النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ (١٢) - بَابُ النَّهْىِ عَنْ صَبْرِ الْبَهَائِمِ - حديث رقم (٥٠٥٢ - ٥٠٥٣) و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٥٢/٥)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٨٥/١)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٨١/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩/ ٧٠)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٧٨٤)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٠٥٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن شعبة هذه ساقها الإمام أحمد رَّتُهُ في ((مسنده))، فقال: (٢٥٨٦) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عديّ بن ثابت، قال: سمعت سعيد بن جبير يحدِّث عن ابن عباس، عن النبيّ وَلّ أنه قال: ((لا تتخذوا شيئاً فيه الروح غَرَضاً)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّل الكتاب قال: [٥٠٥٣] (١٩٥٨) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، وَأَبُو كَامِلِ - وَاللَّفْظُ لأَبِي كَامِل - قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: مَرَّ ابْنُ ء عُمَرَ بِنَفَرِ، قَدْ نَصَبُوا دَجَاجَةً يَتَرَامَوْنَهَا (٢)، فَلَّمَّا رَأَوُا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا عَنْهَا، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟، إِنَّ رَسُولَ اللهِ لَعَنَ مَنْ فَعَلَ هَذَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) أبو محمد الأُبُّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت٥ أو٢٣٦) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٧. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل بابين، و((أبو كامل)) هو: فضيل بن (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٨٥/١. (٢) وفي نسخة: ((يرمونها)). ٣٠٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ حسين الْجَحْدريّ، و((أبو بشر)) هو: جعفر بن إياس، و((أبو معاوية)) هو: محمد بن خازم. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيات المصنف وفيه رواية تابعي عن تابعيّ: أبو بشر، عن سعيد بن جبير، وفيه ابن عمر ظ ها أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ) أنه (قَالَ: مَرَّ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ◌ِ﴿َا (بِنَفَرٍ)؛ أي: جماعة، (قَدْ نَصَبُوا دَّجَاجَةً) وفي الرواية التالية: ((قد نصبوا طيراً يرمونه))، (يَتَرَامَوْنَهَا)؛ أي: يتسابقون في الرمي إليها، وفي بعض النسخ: ((يرمونها))، (فَلَمَّا رَأَوُا ابْنَ عُمَرَ) ضََّا (تَفَرَّقُوا عَنْهَا)؛ أي: عن تلك الدجاجة، (فَقَّالَ ابْنُ عُمَرَ) ◌َِّا (مَنْ فَعَلَ هَذَا؟) ((من)) استفهاميّة، والاستفهام للإنكار، (إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّ﴾) بكسر همزة ((إن)؛ لوقوعها في الابتداء، (لَعَنَ)؛ أي: دعا عليه بأن يطرده الله تعالى من رحمته، وهذا يدلّ على أن هذا الفعل حرام؛ لاستحقاق اللعن به، (مَنْ فَعَلَ هَذَا) ((من)) موصولة مفعول ((لَعَنَ)). وفي رواية البخاريّ: قال: كنت عند ابن عمر، فمروا بفتية، أو بنفر، نصبوا دجاجة، يرمونها، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا عنها، وقال ابن عمر: من فعل هذا؟، إن النبيّ وَّ، لعن من فعل هذا، وفي رواية الإسماعيليّ: ((فإذا فتية نصبوا دجاجة، يرمونها، وله كلّ خاطئة)). يعني أن الذي يصيبها يأخذ السهم الذي تُرمَى به إذا لم يصبها . وفي البخاريّ أيضاً من طريق إسحاق بن سعيد بن عمرو، عن أبيه، أنه سمعه يحدّث، عن ابن عمر ◌ًا، أنه دخل على يحيى بن سعيد، وغلام من بني يحيى، رابطٌ دجاجةً يرميها، فمشى إليها ابن عمر، حتى حَلّها، ثم أقبل بها وبالغلام معه، فقال: ازجروا غلامكم، عن أن يَصْبِر هذا الطير للقتل، فإني سمعت النبيّ وَ﴿، نهى أن تُصبَر بهيمة أو غيرها للقتل، والله تعالى أعلم. ٣٠٣ (١٢) - بَابُ النَّهْىٍ عَنْ صَبْرِ الْبَهَائِمِ - حديث رقم (٥٠٥٣) مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر طيها هذا متفقٌ عليه. [تنبيه]: قال الدار قطنيّ تَخُّْ في ((التتبّع)): وأخرجا جميعاً حديث أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عمر: «لَعَنَ من اتّخذ شيئاً فيه الروح غَرَضاً))، وهو الصحيح. [فإن قال قائل]: فقد خالفه عديّ بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس. [قيل له]: لم يُتَابَع عديّ على قوله، وقد تابع أبا بشر المنهالُ بن عمرو، وسعيد بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، فالحكم لهم على عديّ، وحديث عديّ وَهَمِّ، والله أعلم. انتهى كلام الدار قطنيّ. قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه الدارقطنيّ تَخْتُ أن المحفوظ في هذا الحديث أنه من مسند ابن عمر طها، لا من مسند ابن عبّاس ظه، كما تقدّم ذلك في الرواية التي قبله، وذلك لمخالفة عديّ بن ثابت لأبي بشر في ذلك، ولم يوجد لعديّ فيه متابع، بخلاف أبي بشر، فقد تابعه