النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ (١) - بابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا - حديث رقم (٥٢٤٨) القرطبيّ تَخْلُهُ: الجارية في النساء كالغلام في الذكور، وهو ما دون البلوغ(١). (كَأَنَّهَا تُدْفَعُ) بالبناء للمفعول؛ أي: يدفعها دافع؛ يعني: أنها جاءت مسرعة، كما قال في الرواية الأخرى: ((كأنما تُطرد))، وكذلك فعل الأعرابيّ، وكل ذلك إزعاج من الشيطان لهما؛ ليسبقا إلى الطعام قبل النبيّ وَّله، وقبل التسمية، فيصل إلى غرضه من الطعام، ولمّا اطّلع النبيّ ◌َ على ذلك أخذ بيديهما، ويدي الشيطان منعاً لهم من ذلك، قاله القرطبيّ (٢) (فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ يَدَهَا فِي الطَّعَامِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِلَّهِ بِيَدِهَا)؛ أي: الجارية، (ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ) لا يُعرف اسمه، كما قال صاحب ((التنبيه))(٣). (كَأَنَّمَا يُدْفَعُ)؛ أي: من شدّة سرعته فكأن دافعاً من ورائه يدفعه، وهو الشيطان، (فَأَخَذَ) النبيّ ◌َ (بِيَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُ الطَّعَامَ) قال النوويّ ◌َقْتُهُ: معنى ((يَستَحِلّ)): يتمكن من أكله، ومعناه: أنه يتمكن من أكل الطعام إذا شرع فيه إنسان بغير ذكر الله تعالى، وأما إذا لم يشرع فيه أحد فلا یتمکن، وإن کان جماعة، فذكر اسم الله بعضهم دون بعض لم يتمكن (٤) منه. انتهى(٤). قال التوربشتيّ: قوله: معنى ((يستحلّ الطعام)): يجد سبيلاً إلى تطيير بركة الطعام بترك التسمية عليه في أول ما يتناوله المتناولون، وذلك حظّه من ذلك الطعام، ومعنى استحلال الطعام: هو أن تسمية الله تعالى تمنعه عن الطعام، كما أن التحريم يمنع المؤمن عن تناول ما حُرّم عليه، والاستحلال: استنزال الشيء المحرّم محلّ الحلال، وهو في الأصل مستعار من حلّ العقدة. قال الطيبيّ: كأنه أراد أن ترك التسمية في الطعام إذن للشيطان من الله تعالى في تناوله، كما أن التسمية مَنْع له منه، فيكون استعارةً تبعيّةً. انتهى(٥). (أَنْ لَا يُذْكَرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) ببناء الفعل للمفعول، و((أن)) مصدريّة، واللام (١) ((المفهم)) ٢٩٣/٥. (٢) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)» ٢٣/١٧: ١٠ /٢٤ معارجاًا وان (٤) (شرح النوويّ)) ١٨٩/١٣. (٣) (تنبيه المعلم)) ص٣٤٧. (٥) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٠٢٨٣٨/٩ ٨٠٠ ١٠٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة مقدّرة، أو الوقت، قاله الطيبيّ(١)؛ أي: لئلا يُذكر ... إلخ، أو وقت عدم ذكر اسم الله علیه. (وَإِنَّهُ)؛ أي: الشيطان (جَاءَ بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ؛ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا)؛ أي: يجعل الطعام الحاضر حلالاً له، (فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا، فَجَاءَ بِهَذَا الأَعْرَابِيِّ؛ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ يَدَهُ فِي يَدِي مَعَ يَدِهَا))) قال النوويّ ◌َّتُهُ : هكذا هو في معظم الأصول: ((يدها))، وفي بعضها: ((يدهما))، فهذا ظاهر، والتثنية تعود إلى الجارية والأعرابيّ، ومعناه: إن يدي في يد الشيطان مع يد الجارية والأعرابيّ، وأما على رواية (يدها)) بالإفراد فيعود الضمير على الجارية، وقد حَكَى القاضي عياض ◌َُّ أن الوجهَ التثنيةُ، قال النوويّ: والظاهر أن رواية الإفراد أيضاً مستقيمة، فإن إثبات يدها لا ينفي يد الأعرابيّ، وإذا صحّت الرواية بالإفراد وجب قبولها، وتأويلها على ما ذكرناه، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ كَّلُ(٢)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حُذيفة ◌َُّه هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٤٨/١ و٥٢٤٩ و٥٢٥٠] (٢٠١٧)، و(أبو داود) في ((الأطعمة)) (٣٧٦٦)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٧٣/٤) وفي ((عمل اليوم والليلة)) (٢٧٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٢/٥ و٣٩٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٦١/٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه ما يدلّ على مشروعية التسمية عند الطعام والشراب، وعلى بَرَكتها، قال النوويّ تَخْتُهُ: فيه استحباب التسمية في ابتداء الطعام، وهذا مُجْمَع علیه. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: مجمع عليه، فيه نظر لا يخفى، فقد تعقّبه (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٨٣٨/٩. