النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
(١) - بابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا - حديث رقم (٥٢٥٤)
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر الأقوال، وأدلتها في
هذه المسألة أن الأرجح قول من قال بوجوب الأكل باليمين، وتحريمه
بالشمال؛ لقوّة أدلّة ذلك، فإن الأحاديث بعضها بصيغة الأمر، وبعضها بصيغة
النهي، والأول للوجوب، والثاني للتحريم، ومما يؤكّد ذلك دعاؤه وَّل على
ذلك الرجل بقوله: ((لا استطعتَ))، واستجيبت دعوته، فما رفع يده بعدُ، فمثل
هذا الدعاء لا يكون إلا لترك واجب، أو ارتكاب محرّم، فتبصّر بالإنصاف،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتَّصل إلى المؤلّف تَظْذُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٥٤] (٢٠٢٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ
نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لِبْنٍ نُمَيْرٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ جَدِّهِ
ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ن ◌َّهِ قَالَ: ((إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ
فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمر الْعَدَنيّ، ثم
المكيّ، صدوقٌ [١٠] (ت٢٤٢) (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب المدنيّ،
ثقةٌ [٤].
رَوَى عن جدّه، وعمّه سالم، وروى عنه قريبه عمر بن محمد بن زيد بن
عبد الله بن عُمر، والزهريّ.
قال أبو زرعة: مدنيّ ثقةٌ، قليل الحديث، قال خليفة: مات في زمن
مروان بن محمد.
: أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له في هذا
الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقون كلّهم تقدّموا في الباب الماضي، وشرح الحديث واضحٌ، يُعلم
مما سبق.

١٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ◌ًا هذا من أفراد
المصنّف رَذَلهُ .
[تنبيه]: انتقد الدارقطنيّ هذا الإسناد، فقال: لم يسمع أبو بكر بن
عبيد الله هذا الحديث من جدّه عبد الله بن عمر، إنما سمعه من عمه سالم، عن
أبيه، والله أعلم.
قال الرشيد العطار بعد نقل كلام الدارقطنيّ المذكور ما نصّه: وقد تابع
مالكاً على روايته كذلك: عبيد الله بن عمر، وسفيان بن عيينة، وفي إسناده
اختلاف بين رواته، وقد أخرجه مسلم من حديث الليث بن سعد، عن أبي
الزبير، عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ بنحوه، والله رأيك أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه الرشيد كأنه يقول: إن
الحديث أخرجه مسلم بسند متّصل، وهو حديث جابر ظُه المذكور قبله، وأما
حديث ابن عمر ◌ًا فإنه أورده على سبيل الاستشهاد لحديث جابر، فلا يضرّه
الانتقاد المذكور؛ إذ المتابعات، والشواهد يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول،
والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قال الإمام الترمذيّ كَّتُهُ:
(٥٥٤) - حدثنا ابن أبي عمر، حدّثنا سفيان، حدّثنا الزهريّ، قال:
أخبرني أبو بكر بن عبد الله بن عمر، عن جدّه عبد الله بن عمر، أن
رسول الله ﴿ قال: ((إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه ... )) الحديث.
قال سفيان: فذكرت هذا الحديث لمعمر أريد أن أَبْلُوه، فأنظر كيف
حفظه للحديث، فقلت: عمن سمعت من الزهريّ؟ فقال: عن سالم، عن ابن
عمر، فقلت: لا، أخبرنيه الزهريّ عن أبي بكر بن عبد الله، فقال معمر: إنما
عَرْضَناه عليه .
قال أبو عيسى: كذا يقول ابن عيينة: عن أبي بكر بن عبد الله، وإنما هو
أبو بكر بن عبيد الله بن عبد الله، سألت محمداً عن هذا الحديث، فقال: رَوَى
(١) ((غرر الفوائد)) ٣١٥/١ - ٣١٦.

١٢٣
(١) - بابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا - حديث رقم (٥٢٥٤)
مالك، وعبيد الله بن عمر، وابن عيينة، عن الزهريّ، عن أبي بكر، وهو ابن
عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر.
ورَوَى عُقيل، ومعمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، ورَوَى سفيان
الثوريّ، وابن وهب، عن عمر بن محمد، عن القاسم بن عبيد الله، عن سالم،
عن ابن عمر هذا الحديث.
وزعموا أن القاسم بن عبيد الله كنيته أبو بكر، فإن كان هذا صحيحاً،
فإنه يصح حديث معمر، وعُقيل، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه؛ لأن أبا
بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر لا يزعم في حديثه أنه سمع جدّه ابن
عمر، قلت له: فإن ابن جريج روى هذا عن النعمان بن راشد، عن الزهريّ،
عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: هذا ليس بمحفوظ. انتهى (١).
وقال البيهقيّ دَّثُ في ((السنن الكبرى)):
(١٤٣٨٧) - وأخبرنا أبو الحسين بن بشران العدل ببغداد، أنبأ إسماعيل بن
محمد الصفّار، نا أحمد بن منصور، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهريّ،
عن سالم، عن أبيه ابن عمر ظرًا، قال: قال رسول الله وَليقول: ((إذا أكل أحدكم
فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل ويشرب بشماله)).
قال عبد الرزاق: قال سفيان بن عيينة لمعمر: فإن الزهريّ حدثني به عن
أبي بكر بن عبيد الله، عن ابن عمر، فقال له معمر: فإن الزهريّ كان يذكر
الحديث عن النفر، فلعله عنهما جميعاً .
قال البيهقيّ: هذا مُحْتَمِلٌ، فقد رواه عمر بن محمد، عن القاسم بن
عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن سالم، عن أبيه. انتهى (٢).
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٥٤/١ و٥٢٥٥ و٥٢٥٦] (٢٠٢٠)، و(أبو
داود) في ((الأطعمة)) (٣٣٧٦)، و(الترمذيّ) في ((الأطعمة)) (١٧٩٩ و١٨٠٠)،
و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٧٢/٤ و١٩٩)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٩٢٢/٢ -
٩٢٣)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٥٤١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))
(١) ((علل الترمذيّ)) ٢٩٩/١ - ٢٩٩.
(٢) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ٢٧٧/٧.

