النص المفهرس

صفحات 401-420

(٤) - بَابُ جَوَازِ الذَّبْحِ بِكُلِّ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، إِلَّ السِّنَّ، وَالظُّفُرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٠٨٤)
٤٠١
المذهب الكوفيّ، فإنه طلب الاستعجال، وأن يُريه دم ما ذَبَح.
وأما ما وقع في كتاب مسلم من تسكين الراء، فهو تخفيف للراء
المكسورة، وهي لغة معروفةٌ، قرأ بها ابن كثير.
وأما ما وقع في كتاب أبي داود، فقيل: بمعنى أَدِمِ الْخَزَّ، ولا تَفْتُر، من
رَنَوتُ؛ أي: أدمتُ النظر. قال القرطبيّ: ويلزم على هذا أن تكون مضمومة
النون؛ لأنه أمرٌ، من رَنَا يَرْنُو، فتُحذف الواو لبناء الأمر، ويبقى ما قبلها
مضموماً على أصله، ولم يُحقَّق ضَبْطه كذلك. وقد ذكر الخطّابيّ في هذه
اللفظة أوجهاً محتملةً، لم يجىء بها تقييد عن مُعتبَر، ولا صحّت بها روايةٌ،
رأيت الإضراب عنها؛ لعدم فائدتها، وبُعدها عن مقصود الحديث، وأثبتُّ ما
فيها روايةٌ، وأقربه معنَى مَن جعله من رؤية العين، وذلك أن اللِّيط والمروة،
وما أشبههما مما ليس بمحدَّد يُخاف منه ألا يكون مُجْهِزاً، فإن لم يستعجل
بالْمَرِّ لم يَقطع، وربما يموت الحيوان خنقاً، فإذا استعجل في المرّ، ورأى أن
الدم قد سال من موضع القطع، فقد تحقّق الذبح المبيح، والله تعالى أعلم بما
أراد رسوله وَ﴾﴾. انتهى كلام القرطبيّ (١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فقال: أعجل، أو أرن)): في رواية كريمة -
بفتح الهمزة، وكسر الراء، وسكون النون - وكذا ضبطه الخطابيّ في ((سنن أبي
داود))، وفي رواية أبي ذر - بسكون الراء، وكسر النون - ووقع في رواية
الإسماعيليّ من هذا الوجه الذي هنا: ((وأرني)) بإثبات الياء آخره، قال
الخطابيّ: هذا حرف طالما استثبت فيه الرواة، وسألت عنه أهل اللغة، فلم
أجد عندهم ما يُقطع بصحته، وقد طلبت له مَخرَجاً، فذكر أوجهاً :
[أحدها]: أن يكون على الرواية بكسر الراء، من أَرَانَ القومُ: إذا هلكت
مواشيهم، فيكون المعنى: أهلَكَها ذبحاً.
[ثانيها]: أن يكون على الرواية بسكون الراء بوزن أَعْطِ؛ يعني: أَنْظِرْ،
وأَنِظِر، وانتظر بمعنى، قال الله تعالى، حكاية عمن قال: ﴿أَنْظُرُونَا نَقَْيِسْ﴾ الآية
[الحديد: ١٣]؛ أي: أنظرونا. أو هو بضم الهمزة بمعنى أَدِمِ الْحَزَّ، من قولك
(١) ((المفهم)) ٣٧٠/٥ - ٣٧٢.

٤٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
رَنَوْتُ: إذا أدمت النظر إلى الشيء، وأراد: أَدِمِ النظر إليه، وراعِهِ ببصرك.
[ثالثها]: أن يكون مهموزاً، من قولك: أَرْأَنَ يُرْئِنُ: إذا نشِطَ، وخَفّ،
كأنه فعلُ أَمْر بالإسراع؛ لئلا يموت خنقاً، ورجح في ((شرح السنن)) هذا الوجه
الأخير، فقال: صوابه أرئن بهمزة، ومعناه: خِفَّ واعْجَل؛ لئلا تخنقها، فإن
الذبح إذا كان بغير الحديد احتاج صاحبه إلى خفة يد، وسرعة في إمرار تلك
الآلة، والإتيان على الحلقوم، والأوداج كلها، قبل أن تهلك الذبيحة، بما
ينالها من ألم الضغط، قبل نطح مذابحها، ثم قال: وقد ذكرت هذا الحرف في
((غريب الحديث))، وذكرت فيه وجوهاً يَحْتَمِلها التأويل، وكان قال فيه: يجوز
أن تكون الكلمة تصحّفت، وكان في الأصل: أَزِّزْ بالزاي، من قولك: أَزَّز
الرجل إصبعه: إذا جعلها في الشيء، وأززت الجرادةُ أززاً: إذا أدخلت ذَنَبها
في الأرض، والمعنى: شُدَّ يدك على النحر، وزعم أن هذا الوجه أقرب
الجميع.
قال ابن بطال: عرضت كلام الخطابي على بعض أهل النقد، فقال: أما
أخْذُه من أران القوم، فمعترض؛ لأن أران لا يتعدى، وإنما يقال: أران هو،
ولا يقال: أران الرجل غنمه. وأما الوجه الذي صوّبه، ففيه نظر، وكأنه من
جهة أن الرواية لا تساعده. وأما الوجه الذي جعله أقرب الجميع، فهو
أبعدُها؛ لعدم الرواية به.
وقال عياض: ضبطه الأصيليّ ((أَرِني)) فعلَ أمر من الرؤية، ومثله في
مسلم، لكن الراء ساكنة، قال: وأفادني بعضهم أنه وقف على هذه اللفظة، في
(مسند علي بن عبد العزيز)) مضبوطة هكذا: ((أرني، أو اعْجَلْ))، فكأن الراوي
شك في أحد اللفظين، وهما بمعنى واحد، والمقصود الذبح بما يُسرع القطع،
ويُجري الدم. ورجح النوويّ أن ((أرن)) بمعنى ((أَعْجِلْ))، وأنه شك من الراوي،
وضبط أَعجِل بكسر الجيم، وبعضهم قال في رواية لمسلم: أَرْني، بسكون
الراء، وبعد النون ياء؛ أي: أحضرني الآلة التي تَذبح بها لأراها، ثم أضرب
عن ذلك، فقال: أو أعجل، و((أو)) تجيء للإضراب، فكأنه قال: قد لا يتيسر
إحضار الآلة، فيتأخر البيان، فَعَرَّفَ الحكمَ، فقال: أعجل، ما أنهر الدم ...
إلخ، قال: وهذا أولى مِن حَمْله على الشك.