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٩/١٣. ١٠٣ (١) - بابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا - حديث رقم (٥٢٤٨) الحافظ في ((الفتح))، فقال: وفي نقل الإجماع على الاستحباب نظرٌ، إلا إن أُريدَ بالاستحباب أنه راجح الفعل، وإلا فقد ذهب جماعة إلى وجوب ذلك، وهو قضية القول بإيجاب الأكل باليمين؛ لأن صيغة الأمر بالجميع واحدة. انتھی(١). قال الجامع: عندي أن القول بالوجوب هو الظاهر؛ لظهور حجته، والله تعالى أعلم. قال: وكذا يُستحب حَمْد الله تعالى في آخره، كما سيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى - وكذا تستحب التسمية في أول الشراب، بل في أول كل أمر ذي بال، كما ذكرنا قريباً. قال العلماء: ويستحب أن يجهر بالتسمية؛ ليُسْمِع غيره، وينبّهه عليها، ولو تَرَك التسمية في أول الطعام عامداً، أو ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً، أو عاجزاً لعارض آخر، ثم تمكّن في أثناء أكله منها يستحب أن يُسَمِّي، ويقول: بسم الله أوله وآخره؛ لقوله وَ له: ((إذا أكل أحدكم، فليذكر اسم الله، فإن نسي أن يذكر الله في أوله، فليقل: بسم الله أوله وآخره))، رواه أبو داود، والترمذيّ، وغيرهما، قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح. والتسميةُ في شرب الماء، واللبن، والعسل، والمرق، والدواء، وسائر المشروبات كالتسمية على الطعام في كل ما ذكرناه، وتحصل التسمية بقوله: ((بسم الله))، فإن قال: ((بسم الله الرحمن الرحيم)) كان حسناً. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((فإن قال: بسم الله الرحمن الرحيم كان حسناً))، فيه نظر؛ فإن الذي ثبت عنه وَ ﴿ل قوله: ((فليقل: باسم الله))، فهذا هو الأحسن، وسيأتي اعتراض الحافظ عليه قريباً. قال: وسواء في استحباب التسمية الجُنُب، والحائض، وغيرهما، وينبغي أن يُسمي كلُّ واحد من الآكلين، فإن سمى واحد منهم حصل أصل السُّنَّة، نَصَّ عليه الشافعيّ، ويُستدل له بأن النبيّ وَلو أخبر أن الشيطان إنما يتمكن من الطعام إذا لم يُذكر اسم الله تعالى عليه، ولأن المقصود يحصل بواحد، ويؤيده (١) ((الفتح)) ٢٨٨/١٢ - ٢٨٩، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٣٧٦). ١٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة أيضاً ما سيأتي في حديث الذُّكر عند دخول البيت. انتهى كلام النوويّ كَُّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر النصوص يدلّ على أن التسمية على كلّ آكل، ولا بُدّ، والأدلة التي ذكرها النوويّ للاكتفاء بتسمية الواحد عن الجماعة ليست واضحةً، فليُتأملّ، والله تعالى أعلم. وقال في ((الفتح)): المراد بالتسمية على الطعام قول: ((بسم الله)) في ابتداء الأكل، وأصرح ما ورد في صفة التسمية ما أخرجه أبو داود، والترمذيّ، من طريق أم كلثوم، عن عائشة ﴿ّ مرفوعاً: ((إذا أكل أحدكم طعاماً، فليقل: بسم الله، فإن نسي في أوله، فليقل: بسم الله في أوله وآخره))، وله شاهد من حديث أمية بن مَخْشيّ، عند أبي داود، والنسائيّ، وأما قول النووي في أدب الأكل من ((الأذكار)): صفة التسمية من أهم ما ينبغي معرفته، والأفضل أن يقول: ((بسم الله الرحمن الرحيم))، فإن قال: بسم الله كفاه، وحصلت السُّنَّة، فلم أر لِمَا ادّعاه من الأفضلية دليلاً خاصّاً، وأما ما ذكره الغزاليّ في آداب الأكل من ((الإحياء)) أنه لو قال في كل لقمة: بسم الله كان حسناً، وأنه يستحب أن يقول مع الأُولى: بسم الله، ومع الثانية: بسم الله الرحمن، ومع الثالثة: بسم الله الرحمن الرحيم، فلم أر الاستحباب ذلك دليلاً، والتكرار قد بَيَّن هو وجهه بقوله: حتى لا يشغله الأكل عن ذكر الله. انتهى(٢). ٢ - (ومنها): جواز الحلف من غير استحلاف، وقد تقدّم بيانه مرّات، وتفصیل الحال في استحبابه وکراهته. ٣ - (ومنها): بيان تسلّط الشيطان على بني آدم، إذا لم يعتصموا بذكر الله تعالى، فيدفعهم إلى ما يُلحق بهم الضرر في دينهم، ودنياهم، فينبغي للعبد أن يتعوّذ، ويلجأ إلى الله تعالى في أحواله كلّها، فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُرْ عَدُوٌّ فَأَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]، ولا يمكن اتخاذ عدوّ يَرَى من حيث لا يُرى إلا بالله الذي يراه، ولا يراه، أعاذنا الله تعالى من إبليس وجنوده بمنّه وفضله. (١) ((شرح النوويّ) ١٨٩/١٣. (٢) (الفتح)) ٢٨٧/١٢، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٣٧٦). ١٠٥ (١) - بابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا - حديث رقم (٥٢٤٩). ٤ - (ومنها): بيان معجزة للنبيّ ◌َر، حيث يرى ما لا يراه الحاضرون من تلاعب الشيطان بالجارية والأعرابيّ. ٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَّلُهُ: يدلّ الحديث على أن للشيطان يداً، وأنه يصيب من الطعام إذا لم يذكر الله تعالى عليه، وهل هذه الإصابة أكلٌ، كما قد نَصَّ عليه حيث قال: ((فإنَّ الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله))، وهو الظاهر، أو يكون شَمّاً للطعام يحصل له به من التغذي، كنحو ما يحصل لنا به من الأكل؟ قد قيل كلّ ذلك، وهو مُحْتَمِلٌ، والقدرةَ صالحة. قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني الذي ذكره بقوله: أو يكون شمّاً للطعام ... إلخ بعيد عن ظواهر النصوص، فلا يُلتفت إليه، بل الحقّ أن الشيطان يأكل حقيقةً، ويشرب حقيقةً، فتبصّر بالإمعان، والله تعالى المستعان. قال: واستحلال الشيطان الطعام الذي لا يُذكر اسم الله عليه إنما هو عبارة عن تناوله منه على نحو ما ذكرناه. وقيل: هو استحسانه رفع البَرَكة من ذلك الطعام، ورُوي عن وهب بن مُنَبِّه أنه قال: هم أجناس؛ فخالص الجنّ لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتناكحون، هم ريح، ومنهم أجناس يفعلون ذلك كلّه، ويتوالدون، ومنهم: السعالي، والغِيلان، والقطاربة(١). انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي رُوي عن وهب