتنزيه، قال المهلَّب: النهي عن التنفس في الشرب كالنهي عن النفخ في الطعام
والشراب، من أجل أنه قد يقع فيه شيء من الريق، فيعافه الشارب، ويتقذّره؛
إذ كان التقذر في مثل ذلك عادة غالبة على طباع أكثر الناس، ومحل هذا إذا
أكل وشرب مع غيره، وأما لو أكل وحده، أو مع أهله، أو من يعلم أنه لا
يتقذر شيئاً مما يتناوله فلا بأس.
وقال الحافظ: والأولى تعميم المنع؛ لأنه لا يؤمَن مع ذلك أن تَفْضل
فضلة، أو يحصل التقذر من الإناء، أو نحو ذلك.
وقال ابن العربيّ: قال علماؤنا: هو من مكارم الأخلاق، ولكن يحرم
على الرجل أن يناول أخاه ما يتقذره، فإن فَعَله في خاصّة نفسه، ثم جاء غيره
فناوله إياه فليُعْلِمه، فإن لم يُعْلِمه فهو غَشّ، والغش حرام.
وقال القرطبيّ: قد حَمَل بعضهم هذا الحديث على ظاهره، وهو أن
يتنفس في الإناء ثلاثاً، وقال: فَعَلَ ذلك ليبيِّن به جواز ذلك، ومنهم من عَلّل
جواز ذلك في حقه وسل﴿ بأنه لم يكن يُتَقَذَّرُ منه شيء، بل الذي يُتَقَذَّرُ من غيره
يُستطاب منه، فإنَّهم كانوا إذا بزق، أو تنخع تدلكوا بذلك، وإذا توضأ اقتتلوا
على فَضْل وضوئه، إلى غير ذلك مما في هذا المعنى.
قال: وحملُ هذا الحديث على هذا ليس بصحيح؛ بدليل بقية الحديث،
فإنَّه قال: ((إنه أروى، وأبرأ، وأمرأ))، وهذه الثلاثة الأمور إنما تحصل بأن
يشرب في ثلاثة أنفاس خارج القدح، فأما إذا تنفس في الماء وهو يشرب فلا
يأمن الشَّرَق، ويحصل تقذير الماء، وقد لا يَرْوَى إذا سقط من بزاقه شيء، أو
خالطه من رائحة نفسه إن كانت هنالك رائحة كريهة. وعلى هذا المعنى حَمَلَ
الحديث الجمهور، وهو الصواب إن شاء الله تعالى نظراً إلى المعنى، ولبقية
الحديث، ولقوله للرجل: ((أَبِنِ القدح عن فيك»، ولا شك أن هذا من مكارم
الأخلاق، ومن باب النظافة، وما كان ول# يأمر بشيء من مكارم الأخلاق، ثم

١٧٧
(٤) - بَابُ كَرَاهَةِ التَّفُسِ فِي نَفْسِ الإِنَاءِ، وَاسْتِحْبَابِ النََّفُسِ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٧٦)
لا یفعله. انتھی(١).
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): أخرج الطبرانيّ في ((الأوسط)) بسند حسن، عن
أبي هريرة به: ((أن النبيّ وَلقر كان يشرب في ثلاثة أنفاس، إذا أدنى الإناء إلى
فيه يُسَمِّي الله، فإذا أخّره حَمِدَ الله، يفعل ذلك ثلاثاً))، وأصله في ابن ماجه،
وله شاهد من حديث ابن مسعود عند البزار، والطبرانيّ، وأخرج الترمذيّ من
حديث ابن عباس(٢): ((وسَمُّوا إذا أنتم شربتم، واحْمَدُوا إذا أنتم رفعتم))، وهذا
يَحْتَمِل أن يكون شاهداً لحديث أبي هريرة المذكور، ويَحْتَمِل أن يكون المراد
به في الابتداء والانتهاء فقط. انتهى (٣)، والله أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٧٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ
(ح) وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي عِصَامٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثاً، وَيَقُولُ: ((إِنَّهُ أَرْوَىٌّ، وَأَبْرَأُ، وَأَمْرَأ))،
قَالَ أَنَسرٌ: فَأَنَا أَتْنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثاً).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْتَى) التميميّ النيسابوريّ الحافظ الإمام، تقدّم قريباً.
٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ) بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عبيدة
التّنّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٦/١٨.
٣ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ) الأُبُلِيّ، تقدّم قريباً.
٤ - (أَبُو عِصَام) الْمُزنيّ البصريّ، قيل: اسمه ثُمامة، مقبول [٥].
رَوَى عن أنس هذا الحديث وروى عنه شعبة، وهشام الدستوائيّ،
وعبد الوارث بن سعيد، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، قال السليمانيّ: يقال:
(١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٢٨٩/٥.
(٢) حديث ابن عبّاس هذا ضعيف؛ لأن في سنده يزيد بن سنان أبو فروة الرُّهاويّ
ضعيف، وشيخه ابن عطاء بن أبي رباح مجهول.
(٣) ((الفتح)) ١٢/ ٦٩٠، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦٣١).

١٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
اسمه ثمامة، وقال البخاريّ في ((التاريخ)): خالد بن عُبيد رَوَى عن أبي
عصام، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي أسيد، ورَدّ ذلك عليه أبو زرعة،
وأبو حاتم، فقالا: أبو عصام هو خالد بن عبيد، كذا ذكره ابن عديّ،
ومسلم في ((الكنى))، وأبو أحمد الحاكم، وقال اللالكائيّ: رجعت إلى تاريخ
مرو لأحمد بن سيار، فقال: أبو عصام هو خالد بن عبيد العتكيّ، كان شيخاً
نبيلاً، روى عن أنس ثلاثة أحاديث، وعن ابن بريدة، والحسن، وعنه ابن
المبارك، والفضل بن موسى، وأبو تُميلة، وكان العلماء في ذلك الزمان
يعظمونه، ويكرمونه، وكان ابن المبارك ربما سَوَّى عليه الثياب إذا رَكِب، قال
اللالكائيّ: وجعله ابن عديّ والذي روى عنه شعبة وهشام واحداً، وميَّز أبو
أحمد - يعني: الحاكم - بينهما، وكأنه الصواب؛ لأن طبقة الذي روى عنه
شعبة وهشام أعلى من طبقة الذي يروي عنه ابن المبارك وأبو تُميلة، وقال
غيره: قد قيل: إن أصله من البصرة، وإنه صار إلى مرو، فلا يبعد حينئذٍ أن
يروي عنه القدماء من أهل البصرة، والمتأخرون من أهل مرو، والله تعالى
أعلم.
وقال الحاكم، وأبو أحمد: أبو عصام خالد بن عبيد الذي روى عن ابن
بريدة، وعنه أبو تُميلة حديثه ليس بالقائم، وقال البخاريّ: فيه نظر، وقال أيضاً
في الذين لا يُعرف أسماؤهم: أبو عصام عن أنس، وعنه هشام وشعبة. انتهى.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له في هذا
الكتاب إلا هذا الحديث.
و((أنسُ ﴿به)) ذُكر قبله.
وقوله: (كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ) وفي الرواية التالية: ((في
الإناء))، قال النوويّ تَخُّ: معناه: في أثناء شربه من الإناء، أو في أثناء شربه
الشراب، والله أعلم. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَُّهُ: الشراب هنا مصدر، بمعنى الشرب، لا بمعنى
الشراب الذي هو المشروب، فتأمله، فإنه حسنٌ معنى، وفصيح لغةً، فإنه يقال:
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩٩/١٣.

١٧٩
(٤) - بَابُ كَرَاهَةِ التَّفُّسِ فِي نَفْسِ الِإِنَاءِ، وَاسْتِحْبَابِ النََّفُسِ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٧٧)
شَرِب شُرباً، وشَرَاباً بمعنى واحد. انتهى(١).
وقوله: (إِنَّهُ أَرْوَى) من الرِّيّ؛ أي: أكثر ريّاً.