١٢٤
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
(١٣٢/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٨/٢ و٨٠)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢/
٩٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٢٢٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٥/
١٤٧)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٣٣/٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧
٢٧٧) و((شُعَب الإيمان)) (٧٦/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٨٣٦)، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٥٥] (.) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍٍ، فِيمَا قُرِئَ
عَلَيْهِ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا بَحْيَى
- وَهُوَ الْقَطَّانُ - كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ جَمِيعاً، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِإِسْنَادٍ سُفْيَانَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن
الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سُنّيّ،
من كبار [٩] (ت١٩٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
والباقون ذكروا في الباب وقبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) ضمير التثنية لعبد الله بن نُمير، ويحيى
القطّان .
وقوله: (جَمِيعاً، عَنِ الزُّهْرِيِّ)؛ يعني أن كلّاً من مالك، وعُبيد الله
الْعُمَريّ رويا هذا الحديث عن الزهريّ بإسناد سفيان بن عيينة المذكور قبله.
[تنبيه]: رواية مالك عن الزهريّ هذه ساقها في ((الموطّأ))، فقال:
(١٦٤٤) - وحدّثني عن مالك (١)، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن
عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله وَله قال:
((إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله،
(١) قائل: ((وحدّثني ... إلخ)) هو عبيد الله بن يحيى بن يحيى الليثيّ، يروي («الموطأ))
عن أبيه، عن مالك، فتنبّه.

١٢٥
(١) - بابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا - حديث رقم (٥٢٥٦)
(١)
ويشرب بشماله)). انتهى"
.
ورواية عبيد الله بن عمر الْعُمَريّ، عن الزهريّ ساقها أبو عوانة كَُّهُ في
((مسنده))، فقال:
(٨١٧٦) - حدثنا أبو الحسن الميمونيّ في آخرين، قالوا: ثنا محمد بن
عبيد، قال: ثنا عبيد الله بن عمر، عن الزهريّ، عن أبي بكر بن عبيد الله، عن
ابن عمر، أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((لا يأكل أحدكم بشماله، ولا يشرب
بشماله، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله)). انتهى(٢).
وبالسند المتصل إلى المؤلّف ◌َخْذِفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٥٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ - قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ:
أَخْبَرَنَا، وَقَالَ حَرْمَلَةُ: حَدَّثَنَا - عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي
الْقَاسِمُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، حَدَّثَهُ عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَ﴿ قَالَ: ((لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِشِمَالِهِ، وَلَا يَشْرَبَنَّ بِهَّا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ
يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِهَا))، قَالَ: وَكَانَ نَافِعٌ يَزِيدُ فِيهَا: ((وَلَا يَأْخُذُ بِهَا، وَلَا
يُعْطِي بِهَا))، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي الطَّاهِرِ: ((لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدُكُمْ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح
المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٢ - (حَرْمَلَةُ) بن يحيى التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ،
صدوقٌ [١١] (ت٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ،
ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٤ - (عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، نزیل
عسقلان، ثقةٌ [٦] مات قبل (١٥٠) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٣/٣١.
(١) ((موطأ مالك)) ٩٢٢/٢.
(٢) ((مسند أبي عوانة)) ١٤٧/٥.

١٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
٥ - (الْقَاسِمُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب، أبو محمد
المدنيّ، ثقةٌ [٦].
رَوَی عن أبيه، وعمه سالم، وروى عنه عمر وعاصم ابنا محمد بن زيد بن
عبد الله بن عمر، وأبو عَقِيل يحيى بن المتوكل، ذكره ابن حبان في ((الثقات))،
وقال: رَوَى عن جدّه عبد الله، رَوَى عنه الزهريّ، وقال ابن سعد: أمه أم
عبد الله بن عمر بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، تُوُفّي في خلافة مروان بن
محمد، وكان قليل الحديث، وقال ابن حزم: مُتَّفق على سقوطه.
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، والنسائيّ، وليس له
عندهم إلا هذا الحديث(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قول ابن حزم: متّفقٌ على سقوطه، لا يخفى
سقوطه، فتنبّه.
وسالم وأبوه ذُكِرا في الباب، وقبله.
والحديث من أفراد المصنّف، وشرحه واضح يُعلم مما سبق.
وقوله: (وَلَا يَأْخُذُ بِهَا، وَلَا يُعْطِي بِهَا) هكذا النسخة برفع ((يأخذ))،
و(يُعطي))، فعلى هذا تكون ((لا)) نافية، والمراد من النفي النهي، ومعنى ذلك:
أنه لا يستعمل اليد اليسرى في أخذ شيء وإعطائه، وإنما يفعل ذلك بيمينه،
وقد تقدّم عن النوويّ أن هذا إذا لم يكن له عذر يمنع من استعمال اليمنى،
وإلا فلا بأس، قال الله رَك: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَضْطُرِّرْتُمْ
إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩].
[تنبيه]: قوله: (وَكَانَ نَافِعٌ يَزِيدُ فِيهَا: وَلَا يَأْخُذُ ... إلخ) ظاهر هذا أنه
موقوف على نافع، ويَحْتَمِل أن يكون مرفوعاً، فيكون معنى زيادة نافع: أن
سالِماً، وأبا بكر بن عبيد الله في روايتيهما السابقتين لم يذكرا: ((ولا يأخذ
(١) تقدّم في ((مقدّمة صحيح مسلم)) أنه رَوَى له قوله مخاطباً ليحيى بن سعيد لَمّا قال
له: ((إنه يقبح على مثلك، وأنت ابن إمامي هدى: أبي بكر وعمر، أن تسأل عن
شيء من أمر هذا الدين، فلا يوجد عندك منه علم، فقال له: أقبح من ذلك
عند الله، وعند من عَقِل عن الله أن أقول بغير علم، أو آخذ عن غير ثقة)). انتهى.