فيه المنهال بن عمرو، وسعيد بن عمرو، كلاهما عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، فظهر بهذا أن عدیّاً وَهِمَ فيه. ولم يتكلّم الحافظ في ((الفتح)) بشيء من هذا، بل ظاهره أنه يرى صحّة الطريقين، كونه من مسند ابن عمر، كما هو متّفقٌ عليه، وكونه من مسند ابن عبّاس، كما عند مسلم حيث بيّن مَنْ وَصَل الطريقين، وسكت على ذلك، لكن صنيع البخاريّ ◌َّثُ يقوّي ما قاله الدارقطنيّ، حيث قال بعد ذكر طريق أبي بشر ما نصّه: تابعه سليمان(١)، عن شعبة، عن المنهال، عن سعيد، عن ابن عمر ... ، ثم قال: وقال عديّ عن سعيد: عن ابن عبّاس، فقد قوّى طريق أبي بشر بالمتابعة، وأشار إلى تفرّد عديّ، بلا متابع، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. (١) هو: ابن حرب، وليس أبا داود الطيالسيّ، كما قال مغلطاي، وتبعه ابن الملقّن. راجع: ((الفتح)) ١٢ /٤٩٠. ٣٠٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٠٥٣/١٢ و٥٠٥٤] (١٩٥٨)، و(البخاريّ) في ((الذبائح)) (٥٥١٤ و٥٥١٥)، و(النسائيّ) في ((الضحايا)) (٣٣٨/٧) و((الكبرى)) (٤٥٣٠ و٤٥٣١)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٥٥/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣٨/١ و١٣/٢ و٤٣ و٦٠ و٨٦ و١٠٣ و١٤١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٩٧٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٥٣/٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩/ ٣٣٤)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّفُ أوّل الكتاب قال: [٥٠٥٤] (.) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِفِتْيَانٍ مِنْ قُرَيْشٍٍ، قَدْ نَصَبُوا طَيْراً، وَهُمْ يَرْمُونَهُ، وَقَدْ جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيْرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نَبْلِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوُا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ لَعَنَ اللهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا، إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَقَو لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئاً فِيهِ الرُّوحُ غَرَضاً). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم ذُكروا في الباب، والذي قبله. وقوله: (مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِفِتْيَانٍ) بكسر الفاء: جمع فَتَّى، قال الفيّومِيّ ◌َّتُهُ: الفتى: العبد، وجمعه في القلّة فِتْيَةٌ، وفي الكثرة فِتيانٌ، والأصل فيه أن يقال: للشابّ الْحَدَثِ فَتَّى، ثمّ استُعير للعبد، وإن كان شيخاً مَجازاً؛ تسميةً باسم ما کان علیه. انتھی(١). وقوله: (قَدْ نَصَبُوا طَيْراً) قال النوويّ كَلَقُ: هكذا هو في النُّسخ: (طيراً))، والمراد به واحد، والمشهور في اللغة أن الواحد يقال له: طائرٌ، والجمع طير، وفي لغة قليلة إطلاق الطير على الواحد، وهذا الحديث جارٍ على تلك اللغة. انتهى (٢). (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٦٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٠٨/١٣. ٣٠٥ (١٢) - بَابُ النَّهْىِ عَنْ صَبْرِ الْبَهَائِمِ - حديث رقم (٥٠٥٤) وقال الفيّوميّ تَخْذُ: الطَّائِرُ على صيغة اسم الفاعل من طَارَ يَطِيرُ طَيَرَاناً، وهو له في الجوّ كمشي الحيوان في الأرض، ويُعَدَّى بالهمزة، والتضعيف، فيقال: طَيَّرْتُهُ، وأَطرْتُهُ، وجمع الطَّائِرِ طَيْرٌ، مثلُ صَاحِب وصَحْب، ورَاكِب ورَكْب، وجمع الطَّيْرِ طُيُورٌ، وأَظْيَارٌ، وقال أبو عبيدة، وقُطْرُب: ويقع الطير على الواحد والجمع، وقال ابن الأنباريّ: الطَّيْرُ جماعةٌ، وتأنيثها أكثر من التذكير، ولا يقال للواحد: طَيْرٌ، بل طَائِرٌ، وقَلّما يقال للأنثى: طَائِرَةٌ. انتھی(١). وقوله: (وَقَدْ جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيْرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نَبْلِهِمْ) قال النوويّ نَّتُهُ: هو بهمز ((خاطئة))؛ أي: ما لم يُصِب الْمَرْمَى، وقوله: ((خاطئة)) لغةٌ، والأفصح: مُخطئة، يقال لمن قَصَد شيئاً، فأصاب غيره غَلَطاً: أخطأ، فهو مُخطىء، وفي لغة قليلة: خطأً، فهو خاطئ، وهذا الحديث جاء على اللغة الثانية، حكاها أبو عبيد، والجوهريّ، وغيرهما (٢)، والله أعلم. وقال الفّوميّ تَظْدَثُهُ: الخَطَأُ مهموزاً - بفتحتين -: ضدّ الصواب، ويُقْصَر، ويُمَدّ، وهو اسم من أَخْطَأَ فهو مُخْطِئٍّ، قال أبو عبيدة: خَطِئَ خِطْئاً، من باب عَلِمَ، وأَخْطَأَ بمعنى واحد، لمن يُذنب على غير عمد، وقال غيره: خَطِئَ في الدِّين، وأَخْطَأَ في كلّ شيء، عامداً كان، أو غير عامد، وقيل: خَطِئَ: إذا تعمَّد ما نُهِي عنه، فهو خَاطِئٌ، وأَخطأ: إذا أراد الصواب، فصار إلى غيره، فإن أراد غير الصواب، وفعله، قيل: قَصَدَه، أو تَعَمَّده، والخِطْءُ: الذنب تسميةً بالمصدر، وخَطَّأُتُّهُ بالتثقيل: قلت له: أَخْطَأْتَ، أو جعلته مُخْطِئاً، وأَخْطَأَهُ الحقّ: إذا بَعُد عنه، وأَخْطَأَهُ السهمُ: تجاوزه، ولم يُصبه، وتخفيف الرباعيّ (٣) جائز. انتهى(٣) . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله، ولله الحمد والمنّة. (١) ((المصباح المنير» ٣٨٢/٢. (٣) ((المصباح المنير)) ١/ ١٧٤. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٠٩/١٣. ٣٠٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّل الكتاب قال: [٥٠٥٥] (١٩٥٩) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ (ح) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ أَنْ يُقْتَلَ شَيْءٍ(١) مِنَ الذَّوَابِّ صَبْراً). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور المصِّيصيّ، أبو محمد ترمذيّ الأصل، نزل بغداد، ثم الْمِصِّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٤. والباقون تقدَّموا قبل ثلاثة أبواب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف، وأنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والسماع، وفيه تصريح ابن جريج بإخبار أبي الزبير له، وتصريح أبي الزبير بالسماع من جابر ، فزالت بهذا تهمة التدليس عنهما، فإنهما معروفان بالتدليس، وفيه جابر صحابيّ ابن صحابيّ ﴿ّه، وهو من المكثرين السبعة، روی (١٥٤٠) حديثاً. شرح الحديث: (قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) ◌ِ﴿َه (يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ﴿ أَنْ يُقْتَلَ شَيْءٌ) ببناء الفعل للمفعول، وقوله: (مِنَ الدَّوَابِّ) بيان لـ((شيء))، وهو جمع دابّة، والمراد: ذوات الأرواح، قال المجد تَخْذَثُهُ: الدّابّة: ما دَبّ من الحيوان، (١) ووقع في هامش التركيّة ما نصّه: وفي نسخة: ((أن تقتُل شيئاً)) بتاء المتكلّم، والظاهر أنه غلط، والصواب: ((أن نقتل)) بنون المتكلّم، لا بالتاء، ولم يُشر في ((الهنديّة)) إلى هذه النسخة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٣٠٧ (١٢) - بَابُ النَّهْىٍ عَنْ صَبْرِ الْبَهَائِمِ - حديث رقم (٥٠٥٥) وغَلَبَ على ما يُركب، ويقع على المذكّر. انتهى(١). وقال الفيّوميّ كَّتُهُ: دَبَّ الصغير يَدِبُّ، من باب ضرب دَبِيباً، ودَبَّ الجيشُ دَبِيباً أيضاً: ساروا سيراً لَيِّناً، وكلّ حيوان في الأرض دَابَّةٌ، وتصغيرها دُوَيْبَةٌ، على القياس، وسُمع دُوَابَّةٌ بقلب الياء ألفاً على غير قياس، وخالف فيه بعضهم، فأخرج الطير من الدوابّ، ورُدّ بالسماع، وهو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَ كُلَّ دَابَةٍ مِّن مَّاءٍ﴾ [النور: ٤٥]، قالوا؛ أي: خلق الله كلّ حيوان مميزاً كان، أو غير مميز، وأما تخصيص الفرس والبغل بالدابة عند الإطلاق، فعُرْفٌ طارئ، وتُظْلَق الدَابَّةُ على الذكر والأنثى، والجمع: الدَّوَابُّ. انتهى (٢) . وقوله: (صَبْراً) منصوب على الحال؛ لأنه مصدر منكّرٌ، كما قال في «الخلاصة)) : وَمَصْدَرٌ مُنَكَّرٌ حَالاً يَقَعْ كَثْرَةٍ كَـابَغْتَةً زَيْدٌ طَلَعْ)) ومعنى: صَبْرِ البهائم: أن تُحْبَسَ، وهي حيّةٌ، لتُقتَل بالرمي ونحوه، وقال ابن الأثير تَخَّتُهُ: هو: أن يُمسَك شيء من ذوات الروح حيّاً، ثم يُرمى بشيء حتى يموت. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: هذا من أفراد (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله المصنّف رَّتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٠٥٥/١٢] (١٩٥٩)، و(ابن ماجه) في ((الذبائح)) (٣٢٢٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١٨/٣ و٣٢١ و٣٣٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٥٤/٥)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٦٣/٤)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (١) ((القاموس المحيط)) ص ٤١١. (٣) ((النهاية)) ص٥٠٧. (٢) ((المصباح المنير)) ١٨٨/١. ٣٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي ٣٤ - (كِتَابُ الأضَاحِى) قال الجامع عفا الله عنه: مناسبة ((الأضاحي)) للصيد والذبائح واضحة، حيث إن كلّاً يُبحث فيه إراقة دماء الحيوان للأكل، وقدّم الصيد والذبائح؛ لعمومهما؛ وخصوص الضحايا بالقُرَبِ، والله تعالى أعلم. و((الأضحيّة)): ذَبْحُ حيوان مخصوص بنيّة القربة في وقت مخصوص، كما في ((الدرّ المختار))، وهي مشروعة من لدن آدم علّل*، فقد قرّب هابيل كبشاً، كما في تفسير ابن كثير، وذَكَره الله تَعْلَ بقوله: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا﴾ الآية [المائدة: ٢٧](١). و((الأضاحي)) - بفتح الهمزة -: جمع أُضْحِيَّة - بضم الهمزة، ويجوز كسرها، ويجوز حذف الهمزة، فتُفتح الضاد، والجمع: ضَحَايا، وهي أضحاة، والجمع أضحى، وبه سُمِّي يوم الأضحى، وهو يُذَكَّر، ويؤنث، وكأن تسميتها اشتُقّت من اسم الوقت الذي تُشرَع فيه، قاله في ((الفتح))(٢). وقال الفيّوميّ تَّتُهُ: ((الأضحيّة)) فيها لغات: [الأولى]: ضمّ الهمزة في الأكثر، وهي في تقدير أُفْعُولة. [والثانية]: كسرُها إتباعاً لكسرة الحاء، والجمع أَضَاحيّ. [والثالثة]: ضَحِيّةٌ، والجمع ضَحَايا، مثلُ عطيّة وعطايا . [والرابعة]: أضحاة، بفتح الهمزة، والجمع أضحى، مثلُ أرطاة وأرطى، ومنه عيد الأضحى، والأضحى مؤنّثة، وقد