٤٠٣
(٤) - بَابُ جَوَازِ الذَّبْحِ بِكُلِّ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، إِلَّ السَّنَّ، وَالظُّفُرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٠٨٤)
وقال المنذريّ: اختُلف في هذه اللفظة، هل هي بوزن أَعْطِ، أو بوزن
أَطِعْ، أو هي فعل أمر من الرؤية، فعلى الأول المعنى: أَدِمِ الْحَزَّ، من رَنَّوْتُ:
إذا أدمت النظر، وعلى الثاني: أهلكها ذبحاً، من أرانَ القومُ: إذا هلكت
مواشیھم .
وتُعُقّب بأنه لا يتعدى، وأجيب بأن المعنى: كن ذا شاة هالكة، إذا
أُزهقت نفسُها بكل ما أنهر الدم.
قال الحافظ: ولا يخفى تكلفه، وأما على أنه بصيغة فعل الأمر، فمعناه:
أَرِني سيلان الدم، ومن سكّن الراء، اختلس الحركة، ومن حَذَف الياء جاز.
وقوله: ((واعْجَلْ)) بهمزة وصل، وفتح الجيم، وسكون اللام، فعلُ أَمْر من
العجلة؛ أي: اعْجَل، لا تموت الذبيحة خَنقاً، قال: ورواه بعضهم بصيغة أَفْعَل
التفضيل؛ أي: ليكن الذبح أعجل ما أنهر الدم.
قال الحافظ: وهذا وإن تمشّى على رواية أبي داود، بتقديم لفظ ((أرني))
على ((أعجل))، لم يستقم على رواية البخاري بتأخيرها .
وجوّز بعضهم في رواية ((أرن)) بسكون الراء أن يكون من أَرْنَانِي حُسنُ ما
رأيته؛ أي: حملني على الرُّنُوّ إليه، والمعنى على هذا: أَحْسِنِ الذبح، حتى
تحب أن ننظر إليك، ويؤيده حديث: ((إذا ذبحتم، فأحسنوا))، أخرجه مسلم.
انتهى ما في ((الفتح)) (١).
(مَا أَنْهَرَ الدَّمَ)؛ أي: أساله، وصبَّه بكثرة، ووزْنه أفعل، من النهر، شُبِّهَ
خُروج الدم بجري الماء في النهر. قال عياض: هذا هو المشهور في الروايات
بالراء، وذكره أبو ذر الخشني بالزاي، وقال: النهز بمعنى الرفع، وهو غريب،
و((ما)) موصولة، في موضع رفع بالابتداء، وخبرها ((فكلوا))، والتقدير: ما أنهر
الدم، فهو حلال، فكلوا. ويَحْتَمِل أن تكون شرطية. ووقع في رواية أبي
إسحاق، عن الثوريّ: ((كلُّ ما أنهر الدم ذكاة))، و((ما)) في هذا موصوفة.
(٢)
انتھی(٢).
(١) ((الفتح)) ٤٨٣/١٢ - ٤٨٤ رقم (٥٥٠٩).
(٢) ((إكمال المعلم)) ٤١٦/٦.

٤٠٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
(وَذُكِرَ اسْمُ اللّهِ) قال النوويّ تَخْذُهُ: هكذا هو في النُّسخ كلها، وفيه
محذوف؛ أي: وذُكِر اسم الله عليه، أو معه، ووقع في رواية أبي داود وغيره:
(وذُكر اسم الله عليه)). انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا عزا النوويّ هذه الرواية إلى أبي
داود، وقد ثبتت في رواية البخاريّ في ((الشركة))، قال الحافظ: وكلام
النوويّ في ((شرح مسلم)) يوهم أنها ليست في البخاريّ؛ إذ قال: هكذا هو
في النسخ كلها - يعني: من مسلم - وفيه محذوف؛ أي: ذُكر اسم الله
عليه، أو معه، ووقع في رواية أبي داود وغيره: ((وذُكر اسم الله عليه)).
انتهى، فكأنه لمّا لم يرها في ((الذبائح)) من البخاري أيضاً، عزاها لأبي
داود، إذ لو استحضرها من البخاريّ، ما عدل عن التصريح بذكرها فيه.
انتھی.
وفيه اشتراط التسمية؛ لأنه عَلّق الإذن بمجموع الأمرين: وهما الإنهار،
والتسمية، والمعلَّق على شيئين لا يُكتفَى فيه إلا باجتماعهما، وينتفي بانتفاء
أحدهما .
وقد تقدم البحث في اشتراط التسمية وعدمه مستوفّى في المسائل
المذكورة في شرح حديث عديّ بن حاتم رُهُ أوّلَ ((كتاب الصيد والذبائح))،
فراجعه تستفد.
(فَكُلْ) كذا هنا بأمر الواحد، ووقع عند البخاريّ وغيره: ((فكلوا)) بأمر
الجماعة .
(لَيْسَ السِّنَّ، وَالظَّفُرَ) ((ليس)» هنا للاستثناء، كما قال في «الخلاصة)»:
وَاسْتَثْنٍ نَاصِباً بِـ((لَيْسَ)) و(خَلَا)) وَبـ«عَدَا)) وَبِـ«يَكُونُ)) بَعْدَ ((لَا))
وقال في ((الفتح)): قوله: ((ليس السنّ، والظفر)) بالنصب على الاستثناء
بـ((ليس))، ويجوز الرفع؛ أي: ليس السنُّ والظفرُ مباحاً، أو مجزئاً، ووقع في
رواية أبي الأحوص: ((ما لم يكن سنٌّ، أو ظفرٌ))، وفي رواية عُمر بن عبيد:
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢٣/١٣.

٤٠٥
(٤) - بَابُ جَوَازِ الَّبْحِ بِكُلِّ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، إِلَّ السَّنَّ، وَالظُّفُرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٠٨٤)
((غيرَ السنِّ والظفر))، وفي رواية داود بن عيسى: ((إلا سنّاً، أو ظفراً)).
(١)
انتھی(١).
ووقع في رواية النسائيّ: ((فَكُلُوا مَا لَمْ يَكُنْ سِنّاً، أَوْ ظُفُراً)) فـ((ما))
مصدريّة ظرفيّة، واسم ((يكن)) ضمير يعود إلى ((ما)) من قوله: ((ما أنهر الدم))؛
أي: مدّة عدم كون ذلك الذي أنهر الدم سنّاً، أو ظفراً، والله تعالى أعلم.
(وَسَأُحَدَّثُكَ) بالإفراد، وللبخاريّ وغيره: ((وَسَأُحَدِّئُكُمْ عَن ذَلِكَ))، وفي
رواية: ((وسأخبركم))، قال الحافظ في ((الفتح)): جزم النوويّ بأنه من جملة
المرفوع، وهو من كلام النبيّ وَّر، وهو الظاهر من السياق، وجزم أبو الحسن
ابن القطان في ((كتاب بيان الوهم والإيهام)) بأنه مُدرج من قول رافع بن خديج،
راوي الخبر، وذَكَر ما حاصله: أن أكثر الرواة عن سعيد بن مسروق أوردوه
على ظاهر الرفع، وأن أبا الأحوص، قال في روايته عنه بعد قوله: ((أو ظفر)):
((قال رافع: وسأحدثكم عن ذلك)) ونسب ذلك لرواية أبي داود، قال الحافظ:
وهو عجيب، فإن أبا داود أخرجه عن مسدّد، وليس في شيء من نُسخ ((السنن))
قوله: ((قال رافع))، وإنما فيه كما عند البخاريّ هنا بدونها، وشيخ أبي داود فيه
مسدّد، هو شيخ البخاري فيه، وقد أورده البخاريّ في الباب الذي بعد هذا،
بلفظ: ((غير السنّ والظفر، فإن السن عظم ... إلخ))، وهو ظاهر جدّاً، في أن
الجميع مرفوع. انتهى ما في ((الفتح))(٢)، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدّاً، والله تعالى
أعلم.
(أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ) قال البيضاويّ: هو قياس حُذفت منه المقدمة الثانية؛
لِشُهرتها عندهم، والتقدير: أما السن فَعَظُم، وكلُّ عَظْم لا يحلّ الذبح به،
وطَوَى النتيجة؛ لدلالة الاستثناء عليها. وقال ابن الصلاح في ((مشكل
الوسيط)): هذا يدلّ على أنه ﴿ ﴿، كان قد قرّر كون الذكاة، لا تحصل بالعظم،
فلذلك اقتصر على قوله: ((فعظم))، قال: ولم أر بعد البحث، مَن نقل للمنع من
الذبح بالعظم معنى يُعقَّل، وكذا وقع في كلام ابن عبد السلام.
(١) ((الفتح)) ٤٦٦/١٢ رقم (٥٤٩٨).
(٢) ((الفتح)) ٥٣٦/١٢ - ٥٣٧ رقم (٥٥٤٣).

