النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
(٨) - بَابُ إِبَاحَةِ الْجَرَادِ
نسل ما مُسخ من الأمم، ومثله ما ذكره في الفأرة لمّا قال: ((فُقِدت أمَّة من بني
إسرائيل، لا أدري ما فَعَلت، ولا أراها إلا الفأر)) كان هذا منه وَّ ظنّاً،
وحَدْساً قبل أن يوحى إليه: ((إن الله تعالى لم يجعل لمسخ نسلاً))(١)، فلما
أُوحي إليه بذلك زال عنه ذلك التخوُّف، وعلم أن الضَّبَّ، والفأر ليسا من نسل
ما مُسِخ، وعند ذلك أخبرنا بقوله: ((إن الله لم يجعل لمسخ نسلاً)).
وقد تقدَّمت النصوص بإباحة أكل الضَّبِّ، وأما الفأر فلا يؤكل، لا لأنه
مسخ، بل لأن رسول الله وَّ﴿ قد استخبثه، كما قد استخبث الوزغ، وأمر بقتله،
وسَمَّاه: فويسقاً، وإذا ثبت ذلك فقد تناوله قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيْبَتِ
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيْثَ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]، فيكون أكْلها حراماً.
وأما الْهِرُّ: فقد تناوله عموم تحريم كل ذي ناب، فإنَّه من ذوات الأنياب
على ما تقدم. وقد جاء فيه حديث صحيح ذكره أبو داود من حديث جابر بن
عبد الله ضِّ قال: ((نَهَى رسول الله وَّهَ عن أكْلِ الْهِرِّ، وأكْل ثمنه))(٢)، والله
تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٨) - (بَابُ إِبَاحَةِ الْجَرَادِ)
قال في ((لسان العرب)): ((الجراد)) معروفٌ، الواحدة جرادة، تقع على
الذكر والأنثى، قال الجوهريّ: وليس الجراد بذَكَر للجرادة، وإنما هو اسم
للجنس، كالبقر والبقرة، والتمر والتمرة، والحمام والحمامة، وما أشبه ذلك،
فحقّ مذكّره أن لا يكون مؤنّئه من لفظه؛ لئلا يلتبس الواحد المذكّر بالجمع.
قال أبو عبيد: قيل: هوِ سِرْوَةٌ، ثم دَبَى، ثم غَوْغَاءُ، ثم خَيْفَانُ، ثم كُتْفان، ثم
جَرَادٌ. وقيل: الجراد الذّكر، والجرادة الأنثى، ومن كلامهم: رأيت جراداً على
جرادة، كقولهم: رأيت نَعامةً على نعامة. قال الفارسيّ: وذلك موضوعٌ على ما
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٣٣/١)، ومسلم (٢٦٦٣).
(٢) حديث ضعيف في سنده عمر بن زيد الصنعانيّ، ضعيف، كما في ((التقريب)).

٢٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
يُحافظون عليه، ويتركون غيره بالغالب إليه، من إلزام المؤنّث العلامةَ المشعِرة
بالتأنيث، وإن كان أيضاً غير ذلك من كلامهم واسعاً كثيراً؛ يعني: المؤنّث
الذي لا علامة فيه، كالعين، والقِدْر، والعَنَاق، والمذكّر الذي فيه علامة
التأنيث، كالحمامة، والحيّة. قال أبو حنيفة: قال الأصمعيّ: إذا اصفَرَّتِ
الذكور، واسودّت الإناث، ذهبت عنه الأسماء، إلا الجراد؛ يعني: أنه اسمٌ،
لا يُفارقها. وذهب أبو عبيد في الجراد إلى أنه آخر أسمائه، كما تقدّم. وقال
أعرابيّ: تركت جراداً، كأنه نعامة جائمة. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): ((الجراد)) - بفتح الجيم، وتخفيف الراء -: معروف،
والواحدة جرادة، والذكر والأنثى سواء، كالحمامة، ويقال: إنه مشتقّ من
الجرد؛ لأنه لا يَنْزِل على شيء، إلا جَرَده، وخِلْقَةُ الجراد عجيبة، فيها عشرة
من الحيوان، ذكر بعضها ابن الشَّهْرَزُوريّ، في قوله [من الطويل]:
لَهَا فَخِذَا بَكْرِ وَسَاقَا نَعَامَةٍ وَقَادِمَتَا نَسْرٍ وَجُؤْجُؤُ ضَيْغَم
عَلَيْهَا جِيَادُ الْخَيْلِ بِالرَّأْسِ وَالْفَمِّ
حَبَتْهَا أَفَاعِي الرَّمْلِ بَظْناً وَأَنْعَمَتْ
قيل: وفاتَهُ عين الفيل، وعُنُق الثور، وقَرن الأَيِّل، وذَنَب الحية، وهو
صنفان: طَيّارٌ، ووَثّابٌ، ويبيض في الصخر، فيتركه حتى يَيْبَسَ، وينتشر، فلا
يمرّ بزرع، إلا اجتاحه. واختُلف في أصله، فقيل: إنه نَثْرَةُ حوت، فلذلك كان
أكْله بغير ذكاة، وهذا وَرَد في حديث ضعيف، أخرجه ابن ماجه، عن أنس .
رفعه: ((إن الجراد نثرةُ حوت من البحر))، ومن حديث أبي هريرة نظراته: ((خرجنا
مع رسول الله وََّ، في حجّ، أو عمرة، فاستقبلنا رِجْلٌ، من جراد، فجعلنا
نضرب بنعالنا، وأسواطنا، فقال: كلوه، فإنه من صيد البحر))، أخرجه أبو
داود، والترمذي، وابن ماجة، وسنده ضعيف، ولو صحّ لكان فيه حجة، لمن
قال: لا جزاء فيه، إذا قتله المُحْرِم، وجمهور العلماء على خلافه. قال ابن
المنذر تَّثُهُ: لم يقل لا جزاء فيه غيرُ أبي سعيد الخدريّ، وعروة بن الزبير،
واختُلف عن كعب الأحبار، وإذا ثبت فيه الجزاء، دلّ على أنه بَرّيّ.
وقد أجمع العلماء على جواز أكله، بغير تذكية، إلا أن المشهور عند
(١) ١١٧/٣ - ١١٨.