يحتاج إلى دليل، فليُتأمل، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخَّتُهُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٤٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ خَيْئَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ الأَرْحَبِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، قَالَ: كُنَّ إِذَا دُعِينَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهِ إِلَى طَعَام، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَقَالَ: (كَأَنَّمَا يُطْرَدُ)، وَفِي الْجَارِيَةِ: ((كَأَنَّمَأَ تُطْرَدُ))، (١) جمع قُظُرُب: ذَكَر الْغِيلان، وصغار الجنّ. اهـ. (ق)) .. (٢) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٢٣/١٧. ١٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة وَقَدَّمَ مَجِيءَ الأَعْرَابِيِّ فِي حَدِيثِهِ قَبْلَ مَجِيءٍ الْجَارِيَةِ، وَزَادَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: (ثُمَّ ذَكَرَ اسْمَ الهِ، وَأَكَلَ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطاً، ثقةٌ مأمون [٨] (ت١٨٧ أو١٩١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. والباقون ذُكروا في السند الماضي، وقبل ثلاثة أبواب. وقوله: ((الأرحبيّ)) بفتح الهمزة، وسكون الراء، وفتح الحاء المهملة، بعدها موحّدة: نسبة إلى بني أرحب، وهو بطن من هَمْدان ولدٍ أرحب بن دعام بن مالك بن معاوية بن صعب بن دومان بن بكيل بن جُشم بن خيوان بن نوف بن همدان، قاله في ((اللباب))(١). وقوله: (كُنَّا إِذَا دُعِينًا) بالبناء للمجهول. وقوله: (فَذَكَرَ ... إلخ) فاعل (ذَكَر)) ضمير عيسى بن يونس، وكذا فاعل ((قال))، و((قَدّم))، و((زاد)) الآتية. وقوله: ((كَأَنَّمَا يُطْرَدُ))، وَفِي الْجَارِيَةِ: ((كَأَنَّمَا تُطْرَهُ)) هو بمعنى ((يُدفع)) الماضي . وقوله: (وَقَدَّمَ مَجِيءَ الأَعْرَابِيِّ فِي حَدِيثِهِ ... إلخ) قال النوويّ تَخُّْهُ: قوله في الرواية الثانية: ((وقَدَّم مجيء الأعرابيّ قبل مجيء الجارية))، عكس الرواية الأولى، والثالثةُ كالأولى، ووجه الجمع بينهما أن المراد بقوله في الثانية: ((قَدَّم مجيء الأعرابيّ)) أنه قدَّمه في اللفظ بغير حرف ترتيب، فذكره بالواو، فقال: جاء أعرابيّ، وجاءت جارية، والواو لا تقتضي ترتيباً، وأما الرواية الأولى فصريحة في الترتيب، وتقديم الجارية؛ لأنه قال: ((ثم جاء أعرابيّ))، و(ثُمَّ) للترتيب، فيتعيَّن حَمْل الثانية على الأُولى، ويَبْعُد حَمْله على واقعتين. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النوويّ من التوجيه، والجمع بين (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٤٠/١ - ٤١. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٩٠/١٣. ١٠٧ (١) - بابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا - حديث رقم (٥٢٤٩) الروايتين فيه نظر لا يخفى؛ فإن رواية عيسى أيضاً بـ(ثمّ))، لا بالواو، كما سيأتي في التنبيه التالي، ولا سيّما وقد قال وَّه: ((إن الشيطان لمّا أعياه أن نَدَع ذِكْر اسم الله على طعامنا، جاء بهذا الأعرابيّ يستحلّ به طعامنا، فلما حبسناه، جاء بهذه الجارية يستحلّ بها طعامنا))، فقد أوضح أن مجيء الأعرابيّ أول، ومجيء الجارية ثان، فلا وجه لِمَا قاله النوويّ، فتأمله بالإمعان. والوجه عندي أن تُرَجّح رواية عيسى بتقديم الأعرابيّ على الجارية؛ لأنه تابعه على ذلك سفيان الثوريّ عند أحمد في («مسنده)) (٣٩٧/٥)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٢١/٤)، وحفص بن غياث، كما عند أبي عوانة في ((مسنده)) (١٦١/٥)، فاتّفق الثلاثة عن الأعمش في تقديم الأعرابيّ على الجارية، فتُقدَّم روايتهم على رواية أبي معاوية، وهو وإن كان أحفظ لرواية الأعمش من غيره إلا الثوريّ يقدَّم عليه فيه، ولا سيّما مع متابعة عيسى، وحفص بن غياث له، فتنبه . هذا هو الذي ظهر لي، وأما مسلم تَظْلَهُ فظاهر صنيعه ترجيح رواية أبي معاوية، حيث أوردها مورد الأصل، ثم ذكر رواية سفيان الثوريّ الثالثة متابعةً لها، وهذا ترجيح وجيه، لكني لم أجد رواية سفيان إلا بتقديم الأعرابيّ، كرواية عيسى، فليُتأمل، والله تعالى أعلم. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ اسْمَ اللهِ، وَأَكَلَ)؛ يعني: أنه ◌َّ بعدما أخبر بواقعة دفع الشيطان للجارية، والأعرابيّ، وإمساك يديه مع أيديهما سمّى الله تعالى، وأكل من ذلك الطعام، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية عيسى بن يونس، عن الأعمش هذه ساقها النسائيّ في ((الكبرى)) بسند المصنّف، فقال: (١٠١٠٣) - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، قال: حدّثنا الأعمش، عن خيثمة، عن أبي حذيفة، عن حذيفة، قال: كنّا إذا كنّا مع رسول الله وَّة، فدُعينا إلى طعام لم نضع أيدينا حتى يضع رسول الله وَّل يده، فدُعينا إلى طعام، فلم يضع رسول الله وَإ يده، فكففنا أيدينا، فجاء أعرابيّ كأنما يُظْرَد، فأهوى بيده إلى القصعة، فأخذ رسول الله وَّه بيده، فأجلسه، ثم جاءت جارية، فأهوت بيدها إلى القصعة، فأخذ رسول الله وله ١٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة بيدها، فقال رسول الله وَله: ((إن الشيطان لمّا أعياه أن نَدَع ذِكر