٤٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
وقال النوويّ: معنى الحديث: لا تذبحوا بالعظام، فإنها تنجس بالدم،
وقد نهيتكم عن تنجيسها؛ لأنها زادُ إخوانكم من الجن. انتهى، وهو مُحْتَمِل،
ولا يقال: كان يمكن تطهيرها بعد الذبح بها؛ لأن الاستنجاء بها كذلك، وقد
تقرّر أنه لا يجزئ.
وقال ابن الجوزيّ في ((المشكل)): هذا يدلّ على أن الذبح بالعظم، كان
معهوداً عندهم، أنه لا يجزئ، وقرّرهم الشارع على ذلك، وأشار إليه هنا .
وأخرج الطبرانيّ في ((الأوسط)) من حديث حذيفة بنظُه، رفعه: ((اذبحوا
بكلّ شيءٍ فَرَى الأوداجَ، ما خلا السنّ والظفر))، وفي سنده عبد الله بن
خِراش، مختلفٌ فيه، وله شاهد من حديث أبي أمامة نحوه، قاله في
((الفتح))(١).
(وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ)))؛ أي: وهم كفّار، وقد نُهيتم عن التشبه بهم،
قاله ابن الصلاح، وتبعه النوويّ، وقيل: نَهَى عنهما؛ لأن الذبح بهما تعذيب
للحيوان، ولا يقع به غالباً، إلا الخنق، الذي ليس هو على صورة الذبح، وقد
قالوا: إن الحبشة تُدمي مذابح الشاة بالظفر، حتى تُزهق نفسها خَنْقاً.
واعتُرِض على التعليل الأول، بأنه لو كان كذلك؛ لامتنع الذبح
بالسکین، وسائر ما یذبح به الكفار.
وأجيب، بأن الذبح بالسكين، هو الأصل، وأما ما يلتحق بها، فهو الذي
يعتبر فيه التشبّه؛ لِضَعْفها، ومن ثَمَّ كانوا يسألون عن جواز الذبح بغير السكين
وشِبْهها .
وروى البيهقيّ في ((المعرفة))، من رواية حرملة، عن الشافعيّ: أنه حمل
الظفر في هذا الحديث، على النوع الذي يدخل في البخور، فقال: معقول في
الحديث، أن السن إنما يذكى بها، إذا كانت منتزعة، فأما وهي ثابتة، فلو ذبح
بها لكانت منخنقة - يعني: فدل على أن المراد بالسن: السن المنتزعة - وهذا
بخلاف ما نقل عن الحنفية، من جوازه بالسن المنفصلة، قال: وأما الظفر، فلو
كان المراد به ظفر الإنسان، لقال فيه ما قال في السن، لكن الظاهر أنه أراد به
(١) ((الفتح)) ٥٣٦/١٢ - ٥٣٧ رقم (٥٥٤٣).

٤٠٧
(٤) - بَابُ جَوَازِ الذَّبْحِ بِكُلِّ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، إِلَّ السَّنَ، وَالظُّفْرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٠٨٤)
الظفر، الذي هو طِيْب من بلاد الحبشة، وهو لا يَفرِي، فيكون في معنى
الخنق. قاله في ((الفتح)) (١).
(قَالَ) رافع ◌َبُه (وَأَصَبْنَا نَهْبَ إِبِلٍ، وَغَنَم) ((النهب)) - بفتح النون،
وسكون الهاء: المنهوب، وكان هذا النّهب غنَّيمة، وفي الرواية التالية:
((فَأَصَابُوا إِيلاً وَغَنَماً))، وللبخاريّ: ((فأصاب الناسَ جوع، فأصبنا إيلاً وغنماً))،
قال في ((الفتح)): كأن الصحابيّ قال هذا ممهّداً لِعُذْرهم في ذبحهم الإبل،
والغنم التي أصابوا، وفي رواية: ((وتقدّم سَرَعان الناس، فأصابوا من المغانم)).
(فَتَدَّ) بتشديد الدال المهملة؛ أي: شرد، وهَرَب (مِنْهَا)؛ أي: من تلك
الإبل، والغنم المنهوبة، (بَعِيرٌ) بفتح الموحّدة، يجوز كسرها: هو مثلُ الإنسان
يقع على الذكر والأنثى، يقال: حلبتُ بعيري، وأما الجَمل فهو بمنزلة الرجل
يختصّ بالذكر، والناقة بمنزلة المرأة تختصّ بالأنثى، قاله الفيّوميّ(٢).
وفي رواية للبخاريّ: ((فندّ منها بعير، وكان في القوم خيلٌ يسيرة،
فطلبوه، فأعياهم، فأهوى إليه رجلٌ، فحبسه الله)).
قال في ((الفتح)): قوله: ((وكان في القوم خيل يسيرة)) فيه تمهيد لَعَذَرهم
في كون البعير الذي نَدّ أتعبهم، ولم يقدروا على تحصيله، فكأنه يقول: لو كان
فيهم خيول كثيرة لأمكنهم أن يحيطوا به، فيأخذوه.
ووقع في رواية أبي الأحوص: ((ولم يكن معهم خيل))؛ أي: كثيرة، أو
شديدة الْجَرْي، فيكون النفي لصفة في الخيل، لا لأصل الخيل؛ جمعاً بين
الروايتين.
وقوله: ((فطلبوه، فأعياهم))؛ أي: أتعبهم، ولم يقدروا على تحصيله.
(٣)
انتھی
(فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْم) قال الحافظ: ولم أقف على اسم هذا الرامي، وأما
صاحب ((التنبيه))، فقالًّ: هو رافع بن خديج راوي الحديث، قال: ودليله في
(١) ((الفتح)) ٥٦٦/١٢ - ٥٦٧ رقم (٥٤٩٨).
(٢) ((المصباح المنير)) ١ /٥٣.
(٣) ((الفتح)) ٥٦٣/١٢ - ٥٦٤ رقم (٥٤٩٨).