١٢٧
(١) - بابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا - حديث رقم (٥٢٥٦)
بها ... إلخ))، فزاده نافع في روايته حيث سمعه من ابن عمر
کلّه مرفوعاً .
كذلك، فيكون
أُه حيث رواه كلّه مرفوعاً، فقد أخرج
ويشهد لهذا حديث أبي هريرة
ابن ماجه في ((سننه)) بسند صحيح عن أبي هريرة ﴿ه، أن النبيّ وَّه قال:
((ليأكل أحدكم بيمينه، وليشرب بيمينه، وليأخذ بيمينه، وليعط بيمينه، فإن
الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله، ويعطي بشماله، ويأخذ بشماله)).
انتھی(١).
قال الحافظ البوصيريّ تَّلُهُ: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقاتٌ، وأصله
في ((الصحيحين))، من حديث عمر بن أبي سلمة، وفي مسلم وغيره، من حديث
جابر، وابن عمر ﴿ه. انتهى(٢).
ويشهد له أيضاً ما أخرجه ابن حبّان في ((صحيحه)) من طريق يحيى بن
أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، أن رسول الله وَّهُ نَهَى أن يُعطي
الرجل بشماله شيئاً، أو يأخذ بها، ونَهَى أن يتنفس في إنائه إذا شرب)).
انتھی (٣).
وأخرج الإمام أحمد في ((مسنده)) بسند صحيح عن يحيى بن أبي كثير،
عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، أن رسول الله وَلي قال: ((إذا شرب أحدكم
فلا يتنفس في الإناء، وإذا دخل الخلاء فلا يتمسَّح بيمينه، وإذا بال فلا يمسّ
ذَگره بیمینه)) .
قال يحيى بن أبي كثير: وحدّثني عبد الله بن أبي طلحة، أن النبيّ
قال: ((إذا أكل أحدكم فلا يأكل بشماله، وإذا شرب فلا يشرب بشماله، وإذا
أخذ فلا يأخذ بشماله، وإذا أعطى فلا يعطي بشماله)). انتهى(٤).
وأخرج النسائيّ في ((سننه)) بسند صحيح عن عائشة ◌ُّا قالت: ((كان
رسول الله * يحبّ التيمن، يأخذ بيمينه، ويعطي بيمينه، ويحب التيمّن في
(١) ((سنن ابن ماجه)) ١٠٨٧/٢.
(٣) ((صحيح ابن حبان)) ١٢/ ٣٢.
(٤) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣١١/٥.
(٢) ((مصباح الزجاجة)) ١٠/٤.

١٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
جميع أموره)). انتهى(١).
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٥٧] (٢٠٢١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ
الْحُبَابِ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأَْوَعِ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَّهُ،
أَنَّ رَجُلاً أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَّهَ بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: ((كُلْ بِيَمِينِكَ))، قَالَ: لَا
أَسْتَطِيعُ، قَالَ: ((لَا اسْتَطَعْتَ))، مَا مَنَعَهُ إِلَّ الْكِبْرُ، قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ) أبو الحسن الْعُكْليّ، أصله من خُراسان، وكان
بالكوفة، صدوقٌ يُخطىء في حديث الثوريّ [٩] (ت٢٠٣) (م ٤) تقدم في
((الطهارة)) ٦/ ٥٦٠.
٢ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجليّ، أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ
ضعّف في يحيى بن أبي كثير؛ لاضطرابه [٥] ما قبيل (١٦٠) (خت م س ق)
تقدم في ((الإيمان)) ١٥٥/١٢.
٣ - (إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) الأسلميّ، أبو سلمة، أو أبو بكر
المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت١١٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٨/٤٤.
٤ - (أَبُوهُ) سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلميّ، أبو مسلم، وأبو إياس
الصحابيّ الشهير، شهد بيعة الرضوان، ومات بالمدينة سنة (٦٤) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٢٨٨/٤٤.
وشیخه ذُکر قبل حدیثین.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ) الْعِجليّ أنه قال: (حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ
الأَْوَعِ أَنَّ أَبَاهُ) سلمة رَُّه (حَدَّثَهُ، أَنَّ رَجُلاً) قال النوويّ كَُّهُ: هذا الرجل هو
(١) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٤١١/٥، و((المجتبى)) ١٣٣/٨.

