النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ (٨) - بَابُ إِبَاحَةِ النَّبِيذِ الَّذِي لَمْ يَشْتَدَّ، وَلَمْ يَصِرْ مُسْكِراً - حديث رقم (٥٢٢٦) وأسقيته بالألف لغة(١). ثم إن ظاهر قوله: ((لقد سقيت)) أن أنساً . هو الذي سقى النبيّ مضُوعيّة من ذلك القدح، ويعارضه ما أخرجه النسائيّ من طريق أسد بن موسى، عن حمّاد بن سلمة، ولفظه: ((عن أنس قال: كان لأم سليم قَدَح من عَيْدان، فقالت: سقيت فيه رسول الله وَل﴿ كلّ الشراب: الماء، والعسل، واللبن، والنبيذ))، فقد اختلف عفّان، وأسد بن موسى على حمّاد، لكن عفّان أثبت من أسد، كما يظهر من مراجعة كتب الرجال، ويُمكن أن يكونا جميعاً سقياه من ذلك القدح؛ والله تعالى أعلم (٢) . (بِقَدَحِي) بفتحتين جمعه أقداح، مثلُ سبب وأسباب، وقوله: (هَذَا) بدل من ((قدحي))، أو عطف بيان، وقوله: (الشَّرَابَ) مفعول ((سقيت))، (كُلَّهُ). وقوله: (الْعَسَلَ ... إلخ) بدل من الشراب، (وَالتَّبِيذَ) تقدّمت صفة النبيذ الذي كان يشربه وَ﴿، وأنه نقيع التمر، أو الزبيب، قاله في ((الفتح))، وقال النوويّ كَّتُهُ: المراد بالنبيذ ههنا ما سبق تفسيره في أحاديث الباب، وهو ما لم يَنْتَهِ إلى حدّ الإسكار، وهذا متعيِّن؛ لقوله ◌َّ هر في الأحاديث السابقة: ((كل مسكر حرام))، والله أعلم. انتهى (٣). (وَالْمَاءَ، وَاللَّبَنَ) وفي رواية البخاريّ من طريق عاصم الأحول، قال: رأيت قدح النبيّ ◌َ﴿ عند أنس بن مالك، وكان قد انصدع، فسلسله بفضة، قال: وهو قدح جيّد، عريض، من نُضَار(٤)، قال: قال أنس: لقد سقيت رسول الله ﴿ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا، قال: وقال ابن سيرين: إنه كان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب، أو (١) ((المصباح المنير)) ٢٨١/١. (٢) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٦٥١/٣. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٧٩/١٣. (٤) بضم النون، وتخفيف الضاد المعجمة، وبالراء، وقال أبو حنيفة ((الدينوريّ)): بضم النون، وكسرها، وهو أجود الخشب للآنية، ويُعمل منه ما رَقّ من الأقداح، واتسع، وما غلظ. ((عمدة القاري)) ٢٠٦/٢١. ٤٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة فضة، فقال له أبو طلحة: لا تُغَيِّنّ شيئاً صنعه رسول الله وَطُهر، فتركه. انتهى. قوله: (رأيت قدح النبيّ وَ ﴿ عند أنس بن مالك))، وفي البخاريّ في ((فرض الخمس)) من طريق أبي حمزة السُّكّريّ، عن عاصم، ((قال: رأيت القدح، وشربت منه))، وأخرجه أبو نعيم من طريق علي بن الحسن بن شقيق، عن أبي حمزة، ثم قال: ((قال علي بن الحسن: وأنا رأيت القدح، وشربت منه))، وذكر القرطبيّ في ((مختصر البخاريّ)) أنه رأى في بعض النسخ القديمة من ((صحيح البخاريّ)): قال أبو عبد الله البخاريّ: رأيت هذا القدح بالبصرة، وشربت منه، وكان اشتُرِي من ميراث النضر بن أنس بثمانمائة ألف. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ◌َّه هذا متّفقٌ عليه(٢). (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٢٦/٨] (٢٠٠٨)، و(البخاريّ) في ((الأشربة)) (٥٦٣٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٧/٣)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (١٣٥٦)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٣٦/٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١/ ٣٠ و٢٩٩/٨)، و(الترمذيّ) في ((الشمائل)) (١٦٣/١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): جواز شرب النبيذ الذي لم يصل إلى حدّ الإسكار. ٢ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخُّْ: فيه دليل على استعمال الحلاوة، والأطعمة اللذيذة، وتناوبها، ولا يقال: إن ذلك يناقض الزهد، ويباعده، لكن إذا كان ذلك من وجهه، ومن غير سرف، ولا إكثار. انتهى (٣). (١) ((الفتح)) ١٢/ ٧٠١. (٢) من الغريب عدّ هذا الحديث من أفراد مسلم، مع أن البخاريّ أخرجه في ((صحيحه)) برقم (٥٦٣٨)، فليُتنبّه. (٣) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ١٣/١٧. ٤٣ (٩) - بَابُ شُرْبِ اللََّنِ ٣ - (ومنها) مشروعيّة التبرّك بآثار النبيّ وَل﴿، وبما مسّ جسده الشريف و 39، وهذا مما لا خلاف فيه، وأما غيره فلا يقاس عليه، كما أسلفنا تحقيقه، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾. (٩) - (بَابُ شُرْبِ اللَّبَنِ) هكذا ترجم البخاريّ تَخْلُ في ((صحيحه))، فقال: ((بَابُ شُرب اللبن، [النحل: ٦٦])). وقول الله تعالى: ﴿مِنْ بَيِّنِ فَرَّتٍ وَدَيٍ لَبْنَا خَالِصًا سَآنِفًا لِلشَّرِبِينَ قال في ((الفتح)): قال ابن الْمُنَيِّر: أطال التفنن في هذه الترجمة ليُرُدّ قول من زعم أن اللبن يُسكر كثيره، فردّ ذلك بالنصوص، وهو قول غير مستقيم؛ لأن اللبن لا يُسكر بمجرده، وإنما يتفق فيه ذلك نادراً بصفة تَحْدُث، وقال غيره: قد زعم بعضهم أن اللبن إذا طال العهد به، وتغيّر صار يسكر، وهذا ربما يقع نادراً، إن ثبت وقوعه، ولا يلزم منه تأثيم شاربه، إلا إن عَلِم أن عقله يذهب به، فشربه لذلك، نعم قد يقع السُّكْر باللبن إذا جُعل فيه ما يصير باختلاطه معه مُسْكِراً، فَيَحْرُم. قال الحافظ: أخرج سعيد بن منصور بسند صحيح، عن ابن سيرين، أنه سمع ابن عمر يُسأل عن الأشربة، فقال: إن أهل كذا يتخذون من كذا وكذا خمراً، حتى عَدّ خمسة أشربة، لم أحفظ منها إلا العسل، والشعير، واللبن، قال: فكنت أهاب أن أحدّث باللبن، حتى أُنبئت أنه بأرمينية يُصنع شراب من اللبن، لا يَلْبَث صاحبه أن يُصْرَع. واستَدَلّ بالآية المذكورة أول الباب على أن الماء إذا تغيَّر، ثم طال مكثه حتى زال التغيّر بنفسه، ورجع إلى ما كان عليه أنه يطهر بذلك، وهذا في الكثير، وبغير النجاسة من القليل متّفقٌ عليه، وأما القليل المتغير بالنجاسة، ففيما إذا زال تغيّره بنفسه خلاف، هل يطهر؟ والمشهور عند المالكية: يطهر، وظاهر الاستدلال يُقَوِّي القول بالتطهير، لكن في الاستدلال به لذلك نظر، وقريب منه في البُعد استدلال من استدلّ به على طهارة المنيّ، وتقريره أن اللبن ٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة خالط الفرث والدم، ثم استحال، فخرج خالصاً طاهراً، وكذلك المنيّ ينقصر من الدم، فيكون على غير صفة الدم، فلا يكون نجساً. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا بُعد في الاستدلال المذكور، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. والآية التي أوردها البخاريّ تَخْتُهُ صريحة في إحلال شرب لبن الأنعام بجميع أنواعه؛ لوقوع الامتنان به، فيعمّ جميع ألبان الأنعام في حال حياتها . و((الفَرْثُ)) - بفتح الفاء، وسكون الراء، بعدها مثلثة - هو: ما يجتمع في الكرش، وقال القزاز: هو ما أُلقي من الكرش، تقول: فرثت الشيءَ: إذا أخرجته من وعائه، فشربته، فأما بعد خروجه، فإنما يقال له: سِرْجين، وزِبْل. وأخرج القزّاز عن ابن عباس ظها أن الدابة إذا أكلت العَلَف، واستقر في كرشها طبخته، فكان أسفله فرئاً، وأوسطه لبناً، وأعلاه دماً، والكبد مسلطة عليه، فتقسم الدم، وتجريه في العروق، وتُجري اللبن في الضرع، ويبقى الفرث في الكرش وحده. وقوله تعالى: ﴿أَنَّا خَالِصًا﴾؛ أي: من حمرة الدم، وقذارة الفرث، وقوله: ﴿سَآيِغَا﴾؛ أي: لذيذاً، هنيئاً، لا يُغَصّ به شاربه. انتهى(١). وبالسند المتصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٢٧] (٢٠٠٩) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ: لَمَّا خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ نَّهُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَرَرْنَا بِرَاعٍ(٢)، وَقَدْ عَطِشَ رَسُولُ اللهِ وَِّ، قَالَ: فَحَلَبْتُ لَهُ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَشَرِبَ، حَتَّى رَضِيتُ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله الْهَمْدانيّ السَّبيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ، يُدلّس، واختلط بآخره [٣] (١٢٩) أو قبل ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣. (١) ((الفتح)) ٦٥٣/١٢ - ٦٥٤، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦٠٣). (٢) وفي نسخة: ((براعي)). ٤٥ (٩) - بَابُ شُرْبِ اللَّبَنِ - حديث رقم (٥٢٢٨) ٢ - (الْبَرَاءُ) بن عازب بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، نزل الكوفة، استُصغر يوم بدر، ومات سنة (٧٢) (ع) تقدم في «الإیمان)) ٢٤٤/٣٥. والباقون تقدّموا في أول الباب الماضي. وقوله: (مَرَرْنَا بِرَاع) هكذا في بعض النسخ، ووقع في النسخة الهنديّة: (براعي)) بالياء، قال النووَّيّ: هكذا هو في الأصول: ((براعي)) بالياء، وهي لغة قليلة، والأشهر: ((براع)). انتھی. وقوله: (كُثْبَةً مِنَّ لَبَنِ) بضمّ الكاف، وسكون الثاء؛ أي: قليلاً. والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرحه يأتي بعده؛ وإنما أخّرت إليه؛ لكونه أتمّ مما هنا، والله تعالى أعلم. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٢٨] ( .. ) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: لَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِنَّهِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَتْبَعَهُ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُم، قَالَ: فَدَهَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ﴾ فَسَاخَتْ فَرَسُهُ، فَقَالَ: ادْعُ اللهَ لِي، وَلَا أَضُرُّكَ، قَالَ: فَدَعَا اللهَ، قَالَ: فَعَطِشَ رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَمَرُّوا بِرَاعِي غَنَم، قَالَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ: فَأَخَذْتُ قَدَحاً، فَحَلَبْتُ فِيهِ لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، فَأَتَيْتُهُ بِهِ، فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم ذُكروا قبله، وفي الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وهو مسلسلٌ بالتحديث والسماع، فانتفى تهمة التدليس من أبي إسحاق، فإنه مدلّس، مع أن الراوي عنه شعبة، وهو لا يروي عنه إلا ما سمع من شيوخه، كما تقدّم غير مرّة، وهو أيضاً مسلسل بالبصريين إلى شعبة، والباقيان كوفيّان، وأن شيخيه من التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد جمعتهم في قولي: ٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة ذَوُو الأُصُولِ السِّنَّةِ الْوُعَاةُ اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ الْحَافِظِينَ الْبَارِعِينَ الْبَرَرَةْ فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهُ نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌ السَّرِي أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرٍ ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا شرح الحديث: (قَالَ) شعبة (سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيّ، وقوله: (الْهَمْدَانِيَّ) بفتح الهاء، وسكون الميم: نسبة إلى هَمْدان، واسمه أوسلة بن مالك بن زيد بن ربيعة، قاله في ((اللباب))(١). (يَقُولُ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ) بن عازب ◌ُّ (يَقُولُ)؛ أي: نقلاً من أبي بكر تظ﴿به، وليس مما شهده بنفسه؛ لأنه أنصاريّ لم يحضر الهجرة، وإنما نقله منه، كما بيّنته الرواية السابقة، ولفظها: ((عن البراء قال: قال أبو بكر الصدّيق: لَمّا خرجنا ... إلخ)). (لَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِوَلِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ)؛ أي: مهاجراً إليها . [تنبيه]: هذا الحديث مختصر، سيأتي مطوّلاً في آخر الكتاب، ونصّه هناك: (٢٠٠٩) - حدّثني سَلَمة بن شَبِيب، حدّثنا الحسن بن أعين، حدثنا زهير، حدّثنا أبو إسحاق، قال: سمعت البراء بن عازب يقول: جاء أبو بكر الصديق إلى أبي في منزله، فاشترى منه رَحْلاً، فقال لعازب: ابعث معي ابنك يحمله معي إلى منزلي، فقال لي أبي: احْمِلْه، فحملته، وخرج أبي معه ينتقد ثمنه، فقال له أبي: يا أبا بكر حدّثني كيف صنعتما ليلةَ سَرَيت مع رسول الله وَّ، قال: نعم أسرينا ليلتنا كلّها، حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق، فلا يمرّ فيه أحدٌ، حتى رُفعت لنا صخرة طويلة، لها ظلّ، لم تأت عليه الشمس بعدُ، فنزلنا عندها، فأتيت الصخرة، فسوّيت بيدي مكاناً ينام فيه النبيّ وَّ في ظلها، ثم بسطت عليه فَرْوَةً، ثم قلت: نَمْ يا رسول الله، وأنا أنفُض لك ما حولك، فنام، وخرجت أنفُض ما حوله، فإذا أنا براعي غنم، مُقبلٍ بغنمه إلى الصخرة، يريد منها الذي أردنا، فلقِيته، فقلت: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من أهل (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٩١/٣. ٤٧ (٩) - بَابُ شُرْبِ اللَّبَنِ - حديث رقم (٥٢٢٨) المدينة(١)، قلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم، قلت: أفتحلُب لي؟ قال: نعم، فأخذ شاةً، فقلت له: انفُض الضرع من الشعر والتراب والقَذَى، قال: فرأيت البراء يضرب بيده على الأخرى ينفض، فحلب لي في قَعْب معه كُثْبةً من لبن، قال: ومعي إداوة أرتوي فيها للنبيّ وَّر؛ ليشرب منها، ويتوضأ، قال: فأتيت النبيّ وَّ، وكَرِهت أن أوقظه من نومه، فوافقته استيقظ، فصببت على اللبن من الماء حتى بَرَدَ أسفله، فقلت: يا رسول الله اشرب من هذا اللبن، قال: فشَرِب حتى رَضِيتُ، ثم قال: ((ألم يَأْنِ للرحيل؟)) قلت: بلى، قال: فارتحلنا بعدما زالت الشمس، واتبعَنا سراقة بن مالك، قال: ونحن في جَلَد(٢) من الأرض، فقلت: يا رسول الله أُتِينا، فقال: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، فدعا عليه رسول الله ◌َ، فارتطمت فرسه إلى بطنها - أُرَى - فقال: إني قد علمت أنكما قد دعوتما عليّ، فادعوا لي، فالله لكما أن أرد عنكما الطلب، فدعا الله، فَنَجَى، فرجع لا يلقى أحداً إلا قال: قد كُفيتكم ما ها هنا، فلا يلقى أحداً إلا ردّه، قال: ووفی لنا. انتهى. (فَأَتْبَعَهُ)؛ أي: اتّبع النبيّ ◌َِّ (سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُم) - بضم الجيم، والشين المعجمة، وإسكان العين بينهما - ويقال: بفتح الشين، حُكاه الجوهريّ في ((الصحاح)) عن الفرّاء، والصحيح المشهور ضمّها، وهو أبو سفيان الكنانيّ، ثم الْمُدلِجيّ الصحابيّ المشهور، من مسلمة الفتح، ومات في خلافة عثمان ﴿ًا سنة أربع وعشرين، وقيل: بعدها، وتقدّمت ترجمته في ((كتاب الحجّ)) ١٧/ ٢٩٤٣. وفي رواية إسرائيل: ((فارتحلنا، والقوم يطلبوننا، فلم يُدركنا غير سُراقة بن مالك بن جُعْشُم)). (قَالَ) البراء عن أبي بكر ﴿ُهَا (فَدَعَا عَلَيْهِ)؛ أي: على سُراقة، (رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَسَاخَتْ فَرَسُهُ) - بالسين المهملة، وبالخاء المعجمة - ومعناه: نزلت في الأرض، وقبضتها الأرض، وكان في جَلَد من الأرض، كما جاء في الرواية الأخرى. (فَقَالَ) سراقة (ادْعُ اللهَ لِي) هكذا في بعض النسخ: ((ادع الله)) (١) المراد بها مكة، لا المدينة النبويّة، فتنبّه. (٢) ((الْجَلَد)) بفتحتين: الأرض الصلبة. ٤٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة بلفظ الواحد، ووقع في بعضها: (فادعوا الله لي)) بلفظ التثنية، للنبيّ وَّ وأبي بكر، وكلاهما ظاهر صحيح. (وَلَا أَضُرَُّكَ، قَالَ) البراء عن أبي بكر ◌ُّ (فَدَعَا الله)؛ أي: دعا النبيّ وَّر أن يُنجي سراقة، فنجى، وفي رواية ابن حبّان: ((وقال: اللهم اكفناه بما شئت)). (قَالَ) البراء عن أبي بكر أيضاً (فَعَطِشَ) بكسر الطاء، (رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَمَرُّوا) كذا بواو الجمع؛ أي: مرّ النبيّ وَّ، وأبو بكر، ومن معهما من الدليل، كما ثبت في الروايات الأخرى، (بِرَاعِي غَثَم) قال الحافظ: لم أقف على تسمية هذا الراعي، ولا على تسمية صاحب الغنّم إلا أنه جاء في حديث عبد الله بن مسعود رضيته شيء تمسَّك به من زعم أنه الراعي، وذلك فيما أخرجه أحمد، وابن حبّان من طريق عاصم، عن زِرّ، عن ابن مسعود، قال: ((كنت أرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط، فمر بي رسول الله وَ له وأبو بكر، فقال: يا غلام هل من لبن؟ قلت: نعم، ولكني مؤتمن ... )) الحديث، وهذا لا يصلح أن يفسّر به الراعي في حديث البراء؛ لأن ذاك قيل له: هل أنت حالب؟ فقال: نعم، وهذا أشار بأنه غير حالب، وذاك حَلَب من شاة حافل، وهذا من شاة لم تُطْرَق، ولم تَحْمِل، ثم إن في بقية هذا الحديث ما يدلّ على أن قصته كانت قبل الهجرة؛ لقوله فيه: ((ثم أتيته بعد هذا، فقلت: يا رسول الله علّمني من هذا القول)»، فإن هذا يُشعر بأنها كانت قبل إسلام ابن مسعود، وإسلام ابن مسعود كان قديماً قبل الهجرة بزمان، فبَطَل أن يكون هو صاحبَ القصة في الهجرة، والله أعلم. انتهى(١). (قَالَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ) ◌َظُه (فَأَخَذْتُ قَدَحاً، فَحَلَبْتُ) المراد أنه أمر ذلك الغلام بالحَلْب، كما تقدّم في الرواية المطوّلة، حيث قال: ((قلت: أفتحلُب لي؟ قال: نعم، فأخذ شاةً، فقلت له: انفُض الضرع من الشعر والتراب والقَذَى، قال: فحلب لي في قَعْب معه كُثْبةً من لبن)). (فِيهِ لِرَسُولِ اللهِ وَلاه) الجارّان متعلّقان بـ((حلبت))؛ أي: حلبت في ذلك القدح لأجل أن يشرب وَا﴾ منه، (كُثْبَةً) - بضم الكاف، وإسكان الثاء المثلثة، وبعدها موحّدة - وهو الشيء القليل، وقوله: (مِنْ لَبَنٍ) بيان لـ «كُثبة))، (فَأَتَيْتُهُ) ◌َِّ (بِهِ)؛ أي: بذلك اللبن (١) ((الفتح) ٣٢٣/٨، كتاب ((فضائل أصحاب النبيّ وَّ) رقم (٣٦٥٢). ٤٩ (٩) - بَابُ شُرْبِ اللََّنِ - حديث رقم (٥٢٢٨) (فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ) قال القرطبيّ ◌َّتُهُ: أي حتى رَوِيَ، فرضيت رَيَّه، وكأنَّه شقَّ عليه ما كان فيه من الحاجة إلى اللَّبن، فلمَّا شرب، وزال عنه ذلك رضي به، وفي رواية أخرى: ((فأرضاني)»، والمعنى واحد. انتهى(١). وقال النوويّ تَخُّْ: معناه: شَرِب حتى عَلِمت أنه شرب حاجته، وكفايته. انتھی(٢). وقال في ((الفتح)): قوله: ((حتى رضيتُ)) هذا يُشعرة بأنه أمعن في الشرب، وعادتُهُ المألوفةُ كانت عدم الإمعان. انتهى (٣). [تنبيه]: قال النوويّ كَُّ: وأما شربه وَلقه من هذا اللبن، وليس صاحبه حاضراً؛ لأنه كان راعياً لرجل من أهل المدينة، كما جاء في الرواية الأخرى، وقد ذكرها مسلم في آخر الكتاب، والمراد بالمدينة هنا مكة، وفي رواية: لرجل من قريش، فالجواب عنه من أوجه: أحدهما: أن هذا كان رجلاً حربيّاً لا أمان له، فيجوز الاستيلاء على ماله. والثاني: يَحْتَمِل أنه كان رجلاً يُدْلِ عليه النبيّ وَّهِ، ولا يَكْرَه شربه ◌َّ من لبنه. والثالث: لعله كان في عُرفهم مما يتسامحون به لكل أحد، ويأذنون لرعاتهم ليسقوا من يمرّ بهم. والرابع: أنه كان مضطرّاً. انتهى(٤). قال الجامع عفا الله عنه: أقرب الأجوبة عندي هو الثالث، وما عداه فلا يخلو من نظر، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ تَُّهُ: وقد يقال: كيف أقدم أبو بكر على حَلْب ما لم يؤذن له في حلبه؟ وكيف شرب رسول الله ◌َ ي ذلك اللَّبن، ولم يكن مالكه (١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ١٥/١٧. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٧٩/١٣. (٣) ((الفتح)) ٣٢٣/٨، كتاب ((فضائل أصحاب النبيّ وَّ)) رقم (٣٦٥٢). (٤) ((شرح النوويّ)) ١٨٠/١٣. ٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة حاضراً، ولا أَذِن في ذلك، مع نهيه وَّر عن مثل هذا بقوله: ((لا يحلبن أحدٌ ماشية أحد إلا بإذنه))؟ الحديث. وقد أجيب عن ذلك بأجوبة: أحدها: أن ذلك اللَّبن كان تافهاً لا قيمة له، لا سيما مع بُعْدِه عن العمارة، فكأنه إن لم يَشْرَب وإلا تَلِفَ، فيكون هذا من باب قوله في الشَّاة: ((هي لك، أو لأخيك، أو للذئب)). قال القرطبيّ: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ الحبَّة من مال الغير لا تحل إلا بطيب نفس منه، وتشبيهها باللقطة فاسدٌ، فإنَّ اللَّبن في الضَّرع محفوظ، كالطّعام في المشربة، ثم لم يكن على بُعْد من العمران بدليل إدراك سراقة لهم حين سمع أخبارهم من مكة، وخرج من فَوْره، فأدركهم يومه ذلك، على ما تدلُّ عليه قصته في كتب السِّير، والله أعلم. وثانيها: أن عادة العرب جارية بذلك، فعَمِلا على العادة، وذلك قبل ورود النهي المذکور عن ذلك. وثالثها: أنه مَّ ر كان في حاجة وضرورة إلى ذلك، ولا خلاف في جواز مثل ذلك عند الضرورة إذا أمِن على نفسه، وهل يلزمه قيمة ذلك أو لا؟ قولان لأهل العلم. ورابعها: أن ذلك كان مالاً لكافر، والأصل في أموالهم الإباحة. قال القرطبيّ: وقد يُمنع هذا الأصل، لا سيما على مذهب من يقول: إن الكافر له شُبهة مُلك، وقد تقدَّم الخلاف في هذا في ((الجهاد)). وخامسها: أنهما عَلِما لِمَن هي، فإمَّا أن يكون قد أباح لهما ذلك، أو علما من حاله أنه يطيب قلبه بذلك، وهذا أشبهها، وأبعدها عن الاعتراض - إن شاء الله تعالى -. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت لك ما هو الراجح عندي خلال كلام النوويّ تَخْلُهُ، فلا تغفل، والله تعالى أعلم. (١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ١٥/١٧. ٥١ (٩) - بَابُ شُرْبِ اللَّبَنِ - حديث رقم (٥٢٢٨) مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث البراء هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٢٧/٩ و٥٢٢٨] (٢٠٠٩)، وسيأتي في ((كتاب الزهد)) مطوّلاً في ((باب حديث الهجرة))، و(البخاريّ) في ((اللقطة)) (٢٤٣٩) و(المناقب)) (٣٦١٥) و((فضائل الصحابة)) (٣٦٥٢) و((مناقب الأنصار)) (٣٩٠٨ و٣٩١٧) و((الأشربة)) (٥٦٠٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/١ - ٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٣٠/١٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٢٨١ و٦٨٧٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٣٧/٥)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٠٥/١)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٣٧٦/١)، و(البزّار) في ((مسنده)) (١١٩/١)، و(الرويانيّ) في ((مسنده)) (٢١١/١)، و(البيهقيّ) في ((الدلائل)) (٤٨٥/٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز شرب اللبن، وهو مما لا خلاف فيه. ٢ - (ومنها): بيان جواز خدمة التابع الحرّ للمتبوع برضاه. ٣ - (ومنها): بيان ما وقع للنبيّ وَّر من علامات النبوّة حيث دعا على سراقة، فساخت قوائم فرسه، وكان في جَلَد من الأرض؛ أي: صَلْب، ولذلك قال سُراقة مخاطباً لأبي جهل [من الطويل]: لِأَمْرٍ جَوَادِي إِذْ تَسُوعُ قَوَائِمُهْ أَبَا حَكَم وَاللهِ لَوْ كُنْتَ شَاهِداً رَسُولُ بِبُرْهَانٍ فَمَنْ ذَا يُقَاوِمُهْ عَلِمْتَ وَلَّمْ تَشْكُكْ بِأَنَّ مُحَمَّداً ٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصدّيق ◌َظُله من شدّة حبّه للنبيّ وَّ، حيث بكى لمَّا لحقهم سراقة، فقاله النبيّ وَّ: ((ما يبكيك؟ قال: والله ما على نفسي أبكي، ولكن أبكي عليك))، رواه ابن حبّان. ٥ - (ومنها): بيان فضل أبي بكر ظُه حيث كان رفيق النبيّ وَّ في ذلك السفر المبارك، ولَحِقه ما لحقه من الحزن والخوف عليه وَله، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ ٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة هُمَا فِىِ الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ [التوبة: ٤٠]. السُّفْلَىَّ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِى الْعُلْيَأْ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ ﴾﴾ ٦ - (ومنها): ما قاله بعضهم في قول الصديّق رَظُه: ((فشرب حتى رضِيتُ)): هذا تعبير لطيف من الصدّيق ◌َُّهُ لِمَا طُبع عليه من حبّ رسول الله وَ﴾، والمراد أنه شرب من اللبن ما يكفيه، فسكن به اضطراب الصدّيقِ ظُله الذي حَدَث له بما رأى عليه النبيّ ◌َّ من أثر الجوع، فإن المحبّ الصادق يرتاح براحة الحبيب أكثر مما يرتاح بها الحبيب(١). ٧ - (ومنها): بيان جواز شرب المسافر من لبن الغنم في الطريق للحاجة بالصفة التي وقعت لأبي بكر ظلُّه من سؤال الراعي: هل تحلب لي؟ فإذا وافق جاز، وإن لم يكن صاحبها حاضراً. قال المهلّب بن أبي صُفرة: إنما شرب النبيّ وَّر من لبن تلك الغنم؛ لأنه كان حينئذٍ في زمن المكارَمة، ولا يعارضه حديثه: ((لا يَحْلُبنّ أحد ماشية أحد إلا بإذنه))؛ لأن ذلك وقع في زمن التشاح، أو الثاني محمول على التسوّر والاختلاس، والأول لم يقع فيه ذلك، بل قَدَّم أبو بكر سؤال الراعي، هل أنت حالب؟ فقال: نعم، كأنه سأله: هل أَذِن لك صاحب الغنم في حلبها لمن يَرِدُ عليك؟ فقال: نعم، أو جرى على العادة المألوفة للعرب في إباحة ذلك، والإذن في الحلب على المارّ، ولابن السبيل، فكان كلّ راع مأذوناً له في ذلك. وقال الداوديّ: إنما شرب من ذلك على أنه ابن سبيل، وله شُرب ذلك إذا احتاج، ولا سيما النبيّ رََّ، وأَبْعَدَ من قال: إنما استجازه؛ لأنه مال حربيّ؛ لأن القتال لم يكن فُرِض بعدُ، ولا أبيحت الغنائم. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم. (١) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٦٥٢/٣. (٢) ((الفتح)) ٣٢٤/٨، كتاب ((فضائل أصحاب النبيّ وَّ)) رقم (٣٦٥٢). ٥٣ (٩) - بَابُ شُرْبِ اللَّبَنِ - حديث رقم (٥٢٢٩) وبالسند المتصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٢٩] (١٦٨) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ عَبَّادٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ النَّبِيِّ ◌َّهِ أُتِيَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، بِإِلِيَاءَ، بِقَدَحَيْنِ، مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا، فَأَخَذَ اللَّبَنَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَه: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطَّرَةِ، لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ)). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرِقان المكّيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِم [١٠] (ت٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل حدیثین. ٣ - (أَبُو صَفْوَانَ) عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان الأمويّ الدمشقيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [٩] مات على رأس المائتين (خ م ت س) تقدم في ((الحج)) ٣٣٦٧/٨٨. ٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد بن أبي النِّجَاد الأيليّ، ثقةٌ، من كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣. ٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشيّ، أبو بكر المدنيّ، الإمام الحجة الثبت الفقيه، من رؤوس [٤] (ت١٢٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨. ٦ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) سعيد الإمام الحجة الثبت الفقيه، أبو محمد المدنيّ، من كبار [٣] (ت٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧١. (٧ أو٨ أو٥٩) تقدم في ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير، مات نظـ ((المقدمة)) ٤/٢. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى في ((كتاب الإيمان)) [٤٣١/٨٠] (١٦٨)، ومضى شرحه مستوفّى هناك، وكذا بيان مسائله، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (بِإِيلِيَاءَ) هو بيت المقدس، وهو بكسر الهمزة، والمدّ، ويقال: بالقصر، ويقال: إِلِيَاء بحذف الياء الأولى، وقد سبق بيانه، قاله النوويّ. ٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة وقال القرطبيّ: ((إيلياء)) هي بيت المقدس، وهو ممدود بهمزة التأنيث، ولذلك لا ينصرف. انتهى(١). وكتب في الهامش: ويقال: إيليا مقصوراً، ويقال: أَلْيَا على وزن عَلْيا، ثلاث لغات. وقوله: (فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا، فَأَخَذَ اللَّبَنَ) في هذه الرواية محذوف تقديره: أُتِي بقدحين، فقيل له: ((اختر أَيَّهما شئت؟)) كما جاء مُصَرَّحاً به في رواية البخاريّ، وقد سبق في الرواية التي تقدّمت في ((كتاب الإيمان)) بلفظ: ((فأُتيت بإناءين، في أحدهما لبن، وفي الآخر خمر، فقيل لي: خذ أيهما شئت، فأخذت اللبن ... )) الحديث. وقوله: (فَأَخَذَ اللَّبَنَ)؛ أي: فألهمه الله تعالى اختيار اللبن؛ لِمَا أراده وَلاَ من توفيق هذه الأمة، واللطف بها، فللَّه الحمد والمنّة. وقوله: (فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَها: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاَ لِلْفِطْرَةِ ... إلخ)) قال النوويّ تَخْلُهُ: وقول جبريل لعلَّل: ((أصبت الفطرة))، قيل في معناه أقوال المختار منها: أن الله تعالى أعلم جبريل نعلّ أن النبيّ وَّ إن اختار اللبن كان كذا، وإن اختار الخمر كان كذا، وأما الفطرة فالمراد بها هنا الإسلام، والاستقامة، وقد قدَّمنا شرح هذا كله، وبيان الفطرة، وسبب اختيار اللبن في أول الكتاب، في ((باب الإسراء)) من ((كتاب الإيمان)). وقوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاَ لِلْفِطْرَةِ ... إلخ) فيه استحباب حمد الله عند تجدد النعم، وحصول ما كان الإنسان يتوقع حصوله، واندفاع ما كان يخاف وقوعه، قاله النوويّ دَّتُهُ. وقال القرطبيّ تَخْذَلُهُ: وقول جبريل ظلَّلها: ((الحمد لله الذى هداك للفطرة)) يعني بها: فطرة دين الإسلام، كما قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، ثم قال: ﴿ذَلِكَ الْدِيِثُ اَلْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]، وقيل: جعل الله ذلك علامة لجبريل لعلّل على هداية هذه الأمة؛ لأنَّ اللَّبن أوّل ما يغذّيه الإنسان، وهو قُوتٌ خَلِيّ عن المفاسد، به قوام الأجسام، ولذلك آثره النبيّ وَّ على (١) ((المفهم)) ٢٧٩/٥. ٥٥ (٩) - بَابُ شُرْبِ اللَّبَنِ - حديث رقم (٥٢٣٠) الخمر، كما ذكرناه في الإسراء، ودين الإسلام كذلك، هو أوَّل ما أُخذ على بني آدم، وهم كالذَّرِّ، ثم هو قوت الأرواح، به قوامها، وحياتها الأبدية، وصار اللبن عبارة مطابقة لمعنى دين الإسلام من جميع جهاته، والخمر على النقيض من ذلك في جميع جهاتها، فكان العدول إليه لو كان وقع علامة على الغواية، وقد أعاذ الله من ذلك نبيَّه وَّه طبعاً وشرعاً، والحمد لله تعالى، ويُفهم من نسبة الغواية إلى الخمر تحريمه، لكن ليس بصريح، ولذلك لم يَكْتَفِ النبيّ وَّ بمثل ذلك في التحريم حتَّى قَدِم المدينة فشربوها زماناً، حتَّى أنزل الله التحريم. انتهى (١). وقوله: (غَوَتْ أُمَّتُكَ) معناه: ضلّت، وانهمكت في الشرّ. والله أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف كَّفُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٣٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أُنِيَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ بِإِلِيَاءَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار [١١] مات سنة بضع و(٢٤٠) (م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦٠/٦. ٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين، نُسب لجدّه أبو عليّ الْحَرّانيّ، صدوقٌ [٩] (ت٢١٠) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤. ٣ - (مَعْقِلُ) بن عُبيد الله الْعَبْسيّ مولاهم، أبو عبد الله الْجَزَريّ، صدوقٌ يُخطىء [٨] (ت١٦٦) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ بِيِلِيَاءَ) فاعل ((يذكُر)) ضمير معقِل بن عبيد الله. [تنبيه]: رواية معقل بن عُبيد الله عن الزهريّ هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَثُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾. (١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ١٦/١٧. ٥٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة (١٠) - (بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَخْمِيرِ الإِنَاءِ، وَهُوَ تَغْطِيَتُهُ، وَإِكَاءِ السِّقَاءِ، وَإِغْلَاقِ الأَبْوَابِ، وَذِكْرِ اسْمِ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهَا، وَإِطْفَاءِ السِّرَاجِ، وَالنَّارِ عِنْدَ النَّوْمِ، وَكَفِّ الَصِّبْيَانِ، وَالْمَوَاشِي بَعْدَ الْمَغْرِبِ) (١) وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٣١] (٢٠١٠) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي عَاصِم، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا الضَّخَُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعَّدِيُّ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَّهُ بِقَدَحِ لَبَنٍ مِنَ النَّقِيعِ، لَيْسَ مُخَمَّراً، فَقَالَ: ((أَلَّا خَمَّرْتَهُ، وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ عُوداً؟))