٤٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
البخاريّ، ومسلم بعد هذا من حديثه: ((فرميناه)). انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي استدلّ به صاحب ((التنبيه)) على أن
الرامي هو رافع لا يخفى بُعده؛ لأن معنى قوله: ((فرميناه))؛ أي: رماه بعضنا،
ولا يلزم منه أن يكون هو الرامي، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(فَحَبَسَهُ) وفي رواية للبخاريّ: ((فحبسه الله))؛ أي: أَصابه السهم، فوقف،
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ لِهَذِهِ الإِبِلِ) وللبخاريّ: ((إن لهذه البهائم))، قال
بعض شراح ((المصابيح)): هذه اللام تفيد معنى ((مِنْ))؛ لأن البعضية تستفاد من
اسم ((إِنَّ))؛ لكونه نكرةً. انتھی.
(أَوَابِدَ) جمع آبدةٍ بالمدّ، وكسر الموحدة؛ أي: غريبة، يقال: جاء فلان
بآبدة؛ أي: بكلمة، أو فعلة منَفِّرة، يقال: أبدت بفتح الموحدة تأبُد بضمّها،
ويجوز الكسر أُبُوداً، ويقال: تأبدت؛ أي: توحّشت، والمراد أن لها توحشاً،
قاله في ((الفتح)).
وقال الفيّوميّ كَّتُ: أَبَدَ الشيءُ، من بَابَي ضرب، وقتل يَأْبِدُ، ويأبُدُ
أُبُوداً: نَفَرَ، وتَوَخَّش، فهو آبِدٌ، على فاعل، وأبَدَت الوحوش: نَفَرت من
الإنس، فهي أَوَابِدُ، ومن هنا وُصف الفَرَسُ الخفيف الذي يُدرك الوحش، ولا
يكاد يفوته بأنه قَيْدُ الأَوَابِد؛ لأنه يمنعها المُضِيّ، والخلاصَ من الطالب، كما
يمنعها القيد، وقيل للألفاظ التي يَدِقّ معناها: أوَابِدُ؛ لبُعد وضوحه. انتهى(٢).
(كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ) قال الفيّومِيّ ◌َخْتُ: الوَحْشُ: ما لا يَستأنس من دوابٌ
البِّرِ، وجمعه وُحُوشٌ، وكل شيء يَسْتَوْحِشُ عن الناس فهو وَحْشٌ، ووَحْشِيٍّ،
كأن الياء للتوكيد، كما في قوله:
أَطَرَباً وَأَنْتَ قِنَّسْرِيُّ وَالدَّهْرُ بِالإِنْسَانِ دَوَّارِيٌّ
أي: كثير الدّوَران، وقال الفارابيّ: الوَحْشُ: جمع وَحْشِيٍّ، ومنه الوَحْشَةُ
بين الناس، وهي الانقطاع، وبُعْدُ القلوب عن المودّات، ويقال: إِذَا أَقْبَلَ الليْلُ
اسْتَأْنَسَ كُلُّ وَحْشِيٍّ، واسْتَوْحَشَ كل إِنْسِيٍّ، وأَوْحَشَ المكان، وتَوَخَّشَ: خلا
(١) ((تنبيه المعلم)» ص٣٣٨.
(٢) ((المصباح المنير)) ١/١.

(٤) - بَابُ جَوَازِ الذَّبْحِ بِكُلِّ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، إِلَّ السَّنَّ، وَالظَّفُرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٠٨٤)
٤٠٩
من الإنس، وحمار وَحْشِيٍّ بالوصف، وبالإضافة. انتهى(١).
(فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ) وفي بعض النُّسخ: ((فإذا ندّ عليكم منها شيء))
(فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَ))) زاد عمر بن سعيد بن مسروق، عن أبيه: ((فاصنعوا به ذلك
وكُلوه))، أخرجه الطبرانيّ، وفيه جواز أكْل ما رُمِي بالسهم، فجُرح في أيّ
موضع كان من جسده، بشرط أن يكون وحشيّاً، أو متوحشاً، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حدیث رافع بن خَدِیج
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا متّفق عليه .
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٠٨٤/٤ و٥٠٨٥ و٥٠٨٦ و٥٠٨٧ و ٥٠٨٨]
(١٩٦٨)، و(البخاريّ) في ((الشركة)) (٢٤٨٨ و٢٥٠٧) و((الجهاد)) (٣٠٧٥)
و ((الذبائح والصيد)» (٥٤٩٨ و ٥٥٠٣ و٥٥٠٦ و٥٥٠٩ و ٥٥٤٣ و٥٥٤٤)، و(أبو
داود) في ((الأضاحي)) (٢٨٢١)، و(الترمذيّ) في ((الأحكام)) (١٤٩١ و١٤٩٢)،
و(النسائيّ) في ((الضحايا)) (٢٢٦/٧ و٢٢٨ و٢٢٩) و((الكبرى)) (٦٤/٣)، و(ابن
ماجه) في ((الأضاحي)) (٣١٣٧)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٩٦٣)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٨٤٨١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٨٧/٥ -
٣٨٨)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٤١١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٦٣/٣
و٤٦٤ ٤ /١٤٠ و١٤١ و١٤٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٨٤/٢)، و(ابن حبّان)
في (صحيحه)) (٥٨٨٦)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٨٩٥)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (٧/٥ و٥٤ و٥٥)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٤/
١٨٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٤٣٨٠ و٤٣٨١ و٤٣٨٢ و٤٣٨٣ و٤٣٨٤
و٤٣٨٦ و٤٣٨٧ و٤٣٨٨ و٤٣٨٩ و٤٣٩٠ و٤٣٩١ و٤٣٩٢ و٤٣٩٣)،
و(البيهقيّ) في ((الكبير)) (٢٤٥/٩ و٢٤٦ و٢٤٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة))
(٢٧٨٢)، والله تعالى أعلم.
(١) ((المصباح المنير)) ٦٥١/٢.

٤١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
(المسألة الثالثة): في فوائده(١):
١ - (منها): بيان أن ما توحش من المستأنِس يُعطَى حكم المتوحش،
وبالعكس.
٢ - (ومنها): جواز الذبح بما يُحَصِّل المقصود، سواء كان حديداً أم لا.
٣ - (ومنها): جواز عقر الحيوان النادّ لمن عجز عن ذبحه، كالصيد
البريّ، والمتوحش من الإنسيّ، ويكون جميع أجزائه مَذْبَحاً، فإذا أصيب،
فمات من الإصابة حلّ، أما المقدور عليه فلا يباح إلا بالذبح، أو النحر،
إجماعاً .
٤ - (ومنها): التنبيه على أن تحريم الميتة؛ لبقاء دمها فيها .
٥ - (ومنها): منع الذبح بالسنّ والظفر متصلاً كان، أو منفصلاً، طاهراً
كان، أو متنجساً، وفرّق الحنفية بين السنّ والظفر المُتَّصِلَيْن، فخصّوا المنع
بهما، وأجازوه بالمنفصلين، وفرّقوا بأن المتصل يصير في معنى الخنق،
والمنفصل في معنى الحَجَر، وجزم ابن دقيق العيد بحمل الحديث على
المتصلين، ثم قال: واستَدَلّ به قوم على منع الذبح بالعظم مطلقاً؛ لقوله: ((أما
السن فعظم))، فعلَّل منع الذبح به؛ لكونه عظماً، والحكم يعمّ بعموم علّته، وقد
جاء عن مالك في هذه المسألة أربع روايات: ثالثها: يجوز بالعظم دون السنّ
مطلقاً، رابعها: يجوز بهما مطلقاً، حكاها ابن المنذر، وحَكَى الطحاويّ
الجواز مطلقاً عن قوم، واحتجوا بقوله في حديث عديّ بن حاتم: ((أَمْرِ الدمَ
بما شئت))، أخرجه أبو داود، لكن عمومه مخصوص بالنهي الوارد صحيحاً في
حديث رافع؛ عملاً بالحديثين، وسلك الطحاويّ طريقاً آخر، فاحتج لمذهبه
بعموم حديث عديّ، قال: والاستثناء في حديث رافع يقتضي تخصيص هذا
العموم، لكنه في المنزوعَيْن غير محقَّق، وفي غير المنزوعين محقَّق من حيث
النظر، وأيضاً فالذبح بالمتصلين يشبه الخَنْق، وبالمنزوعين يشبه الآلة المستقلة،
من حجر، وخشب. انتهى.
(١) المراد حديث رافع به برواياته المختلفة التي وردت في الباب، وكذا في الشرح،
لا خصوص السياق المذكور هنا، فتنبه.