٢٦٣
(٨) - بَابُ إِبَاحَةِ الْجَرَادِ - حديث رقم (٥٠٣٧)
المالكية اشتراط تذكيته، واختلفوا في صفتها، فقيل: بقطع رأسه، وقيل: إن
وقع في قِدْر، أو نار حَلّ، وقال ابن وهب: أخذُهُ ذكاته، ووافق مُطَرّف منهم
الجمهور، في أنه لا يفتقر إلى ذكاته؛ لحديث ابن عمر: ((أَحِلّت لنا ميتتان،
ودمان: السمك، والجراد، والكبد، والطحال))، أخرجه أحمد، والدارقطنيّ
مرفوعاً، وقال: إن الموقوف أصح، ورجّح البيهقيّ أيضاً الموقوف، إلا أنه
قال: إن له حكمَ الرفع. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَتُهُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٣٧] (١٩٥٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ
أَبِي يَعْفُورٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَِّ سَبْعَ
غَزَوَاتٍ، فَأْكُلُ الْجَرَادَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين، تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ، تقدّم قريباً.
٣ - (أَبُو يَعْفُور) - بفتح التحتانيّة، وسكون المهملة، وضمّ الفاء - اسمه:
وَقْدَان - بفتح الواو، وسكون القاف ـ العبديّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، وهو الأكبر،
ويقال: اسمه واقد، ثقة [٤] تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١١٩٩/٥.
وقال في ((الفتح)): ((أبو يعفور)) - بفتح التحتانية، وسكون المهملة، وضم
الفاء - هو العبديّ، واسمه وقدان، وقيل: واقد، وقال مسلم: اسمه واقد،
ولقبه وقدان، وهو الأكبر، وأبو يعفور الأصغر: اسمه عبد الرحمن بن عُبيد،
وكلاهما ثقة، من أهل الكوفة، وليس للأكبر في البخاري، سوى هذا
الحديث، وآخر تقدم في ((الصلاة))، في أبواب الركوع، من صفة الصلاة، وقد
ذكرت كلام النووي فيه، وجَزْمه بأنه الأصغر، وأن الصواب أنه الأكبر، وبذلك
جزم الكلاباذي، وغيره، والنووي تَبع في ذلك ابن العربي، وغيره، والذي
يُرجّح كلام الكلاباذي، جَزْم الترمذي بعد تخريجه، بأن راوي حديث الجراد،
(١): ((الفتح)) ٤٥٣/١٢ - ٤٥٤، كتاب ((الذبائح)) رقم (٥٤٩٥).

٢٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
هو الذي اسمه واقد، ويقال: وقدان، وهذا هو الأكبر، ويؤيده أيضاً: أن ابن
أبي حاتم، جزم في ترجمة الأصغر، بأنه لم يسمع من عبد الله بن أبي أوفى.
(١)
انتھی(١) .
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى) علقمة بن خالد بن الحارث الأسلميّ الصحابيّ
ابن الصحابيّ ﴿ّ، شهد الْحُديبية، وعُمِّر بعد النبيّ نَّهِ دَهْراً، ومات سنة (٨٧)
وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة تقدم في ((الصلاة)) ١٠٧٢/٤١.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف، وهو (٣٥٩) من رباعيّات الكتاب، وأن
صحابيّه ابن صحابيّ، ومن المعمّرين، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة،
كما أسلفته آنفاً .
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ) - بفتح التحتانيّة، وسكون المهملة، وضمّ الفاء - تقدّم
أنه الأكبر، واسمه واقد، أو وقدان الْعَبْديّ، وليس هو الأصغر عبد الرحمن بن
عبيد بن نِسطاس، وإن زعم النووي ذلك، فهو غلط؛ لأن الأصغر لم يسمع من
عبد الله بن أبي أوفى، كما قال ابن أبي حاتم، فتنبّه. (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي
أَوْفَى) واسمه خالد بن علقمة، وهو أيضاً صحابيّ، (قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَِّ سَبْعَ غَزَوَاتٍ) وفي رواية ابن راهويه التالية: ((ستّ))، وفي رواية
ابن أبي عمر التالية أيضاً: ((ستّ، أو سبع)) بالشكّ، قال في ((الفتح)): وهذا
الشك في عدد الغزوات، من شعبة، وقد أخرجه مسلم، من رواية شعبة بالشك
أيضاً، والنسائي من روايته بلفظ الستّ، من غير شك، والترمذيّ، من طريق
غندر، عن شعبة، فقال: ((غزوات))، ولم يذكر عدداً.
وقال في ((الفتح)) أيضاً عند قول البخاريّ: ((قال سفيان، وأبو عوانة،
وإسرائيل عن أبي يعفور، عن ابن أبي أوفى: سبع غزوات)) ما نصّه: قوله:
((وقال سفيان)) هو الثوريّ، وقد وصله الدارميّ عن محمد بن يوسف، وهو
(١) ((الفتح)) ١٢/ ٤٥٤، كتاب ((الذبائح)) رقم (٥٤٩٥).

٢٦٥
(٨) - بَابُ إِيَاحَةِ الْجَرَادِ - حديث رقم (٥٠٣٧)
الفريابيّ، عن سفيان، وهو الثوريّ، ولفظه: ((غزونا مع النبيّ وَّ سبع غزوات،
نأكل الجراد))، وكذا أخرجه الترمذيّ من وجه آخر عن الثوريّ، وأفاد أن
سفيان بن عيينة روى هذا الحديث أيضاً عن أبي يعفور، لكن قال: ((ست
غزوات))، وكذا أخرجه أحمد بن حنبل، عن ابن عيينة جازماً بالستّ، وقال
الترمذيّ: كذا قال ابن عيينة: ((ستّ))، وقال غيره: ((سبع)).
قال الحافظ: ودلّت رواية شعبة على أن شيخهم كان يشكّ، فيُحْمَل على
أنه جزم مرّةً بالسبع، ثم لمّا طرأ عليه الشك صار يجزم بالستّ؛ لأنه المتَيَقَّن،
ويؤيِّد هذا الحمل أن سماع سفيان بن عيينة عنه متأخر دون الثوريّ، ومن ذكر
معه، ولكن وقع عند ابن حبان من رواية أبي الوليد شيخ البخاريّ فيه: ((سبعاً،
أو ستّاً))، يشك شعبة. انتهى(١).
[تنبيه]: وقع في ((توضيح ابن مالك)): ((سبع غزوات، أو ثماني))، وتكلم
عليه، فقال: الأجود أن يقال: ((سبع غزوات، أو ثمانيةً)) بالتنوين؛ لأن لفظ
(«ثمان»، وإن كان كلفظ جَوَارٍ في أن ثالث حروفه ألف، بعدها حرفان، ثانيهما
ياء، فهو يخالفه في أن جَواري جَمْع، وثمانية ليس بجمع، واللفظ بهما في
الرفع والجر سواء، ولكن تنوين ثمان تنوين صرف، وتنوين جوار تنوين عوض،
وإنما يفترق لفظ ثمان وجوار في النصب، فإنك تقول: رأيت جواريَ ثمانياً،
فتترك تنوين جواري؛ لأنه غير منصرف، وقد استُغني عن تنوين العوض بتكميل
لفظه، وتُنَوِّن ثمانياً؛ لأنه منصرف؛ لانتفاء الجمعيّة، ومع هذا ففي قوله: أو
ثماني بلا تنوين بالنصب، واستمر يتكلم على ذلك، ثم قال: وفي ذكره له بلا
تنوين ثلاثة أوجه:
أحدها، وهو أجودها: أن يكون أراد: أو ثماني غزوات، ثم حَذَفَ
المضافَ إليه، وأبقى المضاف على ما كان عليه قبل الحذف، وحسّن الحذف
دلالة ما تقدّم من مثل المحذوف، ومثله قول الشاعر [من الخفيف]:
خَمْسُ ذَوْدٍ أَوْ سِتُّ عُوِّضَ مِنْهَا مِائَةٌ غَيْرُ أَبْكُرٍ وَإِفَالٍ(٢)
(١) ((الفتح)) ٤٥٤/١٢ - ٤٥٥ رقم (٥٤٩٥).
(٢) الأبكُر: جمع بَكْر، الفتي من الإبل، والأفيل؛ كالفصيل وزناً ومعنّى، والجمع إفال.