تُذكّر، ذهاباً إلى اليوم، قاله الفرّاء. (١) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٥٤٤/٣. (٢) ((الفتح)) ٥٤١/١٢، كتاب ((الأضاحي)) رقم (٥٥٤٥). ٣٠٩ ٣٤ - كِتَابُ الأَضَاحِي وضَحّى تضحيةً: إذا ذبح الأضحيّة وقت الضّحى، هذا أصله، ثم كثُر حتّى قيل: ضَحّى في أيّ وقت كان من أيّام التشريق، ويتعدّى بالحرف، فيقال: ضَحّيتُ بشاة. انتهى(١). وقال أبو العبّاس القرطبيّ تَّلُ: قال الأصمعيّ: في الأضحيّة أربع لغات: أُضحيّة بضم الهمزة، وإضحيّة بكسرها، والجمع أضاحيّ بتشديد الياء، وتخفيفها، وضحيّةٌ، على وزن فَعِيلة، والجمع ضَحايا، وأضحاة، والجمع أَضْحَى، كما يقال: أرطاة وأرطى، وبها سُمّي يوم الأضحى. وقال القاضي: وقيل: سمّيت بذلك؛ لأنها تُفعل في الضحى، وهو ارتفاع النهار، وفي ((الأضحى)) لغتان: التذكير لغة قيس، والتأنيث لغة تميم. وفي ((الصحاح)): ضَحْوة النهار بعد طلوع الشمس، ثم بعده الضحى، وهو حين تُشرق الشمس، مقصورة، مؤنّثة، وتُذكّر، فمن أنّث ذهب إلى أنها جمع ضحوة، ومن ذكّر ذهب إلى أنه اسم على فُعَل، مثل نُغَر، وصُرَد، قال: وهو ظرفٌ غير متمكّن، مثلُ سَحَر، تقول: لقيته ضُحىّ، وضُحَى، إذا أردت به ضحی یومك لم تنوّنه. قال القرطبيّ: قياسه ضحى على سحر قد أَخَذَ عليه فيه ابن بَرّيّ، وهي مؤاخذة صحيحة؛ لأن الظروف التي لا تنصرّف إذا عُيّنت هي: ((سحر)) - كما ذكر - و((غَدْوَة))، و(بُكْرَة))، لا غير، فـ((سحر)) إذا أريد به يوم بعينه لم ينصرف للتعريف والعدل، وفي ((غدوة))، و(بُكرة)) للتعريف والتأنيث، فأما بكير، وعشاء، وعتمة، وضحوة، وعشيّة، وضُحِّى، ونحوها، فإنها منصرفة على كلّ حال، فإن أريد بها وقتٌ بعينه، كانت نكرات اللفظ، معرفة بالمعنى، على غير وجه التعريف، وهكذا ذكره الحسن بن خَرُوف، وغيره. انتهى كلام القرطبيّ، بزيادة من ((شرح النوويّ))(٢). وقال الإمام ابن قدامة تَخّتُهُ: الأصل في مشروعية الأضحية: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، فأما الكتاب، فقول الله سبحانه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ ٢ (١) ((المصباح المنير)) ٣٥٩/٢. (٢) ((المفهم)) ٣٤٧/٥ - ٣٤٨، و((شرح النوويّ على مسلم)) ١١١/١٣. ٣١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي [الكوثر: ٢]، قال بعض أهل التفسير: المراد به الأضحية، بعد صلاة العيد، وأما السُّنَّة، فما رَوَى أنس ◌َظُه، قال: ((ضحى النبيّ وَّه بكبشين، أملحين، أقرنين، ذبحهما بيده، وسمّى، وكبّر، ووضع رجله على صفاحهما))، متفق عليه، والأملح: الذي فيه بياض وسواد، وبياضه أغلب، قال الكسائي: وقال ابن الأعرابي: وهو النقي البياض، قال الشاعر (من الرجز]: حَتَّى اكْتَسَى الرَّأْسُ قِنَاعاً أَشْيَبَا أَمْلَحَ لَا لَذّاً وَلَا مُحَبَّبَا وأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية. انتهى كلام ابن قُدامة دَذَتْهُ(١). وقد كتب صاحب ((التكملة)) هنا كلاماً نفيساً في مشروعيّة الأضحيّة، فقال بعد ذكر انحرافات أهل الملل في ذلك ما حاصله: وليست الأضحيّة في الإسلام إلا عبادة للتقرّب إلى الله تعالى شرعها الله تعالى رمزاً لامتثال العبد بأوامر الله مع ، واستسلاماً كاملاً لِمَا يُحبّه ويرضاه، وهي علامة كون العبد يخضع لأمر الله تعالى في المنشط والمكره، سواء كان ذلك الأمر يوافق عقله، أو يخالفه، وسواء كان يلائم هواه، أو يعارضه. قال: وبهذا تظهر رداءة قول من أنكر مشروعيّة الأضحيّة من الملحدين في عصرنا على أساس أن هذا الفعل لا فائدة فيه في الاقتصاد الاجتماعيّ، وأنه يؤدّي إلى إضاعة الأموال دون طائل، وإهراق الدماء بدون عائدة - والعياذ بالله -. ومن نظر في حقيقة الأضحيّة ظهر له فساد هذا القول بالبداهة؛ فإن الأضحيّة إنما شُرعت تدريباً على الامتثال لأمر الله تعالى في كلّ حال، مهما بَعُد ذلك الأمر عن موافقة العقل البشريّ المحدود، ومهما شعر فيه هذا العقل ضرراً أو نقصاناً في الظاهر، فمن شَرَع يبحث فيها عن فوائد اقتصاديّة، ومنافع ماديّة، فإنه جهل حقيقة الأضحيّة، وقَلَب موضوعها ظهراً لبطن، وإن أعظم أضحيّة تُقُدّم بها إلى الله تعالى أضحيّة إبراهيم الخليل،لعلّها، فإنه أُمر بتضحية ولده المعصوم، ولم يكن في هذا الأمر أيّة مصلحة في الظاهر، فإنه كان عند ظاهر العقل ظلماً من الأب على ابنه الصغير الذي لم يرتكب خطيئة، ولا (١) ((المغني)) ٣٦٠/١٣. ٣١١ ٣٤ - كِتَابُ الأَضَاحِي اقترف إثماً، فكان قتلَ نفس دون مبرّر، ولكن إبراهيم فِلَّ حينما أُمر به استَعَدّ لامتثاله، وخضع له خضوعاً كاملاً، وكذلك إسماعيلعلَّلا لم يعترض على الأمر، ولم يسأل والده ما هو الذنب الذي أعاقَب عليه هذه العقوبة القاسية، وإنما أجاب والده قائلاً: ﴿يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرِّ سَتَجِدُنِىِّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَِّينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. وإن هذه السجيّة سجيّة الخضوع الكامل، والانقياد التامّ التي تقدّم بها الوالد والولد بُالسَّهُ سمّاها الله تعالى إسلاماً حينما قال تعالى في كتابه المجيد: [الصافات: ١٠٣]. ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجِنِ وإن العقول اليوم قد غَرِقت في الأفكار الماديّة، وأصبحت أسيرةً للأهواء، فلا تبصر وراء المادّة شيئاً، ولا تعتبر النفع نفعاً حتى يتجلّى في صورة الفلوس والنقود، والمأكل، والمشرب، والملابس، والملاذّ، والشهوات، ولذلك لا ترى في العبادات المحضة شيئاً من النفع، ولا تشعر أن أعظم منفعة على وجه الأرض أن تتقوّى علاقة العبد بربّه، وتستحكم صلته به، وأن يُنيب المرء، ويُخبت إلى الله، ويكسر الشهوات؛ ابتغاء مرضاته، ويتذوّق لذّة مناجاته، والتقرّب إليه. وبهذا تتكوّن فيه الْمُثُل العليا من العبديّة، والإنسانيّة، وتنشأ في نفسه عواطف الخشية والتقوى التي تمنعه من الدناءة، والفجور، وغمط حقّ الآخرين، والتي تتزكّى بها أخلاقه، وتتنظّف بها حياته، ويهتدي بها مسيره، وإن هذه المنفعة تفوق هذه المنافع الماديّة الظاهرة في صورة الأموال، والْمُتَع، والشهوات، وإن الأضحيّة لمن أقوى وسائل الحصول على هذه المنفعة الباطنة، والغذاء الروحيّ الذي إذا فقده الشخص فقد الخير كلّه. انتهى كلام صاحب ((التكملة)) (١)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب. (١) ((تكملة فتح الملهم)) ٥٤٦/٣ - ٥٤٧. ٣١٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي (١) - (بَابُ وَقْتِهَا) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٠٥٦] (١٩٦٠) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍٍ (ح) وَحَدَّثَنَهُ يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، حَدَّثَنِي جُنْدَبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: شَهِدْتُ الأَضْحَى مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّةِ، فَلَمْ يَعْدُ أَنْ صَلَّى، وَفَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، سَلَّمَ، فَإِذَا هُوَ يَرَى لَحْمَ أَضَاحِيَّ قَدْ ذُبِحَتْ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاِهِ، فَقَالَ: ((مَنْ كَانَ ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ - أَوْ نُصَلِّيَ - فَلْيَذْبَعْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللهِ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس التميميّ اليربوعيّ، تقدّم قريباً . ٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج، وهو أبو خيثمة المذكور في السند التالي، تقدّم أيضاً قريباً . ٣ - (الأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ) الْعَبْديّ، ويقال: البجليّ، أبو قيس الكوفيّ، ثقةٌ [٤] (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٤٣٠/٣٦. ٤ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قبل باب. ٥ - (جُنْدَبُ بْنُ سُفْيَانَ) هو: جندب بن عبد الله بن سفيان الْبَجليّ، ثم الْعَلَقيّ، أبو عبد الله، نُسب لجدّه، صحابيّ مات ظُه بعد الستّين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٦/٤٣. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيات المصنّف تَخْذَتُهُ، وهو (٣٦٠) من رباعيات الكتاب، وأنه مسلسل بالكوفيين، ويحيى دخل الكوفة للأخذ من أهلها، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسِ البجليّ أنه قال: (حَدَّثَنِي جُنْدَبُ) بن عبد الله (بْنُ سُفْيَانَ)، البجليّ (قَالَ: شَهِدْتُ) بكسر الهاء؛ أي: حضرت (الأَضْحَى) جمع ٣١٣ (١) - بَابُ وَقْتِهَا - حديث رقم (٥٠٥٦) أضحاة، كأرطاة وأرطى؛ أي: وقت ذبح الأضحية، وفي رواية البخاريّ: (شهدت النبيّ وَّهِ يوم النحر ... )). (مَعَ رَسُولِ اللهِ نَِّ، فَلَمْ يَعْدُ) بفتح، فسكون، فدال مضمومة؛ أي: لم يتجاوز، يقال: عَدَوته أعدُوه: تجاوزته إلى غيره، وعدّيته، وتعدّيته كذلك، قاله الفيّوميّ(١). (أَنْ صَلَّى) ((أن)) مصدريّة، والمصدر المؤوّل مفعول ((يَعْدُ))؛ أي: لم يتجاوز الصلاة إلى غيرها، والمراد أنه بدأ بها، ولم يبدأ بذبح الأضحية، كما فعله بعض الناس جهلاً منهم. (وَفَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ)، وقوله: (سَلَّمَ) حال بتقدير ((قد)) عند البصريين، وبدونها عند الكوفيين؛ أي: حال كونه مسلّماً، (فَإِذَا هُوَ يَرَى لَحْمَ أَضَاحِيَّ) ((إذا)) هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأه رؤية لحم الأضاحيّ، و((أضاحيّ)) بتشديد الياء، تقدّم أنها جمع إِضْحِية بضمّ الهمزة، وكسرها، وقوله: (قَدْ ذُبِحَتْ) بالبناء للمجهول، والجملة حالٌ من ((الأضاحيّ))؛ لكون المضاف جزءاً من المضاف إليه، كما قال في ((الخلاصة)) : إِلَّا إِذَا اقْتَضَى الْمُضَافُ عَمَلَهْ وَلَا تُجِزْ حَالاً مِنَ الْمُضَافِ لَهْ أَوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلَا تَحِفَا أَوْ كَانَ جُزْءَ مَا لَهُ أُضِيفًا (قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ) بضمّ الراء؛ أي: قبل أن ينتهي النبيّ ◌َّ، و(قبل)) ظرف لـ«ذُبحت))، (مِنْ صَلَاتِهِ، فَقَالَ) بَِّ ((مَنْ كَانَ ذَبَحَ) ((كان)) هنا زائدة، كما قال في («الخلاصة)): وَقَدْ تُزَادُ (كَانَ)) فِي حَشْوٍ كَـ«مَا كَانَ أَصَحَّ عِلْمَ مَنْ تَقَدَّمَا)) (أُضْحِيَّتَهُ) تقدّم أنه بضمّ الهمزة، وكسرها، (قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ - أَوْ نُصَلِّيَ) ((أو)) هنا للشكّ من الراوي، هل قال: ((يصلي) بالياء، أو ((نصلي)) بالنون، (فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا)؛ أي: بدلها (أُخْرَى)؛ أي: أضحيّةً أخرى؛ لعدم إجزائها، حيث وقعت قبل وقتها، (وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْم اللهِ)) وفي الرواية التالية: ((فليذبح على اسم الله))، وفي رواية أبي عَوَانة: ((ومنَ كان لم يذبح حتّى صلّينا، فليذبح على اسم الله)). [فائدة]: قال الكُتّاب من أهل العربيّة: إذا قيل: ((باسم الله)) تعيّن كَتْبه (١) ((المصباح المنير)) ٣٩٧/٢. ٣١٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي بالألف، وإنما تُحذف الألف إذا كُتب («بسم الله الرحمن الرحيم)» بكمالها، ذكره النوويّ(١) . ومعنى ((فليذبح باسم الله))؛ أي: فليذبح قائلاً باسم الله، أو مسمّياً، والجارّ والمجرور متعلق بمحذوف، وهو حال من الضمير في قوله: ((فليذبح))، وهذا أولى ما حُمِل عليه الحديث، وصححه النوويّ، ويؤيده ما في حديث أنس ر﴿به: ((وسمّى، وكبّر)). وقال عياض: يَحْتَمِل أن يكون معناه: فليذبح لله، والباء تجيء بمعنى اللام، ويَحْتَمِل أن يكون معناه: بتسمية الله، ويَحْتَمِل أن يكون معناه: متبركاً باسمه، كما يقال: سِرْ على بركة الله، ويَحتَمِل أن يكون معناه: فليذبح بسُنَّة الله، قال: وأما كراهة بعضهم: افعَلْ كذا على اسم الله؛ لأنّ اسمه على كل شيء، فضعيف. قال الحافظ: ويَحْتَمِل وجهاً خامساً، أن يكون معنى قوله: ((باسم الله))، مطلق الإذن في الذبيحة حينئذ؛ لأن السياق يقتضي المنع قبل ذلك، والإذن بعد ذلك، كما يقال للمستأذن: باسم الله؛ أي: ادخل. وقد استَدَلّ بهذا الأمر، في قوله: ((فليذبح مكانها أخرى))، من قال بوجوب الأضحية، قال ابن دقيق العيد: صيغة ((مَن)) في قوله: ((مَن ذَبَح))، صيغة عموم، في حقّ كل من ذبح قبل أن يصلي، وقد جاءت لتأسيس قاعدة، وتنزيلُ صيغة العموم، إذا وردت لذلك على الصورة النادرة يُستنكر، فإذاً بعد تخصيصه بمن نذر أضحية معيَّنة، بقي التردّد هل الأَولى حَمْله على من سبقت له أضحية معينة، أو حَمْله على ابتداء أضحية، من غير سَبْق تعيين؟ فعلى الأول يكون حجةً لمن قال بالوجوب، على من اشترى الأضحيّة، كالمالكية، فإن الأضحية عندهم تجب بالتزام اللسان، وبنيّة الشراء، وبنيّة الذبح، وعلى الثاني يكون لا حجة لمن أوجب الضحيّة مطلقاً، لكن حصل الانفصال ممن لم يقل بالوجوب، بالأدلة الدالة على عدم الوجوب، فيكون الأمر للندب. واستَدَلّ به مَن اشترط تقدم الذبح من الإمام، بعد صلاته، وخطبته؛ لأن (١) ((شرح النوويّ)) ١١٠/١٣. ٣١٥ (١) - بَابُ وَقْتِهَا - حديث رقم (٥٠٥٦) قوله: ((من ذبح قبل أن يصلي، فليذبح مكانها أخرى))، إنما صدر منه بعد صلاته، وخطبته، وذبحه، فكأنه قال: من ذبح قبل فعل هذه الأمور، فليُعِد؛ أي: فلا يَعتَدّ بما ذبحه. قال ابن دقيق العيد: وهذا استدلال غير مستقيم؛ لمخالفته التقييد بلفظ الصلاة، والتعقيب بالفاء، ذكره في ((الفتح)) (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جندب بن سفيان عظته هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٠٥٦/١ و٥٠٥٧ و٥٠٥٨ و٥٠٥٩ و٥٠٦٠] (١٩٦٠)، و(البخاريّ) في ((العيدين)) (٩٨٥) و((الذبائح)) (٥٥٠٠) و((الأضاحي)) (٥٥٦٢) و((الأيمان والنذور)) (٦٦٧٤) و((التوحيد)) (٧٤٠٠)، و(النسائيّ) في ((الضحايا)) (٢١٤/٧ و٢٢٤) و((الكبرى)) (٤٤٥٨ و٤٤٨٤)، و(ابن ماجه) في (الأضاحي)) (٣١٥٢)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٩٣٦) و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٧٧٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١٢/٤ و٣١٣)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٥٩١٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٥٣٢)، و(الطحاويّ) في (شرح معاني الآثار)) (١٧٣/٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٧٢/٥)، و(ابن أبي عاصم) في ((الآحاد والمثاني)) (٤٧٥/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٧١٣ و١٧١٤ و١٧١٥ و١٧١٦ و١٧١٧ و١٧١٨)، و(الرويانيّ) في ((مسنده)) (٢/ ١٣٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦٢/٩ و٢٧٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وقت الأضحيّة، وهو بعد صلاة العيد. ٢ - (منها): بيان مشروعيّة ذبح الناس بمصلّى العيد. ٣ - (ومنها): مشروعيّة صلاة العيد. (١) ((الفتح)) ٥٧١/١٢ - ٥٧٢، كتاب ((الأضاحي)) رقم (٥٥٦٢). ٣١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي ٤ - (ومنها): أن السنّة صلاة العيد بالمصلّى المعدّ لها خارج المسجد، ولا تُصلّى في المسجد، إلا للضرورة. ٥ - (ومنها): عدم جواز ذبح الأضحيّة قبل الصلاة، فلو ذبح لزمه استبدالها بغيرها، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في وقتها دخولاً، وخروجاً