٤١١
(٤) - بَابُ جَوَازِ الذَّبْحِ بِكُلِّ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، إِلَّ السِّنَّ، وَالظَّفُرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٠٨٤)
قال الجامع عفا الله عنه: القول بمنع الذبح بالعظم مطلقاً هو الأرجح
عندي؛ لإطلاق حديث رافع ظُّه المذكور في الباب، فتأمل بالإمعان، والله
تعالى أعلم.
٦ - (ومنها)(١): تحريم التصرف في الأموال المشتركة من غير إذن، ولو
قلّت، ولو وقع الاحتياج إليها .
، لأمر النبيّ وَّل حتى في ترك ما بهم إليه
٧ - (ومنها): انقياد الصحابة
الحاجة الشديدة.
٨ - (ومنها): أن للأمام عقوبةَ الرعية بما فيه إتلاف منفعة، ونحوها، إذا
غلبت المصلحة الشرعية.
٩ - (ومنها): أن قسمة الغنيمة يجوز فيها التعديل والتقويم، ولا يشترط
قسمة كل شيء منها على حدة، ذكره في ((الفتح))(٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الحيوان الإنسيّ، إذا
توحّش :
قال الإمام البخاريّ كَّلُ في ((صحيحه)): ((باب ما ندّ من البهائم، فهو
بمنزلة الوحش))، وأجازه ابن مسعود، وقال ابن عبّاس: ما أعجزك من البهائم،
مما في يديك، فهو كالصيد، وفي بعير تردّى في بئر، من حيث قدرتَ عليه،
فذگّه. ورأى ذلك عليّ، وابن عمر، وعائشة ﴾. انتهى.
وقد نقله ابن المنذر وغيره عن الجمهور، وخالفهم في ذلك مالكٌ،
والليث. ونُقل أيضاً عن سعيد بن المسيّب، وربيعة، فقالوا: لا يحلّ أكل
الإنسيّ إذا توحّش، إلا بتذكيته في حلقه، أو لبّته، وحجة الجمهور حديث
رافع ظُّ المذكور في الباب. أفاده في ((الفتح))(٣).
وقال ابن قُدامة ◌َّتُهُ: إذا تردّى في بئر، فلم يقدر على تذكيته، فجَرَحه
في أيّ موضع قَدَر عليه، فقتله، أُكل، إلا أن تكون رأسه في الماء، فلا يؤكل؛
(١) هذه الفائدة وما بعدها ليست في سياق الحديث هنا، بل في الروايات الآتية، فتنبّه.
(٢) ((الفتح)) ٤٦٧/١٢، كتاب ((الذبائح)) رقم (٥٤٩٨).
(٣) ((الفتح)) ٤٨١/١٢ - ٤٨٢، كتاب ((الذبائح)) رقم (٥٥٠٩).

٤١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
لأن الماء يُعين على قتله. هذا قول أكثر الفقهاء، رُوي ذلك عن عليّ، وابن
مسعود، وابن عمر، وابن عبّاس، وعائشة ﴿ه، وبه قال مسروقٌ، والأسود،
والحسن، وعطاءٌ، وطاوسٌ، وإسحاق، والشعبيّ، والحكم، وحمّاد،
والثوريّ، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وأبو ثور. وقال مالك: لا يجوز أكله إلا أن
يُذكّى، وهو قول ربيعة، والليث. قال أحمد: لعلّ مالكاً لم يسمع حديث
رافع بن خديج ◌َه، واحتُجّ لمالك بأن الحيوان الإنسيّ إذا توحّش لم يثبت له
حكم الوحشيّ، بدليل أنه لا يجب على المحرم الجزاء بقتله، ولا يصير الحمار
الأهليّ مباحاً إذا توحّش. انتهى كلام ابن قُدامة ◌َّثهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور من جواز أكل
الحيوان المتوحّش بجرحه، هو الأرجح عندي؛ لحديث رافع بن خَدِیج
المذكور؛ وأما احتجاج مالك، ومن قال بقوله بما ذُكر، ففيه نظر لا يخفى؛
لأنه في مقابلة النصّ، ونعتذر عنهم بما تقدّم عن أحمد ظُبه من أنهم لم يبلغهم
النصّ، فقاسوا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٨٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَكِبِعُ، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ،
عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ لَّهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، مِنْ تِهَامَةَ، فَأَصَبَّنَا
غَنَماً، وَإِبِلاَّ، فَعَجِلُّ الْقَوْمُ، فَأَغْلَوْا بِهَا الْقُدُورَ، فَأَمَرَ بِهَا، فَكُفِئَتْ، ثُمَّ عَدَلَ عَشْراً
مِنَ الْغَثَمِ بِجَزُورٍ، وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ، كَتَحْوِ حَدِيثٍ يَحْبَى بْنِ سَعِيدٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، والباب الماضي، وقبله بباب.
وقوله: (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ) هو مكان غير ميقات أهل
المدينة؛ لأن الميقات في طريق الذاهب من المدينة، ومن الشام إلى مكّة،
وهذه بالقرب من ذات عِرق، بين الطائف ومكة، وكذا جزم به أبو بكر
(١) ((المغني)) لابن قدامة كتلثم ٢٩١/١٣ - ٢٩٢.

٤١٣
(٤) - بَابُ جَوَازِ الذَّبْحِ بِكُلِّ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، إِلَّ السِّنَّ، وَالظَّفُرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٠٨٥)
الحازميّ، وياقوت. ووقع للقابسيّ أنها الميقات المشهور، وَكَذَا ذَكَرَ النَّوَوِيّ،
قَالُوا: وَكَانَ ذَلِكَ عِنْد رُجُوعهمْ مِنَ الطَّائِف، سَنَة ثَمَانٍ. قاله في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا عزاه في ((الفتح)) إلى النوويّ،
والذي ذكره في شرحه هنا هو الأول، ونصّه: قال العلماء: ذو الحليفة هذه
مكان من تهامة بين حاذة وذات عرق، وليست بذي الحليفة التي هي ميقات
أهل المدينة. هكذا ذكره الحازميّ، في كتابه ((المؤتلف، في أسماء الأماكن))،
لكنه قال: ((الحليفة)) من غير لفظ ((ذي))، والذي في ((صحيح البخاريّ ومسلم)):
((بذي الحليفة))، فكأنه يقال: بالوجهين. انتهى (٢).
وقوله: (مِنْ تِهَامَةَ) اسْمَ لِكُلِّ مَا نَزَلَ مِنْ بِلَاد الْحِجَازِ، سُمِّيَتْ بِذَلِك؛ مِنَ
الثَّهَم - بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَالْهَاء - وَهُوَ شِدَّة الْحَرّ، وَرُكُود الرِّيحِ. وَقِيلَ: تَغَيُّر
الْهَوَاء. قاله فَي ((الفتح))(٣).
وقال الفيّوميّ: تَهِمَ اللبنُ، واللحمُ تَهَماً، من باب تَعِبَ: تغيّر، وأنتن،
وتَهِمَ الحرُّ: اشتدّ مع رُكُود الريح، ويقال: إنّ تهامة مُشتقّةٌ من الأوّل؛ لأنها
انخفضت عن نجد، فتغيّرت ريحها، ويُقال: من المعنى الثاني؛ لشدّة حرّها،
وهي أرضٌ أوّلُها ذات عِرْقٍ من قِبَل نجد إلى مكة، وما وراءها بمرحلتين، أو
أكثر، ثمّ تتصل بالْغَوْر، وتأخذ إلى البحر، ويقال: إن تهامة تتّصل بأرض
اليمن، وإنّ مكة من تهامة اليمن، والنسبة إليها تَهَاميّ، وتَهَام أيضاً - بالفتح -
وهو من تغييرات النسب. قال الأزهريّ: رجلٌ تَهَام، وامرأةٌ تُهَامِيَةٌ، مثلُ رَبَاعِ
ورَبَاعِيَةٍ. انتهى كلام الفيّوميّ(٤).
وقوله: (فَأَصَبْنَا غَنَماً، وَإِلاً) وللنسائيّ: ((فَأَصَابُوا إِلاً وَغَنَماً))، وفي رواية
البخاريّ: ((فأصاب الناسَ جوع، فأصبنا إبلاً وغنماً))، قال في ((الفتح)): كأن
الصحابيّ قال هذا ممهّداً لعذرهم في ذبحهم الإبل، والغنم التي أصابوا. وفي
(١) ((الفتح)) ١٢/ ٤٦١، كتاب ((الذبائح)) رقم (٥٤٩٨).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٢٦/١٣.
(٣) ((الفتح)) ٤٦١/١٢، كتاب ((الذبائح)) رقم (٥٤٩٨).
(٤) ((المصباح المنير)) ١/ ٧٧ - ٧٨.