١٢٩
(١) - بابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا - حديث رقم (٥٢٥٧)
بُسر بضم الباء، وبالسين المهملة، ابن راعي الْعَيْر، بفتح العين، وبالمثناة،
الأشجعيّ، كذا ذكره ابن منده، وأبو نعيم الأصبهانيّ، وابن ماكولا، وآخرون،
وهو صحابيّ مشهور، عَدّه هؤلاء وغيرهم من الصحابة ﴿ه، وأما قول القاضي
عياض تَّتُهُ: إن قوله: ((ما منعه إلا الكبر)) يدلّ على أنه كان منافقاً، فليس
بصحيح، فإن مجرد الكبر والمخالفة لا يقتضي النفاق والكفر، لكنه معصية، إن
كان الأمر أمر إيجاب. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: التعقيب على كلام النوويّ هذا في كلام
الحافظ، فتنبه.
وقال في ((الإصابة)): بُسْر ابن راعي الْعَيْرِ الأشجعيّ، رَوَى الدارميّ،
وعبد بن حميد، وابن حبان، والطبرانيّ من طريق عكرمة بن عمار، عن
إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، أن النبيّ وَلِّ أبصر بُسر ابن راعي العير
يأكل بشماله، فقال: ((كل بيمينك))، فقال: لا أستطيع، فقال: ((لا استطعتَ))،
فما نالت(٢) يمينه إلى فيه بعدُ، ورواه مسلم من هذا الوجه، فلم يُسَمِّ بُسراً،
وزاد في روايته: ((لم يمنعه إلا الكبر)).
واستَدَلّ عياض في ((شرح مسلم)) على أنه كان منافقاً، وزيّفه النوويّ في
((شرحه)) متمسكاً بأن ابن منده، وأبا نعيم، وابن ماكولا، وغيرهم ذكروه في
الصحابة.
وتعقّب الحافظ تزييف النوويّ، وأجاد في ذلك، فقال: وفي هذا
الاستدلال نظرٌ؛ لأن كلّ من ذكره لم يَذكُر له مستنداً إلا هذا الحديث، فالاحتمال
قائم، ويمكن الجمع أنه كان في تلك الحالة لم يُسلم، ثم أسلم بعد ذلك.
وقد قيل فيه: بشر بالمعجمة، وبذلك ذكره ابن منده، وأنكر عليه أبو
نعيم، ونسبه إلى التصحيف، ولم يَحْكِ الدار قطنيّ، وابن ماكولا فيه خلافاً أنه
بالمهملة، وأما البيهقيّ، فحَكَى في ((السنن)) أنه بالمعجمة أصحّ، وأغرب ابن
فتحون، فاستدركه فیمن اسمه بشیر. انتهى(٣).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩٢/١٣.
(٣) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٢٩١/١.
(٢) أي: لم تقرب، ولم تدنُ.

١٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأكثرين على أنه بُسر
بالسين المهملة، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
(أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَ بِشِمَالِهِ، فَقَالَ) وَلِّ له ((كُلْ بِيَمِينِكَ))، قَالَ)
الرجل (لَا أَسْتَطِيعُ) أي لا أقدر على الأكل باليمين، (قَالَ) بَّارِ دعاءً عليه حيث
خالف أمره الذي أوجب الله تعالى امتثاله، حيث قال: ﴿وَمَآ ءَالَنَّكُمُ الرَّسُولُ
فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنْكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُوَأْ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]، وقال:
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِةٍ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِئُ
[النور: ٢٣]. ((لَا اسْتَطَعْتَ))) قال القرطبيّ كَّتُهُ: هذا دعاء منه وَّل عليه؛ لأنَّه
لم يكن له في ترك الأكل باليمين عذر، وإنما قَصَد المخالفة، وكأنه كان
منافقاً، والله تعالى أعلم، ولذلك قال الراوي: وما منعه إلا الكِبْر، وقد
أجاب الله تعالى دعاء النبيّ وَّ في هذا الرجل، حتى شُلّت يمينه، فلم يرفعها
لفيه بعد ذلك اليوم. انتهى(١).
وقوله: (مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ) الظاهر أنه من قول سلمة رَُّبه، والله تعالى
أعلم.
(قَالَ) الراوي، وهو سلمة رَظُبه، (فَمَا رَفَعَهَا)؛ أي: يده اليمنى، (إِلَى
فِيهِ)؛ يعني: أن ذلك الرجل لم يستطع بعد ذلك اليوم أن يرفع يده اليمنى إلى
فيه، وهو كناية عن كونها شُلّت بدعائه بَّ عليه.
و((فيه)) لغة في ((فمه))، وهي من الأسماء الستة التي تُرفع بالواو، وتُنصب
بالألف، وتُجرّ بالياء، كما قال في ((الخلاصة)):
وَاجْرُرْ بِيَاءِ مَا مِنَ الأَسْمَا أَصِفْ
وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَانْصِبَنَّ بِالأَلِفْ
وَ(الْفَمُ)) حَيْثُ الْمِيمُ مِنْهُ بَانَا
مِنْ ذَاكَ (ذُو) إِنْ صُحْبَةً أَبَانًا
وَالنَّقْصُ فِي هَذَا الأَخِيرِ أَحْسَنُ
((أَبِّ)) ((أَخْ)) ((حَمٌ)) كَذَاكَ وَاهَنُ))
وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهِنَّ أَشْهَرُ
وَفِي (أَبٍ)) وَتَالِيَيْهِ يَنْدُرُ
والله تعالى أعلم.
(١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٢٩٧/٥.