اسم الله على طعامنا، جاء بهذا الأعرابيّ يستحلّ به طعامنا، فلمّا حبسناه، جاء بهذه الجارية يستحلّ بها طعامنا، فوالله إن يده في يدي مع يدها))، ثم ذكر اسم الله، فأكل. انتھی(١) . وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخَّثُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٥٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَدَّمَ مَجِيءَ الْجَارِيَةِ قَبْلَ مَجِيءِ الأَعْرَابِيِّ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع) هو: محمد بن أحمد بن نافع الْعَبديّ البصريّ، مشهور بكنيته، صدوقٌ، منَّ صغار [١٠] مات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٨/١٢. والباقون ذُكروا قبله وفي الباب الماضي. وقوله: (وَقَدَّمَ مَجِيءَ الْجَارِيَةِ قَبْلَ مَجِيءٍ الأَعْرَابِيِّ) فاعل ((قَدَّم)) ضمير سفيان الثوريّ. [تنبيه]: هذا الذي قاله المصنّف ◌َلَثُ من كون رواية الثوريّ بتقديم الجارية لم أجده، فقد أخرج الإمام أحمد روايته في ((مسنده)) (٣٩٧/٥)، فقال : (٢٣٤٢١) - حدثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن الأعمش، عن خيثمة، عن أبي حذيفة(٢) عن حذيفة، قال: كنّا مع رسول الله وَ﴾، فأتي بطعام، فجاء إعرابيّ كأنما يُظْرَد، فذهب يتناول، فأخذ النبيّ وَّ﴿ بيده، وجاءت جارية، كأنها تُطْرَد، فأهوت، فأخذ النبيّ ◌َّ بيدها، فقال النبيّ ◌َله: ((إن الشيطان لمّا أعييتموه جاء بالأعرابيّ، والجارية يستحلّ الطعام، إذا لم يُذْكَر اسم الله عليه، بسم الله، كُلُوا)). انتهى(٣). (١) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٧٦/٦. (٢) وقع في النسخة: ((عن ابن حذيفة))، وهو غلط، فتنبّه. (٣) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٩٧/٥. ١٠٩ (١) - بابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا - حديث رقم (٥٢٥٠) فقد قدّم الأعرابيّ، على الجارية. وكذا أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (١٢١/٤)، فقال: (٧٠٨٨) - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا هارون بن سليمان الأصبهانيّ، ثنا عبد الرحمن بن مهديّ، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن أبي حذيفة، عن حذيفة، عن النبيّ وَّ أنه أتي بطعام، فجاء أعرابيّ كأنما يُطْرَد، فتناول، فأخذ النبيّ وَّ يده، ثم جاءت جارية، فكأنما تُظْرَد، فأخذ النبيّ وَ ﴿ بيدها، ثم قال: ((إن الشيطان لمّا أعييتموه جاء بالأعرابي، والجارية، ليستحلّ بهما الطعام، إذا لم يُذكَر اسم الله عليه، بسم الله، کلوا)). انتهى(١). فقدَّم الأعرابيّ على الجارية أيضاً. ومما يؤيّد ما قلنا أن الحديث أخرجه عبد الرزّاق من رواية زيد بن وهب، عن حذيفة ظه، بتقديم الأعرابيّ أيضاً، قال: (١٩٥٦٣) - أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة، قال: كنا إذا دُعينا إلى طعام، والنبيّ وَّر معنا لم نضع أيدينا حتى يضع يده، قال: فأُتينا بِجَفْنه، فَكَفّ يده، فكففنا أيدينا، فجاء أعرابيّ كأنما يُظْرَد، فوضع يده فيها، فأخذ النبيّ وَلّ بيده، فأجلسه، ثم جاءت جارية، فوقعت بها، فأخذ النبيّ وَّ﴿ه، ثم قال النبيّ وَّ: ((إن الشيطان يستحلّ طعام القوم إذا لم يذكروا عليه اسم الله، وإن الشيطان لمّا رآنا كففنا أيدينا، جاء بهذا الرجل، وهذه الجارية، يستحلّ بهما طعامنا، والذي لا إله غيره إن يده لَمَعْ أيديهما(٢) في يدي)). انتهى (٣). والحاصل أن ترجيح رواية عيسى بتقديم الأعرابيّ واضح، لكنّ مسلماً إمام مطّلع، فلعلّه وقعت له رواية سفيان بتقديم الجارية كما قال، فليُنظر، والله تعالى أعلم. (١) ((المستدرك على الصحيحين)) ١٢١/٤. (٢) هكذا النسخة: (لَمَعْ أيديهما))، والظاهر أن الصواب (لَمَع يدها))، فليُحرّر. (٣) ((مصنف عبد الرزاق)) ٤٢٠/١٠. ١١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة وبالسند المتصل إلى المؤلّف رَغْذَلُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٥١] (٢٠١٨) - (وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ - يَعْنِي: أَبَا عَاصِم - عَنِ ابْنِ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َهِ يَقُولُ: ((إِذَا دَخَّلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ، وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ(١): أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي. شرح الحديث : (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ﴾ ﴿ه، وفي رواية روح بن عبادة التالية: ((حدّثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله))، فصرّح ابن جريج، بالإخبار، وأبو الزبير بالسماع، فانتفت عنهما تهمة التدليس، فتنبه. (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ وَّهِ يَقُولُ: ((إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ) ومثله المرأة؛ إذ لا فرق بينهما في ذلك، (فَذَكَرَ اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ)؛ أي: لا موضع بيتوتة لكم؛ لأن صاحبه تحصّن منكم بذكر الله تعالى، (وَلَا عَشَاءَ) بفتح العين، والمدّ: هو الطعام الذي يؤكل في العشية، وهي من صلاة المغرب إلى العِشاء، بكسر العين؛ أي: لا يحصل لكم مسكن، وطعام، بل صرتم محرومين، بسبب التسمية(٢). وقال النوويّ كَّتُهُ: معناه: قال الشيطان لإخوانه، وأعوانه، ورُفقته (٣). وقال البيضاويّ: المخاطَب به أعوانه؛ أي: لا حظّ، ولا فُرصة لكم الليلةَ من أهل هذا البيت، فإنهم قد أحرزوا عنكم طعامهم وأنفسهم، وتحقيق ذلك أن انتهاز الشيطان فرصة من الإنسان إنما تكون حال الغفلة، ونسيان (١) وفي نسخة: ((عند دخوله، فإن الشيطان يقول: أدركتم)). (٢) ((عون المعبود)) ١٧١/١٠. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٩٠/١٣. ١١١ (١) - بابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا - حديث رقم (٥٢٥١) الذِّكر، فإذا كان الرجل متيقظاً، محتاطاً، متذكّراً لله تعالى في جملة حالاته، لم يتمكّن الشيطان من إغوائه، وتسويله، وأيس عنه بالكلّيّة. وقال المظهر، والأشرف: ويجوز أن يكون المخاطَب به الرجل، وأهل بيته، على سبيل الدعاء عليهم من الشيطان. قال الطيبيّ: وهو بعيد؛ لقوله: ((قال الشيطان: أدركتم المبيت))، والمخاطبون أعوانه، وأما تخصيص المبيت والعشاء، فلغالب الأحوال؛ لأن ذلك صادق في عموم الأحوال. انتهى (١). (وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ) وفي بعض النسخ: ((فإن الشيطان يقول))، (أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ))) لعدم تحصّن الرجل منهم بسبب تَرْكه ذِكر الله رحمت عند الدخول، وعند الطعام، وفيه تأكّد ذِكر الله تعالى، والاهتمام بالتسمية عند دخول البيت، وعند الطعام، وهو اعتراف من العبد بأن هذا البيت، وهذا الطعام إنما رَزَقه الله تعالى بفضله، وليس له فيه سبيل إلى تحصيله إلا بفضل من الله تعالى، وتيسير، وتسخير منه، ومتى فعل ذلك صار فعله كله طاعة لله رجات وعبادةً، وأصبح وثيق العلاقة بربّه ◌َلَ، وصار من الشاكرين، والله تعالى يقول: ﴿وَسَنَجْزِى الشَّكِرِينَ (٥)﴾ [آل عمران: ١٤٥]، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: هذا من أفراد (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ضروريا المصنّف تَخَذَّلهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٥١/١ و٥٢٥٢] (٢٠١٨)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (٣٧٦/١)، و(أبو داود) في ((الأطعمة)) (٣٧٦٥)، و(ابن ماجه) في ((الدعاء)) (٣٨٨٧)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٨٣/٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٥٢/٦) وفي ((عمل اليوم والليلة)) (١٧٨)، و(ابن حبّان) في (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٨٣٨/٩ - ٢٨٣٩. ١١٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة (صحيحه)) (٨١٩)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤٣٦/٢)، و(أبو عوانة) في (مسنده)) (١٦٢/٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٧٦/٧) و((شُعَب الإيمان)) (١٥ ٧٣)، وفوائده تقدّمت، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتصل إلى المؤلّف تََّثُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٥٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َهِ يَقُولُ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي عَاصِمٍ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: ((وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عِنْدَ طَعَامِهِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عِنْدَ دُخُولِهِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبله، و((إسحاق بن منصور)) هو: الْكَوْسج. [تنبيه]: رواية رَوْح بن عُبادة، عن ابن جريج هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٥٣] (٢٠١٩) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَله قَالَ: (لَا تَأْكُلُواْ بِالشَّمَالِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِالشِّمَالِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: وقد تقدّم هذا السند نفسه في الباب الماضي، وهو من رباعيّات المصنّف تَخْمَثُهُ، وهو (٣٩٢) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ) بن عبد الله ﴿ّ (عَنْ رَسُولِ اللهِ،وَلِهِ) أنه (قَالَ: ((لا) ناهية، ولذا ◌ُزم بها قوله: (تَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ) بكسر الشين المعجمة، وتخفيف الميم: خلاف اليمين، وهي مؤنّئَةٌ، وجَمْعها أَشْمُلٌ، مثلُ ذراع وأَذرُع، وشمائلُ أيضاً، والشِّمال أيضاً الجهة، والتفت يميناً وشمالاً؛ أي: جهة اليمين، وجهة ١١٣ (١) - بابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا - حديث رقم (٥٢٥٣) الشمال، وجمعها أَشمُلٌ وشَمائل أيضاً، قاله الفيّوميّ(١). وقال القرطبيّ كَُّ في شرح قوله وَله: ((إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بها)) ما نصّه: هذا الأمر على جهة الندب؛ لأنَّه من باب تشريف اليمين على الشمال، وذلك لأنها أقوى في الغالب، وأسبق للأعمال، وأمكن في الأشغال. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: على جهة الندب، فيه نظرٌ؛ لأنه على جهة الوجوب، كما سيأتي تحقيقه - إن شاء الله تعالى -. قال: ثم هي مشتقة من اليمن، وهو البركة، وقد شرّف الله تعالى أهل الجنة بأن نَسَبهم إليها، كما ذَّ أهل النار حين نسبهم إلى الشمال، فقال: [الواقعة: ٢٧]، وقال: ﴿وَأَمَّ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَبٍ ٢٧ ﴿وَأَصَْبُ اَلْيَمِينِ مَآ أَصْحَبُ اَلْيَمِينِ اَلْيَمِينِ [الواقعة: ٩٠، ٩١]، وقال عكس هذا ٩١ ) فَسَلَهٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَبِ أَلْيَمِينِ ٩٠ في أصحاب الشمال، وعلى الجملة: فاليمين وما نُسب إليها، وما اشتُقّ عنها محمود لساناً، وشرعاً، ودنياً، وآخرة، والشمال على النقيض من ذلك. قال: وإذا كان هذا، فمن الآداب المناسبة لمكارم الأخلاق، والسيرة الحسنة عند الفضلاء اختصاص اليمين بالأعمال الشريفة، والأحوال النظيفة، وإن احتيج في شيء منها إلى الاستعانة بالشمال فبحكم التبعية، وأما إزالة الأقذار، والأمور الخسيسة فبالشمال؛ لِمَا يناسبها من الحقارة، والاسترذال. انتھی(٢). (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ) الفاء للتعليل؛ أي: إنما نهيتكم عن الأكل بالشِّمال لئلا تتشبّهوا بالشيطان؛ لأنه (يَأْكُلُ بِالشِّمَالِ)) قال القرطبيّ كَُّ: ظاهره أن من أكل بشماله تشبّه بالشيطان في ذلك الفعل؛ إذ الشيطان بشماله يأكل، وبها يشرب، ولقد أبعد، وتعسَّف من أعاد الضمير في ((شماله)) على الآكل. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم. (١) ((المصباح المنير)) ٣٧٣/١. (٢) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٢٩٥/٥ - ٢٩٦. (٣) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٢٤/١٧. ١١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر ظله هذا من أفراد المصنّف تَّتُهُ، وسيأتي أيضاً في ((كتاب اللباس)) - إن شاء الله تعالى -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٥٣/١] (٢٠١٩)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٧٢/٤)، و(ابن ماجه) في ((الأطعمة)) (٣٣١٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣/ ٣٣٤ و٣٨٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٦٣/٥)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٧٨/٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن الأكل والشرب بالشمال؛ لأنه تشبّه بالشيطان، وقال النوويّ: فيه استحباب الأكل والشرب باليمين، وكراهتهما بالشمال. قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي في المسألة التالية أن الحقّ الوجوب، لا الاستحباب، فتنبّه. قال: وقد زاد نافع: الأخذ والإعطاء، وهذا إذا لم يكن عذر، فإن كان عذر يمنع من الأكل والشرب باليمين، من مرض، أو جراحة، أو غير ذلك فلا كراهة في الشمال(١) . وقال الحافظ ابن عبد البرّ تَخُّهُ: وفي هذا الحديث أدب الأكل والشرب، ولا يجوز لأحد أن يأكل بشماله، ولا أن يشرب بشماله؛ لنهي رسول الله ﴿ عن ذلك، وفي أَمْره ◌َّهِ بالأكل باليمين، والشرب بها نَهْيٌ عن الأكل بالشمال، والشرب بها؛ لأن الأمر يقتضي النهي عن جميع أضداده، فمن أكل بشماله، أو شَرِب بشماله، وهو بالنهي عالم، فهو عاصٍ لله تعالى، ولا يَخْرُم عليه مع ذلك طعامه ذلك، ولا شرابه؛ لأن النهي عن ذلك نهي أدب، لا نهي تحريم(٢)، والأصل في النهي أن ما كان لي ملكاً، فنُهيت عنه، (١) ((شرح النوويّ)) ١٩١/١٣. (٢) أي: للطعام؛ يعني: أن النهي قاصر على الفعل، ولا يتعدى ذلك إلى تحريم الطعام، فتنبّه . ١١٥ (١) - بابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا - حديث رقم (٥٢٥٣) فإنما النهي عنه تأديب، ونَذْب إلى الفضل، والبرّ، وإرشاد إلى ما فيه المصلحة في الدنيا، والفضل في الدين، وما كان لغيري، فنُهيت عنه، فالنهي عنه نهي تحريم، وتحظير، والله أعلم. قال: وقد جاءت السُّنَّة المجتمع عليها أن اليمين للأكل والشرب، والشمال للاستنجاء، ونَهَى رسول الله وَ ﴿ أن يستنجي باليمين، كما نَهَى أن يؤكل، أو يشرب بالشمال، وما عدا الأكل، والشرب، والاستنجاء، فبأيّ يديه فَعَل الإنسان ذلك، فلا حرج عليه، إلا أن التيامن كان رسول الله وَّر يحبه في الأمر كله، فينبغي للمؤمن أن يُحب ذلك، ويَرغب فيه، ففي رسول الله وَل الأسوة الحسنة على كل حال. انتهى كلام ابن عبد البرّ كَّفُهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ تَخّْتُهُ: في هذا الحديث دليل على أن الشياطين يأكلون، ويشربون، والشيطان المقصود إلى ذكره في هذا الحديث من ٨٠ وَمَا الجنّ جنس من أجناسهم، نحو قول الله رَبّت: ﴿وَمَا نَزََّتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ [الشعراء: ٢١٠، ٢١١]، ومثله كثير، وقد يكون (٢) يَكْبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ الشيطان من الإنس على طريق اتساع اللغة، كما قال الله ريك: ﴿شَيَطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]، وإنما قيل لهؤلاء: شياطين؛ لِبُعْدهم من الخير، من قول العرب: نَوَى شُطُون؛ أي: بعيدة شاقّةٌ، قال جرير [من البسيط]: وَكُنَّ يَهْوِينَنِي إِذْ كُنْتُ شَيْطَانَا أَيَّامَ يَدْعُونَنِي الشَّيْطَانَ مِنْ غَزَلِي وقال منظور بن رواحة [من الطويل]: شَيَاطِينُ رَأْسِي وَانْتَشَيْنَ مِنَ الْخَمْرِ فَلَمَّا أَتَانِي مَا تَقُولُ تَرَقَّصَتْ وقال ابن ميادة [من الطويل]: بَعَثْتُ شَيَاطِينِي وَجِنٌّ جُنُونُهَا فَلَمَّا أَتَانِي مَا تَقُولُ مُحَارِبٌ وقال أبو النجم [من الرجز]: إِنِّي وَكُلُّ شَاعِرٍ مِنَ الْبَشَرْ شَيْطَانُهُ أُنْثَى وَشَيْطَانِي ذَكَرْ ولا خلاف أنها لشياطين الجنّ، أو من الجن اسم لازم لهم من أسمائهم (١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ١١٣/١١. ١١٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة للصالح منهم، والطالح، فأغنى ذلك عن الإكثار، والأسماء لا تؤخذ قياساً، فإنما هي على حساب ما علّمها الله تعالى وَلّ أسماء علامات للمسمَّيات. قال: وقد حَمَل قوم هذا الحديث، وما كان مثله على المجاز، فقالوا في قوله: ((إن الشيطان يأكل بشماله)): إن الأكل بالشمال أكل يُحبه الشيطان، كما قال في الخمرة: زينة الشيطان، وفي الاقتعاط بالعمامة: عمامة الشيطان؛ أي: إن الخمرة، ومثل تلك العِمّة يزيّنها الشيطان، ويدعو إليها، وكذلك يدعو إلى الأكل بالشمال، ویزیّنه. قال: وهذا عندي ليس بشيء، ولا معنى لحمل شيء من الكلام على المجاز، إذا أمكنت فيه الحقيقة بوجهٍ ما . وقال آخرون: أكل الشيطان صحيح، ولكنه تَشَمُّم، واسترواح، لا مضغ، ولا بلع، وإنما المضغ والبلع لذوي الجثث، ويكون استرواحه، وشمّه من جهة شماله، ويكون بذلك مشاركاً في المال. قال أبو عمر: أكثر أهل العلم بالتأويل يقولون في قول الله رفيق : ﴿وَشَارِكْهُمْ فِ اَلْأَمْوَلِ﴾ قالوا: الإنفاق في الحرام، ﴿وَالْأَوْلَدِ﴾ [الإسراء: ٦٤] قالوا: الزنا. قال الجامع عفا الله عنه: القول بأن أكل الشيطان تشمّم مخالف للنصوص الصريحة بكون الشيطان يأكل، فتأويل أكله بالشمّ غير صحيح، وقد أشار ابن عبد البرّ إلى ردّه، بقوله: ومن الدليل على أن الشياطين من الجنّ يأكلون، ويشربون، قوله بَلّ في العظم، والروثة في حديث الاستنجاء: ((هي زاد إخوانكم من الجنّ))، وفي غير هذا الحديث أن طعامهم ما لم يُذكَر اسم الله عليه، وما لم يُغسل من الأيدي، والصحاف، وشرابهم الْجَدَف، وهي الرِّغْوة، والزَّبَد، وهذه أشياء لا تُدرك بعقل، ولا تقاس على أصل، وإنما فيه التسليم لمن آتاه الله تعالى من العلم ما لم يؤتنا، وهو نبيّا وَّهِ. انتهى(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): أنه ينبغي اجتناب الأفعال التي تشبه أفعال الشياطين. (١) التمهيد)) لابن عبد البر ١١٤/١١ - ١١٦. ١١٧ (١) - بابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا - حديث رقم (٥٢٥٣) ٤ - (ومنها): أن فيه إثبات اليدين للشياطين ٥ - (ومنها): اهتمام الشرع في تعليم الأمة أمر دينها، حتى في حالة الأكل والشرب، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: ذكر الحافظ ابن عبد البرّ كَّلُ في ((التمهيد)) بحثاً يتعلّق بالجنّ، والشيطان أحببت إيراده لفائدته، قال رَّتُهُ: وفي هذا الحديث، حديث ابن عمر المذكور في هذا الباب ما يرفع الإشكال، قوله: ((إن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله))، ويَحْتَمل أن يكون الجن كلهم يأكلون، ويشربون، ويَحْتَمِل أن يكون كذلك بعضهم، جنس منهم، ثم أخرج بسنده عن وهب بن منبه أنه سئل عن الجنّ، ما هم؟ وهل يأكلون، ويشربون، ويموتون؟ ويتناكحون؟ قال: هم أجناس: فأما الذين هم خالص الجنّ فهم ريح، لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتوالدون، ومنهم أجناس يأكلون، ويشربون، ويتناكحون، ويتوالدون، ويموتون، ومنهم السَّعَالي، والغُول، والقطرب، وأشباه ذلك. قال: فهذا وهب بن منبه قد قال ما ترى - والله أعلم .. قال الجامع عفا الله عنه: قول وهب لا يكون حجة في ردّ ما صحّ لدينا عن النبيّ وَلهو من أن الجنّ والشياطين يأكلون، ويشربون على الإطلاق، فَوَهَب كان ممن يتحدّث بالإسرائيّليات، فلا حجة في قوله، فتبصّر، والله تعالى أعلم. قال: ولأهل الكلام وغيرهم أقاويل في إدراك الجنّ بالأبصار، وفي دخولهم في الإنسان، وهل هم مكلفون، أو غير مكلفين؟ ليس بنا حاجة إلى ذِكر شيء من ذلك في كتابنا هذا؛ لأنه ليس بموضع ذلك، وهم عند الجماعة مكلَّفون، مخاطبون، لقوله تعالى: ﴿يَمَعْشَرَ أَلْبِنَّ وَالْإِنسِ﴾ [الرحمن: ٣٣]، وقوله حمن: ١٣]، وقوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهُ ١٣٠) تعالى: ﴿فَأَقِّ ءَالَاءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ الثَّقَلَآنِ (٣)﴾ [الرحمن: ٣١]، وقوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِسْرُ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآَتُّ (@) [الرحمن: ٥٦]، ولا يختلفون أن محمداً * رسول إلى الإنس والجن، نذير، وبشير، هذا مما فُضِّل به على الأنبياء، أنه بعث إلى الخلق كافّة: الجنّ، والإنس، وغيرُه لم يُرسل إلا بلسان قومه، ودليل ذلك ما نطق به القرآن من دعائهم إلى الإيمان بقوله في مواضع من كتابه: ﴿يَمَعْشَرَ أَلِْنِّ وَالْإِنسِ﴾ [الرحمن: ٣٣]، والجنّ عند أهل الكلام، وأهل العلم باللسان ينزلون على ١١٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة مراتب، فإذا ذكروا الواحد من الجنّ خالصاً قالوا: جنيّ، فإن أرادوا أنه ممن يسكن مع الناس قالوا: عامرٌ، والجمع عُمّار، وإن كان ممن يَعْرِض للصبيان قالوا: أرواح، فإن خَبُث، وتعرَّم فهو شيطان، فإن زاد على ذلك فهو مارد، فإن زاد على ذلك، وقَوِي أمره قالوا: عِفريت، والجمع عفاريت. انتهى(١). وقال الزرقانيّ في ((شرح الموطأ)) عند قوله: ((فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله))؛ أي: حقيقةً؛ لأن العقل لا يحيله، والشرع لا ينكره، وقد ثبت به الخبر، فلا يحتاج إلى تأويله بأن معناه: إن فعلتم كنتم أولياءه؛ لأنه يَحمِل أولياءه على ذلك، قال ابن عبد البرّ: وهذا ليس بشيء، فلا معنى لحمل شيء من الكلام على المجاز، إذا أمكنت الحقيقة فيه بوجه ما. وقال ابن العربيّ: من نَفَى عن الجن الأكل والشرب فقد وقع في حيالة إلحاد، وعدم رَشَاد، بل الشيطان وجميع الجانّ يأكلون ويشربون، وينكحون، ويولد لهم، ويموتون، وذلك جائز عقلاً، وورد به الشرع، وتضافرت به الأخبار، فلا يَخرُج عن هذا المضمار إلا حمار، ومن زعم أن أكلهم شمّ فما شَمّ رائحة العلم. انتهى. ويقوي ذلك ما في مسلم أن الجنّ سألوه الزاد، فقال وَلّ: ((كلُّ عظم ذُكِر اسم الله عليه يقع في يد أحدكم أوفر ما كان لحماً))؛ لأن صيرورته لحماً إنما يكون للأكل حقيقةً. وروى ابن عبد البرّ عن وهب بن منبه: الجن أصناف، فخالصهم لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتوالدون، وصنف تفعل ذلك، ومنهم السعالي، والغِيلان، والقطرب. قال الحافظ: وهذا إن ثبت كان جامعاً للقولين، ويؤيده ما لابن حبان، والحاكم، عن أبي ثعلبة الْخُشنيّ مرفوعاً: الجنّ على ثلاث أصناف، لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وعقارب، وصنف يَحُلّون، ويظعنون، ويرحلون، ولابن أبي الدنيا مرفوعاً نحوه، لكن قال في الثالث: وصِنْف عليهم الحساب والعقاب. انتهى. (١) التمهيد)) لابن عبد البر ١١٦/١١ - ١١٨. ١١٩ (١) - بابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا - حديث رقم (٥٢٥٣) قال السهيليّ: ولعل الصنف الطيار هو الذي لا يأكل ولا يشرب، إن صح القول به. وقال صاحب ((آكام المرجان)): وبالجملة فالقائلون: الجن لا يأكل، ولا يشرب، إن أرادوا جميعهم فباطل؛ لمصادمة الأحاديث الصحيحة، وإن أرادوا صنفاً منهم، فمُحْتَمِلٌ، لكن العمومات تقتضي أن الكل يأكلون، ويشربون. انتھی (١) . قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت لك أن الاستدلال بأثر وَهَب ونحوه غير صحيح، والحقّ أن الجنّ بأصنافهم يأكلون، ويشربون؛ للنصوص الصحيحة الصريحة، وما أحسن كلام ابن العربيّ المذكور، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الأكل باليمين: قال النوويّ: أجمع العلماء على استحباب التسمية على الطعام في أوله. وتعقّبه في ((الفتح))، فقال: وفي نقل الإجماع على الاستحباب نظرٌ، إلا إن أريدَ بالاستحباب أنه راجح الفعل، وإلا فقد ذهب جماعة إلى وجوب ذلك، وهو قضية القول بإيجاب الأكل باليمين؛ لأن صيغة الأمر بالجميع واحدة. وقال الحافظ العراقيّ تَقْتُ في ((شرح الترمذيّ)): حمله أكثر الشافعية على الندب، وبه جزم الغزاليّ، ثم النوويّ، لكن نَصّ الشافعيُّ في ((الرسالة))، وفي موضع آخر من ((الأُمّ)» على الوجوب. قال الحافظ: وكذا ذكره عنه الصيرفيّ في ((شرح الرسالة))، ونقل البويطيّ في ((مختصره)) أن الأكل من رأس الثريد، والتعريس على الطريق، والقِرَان في التمر، وغير ذلك، مما ورد الأمر بضدّه حرام، ومثَّل البيضاويّ في ((منهاجه)) للندب بقوله وَال: «كُلْ مما يليك)). وتعقبه تاج الدين السبكيّ في ((شرحه)) بأن الشافعيّ نَصّ في غير موضع على أن من أكل مما لا يليه عالماً بالنهي كان عاصياً آثماً، قال: وقد جمع (١) ((شرح الزرقانيّ على الموطأ)) ٣٦٤/٤. ١٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة والدي - يعني: تقي الدين السبكيّ - نظائر هذه المسألة في كتاب له سمّاه (كشف اللبس عن المسائل الخمس))، ونصر القول بأن الأمر فيها للوجوب. قال الحافظ: ويدلّ على وجوب الأكل باليمين ورود الوعيد في الأكل بالشمال، ففي ((صحيح مسلم)) من حديث سلمة بن الأكوع، أن النبيّ وَلّ رأى رجلاً يأكل بشماله، فقال: (كُلْ بيمينك))، قال: لا أستطيع، قال: ((لا استطعتَ))، فما رفعها إلى فيه بَعْدُ. وأخرج الطبراني من حديث سُبيعة الأسلمية، من حديث عقبة بن عامر، أن النبيّ ◌َ﴿ رأى سبيعة الأسلمية تأكل بشمالها، فقال: ((أخذها داء غَزّة))، فقال: إن بها قرحةً، قال: ((وإن))، فمرّت بغزّة، فأصابها طاعون، فماتت، وأخرج(١) محمد بن الربيع الجيزيّ في ((مسند الصحابة)) الذين نزلوا مصر، وسنده حسن. وثبت النهي عن الأكل بالشمال، وأنه من عمل الشيطان، من حديث ابن عمر، ومن حديث جابر، عند مسلم، وعند أحمد بسند حسن عن عائشة، رفعته: ((من أكل بشماله أكل معه الشيطان ... )) الحديث. .. ونقل الطيبيّ أن معنى قوله: ((إن الشيطان يأكل بشماله))؛ أي: يحمل أولياءه من الإنس على ذلك؛ ليضادّ به عباد الله الصالحين، قال الطيبيّ: وتحريره: لا تأكلوا بالشمال، فإن فعلتم كنتم من أولياء الشيطان، فإن الشيطان یحمِل أولياءه علی ذلك. انتهى. وتعقّبه الحافظ، وأجاد في ذلك، فقال: وفيه عدول عن الظاهر، والأَولى حمل الخبر على ظاهره، وأن الشيطان يأكل حقيقةً؛ لأن العقل لا يحيل ذلك، وقد ثبت الخبر به، فلا يحتاج إلى تأويله. وحَكَى القرطبيّ في ذلك احتمالين، ثم قال: والقدرة صالحة. وقد صرح ابن العربيّ بإثم من أكل بشماله، واحتجّ بأن كل فِعل يُنْسَب إلى الشيطان حرام. انتهى (٢) : (١) هكذا النسخة، والظاهر أن الصواب: وأخرجه ... إلخ، والله أعلم. (٢) ((الفتح)) ٢٨٩/١٢ - ٢٩٠، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٣٧٦).