٤١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
رواية: ((وتقدّم سَرَعان الناس، فأصابوا من المغانم))، وفي رواية: ((فأصبنا نَهْب
إبل وغنم)).
زاد في رواية البخاريّ، وغيره: ((وَرَسُولُ اللهِ وَهُ فِي أُخْرَيَاتِ الْقَوْم))،
قال في ((الفتح)): جمع أخرى، وفي رواية: ((في آخر الناس))، وَكَانَ وََّ، يَفْعَل
ذَلِكَ؛ صَوْناً لِلْعَسْكَرِ، وَحِفْظاً؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَقَدَّمَهُمْ لَخَشِيَ أَنْ يَنْقَطِعِ الضَّعِيفِ مِنْهُمْ
دُونه، وَكَانَ حِرْصِهِمْ عَلَى مُرَافَقَته شَدِيداً، فَيَلْزَم مِنْ سَيْره فِي مَقَامِ السَّاقَة،
صَوْن الضُّعَفَاء؛ لِوُجُودِ مَنْ يَتَأَخَّر مَعَهُ قَصْدَاً مِنَ الأَقْوِيَاء. انتهى (١).
وقوله: (فَعَجِلَ الْقَوْمُ، فَأَغْلَوْا بِهَا الْقُدُورَ)؛ أي: أوقدوا النار تحتها حتى
غَلَت، وفي رواية البخاريّ: ((فعجلوا، فنصبوا القدور)): يعني من الجوع الذي
كان بهم، فاستعجلوا، فذبحوا الذي غَنِموه، ووضعوه في القدور، وأغلَوه،
ووقع في رواية داود بن عيسى، عن سعيد بن مسروق: ((فانطلق ناس من
سَرَعان الناس، فذبحوا، ونصبوا قدورهم قبل أن يُقْسَم)).
زاد في رواية البخاريّ: ((فدُفع النبيّ وَّرَ إليهم))، دُفع بضم أوله على
البناء للمجهول، والمعنى: أنه وصل إليهم، ووقع في رواية: ((فانتهى إليهم))،
أخرجه الطبرانيّ.
وقوله: (فَأَمَرَ بِهَا، فَكُفِئَتْ) بالبناء للمفعول ثلاثيّاً، ويقال: أُكفت رباعيّاً؛
أي: قُلبت، وأريق ما فيها، ولفظ البخاريّ: ((فأمر بالقدور، فأكفت)) - بضم
الهمزة، وسكون الكاف - قال في ((الفتح))؛ أي: قُلبت، وأُفرغ ما فيها، وقد
اختُلِف في هذا المكان في شيئين :
أحدهما: سبب الإراقة.
والثاني: هل أتلف اللحم أم لا؟.
فأما الأول: فقال عياض: كانوا انتَهَوْا إلى دار الإسلام، والمحلِّ الذي
لا يجوز فيه الأكل من مال الغنيمة المشتركة إلا بعد القسمة، وأن محل جواز
ذلك قبل القسمة إنما هو ما داموا في دار الحرب، قال: ويَحْتَمِل أن سبب
ذلك كونهم انتهبوها، ولم يأخذوها باعتدال، وعلى قدر الحاجة، قال: وقد
(١) ((الفتح)) ٤٦١/١٢، كتاب ((الذبائح)) رقم (٥٤٩٨).

٤١٥
(٤) - بَابُ جَوَازِ الذَّبْحِ بِكُلِّ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، إِلَّ السَّنَّ، وَالظُّفُرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٠٨٥)
وقع في حديث آخر ما يدلّ لذلك، يشير إلى ما أخرجه أبو داود من طريق
عاصم بن كليب، عن أبيه، وله صحبة، عن رجل من الأنصار، قال: أصاب
الناس مجاعة شديدة، وجَهْد، فأصابوا غنماً، فانتهبوها، فإن قدورنا لتغلي بها
إذ جاء رسول الله وسلم على فرسه، فأكفأ قدورنا بقوسه، ثم جعل يُرَمِّل اللحم
بالتراب، ثم قال: ((إن النهبة ليست بأحلّ من الميتة)). انتهى.
وهذا يدلّ على أنه عامَلَهم من أجل استعجالهم بنقيض قصدهم، كما
عومل القاتل بمنع الميراث.
وأما الثاني: فقال النوويّ: المأمور به من إراقة القدور إنما هو إتلاف
المرق عقوبةً لهم، وأما اللحم فلم يتلفوه، بل يُحْمَل على أنه جُمِع ورُدّ إلى
المغنم، ولا يُظَنّ أنه أَمَر بإتلافه، مع أنه وَّ نهى عن إضاعة المال، وهذا من
مال الغانمين، وأيضاً فالجناية بطبخه لم تقع من جميع مستحقي الغنيمة، فإن
منهم من لم يطبخ، ومنهم المستحقون للخمس.
[فإن قيل]: لم يُنقل إنهم حملوا اللحم إلى المغنم.
[قلنا]: ولم يُنقل إنهم أحرقوه، أو أتلفوه، فيجب تأويله على وفق
القواعد. انتهى.
قال الحافظ: ويَرِد عليه حديث أبي داود، فإنه جَيِّد الإسناد، وترك تسمية
الصحابيّ لا يضرّ، ورجال الإسناد على شرط مسلم، ولا يقال: لا يلزم من
تتريب اللحم إتلافه؛ لإمكان تداركه بالغسل؛ لأن السياق يُشعر بأنه أريد
المبالغة في الزجر عن ذلك الفعل، فلو كان بصدد أن يُنتفع به بعد ذلك لم يكن
فيه كبير زجر؛ لأن الذي يَخُصّ الواحد منهم نزر يسير، فكان إفسادها عليهم
مع تعلّق قلوبهم بها، وحاجتهم إليها، وشهوتهم لها، أبلغ في الزجر.
وأبعد المهلَّب، فقال: إنما عاقبهم لأنهم استعجلوا، وتركوه في آخر
القوم متعرضاً لمن يقصده من عدوّ ونحوه.
وتُعُقِّب بأنه وَلِّ كان مختاراً لذلك، كما تقدم تقريره، ولا معنى للحمل
على الظنّ مع ورود النصّ بالسبب.
وقال الإسماعيليّ: أمْره ◌َل* بإكفاء القدور يجوز أن يكون من أجل أن
ذَبْح من لا يملك الشيء كله، لا يكون مُذَكِّياً ويجوز أن يكون من أجل إنهم