٢٦٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
وهذا من الاستدلال بالمتقدّم على المتأخّر، وهو في غير الإضافة كثيرٌ،
كقوله تعالى: ﴿وَاَلْخَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَفِظَاتِ وَالذَّكِرِينَ اَللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَتِ﴾
الآية [الأحزاب: ٣٥]، والأصل: والحافظات فروجهن، والذاكرات الله كثيراً.
الوجه الثاني: أن تكون الإضافة غير مقصودة، وترك تنوين («ثمان))
لمشابهته جواري لفظاً ومعنى، أما اللفظ فظاهر، وأما المعنى فلأن ثمانياً، وإن
لم يكن له واحد من لفظه، فإن مدلوله جمعٌ، وقد اعتُبر مجرّد الشبه اللفظيّ في
سراويل، فأُجري مُجرى سرابيل، فلا يُستبعد إجراء ثمان مُجرى جوارٍ، ومن
إجرائه مُجراه قول الشاعر:
يَحْدُو ثَمَانِيَ مُولَعاً بِلِقَاحِهَا حَتَّى هَمَمْنَ بِزَيْغَةِ الإِرْتَاج
الوجه الثالث: أن يكون في اللفظ ثمانياً بالنصب والتنوين، إلا أنه كُتب
على لغة ربيعة، فإنهم يقفون على المنوّن المنصوب بالسكون، فلا يحتاج
الكاتب على لغتهم إلى ألف؛ لأن من أثبتها في الكتابة لم يُراع إلا جانب
الوقف، فإذا كان يحذفها في الوقف كما يحذفها في الوصل لزمه أن يحذفها
خظّاً. انتهى كلام ابن مالك تَظَّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: إنما ذكرت كلام ابن مالك تَخَلَقُ هذا هنا
لأهميّته؛ إذ فيه فائدة نحويّة عزيزة، وإلا فالحديث بلفظ ((ثمان)) لم يثبت، وإنما
هو بلفظ ((ستّ))، أو ((سبع))، قال الحافظ تَظُّ بعد ذكر كلام ابن مالك
المذكور بالاختصار ما نصّه: ولم أره في شيء من طرق الحديث، لا في
البخاريّ، ولا في غيره، بلفظ («ثمان»، فما أدري كيف وقع هذا؟. انتهى،
والله تعالى أعلم.
(تَأْكُلُ الْجَرَادَ) وفي رواية البخاريّ: ((فكنّا نأكل معه الجراد)»، فقال في
((الفتح)): يَحْتَمِل أن يريد بالمعيّة مجرد الغزو، دون ما تَبِعه من أكْل الجراد.
ويَحْتَمِل أن يريد: مع أكله، ويدلّ على الثاني، أنه وقع في رواية أبي نعيم في
((الطب)): ((ويأكل معنا)).
قال الحافظ نَخْذَلُهُ: وهذا إن صحّ، يردّ على الصيمري، من الشافعية، في
(١) ((شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح)) ص ٤٧ - ٤٩.

٢٦٧
(٨) - بَابُ إِبَاحَةِ الْجَرَادِ - حديث رقم (٥٠٣٧)
زعمه أنه وَجَ، عافه كما عاف الضبّ، ثم وقفتُ على مستند الصيمريّ، وهو ما
أخرجه أبو داود، من حديث سلمان وبه، سئل ◌َّه عن الجراد؟، فقال: ((لا
آكله، ولا أحرمه))، والصواب مرسل، ولابن عدي في ترجمة ثابت بن زهير،
عن نافع، عن ابن عمر ﴿ّ: أنه وَلّ، سئل عن الضب، فقال: ((لا آكله، ولا
أحرمه))، وسئل عن الجراد، فقال مثل ذلك، وهذا ليس ثابتاً؛ لأن ثابتاً، قال
فيه النسائي: ليس بثقة.
ونقل النوويّ الإجماع على حِلّ أكْل الجراد، لكن فصّل ابن العربيّ في
(شرح الترمذيّ)) بين جراد الحجاز، وجراد الأندلس، فقال في جراد الأندلس:
لا يؤكل؛ لأنه ضرر محض، وهذا إن ثبت أنه يضرّ أكله، بأن يكون فيه سمّية
تخصه، دون غيره من جراد البلاد، تعيّن استثناؤه. انتهى (١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن أبي أوفى به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٠٣٧/٨ و٥٠٣٨ و٥٠٣٩] (١٩٥٢)، و(البخاريّ)
في ((الذبائح والصيد)) (٥٤٩٥)، (وأبو داود) في ((الأطعمة)) (٣٨١٢)، و(الترمذيّ)
في ((الأطعمة)) (١٨٢١ و١٨٢٢)، و(النسائيّ) في ((الصيد)) (٢١٠/٧) و((الكبرى)
(١٦٦/٣)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٨٧٦٢)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده))
(٨١٨)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٢٥/٨)، و(الحميديّ) في ((مسنده))
(٧١٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٥٣/٤ و٣٥٨ و٣٨٠)، و(الدارميّ) في ((سننه))
(٢/ ٩١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٢٥٧)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢/
٣٥٠)، و(البزّار) في ((مسنده)) ٢٦٨/٨ و٢٦٩)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى))
(٨٨٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٥/٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩/
٢٥٧)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٨٠٢)، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ١٢/ ٤٥٥ رقم (٥٤٩٥).