١٣١
(١) - بابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا - حديث رقم (٥٢٥٧)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع ظه هذا من أفراد
المصنّف نظّثهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٥٧/١] (٢٠٢١)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (١٣٢/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٥/٤ - ٤٦ و٥٠)، و(الدارميّ)
في ((سننه)) (٩٧/٢)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (١٤٩/١)، و(الطبرانيّ) في
((الكبير)) (٦٢٣٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٥١٢ و٦٥١٣)، و(أبو عوانة)
في («مسنده)) (١٦٣/٥ - ١٦٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٧٧/٧) و((دلائل
النبوّة)) (٢٣٨/٦) و((شُعَب الإيمان)) (٧٧/٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب الأكل باليمين، قال الشوكانيّ نَّهُ: فيه النهي
عن الأكل والشرب بالشمال، والنهي حقيقة في التحريم، كما تقرر في
الأصول، ولا يكون لمجرد الكراهة فقط إلا مجازاً، مع قيام صارف.
وقال النوويّ: فيه استحباب الأكل والشرب باليمين، وكراهتهما
بالشمال، قال المباركفوريّ: بل في هذا الحديث وجوب الأكل والشرب
باليمين، كما قال الشوكانيّ، ويدل على الوجوب قوله وَلافيه: ((إذا أكل أحدكم
فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه ... )) الحديث، وقوله وَي العُمر بن أبي
سلمة: ((كُلْ بيمينك))، فإن الأصل في الأمر الوجوب. انتهى(١).
٢ - (ومنها): جواز الدعاء على من خالف الحكم الشرعيّ بلا عذر، قاله
النوويّ، وقال في ((الفتح)) في ذكر الأقوال في لعن الفاسق المعيَّن ما حاصله:
المنع مطلقاً، وقيل: إن المنع خاصّ بما يقع في حضرة النبيّ ◌َّ؛ لئلا يتوهم
الشارب عند عدم الإنكار أنه مستحقّ لذلك، فربما أوقع الشيطان في قلبه ما
يتمكن به من فتنة، وإلى ذلك الإشارة بقوله في حديث أبي هريرة: ((لا تكونوا
عون الشيطان على أخيكم))، وقيل: المنع مطلقاً في حقّ من أقيم عليه الحدّ؛
(١) ((تحفة الأحوذيّ)) ٤٢٢/٥.

١٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
لأن الحدّ قد كَفّر عنه الذنب المذكور، وقيل: المنع مطلقاً في حقّ ذي الزلة،
والجواز مطلقاً في حق المجاهرين، وصوّب ابن الْمُنَيِّر أن المنع مطلقاً في حقّ
المعيّن، والجواز في حق غير المعيَّن؛ لأنه في حق غير المعيَّن زجرٌ عن تعاطي
ذلك الفعل، وفي حق المعيَّن أذى له، وسبّ، وقد ثبت النهي عن أذى المسلم.
واحتج من أجاز لعن المعيّن بأن النبيّ وَّ إنما لعن من يستحق اللعن،
فيستوي المعيّن وغيره.
وتُعُقّب بأنه إنما يستحق اللعن بوصف الإبهام، ولو كان لَعْنه قبل الحدّ
جائزاً لاستمرّ بعد الحدّ كما لا يسقط التغريب بالجلد، وأيضاً فنصيب غير
المعيَّن من ذلك يسير جدّاً، والله اعلم.
قال النوويّ في ((الأذكار)): وأما الدعاء على إنسان بعينه، ممن اتصف
بشيء من المعاصي، فظاهر الحديث أنه لا يَحْرُم، وأشار الغزاليّ إلى تحريمه،
وقال في ((باب الدعاء على الظلمة)) بعد أن أورد أحاديث صحيحة في الجواز:
قال الغزاليّ: وفي معنى اللعن الدعاء على الإنسان بالسوء، حتى على الظالم،
مثل: لا أصحّ الله جسمه، وكل ذلك مذموم. انتهى.
والأَولى حَمْل كلام الغزاليّ على الأول، وأما الأحاديث فتدل على
الجواز، كما ذكره النوويّ في قوله وَل﴿ للذي قال: ((كل بيمينك)) فقال: لا
أستطيع، فقال: ((لا استطعت)) فيه دليل على جواز الدعاء على من خالف
الحكم الشرعيّ، ومال هنا إلى الجواز قبل إقامة الحدّ، والمنع بعد إقامته،
وصنيع البخاريّ يقتضي لعن المتصف بذلك من غير أن يعيّن باسمه، فيجمع بين
المصلحتين؛ لأن لعن المعيَّن، والدعاء عليه قد يَحمله على التمادي، أو يُقَنِّطه
من قبول التوبة، بخلاف ما إذا صَرَف ذلك إلى المتصف، فإن فيه زجراً،
وردعاً عن ارتكاب ذلك، وباعثاً لفاعله على الإقلاع عنه، ويقوّيه النهي عن
التثريب على الأَمَة إذا جُلدت على الزنا، قال: واحتج شيخنا الإمام البلقينيّ
على جواز لعن المعيّن بالحديث الوارد في المرأة إذا دعاها زوجها إلى فراشه،
فأبَتْ لعنتها الملائكة حتى تصبح، وهو في ((الصحيح))، وقد توقف فيه بعض
من لَقِيناه بأن اللاعن لها الملائكة، فيتوقف الاستدلال به على جواز التأسي
بهم، وعلى التسليم فليس في الخبر تسميتها، والذي قاله شيخنا أقوى، فإن