في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -. ٦ - (ومنها): أنه لا يذبح قبل الإمام، وفيه اختلاف بين العلماء سيأتي بيانه في المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى -. ٧ - (ومنها): وجوب التسمية عند الذبح، وقد سبق بيان اختلاف العلماء في ذلك في (كتاب الصيد والذبائح))، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الأضحيّة: قال الإمام ابن قدامة تَخْتُهُ: أكثر أهل العلم، يرون الأضحية سُنّة مؤكدة، غير واجبة، رُوي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وبلال، وأبي مسعود البدريّ وبه قال سُويد بن غَفَلة، وسعيد بن المسيب، وعلقمة، والأسود، وعطاء، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال ربيعة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأبو حنيفة: هي واجبة؛ لِمَا روى أبو هريرة ◌َُّبه: أن رسول الله وَله، قال: ((من كان له سعة، ولم يُضَحِّ فلا يَقْرَبَنّ مصلانا))، وعن مِحنَف بن سُلَيم أن النبيّ وَّ، قال: ((یا أيها الناس، إن على كل أهل بيت، في كل عام أَضْحَاةً، وعتيرة)). واحتجّ الأولون بما رواه الدارقطنيّ، بإسناده، عن ابن عباس رضيًّا، عن النبيّ وَّر: قال: ((ثلاث، كُتبت عليّ، وهنّ لكم تطوع))، وفي رواية: ((الوتر، والنحر، وركعتا الفجر)). قال: ولأن النبيّ بَّ، قال: ((من أراد أن يضحي، فدخل العشر، فلا يأخذ من شعره، ولا بشرته شيئاً))، رواه مسلم. عَلّقه على الإرادة، والواجب لا يُعلَّق على الإرادة، ولأنها ذبيحة لم يجب تفريق لحمها، فلم تكن واجبة، كالعقيقة، فأما حديثهم، فقد ضعّفه أصحاب الحديث، ثم نحمله على تأكيد الاستحباب، كما قال: ((غسل الجمعة واجب على كل محتلم))، وقال: ((من أكل من هاتين الشجرتين، فلا يَقرَبَنّ مصلانا)). وقد روي عن أحمد، في اليتيم يُضَحِّي عنه وليّه: إذا كان موسراً، وهذا على سبيل ٣١٧ (١) - بَابُ وَقْتِهَا - حديث رقم (٥٠٥٦) التوسعة، في يوم العيد، لا على سبيل الإيجاب. انتهى كلام ابن قُدامة دَّثُ . وقال الإمام البخاريّ تَخُّْ في ((صحيحه)): ((باب سُنَّة الأضحية، وقال ابن عمر: هي سُنّة، ومعروف)). فقال في ((الفتح)): وكأنه ترجم بالسُّنَّة إشارةً إلى مخالفة من قال بوجوبها، قال ابن حزم: لا يصحّ عن أحد من الصحابة، أنها واجبة، وصح أنها غير واجبة عن الجمهور، ولا خلاف في كونها من شرائع الدِّين، وهي عند الشافعية، والجمهور سُنَّة مؤكدة، على الكفاية، وفي وجه للشافعية، من فروض الكفاية، وعن أبي حنيفة: تجب على المقيم الموسر، وعن مالك مثله، في رواية، لكن لم يقيّد بالمقيم، ونقل عن الأوزاعيّ، وربيعة، والليث مثله، وخالف أبو يوسف من الحنفية، وأشهب من المالكية، فوافقا الجمهور. وقال أحمد: يُكره تركها مع القدرة، وعنه: واجبة، وعن محمد بن الحسن: هي سُنَّة غير مُرَخّص في تركها، قال الطحاوي: وبه نأخذ، وليس في الآثار ما يدل على وجوبها. انتهى. وأقرب ما يُتَمَسَّك به للوجوب حديث أبي هريرة، رفعه: ((من وجد سعة، فلم يُضَحِّ، فلا يَقْرَبَنَّ مصلانا))، أخرجه ابن ماجه، وأحمد، ورجاله ثقات، لكن اختُلِف في رفعه، ووقفه، والموقوف أشبه بالصواب، قاله الطحاوي وغيره، ومع ذلك، فليس صريحاً في الإيجاب. وقول ابن عمر: ((هي سُنَّة، ومعروف)) وَصَله حماد بن سلمة، في ((مصنفه))، بسند جيد إلى ابن عمر، وللترمذي، مُحَسَّناً، من طريق جَبَلَة بن سُحَيم: أن رجلا سأل ابن عمر، عن الأضحية، أهي واجبة؟، فقال: ضَحَّى رسولُ اللهِ وَّة، والمسلمون بعده. قال الترمذي: العمل على هذا، عند أهل العلم، أن الأضحية ليست بواجبة، وكأنه فَهِمَ من كون ابن عمر، لم يقل في الجواب: نعم، أنه لا يقول بالوجوب، فإن الفعل المجرد، لا يدل على ذلك، وكأنه أشار بقوله: ((والمسلمون)) إلى أنها ليست من الخصائص، وكان ابن عمر حريصاً، على اتباع أفعال النبيّ وَّر، فلذلك لم يصرّح بعدم الوجوب. وقد احتج من قال بالوجوب، بما ورد في حديث مِخْنَف بن سُلَيم، رفعه: ((على أهل كل بيت أضحية))، أخرجه أحمد، والأربعة، بسند قوي، ولا ٣١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي حجة فيه؛ لأن الصيغة ليست صريحة في الوجوب المطلق، وقد ذكر معها العتيرة، وليست بواجبة عند من قال بوجوب الأضحية. واستدل من قال بعدم الوجوب، بحديث ابن عباس: ((كُتِب عليّ النحرُ، ولم يُكتب عليكم))، وهو حديث ضعيف، أخرجه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، والدارقطني، وصححه الحاكم، فذَهِلَ، وقد استوعَبْتُ طرقه، ورجاله في الخصائص، من تخريج أحاديث الرافعي. انتهى كلام الحافظ في (الفتح)) (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عبارته في ((تخريج أحاديث الرافعيّ)) المسمّى ((تلخيصَ الحبير)): قوله: ((فمنها صلاة الضحى)): رُوي أنه لنَّغيره، قال: (كُتب عليّ ركعتا الضحى، وهما لكم سُنَّة))، رواه أحمد من طريق إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة، عن ابن عباس، بلفظ: ((أُمرت بركعتي الضحى، ولم تؤمروا بها، وأُمرت بالأضحى، ولم تُكتب))، وإسناده ضعيف، من أجل جابر الجعفيّ، ورواه أبو يعلى من طريق شريك، بلفظ: (كُتب عليّ النحر، ولم يُكتب عليكم، وأُمرت بصلاة الضحى، ولم تؤمروا بها»، ورواه البزار بلفظ: ((أُمرت بركعتي الفجر والوتر، وليس عليكم))، ومن طريق أبي جناب الكلبيّ، عن عكرمة عنه، بلفظ: ((ثلاث هنّ عليّ فرائض، ولكم تطوّع: النحر والوتر، وركعتا الضحى))، ورواه الحاكم، وابن عدي، من هذا الوجه، ولفظه: (الأضحى))، بدل ((النحر))، و((ركعتا الفجر)) بدل ((الضحى))، وكذلك رواه الدار قطنيّ، والبيهقيّ، ورواه ابن حبان في ((الضعفاء))، وابن شاهين في ((ناسخه)) من طريق وضاح بن يحيى، عن مندل، عن يحيى بن سعيد، عن عكرمة عنه، بلفظ: ((ثلاث عليّ فريضة، وهنّ لكم تطوع: الوتر، وركعتا الفجر، وركعتا الضحى))، والوضاح ضعيف. فتلخّص ضعف الحديث من جميع طرقه، ويلزم من قال به، أن يقول بوجوب ركعتي الفجر عليه، ولم يقولوا بذلك، وإن كان قد نُقل ذلك عن بعض السلف. (١) ((الفتح)) ١٢/ ٥٤١ - ٥٤٢. ٣١٩ (١) - بَابُ وَقْتِهَا - حديث رقم (٥٠٥٦) ووقع في كلام الآمديّ، وابن الحاجب، وقد وَرَدَ ما يعارضه، فروى الدار قطنيّ، وابن شاهين، في ((ناسخه)) من طريق عبد الله بن مُحَرَّر، عن قتادة، عن أنس، مرفوعا: ((أُمرت بالوتر، والاضحى، ولم يُعزم عليّ))، ولفظ ابن شاهين: ((ولم يُفرض عليّ))، وعبد الله بن مُحَرَّر متروك. انتهى كلام الحافظ في ((التلخيص)) (١) . وقال القرطبيّ تَخّْتُهُ: ذهب الجمهور من السلف والخلف على أن الأضحيّة سُنَّة مؤكدة، وهو مشهور مذهب مالك؛ متمسّكين في ذلك بمداومة النبيّ وَصليه وأصحابه على فعلها، وأنه لم يَرِد نصٌّ في وجوبها، بل ولا ظاهر صحيح، سليم من القوادح. وقد رَوَى الترمذيّ عن ابن عمر ظًا أنه قال: أقام رسول الله وَلاو بالمدينة عشر سنين يضحي. وسُئل ابن عمر عن الأضحية: أواجبة هي؟ فقال: ضخَّى رسول الله وَّهِ، وضحّى المسلمون. قال الترمذيّ: إنهما حديثان حسنان. قال: والعمل على هذا عند أهل العلم: أن الأضحية ليست بواجبة، ولكنها سُنَّة من سنن النبيّ ◌َ﴾، وما روي عن بعض السلف مِنْ تركه الأضحية مع تمگّنه، فذلك محمول على أنهم إنما تركوها مخافة أن يُعتقد أنها واجبة. وقال ابن عبد الحكم: سألت مالكاً عن الأضحية: أواجبة هي؟ فقال: إنها سُنَّة. ثم قال: قال رسول الله وَله: ((أُمرت بالأضحى، وهي لكم سُنَّة)). قال القرطبيّ: فأفتى، واستَدَلَّ؛ وهذا يدلّ على صحة هذا الحديث عند مالك؛ إذ قد استدلَّ به، ولا يجوز الاستدلال بما لا يصح. وقد ذهب إلى وجوب الأضحية طائفة، منهم: الأوزاعيّ، والليث، وأبو حنيفة؛ غير أنه اشترط في الوجوب أن يملك المضحِّي نصاباً. وقد روي القول بالوجوب عن مالك، وبعض أصحابه. وقد تَمَسَّك للقائلون بالوجوب بقول الله ﴾، وبما رواه أبو داود وغيره من حديث تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ مِخْتَف بن سُليم، عن النبيّ وَ له قال: ((يا أيها الناس! إن على كلِّ أهل بيت في كلِّ عام أضحية، وعتيرة، أتدرون ما العتيرة؟ هذه التي يقول الناس: الرَّجبيَّة))، وبظاهر الأمر بالإعادة في الحديث المتقدِّم. (١) ((تلخيص الحبير)) ١١٨/٣. ٣٢٠ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي قال القرطبيّ: ولا حجَّة في شيء من ذلك. أما الآية فلأنها محتملة لأمور متعددة، ولذلك اختَلَفت أقوال العلماء فيها، فقيل: معناهما: صلِّ الصلوات المعهودة، وَضَعْ يمينك على شمالك، وَضَعْهما على نحرك، قاله عليّ رَظُه، وقال أبو الأحوص: ارفع يديك في التكبير إلى نحرك. وقيل: استقبل القبلة بنحرك في الصلاة. وقال مجاهد: صلِّ بالمزدلفة، وانحر الْهَدْي. وقال عطاء: صلِّ العيد، وانحر الأضحية. ونحوه قال مالك. وقال ابن جبير: ادع لربك، وارفع يديك إلى نحرك عند الدعاء. وقال عطاء: استو بين السجدتين حتى يبدو نحرك. قال القرطبيّ: وهذه الأقوال كلها؛ الآية قابلة لها؛ على أن الأظهر منها قول من قال: إن المراد بها: صلِّ الصلوات المعهودة، وانحر الهدايا الواجبة؛ تمسُّكاً بالعُرْف المستعمل في ذينك اللفظين، والله أعلم، وعند هذا ظهر أن لا حجَّة في الآية. وأما قوله: ((على كل أهل بيت أضحية، وعَتِيرة)): فليس بصحيح. قيل: هو حديث ضعيف على ما قاله أبو محمد عبد الحق وغيره، ولو سُلِّمت صحته فلا حجة فيه لوجهین: أحدهما: أنه ليس صريحاً في الوجوب، بل قد يقال مثله في المندوب، كما قال في السواك: ((وعليكم بالسواك))، وليس السواك واجباً في الجمعة بالاتفاق، وإنما يُحمل ذلك على أن من أراد تحصيل الأجر الكثير، وإقامة السُّنَّة، فعليه بالسواك والأضحية. وهذا نحو قوله وَعليه: ((من أراد أن يضحي فلا يأخذنَّ من شعره ولا بَشَرِه شيئاً)). والثاني: عطفُ العتيرة على الأضحية، والعتيرة ليست بواجبةً باتفاق على ما ذكره المازريّ. وقال أبو داود: العتيرة منسوخة. وهذا من قول أبي داود يدلّ على أن العتيرة كانت مشروعة في أول الإسلام، ثم نُسخت، وكذلك قال ابن دريد، قال: العتيرة شاة كانت تُذبح في رجب في الجاهلية يُتقرَّب بها، وكان ذلك في صدر الإسلام أيضاً. والعَثْر: الذبح. قال غيره: وهي فعيلة بمعنى مفعولة، كذبيحة: بمعنى مذبوحة. يقال: عتر الرجل يعتر عتراً، بالفتح: إذا ذبح العتيرة. ويقال: هذه أيام تَرجيب، وتَعتار.