٤١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
تعجلوا إلى الاختصاص بالشيء دون بقية من يستحقه من قبل أن يقسم، ويخرج
منه الخمس، فعاقبهم بالمنع من تناول ما سبقوا إليه زجراً لهم عن معاودة مثله،
ثم رجح الثاني، وزيّف الأول بأنه لو كان كذلك لم يحل أكل البعير النادّ الذي
رماه أحدهم بسهم؛ إذ لم يأذن لهم الكل في رميه، مع أن رميه ذكاة له، كما
نص عليه في نفس حديث الباب. انتهى ملخصاً .
وقد جنح البخاري إلى المعنى الأول، وترجم عليه حيث قال: ((باب إذا
أصاب قوم غنيمةً، فذبح بعضهم غنماً، أو إيلاً بغير أمر أصحابهم لم تُؤكل؛
الحديث رافع عن النبيّ وَ ﴿). انتهى، فهذا مصير منه إلى أن سبب منع الأكل
من الغنم التي طُبخت في القصّة التي ذكرها رافع بن خديج كونها لم تُقسم.
ويمكن الجواب عما ألزمه به الإسماعيلي من هذه القصة بأن يكون
الرامي رَمَى بحضرة النبيّ ◌َّهِ والجماعة، فأقرّوه، فدلّ سكوتهم على رضاهم،
بخلاف ما ذبحه أولئك قبل أن يأتي النبيّ وَ ﴿ ومن معه، فافترقا، والله أعلم.
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي جنح إليه البخاريّ من كون سبب
المنع من أكل الغنم والإبل المطبوخة هو كونها لم تقسم هو الأرجح عندي؛
لظاهر حديث رافع به المذكور، ولحديث أبي داود المتقدّم، فتنبّه، والله
تعالى أعلم.
وقوله: (ثُمَّ عَدَلَ عَشْراً مِنَ الْغَنَمِ بِجَزُورٍ) - بفتح الجيم، بعدها زاي،
وآخره راء -: البعير، أو خاصّ بالناقة المجزورة، قاله المجد لَذَتُهُ(٢).
وقال الفيّوميّ كَُّهُ: الجَزُورُ: من الإبل خاصّةً يقع على الذكر والأنثى،
والجمع: جُزُرٌ، مثلُ رسول ورُسُلٌ، ويجمع أيضاً على جُزُرَاتٍ، ثم على
جَزَائِرَ، ولفظ الجزور أنثى، يقال: رَعَتِ الجَزُورُ، قاله ابن الأنباريّ، وزاد
الصغانيّ: وقيل: الجَزُورُ الناقة التي تُنْحَر، وجَزَرْتُ الجَزُورَ وغيرها، من باب
قتل: نحرتُها، والفاعل جَزَّارٌ، والحرفة الجِزَارَةُ بالكسر، والمَجْزَرُ: موضع
(١) ((الفتح)) ٤٦٢/١٢ - ٤٦٣، كتاب ((الذبائح)) رقم (٥٤٩٨) و٥٣٦ رقم (٥٥٤٣).
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٢١٣.

٤١٧
(٤) - بَابُ جَوَازِ الذَّبْحِ بِكُلِّ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، إِلَّ السَّنَّ، وَالظَّفُرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٠٨٥)
الجزر، مثل جَعْفَرٍ، وربما دخلته الهاء، فقيل: مَجْزَرَةٌ. انتهى(١).
وفي رواية البخاريّ: ((ثم قسم، فعدل عشرةً من الغنم ببعير))، وللنسائيّ:
(ثُمَّ قَسَّمَ بَيْنَهُمْ، فَعَدَلَ عَشْراً مِنْ الشَّاءِ بِبَعِيرٍ))، قال القرطبيّ ◌َخْتُ: يعني أنه وَّ
قسم ما بقي من الغنيمة على الغانمين، فجعل عشرة من الغنم بإزاء جَزور، ولم
يَحتج إلى القرعة؛ لرضا كلّ منهم بما صار إليه من ذلك، ولم يكن بينهم تشاحٌ
في شيء من ذلك. قال: وكأن هذه الغنيمة لم يكن فيها إلا الإبل، والغنم،
ولو كان فيها غيرهما، لقُوّم جميع الغنيمة، ولَقُسم على القِيَم. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((ثم قسم، فعدل عشرةً من الغنم ببعير))، وهذا
محمول على أن هذا كان قيمة الغنم إذ ذاك، فلعل الإبل كانت قليلة، أو
نفيسة، والغنم كانت كثيرة، أو هَزِيلة، بحيث كانت قيمة البعير عشر شياه، ولا
يخالف ذلك القاعدة في الأضاحي من أن البعير يَجزي عن سبع شياه؛ لأن
ذلك هو الغالب في قيمة الشاة والبعير المعتدلين، وأما هذه القسمة فكانت
واقعة عين، فَيَحْتَمِل أن يكون التعديل لِمَا ذُكر من نفاسة الإبل دون الغنم،
وحديث جابر ربه عند مسلم صريح في الحكم حيث قال فيه: أمرنا
رسول الله وَيقر أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بَدَنة، والبدنة تُطلق
على الناقة والبقرة.
وأما حديث ابن عباس ﴿ها: كنا مع النبيّ ◌َ * في سفر، فحضر
الأضحى، فاشتركنا في البقرة تسعة، وفي البدنة عشرة، فحسّنه الترمذيّ،
وصححه ابن حبان، وعضده بحديث رافع ابن خديج هذا.
قال الحافظ: والذي يتحرر في هذا أن الأصل أن البعير بسبعة، ما لم
يَعْرِض عارض من نفاسة، ونحوها، فيتغيّر الحُكم بحسب ذلك، وبهذا تجتمع
الأخبار الواردة في ذلك.
ثم الذي يظهر من القسمة المذكورة أنها وقعت فيما عدا ما طُبخ، وأريق
من الإبل والغنم التي كانوا غنموها .
ويَحْتَمِل إن كانت الواقعة تعددت أن تكون القصة التي ذكرها ابن عباس
(١) ((المصباح المنير)) ٩٨/١.
(٢) «المفهم)» ٣٧٥/٥.