وقوله: (وَأَبْرَأُ، وَأَمْرَأْ) قيل: إنهما بمعنى واحد؛ أي: أحسن شرباً، والباء
تُبدل من الميم في مواضع، و((أمرأ)) من قوله تعالى: ﴿هَنِيْئًا نَّيْئًا ﴾ [النساء: ٤]،
يقال: استمرأتُ الطعامَ: إذا استحسنته، واستطبته، قاله القرطبيّ(٢).
وقال النوويّ كَُّهُ: قوله وَّه: ((أروى)) من الرِّيّ؛ أي: أكثر رِيّاً،
و((أمرأ، وأبرأ)) مهموزان، ومعنى أبرأ؛ أي: أبرأ من ألم العطش، وقيل: أبرأ؛
أي: أسلم من مرض، أو أذّى يحصل بسبب الشرب في نَّفَس واحد، ومعنى
((أمرأ))؛ أي: أجمل انسياغاً، والله أعلم. انتهى(٣).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((أروى)) هو من الرِّيِّ، بكسر الراء، غير
مهموز؛ أي: أكثر رِيّاً، ويجوز أن يُقرأ مهموزاً؛ للمشاكلة، و((أمرأ)) بالهمز،
من الْمَرَاءة، يقال: مَرَأَ الطعامُ بفتح الراء(٤)، يَمْرَأ بفتحها، ويجوز كسرها:
صار مَرِيئاً، و((أبرأ)) بالهمز، من البراءة، أو من الْبُرء؛ أي: يُبرىء من الأذى،
والعطش، و((أهنأ)) بالهمز من الْهَنْءِ.
والمعنى أنه يصير هنيئاً، مَريئاً، بريئاً؛ أي: سالِماً، أو مُبرئاً من مرض،
أو عطش، أو أذى. انتهى(٥).
وبالسند المتصل إلى المؤلّف كَّفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٧٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا:
حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ هِشَامِ الدَّسْتَوَائِيِّ، عَنْ أَبِي عِصَامِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّـ
بِمِثْلِهِ، وَقَالَ: فِي الإِنَاءِ).
(١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٢٩٠/٥.
(٢) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٢٩٠/٥.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٩٩/١٣.
(٤) وفي ((القاموس)): ومرأ الطعام مثلّثة الراء مراءةً، فهو مريءٌ، هنيءٌ، حميد الْمَغَبّة.
انتھی.
(٥) ((الفتح)) ٦٩٠/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦٣١).

١٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
رجال هذا الإسناد: ستة :
كلّهم ذُكروا في الباب، وقبل باب.
وقوله: (وَقَالَ: فِي الإِنَاءِ) فاعل ((قال)) ضمير هشام الدستوائيّ؛ يعني: أن
هشاماً قال: ((يتنفّس في الإناء ثلاثاً)) بدل قول عبد الوارث: ((يتنفسّ في
الشراب ثلاثاً)).
[تنبيه]: رواية هشام الدستوائيّ عن أبي عصام هذه ساقها الإمام
أحمد تَخْتُهُ في ((مسنده))، فقال:
(١٢٢٠٧) - حدثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا وكيع، ثنا هشام الدستوائيّ،
عن أبي عصام(١)، عن أنس، قال: كان النبيّ وَ ﴿ يتنفس في الإناء ثلاثاً،
ويقول: ((هذا أهنأ، وأمرأ، وأبرأ)). انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتْ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ .
(٥) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ إِدَارَةِ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَنَحْوِهِمَا
عَنْ يَمِينِ الْمُبْتَدِيِّ)
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٧٨] (٢٠٢٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ أُتِيَ بِلَبَنٍ، قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ،
وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ، فَشَرِبَ، ثُمَّ أَعْطَى الأَعْرَابِيَّ، وَقَالَ:
((الأَيْمَنَ، فَالأَيْمَنَ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، وقبل ثلاثة أبواب.
(١) وقع في النسخة: ((أبو عاصم))، وهو تصحيف فاحشٌ، والصواب: ((أبو عصام))،
فتنبه .
(٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١١٨٩/٣.