٢٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم أكل الجراد:
قال النوويّ تَخْلُّهُ: أجمع المسلمون على إباحة أكل الجراد، ثم قال
الشافعيّ، وأبو حنيفة، وأحمد، والجماهير: يحلّ، سواءٌ مات بذكاة، أو
باصطياد مسلم، أو مجوسيّ، أو مات حَتْفَ أنفه، سواء قطع بعضه، أو أُحدث
فيه سبب، وقال مالك في المشهور عنه، وأحمد في رواية: لا يحل، إلا إذا
مات بسبب، بأن يقطع بعضه، أو يُسْلَق (١)، أو يُلقى في النار حيّاً، أو يشوى،
فإن مات حتف أنفه، أو في وعاء لم يحلّ، والله أعلم. انتهى (٢).
وقال ابن قُدمة كَُّهُ: يباح أكل الجراد بإجماع أهل العلم، وقد قال
عبد الله بن أبي أوفى: ((غزونا مع رسول الله (َ ﴿﴿ سبع غزوات نأكل الجراد))،
متّفقٌ عليه، ولا فرق بين أن يموت بسبب، أو بغير سبب في قول عامّة أهل
العلم، منهم الشافعيّ، وأصحاب الحديث، وأصحاب الرأي، وابن المنذر،
وعن أحمد: أنه إذا قتله البَرْد لم يؤكل، وعنه: لا يؤكل إذا مات بغير سبب،
وهو قول مالك، ويُرْوَى أيضاً عن سعيد بن المسيِّب.
قال: وحجة الأولين عموم قوله والغير: ((أُحِلَّت لنا ميتتان، ودمان،
فالميتتان: السمك، والجراد))، ولم يُفَصِّل، ولأنه تباح ميتته، فلم يعتبر له
سبب، كالسمك، ولأنه لو افتقر إلى سبب لافتقر إلى ذَبْح، وذابح، وآلة،
كبهيمة الأنعام. انتهى كلام ابن قدامة دَُّ بتغيير يسير(٣).
وقال القرطبيّ ◌َّتُهُ في شرح قوله: ((غزونا مع رسول الله وَّو سبع غزوات
تأكل الجراد)) ما نصّه: ظاهره جواز أكل الجراد مطلقاً، ولم يُختلف في جواز
أكل الجراد على الجملة، لكن اختُلف فيه؛ هل يحتاج إلى سبب يموت به أم
لا يحتاج؟ فعامَّة الفقهاء على أنه لا يحتاج إلى ذلك، فيجوز أكل الميت منه،
وإليه ذهب ابن عبد الحكم، ومطرِّف من أصحابنا - يعني: المالكيّة - وذهب
مالك: إلى أنَّه لا بدَّ من سبب يموت به، كقَطْع رؤوسه، أو أرجله، أو أجنحته
إذا مات من ذلك، أو يُشْوَى، أو يُسْلَق، وقال اللَّيث: يُكره أكل ميت الجراد
(١) يقال: سلقت الشاة، من باب قتل: نحّيت شعرها بالماء الحميم.
(٣) ((المغني)) لابن قدامة كَثُ ٣١٥/٩.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٠٣/١٣ - ١٠٤.

٢٦٩
(٨) - بَابُ إِبَاحَةِ الْجَرَادِ - حديث رقم (٥٠٣٧)
إلا ما أُخذ حيّاً ثم مات، فإنّ أخْذَه ذكاته، وإليه ذهب سعيد بن المسيِّب،
والجمهور؛ تمسُّكاً بظاهر حديث ابن أبي أوفى المتقدّم، وبما ذكره ابن المنذر:
أن أزواج النبيّ ◌َله يتهادين الجراد فيما بينهن، وبما ذكره الدارقطني عن ابن
عمر: أن رسول الله وَ ل قال: ((أحل لنا ميتتان: الحوت والجراد، ودمان:
الكبد والطحال))، على أنه لا يصحُّ(١) لأنه من رواية عبد الله، وعبد الرحمن
ابني زيد بن أسلم، ولا يُحتج بحديثهما، ومن الجمهور من رأى: أنها من صيد
البحر، وعلى هذا فيجوز للمُحرِم صيدها، من غير جزاء، ويجوز أكل ما صاد
المجوسي منه، وإليه ذهب النَّخعيّ، والشافعيّ، والنعمان، وأبو ثور. فأما
مالك والليث فرأيا: أن الجراد من حيوان البرّ فميتته محرَّمة؛ لأنَّها داخلة في
عموم قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَهُ﴾ الآية [المائدة: ٣]، ولم يصح عندهم:
((أحلّت لنا ميتتان))، وقالا بموجب حديث ابن أبي أوفى، ولِمَا ذَكَره ابن المنذر
بشرط الذكاة؛ إذ ليسا بنصّين، وإذا كان كذلك فلا بُدَّ فيها من ذكاة إلا أن ذكاة
كل شيء بحسب ما يتأتى فيه، فرأى مالك: أنه لا بدَّ من فعلٍ يُفعل فيها حتى
تموت بسببه، ررأى اللَّيث: أنّ أخْذَها وتَرْكَها إلى أن تموت سببٌ يبيحها، ولم
ير مالك ذلك لأنه لم يفعل فيها شيئاً، وقال أشهب: لا يؤكل الجراد إلا إذا
قُطعت رؤوسه، أو يُطرح حيّاً في نار، أو ماء، فأما قَطْع أرجله، وأجنحته، فلا
يكون ذلك ذكاة عنده؛ وإن مات بسببه، وعلى هذا: فلو سُلِقَ الحيُّ منه مع
الميت فقال أشهب: يُطرح الجميع، وقال سحنون: يؤكل الأحياء، وتكون
الموتى بمنزلة خشاش الأرض يموت في القِدْر.
قلت: وهذا من سحنون مَيْل إلى أنه من الحيوان الذي ليس له نفسٌ
سائلةٌ، ويلزم على هذا ألا ينجس بالموت، ولا ينجس ما مات فيه، وحينئذ
يجوز أكله ميتاً، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ تَّهُ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن من ذَكَر مذاهب الأئمة،
وأدلّتهم أن ما ذهب إليه جمهور العلماء من جواز أكل الجراد مطلقاً هو الحقّ؛
(١) الحقّ أنه حديث صحيح، راجع: ((السلسلة الصحيحة)) للشيخ الألبانيّ كَذَفُ ١١١/٣.
(٢) ((المفهم)) ٢٣٧/٥ - ٢٣٨.

٢٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
لقوة حجته، ووضوح أدلّته، والمخالفون له ليس لهم حجة معتبرة، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٣٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ، عَنْ أَبِي بَعْفُورٍ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي
رِوَايَتِهِ: سَبْعَ غَزَوَاتٍ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: سِتَّ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: سِتَّ، أَوْ سَبْعَ)(١).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله، سوى ابن عيينة، فتقدّم قبل بابين.
[تنبيه]: رواية أبي بكر بن أبي شيبة عن ابن عيينة، ساقها هو في
(مصنّفه))، فقال:
(٢٤٥٦١) - حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا ابن عيينة، عن أبي يعفور، عن
ابن أبي أوفى، قال: غَزَوتُ مع رسول اللهِ وَ﴿ سبعَ غزوات، نأكل الجراد.
(٢)
.
انتھی
وأما روايتا إسحاق بن راهويه، وابن أبي عمر، كلاهما عن ابن عيينة،
فلم أجد من ساقهما، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
[٥٠٣٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ (ح)
وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ، وَقَالَ: سَبْعَ غَزَوَاتٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم ذُكروا في الباب، والباب الماضي، وابن أبي عديّ، هو:
محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ البصريّ.
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر عن شعبة، ساقها الإمام أحمد في
((مسنده))، فقال:
(١) وفي نسخة: ((ستّاً، أو سبعاً)).
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٤٤/٥.