١٣٣
(١) - بابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا - حديث رقم (٥٢٥٨)
المَلَك معصوم، والتأسي بالمعصوم مشروع، والبحث في جواز لعن المعيّن،
وهو الموجود. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الأَولى عدم التعيين في اللعن، بل
يدعو على عموم الفسّاق، والمجرمين؛ لأنه أجمع للمصلحة، وأبعد عن
المفسدة؛ وبهذا يُجمع بين النصوص، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر في كل حال، حتى
في حال الأكل.
٤ - (ومنها): استحباب تعليم الآكل آداب الأكل إذا خالفه، كما في
حديث عُمر بن أبي سلمة رضيها الذي بعد هذا، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٥٨] (٢٠٢٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ،
جَمِيعاً عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ،
عَنْ وَهْبٍ بْنِ كَيْسَانَ، سَمِعَهُ مِنْ عُمَرَ بْنٍ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: كُنْتُ فِي حَجْرٍ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَكَانَتْ بَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي: ((يَا غُلَامُ سَمِّ اللهَ،
وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيَكَ))).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثمّ الكوفيّ، صدوقٌ عارفٌ
بالمغازي، ورُمي برأي الخوارج [٦] (ت١٥١) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦١/٦٤.
٢ - (وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ) القرشيّ مولاهم، أبو نعيم المدنيّ المعلّم، ثقةٌ،
من كبار [٤] (ت١٢٧) (ع) تقدم في ((الحيض) ٧٩٧/٢٣.
٣ - (عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله بن عبد الأسد المخزوميّ، ربيب
النبيّ ◌َّه، صحابيّ صغير، أمه أم سلمة زوج النبيّ وَّه، وأمّره عليّ ◌َلُه على
البحرين، ومات رظُه سنة (٨٣) على الصحيح (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١١٥٧/٥٤.
والباقون ذُكروا في الباب.
(١) ((الفتح)) ٥٣٧/١٥ - ٥٣٨، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٧٨٠).

١٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
شرح الحديث:
(عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ) وفي رواية البخاريّ: ((أخبرنا سفيان، قال: الوليد بن
كثير أخبرني))، قال في ((الفتح)): كذا وقع هنا وهو من تأخير الصيغة عن
الراوي، وهو جائز، وقد أخرجه الحميديّ في ((مسنده))، وأبو نعيم في
((المستخرج)) من طريقه، عن سفيان، قال: حدثنا الوليد بن كثير، وأخرجه
الإسماعيليّ من رواية محمد بن خلاد، عن سفيان عن الوليد بالعنعنة، ثم قال
في آخره: فسألوه عن إسناده، فقال: حدّثني الوليد بن كثير، ولعل هذا هو
السرّ في سياق عليّ بن عبد الله - يعني: شيخ البخاريّ في هذا الحديث - له
على هذه الكيفية، ولسفيان بن عيينة في هذا الحديث سند آخر، أخرجه النسائيّ
عن محمد بن منصور، وابن ماجه عن محمد بن الصباح، كلاهما عن سفيان،
عن هشام، عن أبيه، عن عُمر بن أبي سلمة، وقد اختُلف على هشام في
سنده، فكأن البخاريّ عَرَّج عن هذه الطريق لذلك. انتهى(١).
(عَنْ وَهْبٍ بْنِ كَيْسَانَ) المدنيّ المعلّم أنه (سَمِعَهُ)؛ أي: هذا الحديث
(مِنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَّمَةَ)؛ أي: ابن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عُمر بن
مخزوم، واسم أبي سلمة عبد الله، وأم عمر المذكورة هي أم سلمة زوج
النبيّ ◌َّه، ولذا وصفوه بأنه ربيب النبيّ ◌َل﴿ أنه (قَالَ: كُنْتُ فِي حَجْرٍ
رَسُولِ اللهِ وََّ) وفي رواية البخاريّ: ((كنت غلاماً في حجر رسول الله وَلآي))؛
أي: دون البلوغ، يقال للصبي من حين يولد إلى أن يبلغ الْحُلُم: غلام، وقد
ذكر ابن عبد البرّ أنه وُلد في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة بأرض
الحبشة، وتبعه غير واحد، قال الحافظ: وفيه نظرٌ، بل الصواب أنه وُلد قبل
ذلك، فقد صحّ في حديث عبد الله بن الزبير أنه قال: كنت أنا وعمر بن أبي
سلمة مع النسوة يوم الخندق، وكان أكبر مني بسنتين. انتهى، ومولد ابن الزبير
في السنة الأولى على الصحيح، فيكون مولد عمر قبل الهجرة بسنتين.
انتھی(٢).
(١) ((الفتح)) ٢٨٧/١٢ - ٢٨٨، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٣٧٦).
(٢) ((الفتح)) ٢٨٨/١٢، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٣٧٦).

١٣٥
(١) - بابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا - حديث رقم (٥٢٥٨)
وقوله: (فِي حَجْرِ رَسُولِ اللهِ وَّه) - بفتح الحاء المهملة، وسكون الجيم -؛
أي في تربيته، وتحت نظره، وأنه يربيه في حِضنه تربية الولد، قال عياض:
الحجر يُطلق على الحضن، وعلى الثوب، فيجوز فيه الفتح والكسر، وإذا أُريد
به معنى الحضانة فبالفتح لا غير، فإن أريد به المنع من التصرف فبالفتح في
المصدر، وبالكسر في الاسم، لا غير. انتهى (١).
(وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ)؛ أي: عند الأكل، ومعنى: ((تطيش))،
وهو بالطاء المهملة، والشين المعجمة، بوزن تطير: تتحرك، فتميل إلى نواحي
القصعة، ولا تقتصر على موضع واحد، قاله الطيبيّ، قال: والأصل: أطيش
بيدي، فأَسند الطيش إلى يده مبالغةً، وقال غيره: معنى (تطيش)): تَخِفّ،
وتُسرع.
وفي الرواية التالية: ((أكلت يوماً مع رسول الله وَليه، فجعلت آخذ من
لحمٍ حول الصحفة))، وهو يفسّر المراد.
و((الصَّحْفة): دون القصعة، وهي ما تَسَعُ ما يُشبع خمسةً، فالقصعة تُشبع
عشرةً، كذا قاله الكسائيّ فيما حكاه الجوهريّ وغيره عنه، وقيل: الصحفة
كالقصعة، وجمعها صِحَاف(٢).
ووقع في رواية الترمذيّ من طريق عروة، عن عمر بن أبي سلمة: أنه
دخل على رسول الله (و9َّ، وعنده طعام، فقال: ((ادْنُ يا بني))، وفي رواية
للبخاريّ: ((أتي النبيّ وَ ﴿ بطعام، وعنده ربيبه))، والجمع بينهما أن مجيء
الطعام وافق دخوله، قاله في ((الفتح)) (٣).
(فَقَالَ) وَ (لِي: ((يَا غُلَامُ سَمِّ اللهَ) فيه وجوب التسمية على الأكل،
وادّعى النوويّ الإجماع على استحبابها، وقد سبق تعقّبه في دعوى الإجماع،
فقد ثبت عن جماعة القول بوجوبها، وهو الحقّ؛ لوضوح أدلّته، فتبصّر، والله
تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٢٨٨/١٢، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٣٧٦).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٩٣/١٣.
(٣) ((الفتح)) ٢٨٨/١٢، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٣٧٦).

١٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
(وَكُلْ بِيَمِينِكَ) قد سبق أن الحقّ وجوب الأكل باليمين، فلا تغفل، والله
تعالى أعلم.
(وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ))) قال القرطبيّ كَذَفُ: محلُّه ما إذا كان الطعام نوعاً
واحداً، وسبب ذلك الاستقباح؛ لأن كل آكل كالحائز لِمَا يليه من الطعام،
فأخذُ الغير له تَعَدِّ عليه، مع ما فيه من تقذَّر النفس، مما خاضت فيه الأيدي،
ولِمَا فيه من إظهار الحرص والنَّهَم، وهو مع ذلك سوء أدب بغير فائدة إذا كان
الطعام واحداً، أما إذا اختلفت الأنواع، فقد أباح ذلك العلماء؛ إذ ليس فيه
شيء من تلك الأمور المستقبَحة(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ((أما إذا اختلفت الأنواع ... إلخ)) سيأتي قريباً
الردّ على هذا، وأن الحقّ حمل النهي على العموم؛ لعدم دليل فارق، فتنبّه،
وبالله تعالى التوفيق.
[تنبيه]: زاد في رواية للبخاريّ في آخر الحديث قول ابن أبي سلمة
((فما زالت تلك طِعْمتي بعدُ)) بكسر الطاء؛ أي: صفة أكلي؛ أي: لَزِمت ذلك،
وصار عادةً لي، قال الكرمانيّ: وفي بعض الروايات بالضم، يقال: طَعِم: إذا
أكل، والطُّعمة الأكلة، والمراد جميع ما تقدم، من الابتداء بالتسمية، والأكل
باليمين، والأكل مما يليه، وقوله: ((بعدُ)) بالضم على البناء؛ أي: استمرّ ذلك
من صنيعي في الأكل(٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر بن أبي سلمة ظّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٥٨/١ و٥٢٥٩] (٢٠٢٢)، و(البخاريّ) في
((الأطعمة)) (٥٣٧٦ و٥٣٧٧)، و(الترمذيّ) في ((الأطعمة)) (١٨٥٨)، و(النسائيّ)
في ((الكبرى)) (٦٧٥٩ و٣٧٦٠) و((عمل اليوم والليلة)) (٢٧٤ و٢٧٥ و٢٧٦
(١) «المفهم)) ٢٩٨/٥.
(٢) ((الفتح)) ٢٨٨/١٢، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٣٧٦).

١٣٧
(١) - بابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا - حديث رقم (٥٢٥٨)
و٢٧٧ و٢٧٨)، و(ابن ماجه) في ((الأطعمة)) (٣٢٦٥ و٣٢٦٧)، و(ابن أبي
شيبة) في ((مصنّفه)) (١٣٢/٥)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٢٥٩/١)، و(أحمد)
في ((مسنده)) (٢٦/٤ و٢٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٦٥/٥)، و(الطبرانيّ)
في («الكبير» (٢٧/٩ و٢٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٧٧/٧)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر حتى في حال
الأكل.
٢ - (ومنها): استحباب تعليم آداب الأكل والشرب.
٣ - (ومنها): أن فيه منقبةً لعمر بن أبي سلمة ﴿هما؛ لامتثاله الأمر،
ومواظبته على مقتضاه.
وقال النوويّ كَّلُ: في هذا الحديث بيان ثلاث سنن، من سنن الأكل،
وهي التسمية، والأكل باليمين، وقد سبق بيانهما، والثالثة: الأكل مما يليه؛
لأن أَكْله من موضع يد صاحبه سُوء عشرة، وتَرْك مروءة، فقد يتقذّره صاحبه،
لا سيّما في الأَمْراق، وشِبْهها، وهذا في الثريد، والأمراق، وشبهها، فإن كان
تمراً، أو أجناساً، فقد نقلوا إباحة اختلاف الأيدي في الطبق ونحوه، والذي
ينبغي تعميم النهي؛ حَمْلاً للنهي على عمومه، حتى يثبت دليل مخصص. انتهى
كلام النوويّ كَخَذُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد النوويّ كَُّهُ في قوله: بتعميم النهي،
فالحقّ أن النهي شامل لِمَا كان لوناً واحداً، أو ألواناً، فمن فرّق بينهما فإنما
استند إلى حديث ضعيف أخرجه الترمذيّ، فقال في ((الجامع)):
(١٨٤٨) - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا العلاء بن الفضل بن
عبد الملك بن أبي سَوِيّة أبو الهذيل، حدّثنا عبيد الله بن عِكْراش، عن أبيه
عِكراش بن ذؤيب، قال: بعثني بنو مُرّة بن عبيد بصدقات أموالهم إلى
رسول الله وَله، فقَدِمت عليه المدينة، فوجدته جالساً بين المهاجرين والأنصار،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩٣/١٣.

١٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
قال: ثم أخذ بيدي، فانطلق بي إلى بيت أم سلمة، فقال: ((هل من طعام؟))
فأتينا بجفنة كثيرة الثريد، والوَذَر، وأقبلنا نأكل منها، فخبطت بيدي من
نواحيها، وأكل رسول الله وَ ل﴿ من بين يديه، فقبض بيده اليسرى على يدي
اليمنى، ثم قال: يا عكراش كُلْ من موضع واحد، فإنه طعام واحد، ثم أُتينا
بطَبَق فيه ألوان الرطب، أو من ألوان الرطب - عبيد الله شك - قال: فجعلت
آكل من بين يدي، وجالت يد رسول الله وَلهير في الطبق، وقال: ((يا عكراش كل
من حيث شئت، فإنه غير لون واحد ... ))، الحديث.
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث العلاء بن
الفضل، وقد تفرَّد العلاء بهذا الحديث، ولا نعرف لعكراش عن النبيّ ◌َّ إلا
(١)
.
هذا الحديث. انتهى
فهذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه العلاء بن الفضل، قال عنه في
((التقريب)): ضعيف، وعبيد الله بن عكراش قال عنه البخاريّ: لا يثبت حديثه.
والحاصل أن الحديث لا يصلح للاحتجاج به، فالحقّ إبقاء النهي على
عمومه، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتَّصل إلى المؤلّف كَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٥٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ
إِسْحَاقَ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ
عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ وَهْبٍ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَّمَةَ، أَنَّهُ قَالَ: أَكَلْتُ
يَوْماً مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَجَعَلْتُ آخُذُ مِنْ لَحْم حَوْلَ الصَّحْفَةِ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((كُلْ مِمَّا يَلِيكَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ) أبو عليّ الخلال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ
له تصانيف [١١] (ت٢٤٢) (خ م « ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
(١) ((جامع الترمذيّ)) ٢٨٣/٤.

١٣٩
(١) - بابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا - حديث رقم (٥٢٦٠)
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق الصاغانيّ البغداديّ،
تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو: سعيد بن الحكم بن محمد المصريّ، تقدّم
أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ مولاهم المدنيّ، أخو
إسماعيل، وهو الأكبر، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٩/٢٧.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ) - بحاءين مهملتين، بينهما لام ساكنة -
الدِّليّ - بكسر الدال، وسكون الياء - المدنيّ، ثقةٌ [٦] (خ م د س) تقدم في
((الحيض)) ٨٠٦/٢٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتَّصل إلى المؤلّف ◌َُّ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٦٠] (٢٠٢٣) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ وَّهِ عَنِ اخْتِنَاتِ الأَسْقِيَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت٩٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٢ - (أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سِنان بن عُبيد الأنصاريّ الْخُدريّ
الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ه، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم
في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٥.
والباقون ذُكروا في الباب، و((عمرو الناقد)) هو: ابن محمد بن بُكير.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عبيد الله
أحد الفقهاء السبعة المجموعين في قول بعضهم:
مَقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ
إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحٍُ

١٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ
فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللهِ عُرْوَةٌ قَاسِمٌ
وقال الحافظ العراقيّ كَّلُ في ((ألفيّة الحديث)):
خَارِجَةُ الْقَاسِمُ ثُمَّ عُرْوَةٌ
وَفِي الْكِبَارِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ
سَعِيدُ وَالسَّابِعُ ذُو اشْتِبَاهِ
ثُمَّ سُلَيْمَانُ عُبَيْدُ اللهِ
أَوْ فَأَبُو بَكْرٍ خِلَافٌ قَائِمُ
إِمَّا أَبُو سَلَمَةٍ أَوْ سَالِمُ
وفيه أيضاً أبو سعيد الخُدريّ ◌َظله أحد المكثرين السبعة المجموعين في
قولي :
مِنَ الصَّحَابَةِ الأَكَارِمِ الْغُرَرْ
الْمُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الْخَبَرْ
فَأَنَسِ فَزَوْجَةُ الْهَادِي الأَبَرّ
أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ
وَبَعْدَهُ الْخُدْرِيُّ فَهْوَ آخِرُ
ثُمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ يَلِيهِ جَابِرُ
وهذا كلّه تقدّم غير مرّة، وإنما أعدته تذكيراً؛ لطول العهد به، فتنبّه، والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتصغير بن عبد الله بن عُتبة، وصرّح في رواية للبخاريّ
بتحديث عبيد الله للزهريّ، ولفظه: ((عن الزهريّ قال: حدّثني عبيد الله بن
عبد الله)). (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ ◌َظُهُ، وصرّح عند البخاريّ بالسماع،
ولفظه: ((أنه سمع أبا سعيد الخدريّ يقول: سمعت رسول الله وَل﴿ ينهى ... )).
(قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ◌َّهِ عَنِ اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ) ((الاختناث)): افتعال من الْخَنْث،
بالخاء المعجمة، والنون، والثاء المثلثة، وهو الانطواء، والتكسر، والانثناء،
و((الأسقية)): جمع السِّقاء، والمراد به المتَّخَذ من الأَدَم، صغيراً كان، أو
كبيراً، وقيل: القربة قد تكون كبيرة، وقد تكون صغيرة، والسقاء لا يكون إلا
صغيراً، قاله في (الفتح)(١).
وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((نَهَى رسول الله وَ له عن اختناث الأسقية))،
وقال في الرواية الأخرى: ((واختنائها أن يُقلَب رأسها، حتى يُشْرَب منه))،
(١) ((الفتح)) ٦٨٤/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦٢٥).