، قَالَّ أَبُوَ حُمَيْدٍ: إِنَّمَا أُمِرَ (٢) بِالأَسْقِيَةِ أَنْ تُوكَأَ لَيْلاً، وَبِالأَبْوَابِ أَنْ تُغْلَقَ لَيْلاً). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسّيّ، أبو محمد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧. ٢ - (الضَّحَّاكُ) بن مخلد بن الضحّاك الشيبانيّ، أبو عاصم النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢١٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦. ٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليُّ المكيّ، ثقةٌ فقيه فاضلٌ، يدلّس، ويرسل [٦] (ت١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦. ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤. (١) هكذا ترجم في النسخة الهنديّة في هذا الموضع، وهو أنسب مما وقع في بعض النُّسخ، فلذا أثبتّه هنا، فتنبّه. (٢) وفي نسخة: ((إنما أمرنا)). ٥٧ (١٠) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَخْمِيرِ الإِنَاءِ، وَهُوَ تَغْطِيَتُهُ، وَإِكَاءِ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٣١) ٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، مات بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤ / ١١٧. ٦ - (أَبُو حُمَيْدِ السَّاعِدِيُّ) الصحابيّ المشهور، اسمه المنذر بن سعد بن المنذر، أو ابن مالك، وقيل: اسمه عبد الرحمن، وقيل: عمرة، شَهِد أُحداً، وما بعدها، وعاش إلى خلافة يزيد سنة ستين (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٩١٦/١٧. والباقيان ذُكرا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَخْلُهُ، وهو مسلسل بالتحديث، والإخبار، والسماع، وأن شيخه ابن المثنّى أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وتقدّموا قريباً نظماً، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، وفيه جابر بن أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً. عبد الله شرح الحديث: عَنْ أبي الزُّبَيْرِ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ) ﴿يَا (يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ) ◌َبه اختُلِف في اسمه، كما أسلفته آنفاً. (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَّهُ بِقَدَحِ لَبَنٍ مِنَ الثَّقِيعِ) قال النوويّ ◌َّقُ: رُوي بالنون، والياء، حكاهما القاضي عياض، والصحيح الأشهر الذي قاله الخطابيّ، والأكثرون بالنون، وهو موضع بوادي العقيق، وهو الذي حَمَاه رسول اللهِ وَله. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَخْتُ: اختلف في رواية هذا الحرف الذي هو (من النقيع))، فأكثر الرواة واللغويين على أنه بالنون والقاف، وقال الهرويّ: وهو وادي العقيق على عشرين فرسخاً من المدينة، وهو الذي حماه عمر تظ له لِنَعَم الصَّدقة، وقال الخطابيّ: هو القاع، قال غيره: وأصله كل موضع يستنقع فيه الماء، وقد رواه أبو بحر سفيان بن العاصي بالباء الموحدة، قال الخليل: البقيع بالباء: الأرض التي فيها شجر شتَّى، وأما بقيع الغرقد، وبقيع بطحان (١) ((شرح النوويّ)) ١٨٢/١٢. ٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة فبالباء الموحدة، ويَحْتَمِل أن يريد واحداً منهما على رواية أبي بحر، والله تعالى أعلم. انتهى(١). وقال في (الفتح)): قوله: ((من النقيع)) بالنون، قيل: هو الموضع الذي حُمِي لرعي النَّعَم، وقيل غيره، وقد تقدم في ((كتاب الجمعة)) ذِكر نقيع الْخَضَمات، فدلّ على التعدد، وكان وادياً يجتمع فيه الماء، والماء الناقع هو المجتمع، وقيل: كانت تُعمل فيه الآنية، وقيل: هو الباع، حكاه الخطابيّ، وعن الخليل: الوادي الذي يكون فيه الشجر، وقال ابن التين: رواه أبو الحسن - يعني: القابسيّ - بالموحدة، وكذا نقله عياض عن أبي بحر بن العاص، وهو تصحيف، فإن البقيع مقبرة بالمدينة، وقال القرطبيّ: الأكثر على النون، وهو من ناحية العقيق، على عشرين فرسخاً من المدينة. انتهى(٢). (لَيْسَ مُحَمَّراً) اسم مفعول من التخمير؛ أي: ليس مغطّاً، والتخمير التغطية، ومنه الخمر؛ لتغطيتها على العقل، وخمار المرأة؛ لتغطيته رأسها(٣). (فَقَالَ) وَِّ ((أَلَّا خَمَّرْتَهُ)؛ أي: غطّيته، و((ألا)) هنا للعرض والتحضيض، ومعناهما: طَلَبُ الشيء، لكن العرض طلبٌ بِلِين، والتحضيض طلبٌ بحثّ، وهو المناسب هنا، وهي مختصّة بالجملة الفعليّة، كما في قوله ريم: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَنُواْ أَيْمَنَهُمْ﴾ [التوبة: ١٣]، قاله ابن هشام الأنصاريّ ◌َّلهُ(٤). وقال الطيبيّ كَخُّ: قوله: ((ألا خمرته)) ((ألا)) حرف تحضيض دخل على الماضي للّوم على الترك، واللوم إنما يكون على مطلوب الترك؛ لأن الرجل جاء بالإناء مكشوفاً غير مخمّر، فوبخه. انتهى(٥). (وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ عُوداً؟))) - بفتح أوله، وضم الراء - قاله الأصمعيّ، (١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٢٨٣/٥ - ٢٨٤. (٢) ((الفتح)) ٦٥٤/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦٠٣). (٣) ((شرح النوويّ)) ١٨٢/١٢. (٤) راجع: ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ١٤٧/١. (٥) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٨٨٨/٩. ٥٩ (١٠) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَخْمِيرِ الإِنَاءِ، وَهُوَ تَغْطِيَتُهُ، وَإِكَاءِ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٣١) وهو رواية الجمهور، وأجاز أبو عبيد كسر الراء، وهو مأخوذ من العرض؛ أي: تجعل العُود عليه بالعرض، والمعنى: هلّ تغطيه بغطاء، فإن لم تفعل فلا أقلّ من أن تَعرْض عليه شيئاً (١)، قال الحافظ: وأظن السرّ في الاكتفاء بعَرْض العود أنّ تعاطي التغطية، أو العرض يقترن بالتسمية، فيكون العرض علامةً على التسمية، فتمتنع الشياطين من الدنو منه. انتهى (٢). وقال النوويّ تَخْشُهُ: المشهور في ضبطه ((تعرُض)) بفتح التاء، وضم الراء، وهكذا قاله الأصمعيّ، والجمهور، ورواه أبو عبيد بكسر الراء، والصحيح الأول، ومعناه: تَمُدّه عليه عَرْضاً؛ أي: خلاف الطول، وهذا عند عدم ما يغطيه به، كما ذكره في الرواية بعده: ((إن لم يجد أحدكم إلا أن يَعْرض على إنائه عُوداً، ويذكر اسم الله فليفعل))، فهذا ظاهر في أنه إنما يُقتصَر على العود عند عدم ما يغطيه به، وذكر العلماء للأمر بالتغطية فوائد، منها: الفائدتان اللتان وردتا في هذه الأحاديث، وهما: صيانته من الشيطان، فإن الشيطان لا يَكْشِف غطاء، ولا يَحُلّ سقاء، وصيانته من الوباء الذي ينزل في ليلة من السَّنَة، والفائدة الثالثة: صيانته من النجاسة، والمقذَّرات، والرابعة: صيانته من الحشرات، والهوامّ، فربما وقع شيء منها فيه، فشَربه، وهو غافل، أو في الليل، فيتضرر به، والله أعلم. انتهى(٣). وقوله: (عُوداً) بضمّ العين، وسكون الواو: الخشب، جمعه عِيدانٌ، وأَعْواد، قاله المجد(٤). قال القرطبيّ تَّلُ: المراد بعرض العود: أن يُجْعَل العُود معروضاً على فم الإناء، ولا بدَّ من ذِكر الله تعالى عند هذه الأفعال كُلِّها، كما جاء في الحديث الآخر بعد هذا، فيذكر الله تعالى، وببركة اسمه تعالى تندفع المفاسد، ويحصل تمام المصالح، فمطلق هذه الكلمات مردود إلى مُقَيَّدِها. انتهى(٥) . (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٨٨٨/٩. (٢) ((الفتح)) ٦٥٤/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦٠٣). (٣) ((شرح النوويّ)) ١٨٢/١٢ - ١٨٣. (٤) ((القاموس المحيط)) ص٩٢٤. (٥) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ١٧ / ١٧. ٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة (إِنَّمَا أُمِرَ) وفي بعض النسخ: ((إنما (قَالَ أَبُو حُمَيْدٍ) الساعديّ أمرنا))، (بِالأَسْقِيَةِ)، وقوله: (أَنْ تُوكَأَ لَيْلاً) ((أن)) مصدريّة، والفعل مبنيّ للمفعول، والمصدر المؤوّل بدل من ((الأسقية))؛ أي: بإيكاء الأسقية، وهكذا إعراب قوله: (وَبِالأَبْوَابِ أَنْ تُغْلَقَ لَيْلاً) هذا الذي قاله أبو حميد نَظُه: ظاهر في تقييد الإيكاء، والإغلاق بالليل، فما قاله بعض الشرّاح(١) معترضاً على النوويّ غیر صحیح، فتنبّه. قال النوويّ تَخْلُ: هذا الذي قاله أبو حميد رُه من تخصيصهما بالليل، ليس في اللفظ ما يدلّ عليه، والمختار عند الأكثرين من الأصوليين، وهو مذهب الشافعيّ وغيره ﴿ّ أن تفسير الصحابيّ إذا كان خلاف ظاهر اللفظ ليس بحجة، ولا يلزم غيرَه من المجتهدين موافقته على تفسيره، وأما إذا لم يكن في ظاهر الحديث ما يخالفه، بأن كان مجملاً، فيُرْجَع إلى تأويله، ويجب الحمل عليه؛ لأنه إذا كان مجملاً لا يحلّ له حمله على شيء إلا بتوقيف، وكذا لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي عند الشافعيّ والأكثرين، والأمر بتغطية الإناء عامّ، فلا يقبل تخصيصه بمذهب الراوي، بل يُتمسّك بالعموم. انتهى (٢). مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي حميد الساعديّ ظُبه هذا متّفقٌ عليه(٣). (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٣١/١٠ و٥٢٣٢] (٢٠١٠)، و(البخاريّ) في ((الأشربة)) (٥٦٠٥ و٥٦٠٦)، و(أبو داود) في ((الأشربة)) (٣٧٣٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٤٩/٤ و١٩٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٢٩/٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٩٤/٣ و٤٢٥/٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٢٢/٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٢٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٢٧٠)، و(أبو يعلى) في ((مسنده) (٣٠٨/٣ و٨/٤)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (١/ (١) هو: الشيخ الهرريّ. راجع: ((شرحه)) ١١٩/٢١. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٣/١٣. (٣) فما قاله الشيخ الهرري في ((شرحه)) ١١٩/٢١: انفرد به مسلم غير صحيح، فتنبّه.