٢٧١
(٩) - بَابُ إِبَاحَةِ الأَرْنَبِ
(١٩١٧٣) - حدّثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة،
عن أبي يعفور، قال: سأل شريكي وأنا معه، عبدَ الله بن أبي أوفى عن
الجراد، فقال: لا بأس به، وقال: غزوت مع رسول الله وَ لو سبع غزوات،
فكنا نأكله. انتهى(١).
رواية ابن أبي عديّ عن شعبة لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى
أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٩) - (بَابُ إِبَاحَةِ الأَرْنَبِ)
((الأرنب)) بفتح الهمزة، وسكون الراء، وفتح النون: فَعْلَلٌ عند أكثر
النحويين، وزعم الليث أن الألف زائدة، وهو حَيَوان يُشبه العَنَاقَ، قصير
اليدين، طويل الرجلين، عكس الزرافة، يطأ الأرض على مؤخّر قوائمه، وهو
اسم جنس للذكر، والأنثى، أو الأرنب للأنثى، والْخُزَز، كصُرَد للذكر. قاله
المرتضى في (شرح القاموس)) (٢).
وقال في ((الفتح)): ((الأرنب)): دُوَيّبة معروفة، تُشْبِهِ الْعَناق، لكن في
رجليها طول، بخلاف يديها، والأرنب اسم جنس للذكر والأنثى، ويقال للذكر
أيضاً: الْخُزَز، وزنُ عُمَر - بمعجمات - وللأنثى عِكْرِشة(٣)، وللصغير خِرْنِق -
بکسر المعجمة، وسکون الراء، وفتح النون، بعدها قاف ـ هذا هو المشهور،
وقال الجاحظ: لا يقال: أرنب إلا للأنثى، ويقال: إن الأرنب شديدة الجبن،
كثيرة الشَّبَق، وإنها تكون سنة ذكراً، وسنةً أنثى، وإنها تحيض، ويقال: إنها
تنام مفتوحة العين. انتهى(٤).
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤/ ٣٥٧.
(٢) راجع: ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ٢٧٩/١.
(٣) في ((القاموس)): الْعِكْرِشة بالكسر: الأرنبة الضخمة.
(٤) ((الفتح)) ٥١٩/١٢ - ٥٢٠، كتاب ((الذبائح)) رقم (٥٥٣٥).

٢٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَخْذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٤٠] (١٩٥٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ(١)، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: مَرَرْنَا، فَاسْتَنْفَجْنَا أَرْنَباً بِمَرّ
الظَّهْرَانِ، فَسَعَوْا عَلَيْهِ، فَلَغَبُوا، قَالَ: فَسَعَيْتُ حَتَّى أَدْرَكْتُهَا، فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ،
فَذَبَحَهَا، فَبَعَثَ بِوَرِكِهَا وَفَخِذَيْهَا إِلَى رَسُولِ اللهِوَ، فَأَتَيْتُ بِهَا رَسُولَ اللهِنَّهِ، فَقَبِلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هِشَامُ بْنُ زَيْدٍ) الأنصاريّ البصريّ، ثقةٌ [٥] (ع) تقدم في ((الحيض))
٧١٤/٦.
٢ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) الصحابيّ الشهير ◌ُه، تقدّم قبل بابين.
والباقون ذُكروا في الحديث الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف، وأنه مسلسل بالبصريين، وأن شيخه أحد
التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه رواية
الراوي عن جدّه، فأنس جدّ هشام الراوي عنه، وفيه أنس ظُه من المكثرين
السبعة، روى (١٢٨٦) حديثاً، وهو آخر من مات من الصحابة ظه بالبصرة،
وقد عُمّر أكثر من مائة سنة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَبُهُ أنه (قَالَ: مَرَرْنَا)؛ أي: اجتزنا، يقال: مررتُ
بزيد، وعليه مَرّاً، ومُرُوراً، ومَمَرّاً: اجتزتُ، ومرّ الدهرُ مَرّاً، ومُرُوراً أيضاً:
ذهب، قاله الفيّوميّ(٢)، والمعنى: اجتزنا في بعض أسفارنا مع رسول الله وَّل،
(فَاسْتَنْفَجْنَا أَرْنَباً)؛ أي: أَثَرْنا، وفي رواية البخاريّ: ((فأنفجنا أرنباً))، والأول
استفعال منه، يقال: نَفَجَ الأرنبُ، من باب نصر: إذا ثار، وَعَدا، وانتَفَج
كذلك، وأنفجته: إذا أثرته من موضعه، ويقال: إن الانتفاج الاقشعرار، فكأن
المعنى: جعلناها بطلبنا لها تنتفج، والانتفاج أيضاً ارتفاع الشعر، وانتفاشه.
(١) وفى نسخة: ((قالا: حدّثنا شعبة)).
(٢) ((المصباح المنير )٥٦٨/٢٨.

٢٧٣
(٩) - بَابُ إِبَاحَةِ الأَرْنَبِ - حديث رقم (٥٠٤٠)
ووقع في ((شرح مسلم)) للمازريّ: ((بَعَجْنا)) - بموحدة، وعين مفتوحة -
وفسّره بالشقّ، مِنْ بَعَج بطنه: إذا شقّه.
وتعقّبه عياض بأنه تصحيف، وبأنه لا يصح معناه من سياق الخبر؛ لأن
فيه إنهم سَعَوا في طلبها بعد ذلك، فلو كانوا شقّوا بطنها كيف كانوا يحتاجون
إلى السعي خلفها؟ انتهى(١).
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: وقول أنس: ((اسْتَنْفَجْنا أرنباً)) هذا الحرف صحيح
روايته، ومشهورها عند أهل التقييد واللغة بالنون والفاء، لا يَعرفون غيره،
ومعناه: اسْتَثَرنا الأرنب، وأخرجناه من مكمنه، يقال: نفَجَتِ الأرنبُ: إذا
وثبت، قال الهرويّ: أنفجتُ الأرنبَ من ◌ُحره، فَتَفَج؛ أي: أثرتُه، فثار، وقد
وقع المازريّ: ((فبعجنا)) بالباء بواحدة من تحتها، والعين المهملة، وفسَّره:
بشققنا، من: بعج بطنه؛ إذا شقّه، وهذا لا يصحُّ روايةً، ولا معنى، وإنما هو
تصحيف، وكيف يَشُقُّون بطنها، ثم يسعون خلفها؟! انتهى (٢).
(بِمَرِّ الظَّهْرَانِ) - بفتح الميم، وتشديد الراء - والظهران - بفتح المعجمة -
بلفظ تثنية الظهر: اسم موضع على مرحلة من مكة، وقد يُسَمَّى بإحدى الكلمتين
تخفيفاً، وهو المكان الذي تسمّيه عوامّ المصريين: بَظْنَ مَرْو، والصواب: مَرَّ
بتشديد الراء، قاله في ((الفتح)).
وقال في موضع آخر: وَمَرّ الظّهْرَانِ وَادٍ مَعْرُوفٌ، عَلَى خَمْسَة أَمْيَال مِنْ
مَكَّة، إِلَى جِهَة الْمَدِينَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيّ، أَنَّهُ مِنْ مَكَّة عَلَى خَمْسَة أَمْيَال.
وَزَعَمَ ابْنِ وَضَّاحِ أَنَّ بَيْنهمَا أَحَداً وَعِشْرِينَ مِيلاً. وَقِيلَ: سِتَّة عَشَر، وَبِهِ جَزَمَ
الْبَكْرِيّ. قَالَ النَّوَوِيّ: وَالأَوَّل غَلَط، وَإِنْكَار لِلْمَحْسُوسِ. و((مَرّ)): قَرْيَة ذَات
نَخْل، وَزَرْعٍ، وَمِيَاهُ، و((الظّهْرَانِ)): اسْم الْوَادِي، وَتَقُول الْعَامَّة: بَظْن مَرْوٍ.
وَقَوْل الْبَكْرِيّ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَالله أَعْلَم. انتهى(٣).
(فَسَعَوْا عَلَيْهِ) وفي رواية البخاريّ: ((فسعى القوم))؛ أي: جَرَوا لِأَخْذه
(١) ((إكمال المعلم)) ٣٩٢/٦، و((الفتح)) ٥٢٠/١٢.
(٢) ((المفهم)) ٢٣٨/٥ - ٢٣٩.
(٣) ((الفتح)) ٤٢٣/٥، كتاب ((الهبة)) رقم (٢٥٧٢).

٢٧٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
(فَلَغَبُوا) قال النوويّ تَخْتُهُ: هو بفتح المعجمة في اللغة الفصيحة المشهورة،
وفي لغة ضعيفة بكسرها، حكاها الجوهريّ، وغيره، وضعّفوها؛ أي: أَعْيَوْا.
(١)
انتھی
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا نقل النوويّ تضعيف الكسر، ولكن ظاهر
عبارة الفيّوميّ، والمجد يدلّ على أن الكسر مثل الفتح، بل زاد الثاني أيضاً
الضمّ، ونصّ الأول:
لَغَبَ لَغْباً، من باب قَتَلَ، ولُغُوباً: تَعِبَ، وأعيا، وَلَغِبَ لَغَباً، من باب
تَعِبَ لغةٌ. انتهى(٢).
ونصّ الثاني: لَغَبَ لَغْباً، ولَغُوباً، ولُغُوباً، كمنع، وسَمِعَ، وكُرُم: أعيا
أشدّ الإعياء، وألغبه السَّيْرُ، وتلغّبه، ولَغْبه. انتهى(٣).
وقال الشارح المرتضى: لَغَبَ لغْباً بفتح فسكون، ولَغُوباً، كصَبُورٍ،
ولُغُوباً بالضَّمّ، قالَ: وقال الجوهريّ: لَغَبَ يَلْغُبُ بالضَّمّ لُغُوباً. ولَغِبَ بالكسر
يَلْغَب لُغُوباً، قال: وصرّحوا بأَن اللَّغْبَ بتسكين الغَيْنِ مصدرُ لَغَبَ، كَنَصَرَ،
كاللّغُوبِ بالضَّمّ والفتح، والمفتوح مصدرُ لَغِب، كَفَرِح على القياس، واللُّغُوبُ
الأَوّلُ بالضمّ على قياس فَعَلَ المفتوحِ اللّزم، كالجُلُّوس، والثّاني بالفَتح شاذٌ
مُلْحَقٌ بالمصادر الّتي على فَعُول، كالوَضُوءِ والقَبُول، وقوله: كمنَعَ، وسَمِعَ،
حكاهما الفَيّومِيُّ، وابْنُ القَطَّاعِ، ويُرْوَى لَغُبَ مثل كَرُمَ.
وقوله: أَغْيا أَشَدَّ الإِعياءِ، كذا في ((المُحْكَم))، وفي ((الصِّحاح)):
اللُّغُوبُ: التَّعَبُ والإِعْياءُ، ومثلُه في ((النِّهاية))، و((الغَرِيبَيْنِ))، وقال جماعةٌ:
اللُّغُوبُ هو النَّصَبُ، أَو الفُتُورُ اللّاحِقُ بسَببه، أَو النَّصَبُ جُسْمانِيٌّ، واللُّغُوب
نَفْسَانِيٌّ، وهي فروقٌ لبعض فُقَهاءِ اللُّغَة، والأكثرُ على ما ذكره المصنِّفُ،
والجوْهَرِيُّ، وابْنُ الأَثِيرِ، والهَرَوِيُّ، وغيرُهم.
وقوله: وأَلْغَبَه، وَتَلَغَّبَهُ مُشَدَّداً: فَعَل به ذلك وأَتْعَبَهُ، قال كُثَيَّرُ عَزَّةَ [من
الطويل]:
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٤/١٣.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص ١١٨٠.
(٢) (المصباح المنير)) ٥٥٤/٢ _ ٥٥٥.

٢٧٥
(٩) - بَابُ إِيَاحَةِ الأَرْنَبِ - حديث رقم (٥٠٤٠)
سُهَادُ السُّرَى والسَّبْسَبُ المُتَمَاحِلُ
تَلَغَّبَها دُونَ ابْنٍ لَيْلَى وشَفَّها
وقال الفَرَزْدقُ [من البسيط]:
إذا الْتَقَتْ بالسُّعُودِ الشَّمْسُ والقَمَرُ
بَلْ سوْفَ يَكْفِيكَ بازِيٌّ تَلَغَّبَها
والمرادُ بالبازِيّ هُنَا: عَمْرُو بْنُ هُبَيْرَةَ، وتَغَلَّبَهَا: تَوَلَاهَا، فقامَ بها، ولمْ
يَعْجِزْ عنها. انتهى كلام المرتضى باختصار(١).
ووقع بلفظ: (تَعِبوا)) عند البخاريّ في رواية الكشميهني. (قَالَ) أنس
(فَسَعَيْتُ)؛ أي: جريت (حَتَّى أَدْرَكْتُهَا) وفي رواية للبخاريّ: ((فأدركتها،
فأخذتها))، ولأبي داود من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن زيد: ((وكنت
غلاماً حَزَوّراً))، وهو بفتح المهملة، والزاي، والواو المشددة، بعدها راء،
ويجوز سكون الزاي، وتخفيف الواو، وهو المراهق(٢).
(فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ) زيد بن سهل الصحابيّ المشهور، وهو زوج أم
أنس ﴿ّ، تقدّمت ترجمته في ((الحيض)) ٧/ ٧٢٠. (فَذَبَحَهَا) زاد في رواية
الطيالسيّ: ((بمروة))، وزاد في رواية حماد المذكورة: ((فشويتها))، (فَبَعَثَ
بِوَرِكِهَا) قال المجد: الْورك بالفتح، والكسر، وككَتِف: ما فوق الفخذ مؤنّئةٌ،
جَمْعه أوراك. انتهى (٣)، وقال الفيّوميّ: الْوَرِك أنثى بكسر الراء، ويجوز
التخفيف بكسر الواو، وسكون الراء، وهما وَرِكان، فوق الفخذين، كالكتفين
فوق الْعَضُدين. انتهى (٤). (وَفَخِذَيْهَا) قال المجد: الْفَخِذ، ككَتِفٍ: ما بين
الساق والْوَرِك، مؤنّث، كالْفَخْذ، ويُكسر. انتهى(٥).
ووقع في رواية للبخاريّ: ((فبعث بوركيها، أو قال: بفخذيها)) بالشك،
ووقع في رواية حماد: ((بعجزها)). (إِلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ، فَأَتَيْتُ بِهَا رَسُولَ اللهِ وَّلِ،
فَقَبِلَهُ) ذكّر الضمير باعتبار أنه لحم؛ أي: قبِل اللحم الْمُهْدَى، وفي رواية
البخاريّ: ((فقبلها))؛ أي: الهدية، زاد في رواية للبخاريّ في ((الهبة)): ((قلتُ:
(١) (تاج العروس من جواهر القاموس)) ٩٤٤/١.
(٢) ((الفتح)) ١٢/ ٥٢٠ رقم (٥٥٣٥).
(٣) ((القاموس المحيط)) ص ١٣٩٤ - ١٣٩٤.
(٤) ((المصباح المنير)) ٦٥٦/٢.
(٥) ((القاموس المحيط)) ص٩٧٩.