٤١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
أُتلف فيها اللحم؛ لكونه كان قطع للطبخ، والقصة التي في حديث رافع طُبخت
الشياه صحاحاً مثلاً، فلما أريق مرقها ضُمّت إلى المغنم؛ لتُقسم، ثم يَطبخها
من وقعت في سهمه، ولعل هذا هو النكتة في انحطاط قيمة الشياه عن العادة،
والله أعلم. انتهى(١).
[تنبيه]: رواية وكيع بن الجرّاح، عن سفيان الثوريّ هذه ساقها
البخاريّ ◌َُّ في ((صحيحه))، فقال:
(٢٣٧٢) - حدّثنا محمد (٢)، أخبرنا وكيع، عن سفيان، عن أبيه، عن
عَباية بن رِفاعة، عن جدّه رافع بن خَدِيج ◌َظُ قال: كنا مع النبيّ وَّ بذي
الحليفة، من تِهامة، فأصبنا غنماً، وإبلاً، فعَجِل القومُ، فأغلوا بها القدور،
فجاء رسول الله وَّهِ، فَأَمَر بها، فأُكفئت، ثم عَدَلَ عشراً من الغنم بجزور، ثم
إن بعيراً نَدّ، وليس في القوم إلا خيل يسيرة، فرماه رجل، فحبسه بسهم، فقال
رسول الله وَل: ((إن لهذه البهائم أوابدَ كأوابد الوحش، فما غلبكم منها،
فاصنعوا به هكذا)»، قال: قال جدي: يا رسول الله، إنا نرجو، أو نخاف أن
نلقى العدوّ غداً، وليس معنا مُدّى، فنذبح بالقصب، فقال: ((اعجل، أو أرني،
ما أنهر الدم، وذُكِر اسمُ الله عليه، فكلوا، ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن
ذلك، أما السن فَعَظُم، وأما الظفر فمُدى الحبشة)). انتهى(٣).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٨٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ
مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبَايَةَ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعٍ، ثُمَّ حَدَّثَنِيهِ عُمَرُ بْنُ
سَعِيدٍّ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعَ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ جَدِّهِ،
قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَداً، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدَّى، فَنُذُّكِّي بِاللِّيطِ،
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَقَالَ: فَنَدَّ عَلَيْنَا بَعِيرٌ مِنْهَا، فَرَمَيْنَاهُ بِالنَّبْلِ، حَتَّى وَهَصْنَاهُ).
(١) ((الفتح)) ٤٦٣/١٢، كتاب ((الذبائح)) رقم (٥٤٩٨).
(٢) هو ابن سلام، كما في ((الفتح)) ٣٢٤/٦.
(٣) ((صحيح البخاريّ)) ٨٨٦/٢.

٤١٩
(٤) - بَابُ جَوَازِ الذَّبْحِ بِكُلِّ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، إِلَّ السِّنَّ، وَالظُّفُرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٠٨٦)
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثم المكيّ،
تقدّم قبل بابین.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الإمام المشهور، تقدّم أيضاً قبل بابين.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِم) الْعَبْديّ، أبو محمد البصريّ القاضي، ثقةٌ [٦]
(م ت س) تقدم في ((الطهارة)ً ٦٠٢/١٥.
٤ - (عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ مَسْرُوقٍ) الثوريّ، أخو سفيان، ثقةٌ [٧] (م د س)
تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٤٩١/٤٦.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (ثُمَّ حَدَّثَنِيهِ عمر بن سعيد ... إلخ) قائل: ((حدثنيه)) هو سفيان بن
عيينة؛ يعني: أنه حدثه بهذا الحديث إسماعيل مسلم، عن سعيد بن مسروق،
ثم بعد ذلك لقي عمر بن سعيد ولد شيخ شيخه سعيد، فحدّثه به عن أبيه
سعيد بن مسروق، والله تعالى أعلم.
وقوله: (إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ) من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله.
وقوله: (فَنُذَكِّي بِاللَّطِ) - بلام مكسورة، ثم ياء مثناة تحتُ ساكنة، ثم
طاء مهملة - وهي قشور القصب، وليط كل شيء قشوره، والواحدة ليطة، وهو
معنى قوله في الرواية الثانية: ((أفنذبح بالقصب))، وفي رواية أبي داود وغيره:
((أفنذبح بالمروة))، فهو محمول على أنهم قالوا هذا، وهذا، فأجابهم وَلاّ
بجواب جامع لِمَا سألوه، ولغيره نفياً وإثباتاً، فقال: (كُلُّ ما أنهر الدمَ، وذكر
اسم الله، فكُلْ، ليس السنّ، والظفر))، قاله النوويّ(١).
وقال في ((العمدة)): ((الليط)) - بكسر اللام، وسكون الياء، وبالطاء
المهملة -: هي قِطَع القصب، قاله القرطبيّ، وقال النوويّ: قشوره، الواحد
ليطة، وفي ((سنن أبي داود)): ((أَنُذَكِّي بالمروة)).
[فإن قلت]: ما معنى هذا السؤال عند لقاء العدو؟.
[قلت]: لأنهم كانوا عازمين على قتال العدوّ، وصانوا سيوفهم،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣/ ١٢٧.

٤٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
وأسنّتهم، وغيرها عن استعمالها؛ لأن ذلك يفسد الآلة، ولم يكن لهم سكاكين
صغار مُعَدَّة للذبح، قاله في ((العمدة))(١) .
وقوله: (وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير إسماعيل بن مسلم،
كما سيأتي في ((مسند الحميديّ)).
وقوله: (وَقَالَ: فَنَدَّ عَلَيْنَا ... إلخ) فاعل ((قال)) ضمير إسماعيل بن مسلم
أيضاً .
وقوله: (فَرَمَيْنَاهُ بِالنَّبْلِ) - بفتح، فسكون -: السهام العربيّة، وهي مؤنّثة،
لا واحد لها من لفظها، بل الواحد سهمٌ، فهي مفردة اللفظ، مجموعة المعنى،
قاله الفيّومي(٢).
وقوله: (حَتَّى وَهَصْنَاهُ) - بهاء مفتوحة مخففة، ثم صاد مهملة ساكنة، ثم
نون - ومعناه: رميناه رَمْياً شديداً، وقيل: أسقطناه إلى الأرض، ووقع في غير
مسلم: (رَهَصناه)) بالراء؛ أي: حبسناه، قاله النوويّ(٣).
وقال المجد تَّتُهُ: الوهص: كالوعد: كسر الشيء الرخو، وشدّة الوطء،
والرمي الْعَنيف، والشَّدْخُ، والْجَبّ، والْخِصاء. انتهى (٤).
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن مسلم ساقها البيهقيّ دَّتُهُ
في ((الكبرى))، فقال:
(١٨٧١٥) - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن
يعقوب، ثنا أحمد بن سهل بن بحر، ثنا ابن أبي عمر، ثنا سفيان، عن
إسماعيل بن مسلم، عن سعيد بن مسروق، عن عَباية بن رِفاعة، عن جدّه،
قال: قلنا: يا رسول الله إنا لاقو العدوّ غداً، وليس معنا مُدَى، أفَنُذَكِّي بالليط؟
فقال: ((ما أنهرَ الدمَ، وذُكر اسم الله، فكلوا، إلا ما كان من ظفر، أو سنّ،
فإن السنّ عظم من الإنسان، والظفر مُدَى الحبش))، قال: وأصبنا إيلاً، وغنماً،
فكنا نَعْدِل البعير بعشر من الغنم، فنَدّ علينا بعير منها، فرميناه بالنبل، حتى
وَهَصْناه، قال: فسألنا رسول الله وَ *، فقال: ((إن لهذه الإبل أوابدَ، كأوابد
(١) ((عمدة القاري)) ٤٧/١٣.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٢٧/١٣ - ١٢٨.
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٩١/٢.
(٤) (القاموس المحيط)) ص١٤٢٣.