٢٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
وأكل منه؟ قال: وأكل منه، ثم قال: فقبله))، وللترمذيّ من طريق أبي داود
الطيالسيّ فيه: ((فأكله، قلت: أكله؟ قال: قبله))، وهذا الترديد لهشام بن زيد
وَقَّفَ جدَّه أنساً على قوله: ((أكله))، فكأنه توقف في الجزم به، وجزم بالقبول.
وقد أخرج الدارقطنيّ من حديث عائشة عنها: ((أُهدي إلى رسول الله (وَل
أرنب، وأنا نائمٌ، فخبّأ لي منها العَجُز، فلمّا قُمتُ أطعمني))، وهذا لو صحّ
لَأَشعر بأنه أكل منها، لكن سنده ضعيف.
ووقع في ((الهداية)) للحنفية أن النبيّ ◌َ ﴿ أكل من الأرنب حين أُهدي إليه
مشويّاً، وأمر أصحابه بالأكل منه، وكأنه تلقاه من حديثين، فأوَّلُه من حديث
الباب، وقد ظهر ما فيه، والآخر من حديث أخرجه النسائيّ من طريق موسى بن
طلحة، عن أبي هريرة: ((جاء أعرابي إلى النبيّ وَّير بأرنب قد شواها، فوضعها
بين يديه، فأمسك، وأمر أصحابه أن يأكلوا))، ورجاله ثقات، إلا أنه اختُلِف فيه
على موسى بن طلحة اختلافاً كثيراً، قاله في ((الفتح)) (١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ◌َُّته هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٠٤٠/٩ و٥٠٤١] (١٩٥٣)، و(البخاريّ) في
((الهبة)) (٢٥٧٢) و((الذبائح والصيد)) (٥٤٨٩ و٥٥٣٥)، و(أبو داود) في
((الأطعمة)) (٣٧٩١)، و(الترمذيّ) في ((الأطعمة)) (١٧٨٩)، و(النسائيّ) في
((الصيد)) (١٩٧/٧) و((الكبرى)) (١٥٥/٣)، و(ابن ماجه) في ((الصيد)) (٣٢٤٣)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١١٧/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٨/٣)،
و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٢٧/٢)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٢٢٤/١)،
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٣/٥ و٤٤)، و(الطبريّ) في ((تهذيب الآثار)) (٢/
٨٤٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٢٠/٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(١) ((الفتح)) ٥٢٠/١٢ - ٥٢١، كتاب ((الذبائح)) رقم (٥٥٣٥).

٢٧٧
(٩) - بَابُ إِبَاحَةِ الأَرْنَبِ - حديث رقم (٥٠٤٠)
١ - (منها): بيان جواز أكل الأرنب، وعليه جمهور أهل العلم، وسيأتي
تحقيق الخلاف في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): جواز استثارة الصيد، والْعَدْو في طلبه، وأما ما أخرجه أبو
داود، والنسائيّ من حديث ابن عباس ﴿ها رفعه: ((مَنِ اتَّبَع الصيد غَفَل))، فهو
محمول على من واظب على ذلك حتى يشغله عن غيره من المصالح الدينية
وغيرها .
٣ - (ومنها): بيان أن آخذ الصيد يملكه بأخذه، ولا يشاركه مَن أثاره
معه .
٤ - (ومنها): بيان مشروعيّة هدية الصيد، وقبولها من الصائد.
٥ - (ومنها): جواز إهداء الشيء اليسير للكبير القدر إذا عُلم من حاله
الرضا بذلك.
٦ - (ومنها): أن وليّ الصبيّ يتصرف فيما يملكه الصبيّ بالمصلحة.
٧ - (ومنها): استثبات الطالب شيخه عما يقع في حديثه، مما يَحْتَمِل أنه
يضبطه، كما وقع لهشام بن زيد مع أنس رُه، كما مرّ آنفاً، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في أكل الأرنب:
قال الإمام ابن قدامة تَخْلُ: والأرنب مباحة، أكَلَها سعدُ بن أبي وقّاص،
ورخّص فيها أبو سعيد، وعطاء، وابن المسيّب، والليث، ومالك، والشافعيّ،
وأبو ثور، وابن المنذر، ولا نعلم قائلاً بتحريمها، إلا شيئاً رُوي عن عمرو بن
العاص
وقال في ((الفتح)) ما حاصله: ذهب الْعُلَمَاء كَافَّة إلى جَوَاز أَكْلِ الأَرْنَب،
إِلا مَا جَاءَ فِي كَرَاهَتهَا عَن عَبْد الله بْنِ عُمَر، مِنَ الصَّحَابَة ﴿ه، وَعَنْ عِكْرِمَة
مِنَ التَّابِعِينَ، وَعَن مُحَمَّد بْن أَبِي لَيْلَى مِنَ الْفُقَهَاء، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْنِ
جَزْء: قُلْت: يَا رَسُول الله، مَا تَقُول فِي الأَرْنَب؟ قَالَ: ((لا آكُلُهُ، وَلا أُحَرِّمُهُ))،
قلت: فَإِنِّي آكُل مَا لا تُحَرِّمُهُ، وَلِمَ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: ((نُبِّئْت أَنَّهَا تَدْمَى))،
وَسَنَدِهِ ضَعِيف، وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلالَة عَلَى الْكَرَاهَةِ، كَمَا تقدّم تَقْرِيره فِي
(باب إباحة الضبّ))، وَلَّهُ شَاهِد، عَن عَبْد الله بْن عَمْرو، بِلَفْظِ: ((جِيءَ بِهَا إِلَى

٢٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
النَّبِيّ ◌َ ﴿، فَلَمْ يَأْكُلِهَا، وَلَمْ يَنْهَ عَنهَا، زَعَمَ أَنَّهَا تَحِيض))، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ،
وَلَهُ شَاهِد عَن عُمَر، عِنْد إِسْحَاقِ بْنِ رَاهَوَيْهِ، فِي ((مُسْنَده)) .
وَحَكَى الرَّافِعِيّ عَن أَبِي حَنِيفَةٍ، أَنَّهُ حَرَّمَهَا، وَغَلَّطَهُ النَّوَوِيّ فِي النَّقْلِ عَن
أَبِي حَنِيفَة. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه كافّة أهل العلم من جواز
أكل الأرنب هو الحقّ؛ لصحّة الأحاديث بذلك، كحديث أنس ظله المذكور
في الباب، وهو متّفقٌ عليه، وحديث أبي ذرّ ◌َبه عند النسائيّ(٢)، وهو حديث
صحيح، وحديث محمد بن صفوان الأنصاريّ، قال: أصبت أرنبين، فلم أجد
ما أذكيهما به، فذكّيتهما بمروة، فسألت النبيّ وَلّ، فأمرني بأكلهما، رواه أبو
داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وهو حديث صحيح أيضاً، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٤١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (ح)
وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ - كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ،
بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثٍ يَحْيَى: بِوَرِكِهَا، أَوْ فَخِذَيْهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ) بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) أو بعدها
(م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٥/١٤.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
[٨] (١٨٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله، ويَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، هو القطّان.
(١) ((الفتح)) ٥٢١/١٢، كتاب ((الذبائح)) رقم (٥٥٣٥).
(٢) هو ما أخرجه النسائيّ عن موسى بن طلحة، عن ابن الْحَوْتَكية قال: قال عمر بنظله:
من حاضرنا يوم القاحة؟ قال: قال أبو ذر: أنا، أُتِيَ النبيّ ◌َّ بأرنب، فقال الرجل
الذي جاء بها: إني رأيتها تَدْمَى، فكان النبيّ وَّه لم يأكل، ثم إنه قال: ((كلوا))،
فقال رجل: إني صائم ... الحديث، وهو حديث صحيح.

٢٧٩
(١٠) - بَابُ إِبَاحَةِ مَا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى الإِصْطِيَادِ، وَالْعَدُوِّ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْخَذْفِ - حديث رقم (٥٠٤٢)
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ) ضمير التثنية ليحيى بن سعيد القطّان،
وخالد بن الحارث الْهُجيميّ.
[تنبيه]: رواية يحيى القطّان ◌َّثُ عن شعبة ساقها البخاريّ تَّتُهُ في
((صحيحه))، فقال:
(٥١٧١) - حدّثنا مسدّد، حدّثنا يحيى، عن شعبة، قال: حدّثني هشام بن
زيد، عن أنس بن مالك ظبه، قال: أنفجنا أرنباً بِمَرّ الظهران، فَسَعَوا عليها،
حتى لَغَبُوا، فسعيت عليها، حتى أخذتها، فجئت بها إلى أبي طلحة، فبعث إلى
النبيّ وَّهُ بَوَرِكِها، وفخذيها، فقبله. انتهى(١).
ورواية خالد بن الحارث، عن شعبة، ساقها النسائيّ خذتُهُ، فقال:
(٤٣١٢) - أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدّثنا خالد، عن شعبة،
عن هشام، وهو ابن زيد، قال: سمعت أنساً يقول: أنفجنا أرنباً بِمَرّ الظهران،
فأخذتها، فجئت بها إلى أبي طلحة، فذبحها، فبعثني بفخذيها، ووركيها، إلى
النبيّ وَّهِ، فقبله. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيِبُ﴾.
(١٠) - (بَابُ إِبَاحَةِ مَا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى الِاصْطِيَادِ، وَالْعَدُوِّ،
وَالتَّهْىٍ عَنِ الْخَذْفِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٤٢] (١٩٥٤) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
كَهْمَسٌ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، قَالَ: رَأَى عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِهِ
يَخْذِفُ، فَقَالَ لَهُ: لَا تَخْذِفْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ كَانَ يَكْرَهُ - أَوْ قَالَ : - بَنْهَى عَنِ
الْخَذْفِ، فَإِنَّهُ لَا يُصْطَادُ بِهِ(٣) الصَّيْدُ، وَلَا يُنْكَأُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَلَكِنَّهُ يَكْسِرُ السِّنَّ،
وَيَفْقَأُ الْعَيْنَ، ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَخْذِفُ، فَقَالَ لَهُ: أُخْبِرُلَكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ كَانَ
(١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٠٩١/٥.
(٣) وفي نسخة: ((لا يصاد به)).
(٢) ((سنن النسائيّ - المجتبى)) ١٩٧/٧.

٢٨٠
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
يَكْرَهُ، أَوْ يَنْهَى عَنِ الْخَذْفِ، ثُمَّ أَرَاكَ تَخْذِفُ، لَا أُكَلِّمُكَ كَلِمَةً كَذَا وَكَذَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر العنبريّ، تقدّم أيضاً قبل باب.
٣ - (كَهْمَسُ) بن الحسن التميميّ، أبو الحسن البصريّ، ثقةٌ [٥]
(ت١٤٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٢.
٤ - (ابْنُ بُرَيْدَةَ) هو: عبد الله بن بريدة بن الْحُصيب الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ
قاضيها، ثقةٌ [٣] (ت١٠٥) وقيل: (١١٥) وله مائة سنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٢.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ) بن عُبيد بن نَهْم، أبو عبد الرحمن المزنيّ
الصحابي الشهير، بايع تحت الشجرة، ونزل البصرة، ومات سنة (٥٧) وقيل:
بعد ذلك (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٩/٢٧.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف، وأنه مسلسل بالبصريين، فابن بريدة، وإن
كان مروزيّاً، فقد سكن البصرة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنِ) عبد الله (ابْنِ بُرَيْدَةَ) مصغّراً (قَالَ: رَأَى عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ) ويقال:
ابن مغفّلٌ، كما قال في ((الخلاصة)):
لِلَمْح مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا
وَبَعْضُ الاعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا
فَذِكَْرُ ذَا وَحَذْفُهُ سِيَّانِ
كَالْفَضْلِ وَالْحَارِثِ وَالنُّعْمَانِ
(رَجُلاً) لم يُعرف اسمه، (مِنْ أَصْحَابِهِ)؛ أي: من أصحاب عبد الله بن
المغفّل ظُه، وفي رواية سعيد بن جبير الآتية: ((أن قريباً لعبد الله بن مغفّل
خَذَفَ ... ))، وقد بيّن ابن ماجه في روايته أنه ابن أخي عبد الله بن مغفّل،
ولفظه: ((عن عبد الله بن مغفّل أنه كان جالساً إلى جنبه ابنُ أخ له، فخذف،
فنهاه ... )). (يَخْذِفُ) - بخاء، فذال معجمتين، وآخره فاء - من باب ضرب؛
أي: يرمي بحصاة، أو نواة بين سبابتيه، أو بين الإبهام والسبابة، أو على ظاهر
الوسطى وباطن الإبهام، وقال ابن فارس تقول: خَذَفْتُ الحصاةَ: إذا رميتها بين