النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
(٧) - بَابُ إِبَاحَةِ الضَّبِّ - حديث رقم (٥٠٢٧)
قوم، ولم يُعيِّنهم، وحكى ابن المنذر عن عليٍّ رَظُبه النهي عن أكله، والجمهور
منّ السلف والخلف على إباحته؛ لِمَا ذكرناه، وقد كرهه آخرون: فمنهم من
كرهه استقذاراً، ومنهم من كرهه مخافة أن يكون مما مُسخ، وقد جاء في هذه
الأحاديث التنبيه على هذين التعليلين، وقد جاء في غير كتاب مسلم: أنه وَله
كرهه لرائحته، فقال: ((إني تحضرني من الله حاضرة)) يريد: الملائكة، فيكون
هذا كنحو ما قال في الثوم: ((إِنِّي أناجي من لا تناجي))، ولا بُعْد في تعليل
كراهة الضبّ بمجموعها. انتهى(١).
وقوله: (ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضٍ قَوْمِي) ظاهره أنه لم يكن موجوداً في مكة،
وقد حُكي عن بعض العلماء: أن الضبَّ موجودٌ عندهم فيها؛ غير أنه قليل،
وأنهم لا يأكلونه، والله تعالى أعلم (٢) .
قال الزرقانيّ كَّلُ: ومعنى الاستدراك هنا تأكيد الخبر، كأنه لمّا قال:
ليس بحرام، قيل: ولم لا تأكله أنت؟ قال: لأنه لم يكن بأرض قومي.
(٣)
.
انتھی
وقوله: (فَأَجِدُنِي) الفاء فيه سببيّة؛ أي: بسبب أنه لم يكن بأرض قومي
أجدني (أَعَاقُهُ)؛ أي: أكرهه، يقال: عِفْت الشيءَ أعافه عيفاً: إذا كرهته، وعِفْتُه
أُعِيفُهُ عِيَافة: من الزجر، وعافَ الطيرُ يَعيفُ: إذا حام على الماء ليشرب (٤).
وقوله: (فَاجْتَرَرْتُهُ، فَأَكَلْتُهُ، وَرَسُولُ اللهِ وَهِ يَنْظُرُ، فَلَمْ يَنْهَنِي) هذا تقرير
منه وَّر على جواز أكله، ولو كان حراماً لم يقرَّ عليه، ولا أُكِلَ على مائدته،
ولا بحضرته، فثبت: أنه حلال مطلقٌ لعينه، وإنَّما كرهه لأمور خارجةٍ عن
عينه، كما نصَّ عليها فيما ذكرناه آنفاً(٥).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي،
ولله الحمد والمنّة.
(١) ((المفهم)) ٢٣٠/٥.
(٣) ((شرح الزرقانيّ)) ٤٧٣/٤.
(٢) ((المفهم)) ٢٣٠/٥.
(٤) ((المفهم)) ٢٣٠/٥.
(٥) ((المفهم)) ٢٣٢/٥.

٢٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٢٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ:
أَخْبَرَنِي، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ
صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ
أَخْبَرَهُ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللهِ نَ ◌ّهِ عَلَى مَيْمُونَةً بِنْتِ
الْحَارِثِ، وَهِيَ خَالَتُهُ، فَقُدِّمَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ لَحْمُ ضَبٍّ، جَاءَتْ بِهِ أُمّ حُفَيْدٍ
بِنْتُ الْحَارِثِ مِنْ نَجْدٍ، وَكَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي جَعْفَرٍ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَهـ
لَا يَأْكُلُ شَيْئاً حَتَّى بَعْلَمَ مَا هُوَ؟ ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ يُونُسَ، وَزَادَ فِي آخِرٍ
الْحَدِيثِ: وَحَدَّثَهُ ابْنُ الأَصَمِّ، عَنْ مَيْمُونَةَ، وَكَانَ فِي حَجْرِهَا).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
وكلّهم تقدّموا في الباب، وقبل باب، و((أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ)) اسمه كنيته،
وقيل : أحمد.
وقوله: (وَكَانَتْ تَحْتَ رَجُلِ مِنْ بَنِي جَعْفَرٍ) لم يُعرف اسم هذا الرجل.
وقوله: (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِ لَا يَأْكُلُ شَيَّئاً) التعبير بلفظ ((كان)) يُشعر أنه
كان يداوم على هذا السؤال، وهذا من كمال تنزّهه وَله .
وقوله: (لَا يَأْكُلُ شَيْئاً حَتَّى يَعْلَمَ مَا هُوَ؟) قال ابن التين تَّتُهُ: إنما كان
يسأل لأن العرب كانت لا تعاف شيئاً من المآكل لقلّتها عندهم، وكان هو وَل
قد يعاف بعض الشيء، فلذلك كان يسأل.
قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكون سبب السؤال أنه وَ * ما كان يُكثر الكون
في البادية، فلم يكن له خِبرة بكثير من الحيوانات، أو لأن الشرع وَرَدَ بتحريم
بعض الحيوانات، وإباحة بعضها، وكانوا لا يُحَرِّمون منها شيئاً، وربما أتوا به
مشويّاً، أو مطبوخاً، فلا يتميز عن غيره إلا بالسؤال عنه. انتهى (١).
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ يُونُسَ) فاعل (ذَكَر)) ضمير صالح بن
کیسان.
(١) ((الفتح)) ٣٠٩/١٢ رقم (٥٣٩١).

٢٤٣
(٧) - بَابُ إِبَاحَةِ الضَّبِّ - حديث رقم (٥٠٢٨)
وقوله: (وَحَدَّثَهُ ابْنُ الأَصَمِّ ... إلخ) الضمير المنصوب للزهريّ، كما صرّح
به في ((مسند أحمد))، ولفظه: ((قال ابن شهاب: وحدثه الأصم - يعني: ابن
يزيد(١) بن الأصم - عن ميمونة، وكان في حجرها)). انتهى (٢).
وقوله: (ابن الأصمّ) هو: يزيد بن الأصمّ، واسمه عمرو بن عُبيد بن
معاوية الْبَكّائيّ، أبو عوف الكوفيّ، نزيل الرّقّة، وهو ابن أخت ميمونة أم
المؤمنين، ثقةٌ [٣] (ت١٠٣) (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٧/٦٣.
وقوله: (عَنْ مَيْمُونَةَ) بنت الحارث الهلاليّة، زوج النبيّ وَّرَ، قيل: اسمها
بَرّة، فسمّاها النبيّ وَّهُ ميمونة، تزوّجها بسرفَ سنة سبع، وماتت بها، ودُفنت
سنة (٥١) على الصحيح (ع) تقدمت في ((الحيض)) ١/ ٦٨٧.
وقوله: (وَكَانَ فِي حَجْرِهَا) بفتح الحاء المهملة، وكسرها؛ أي: تربيتها،
وكفالتها، قال الفيّوميّ تَظْلَتُهُ: وحَجْرُ الإنسان بالفتح، وقد يُكسر: حِضْنه، وهو
ما دون إبطه إلى الكَشْح، وهو في حَجْره؛ أي: كَنَفه، وحمايته، والجمع:
(٣)
حُجُورٌ. انتهى (٣) .
[تنبيه]: رواية صالح بين كيسان عن الزهريّ هذه ساقها أبو عوانة تَخّلُهُ
في ((مسنده))، فقال:
(٧٧٠٤) - حدّثنا محمد بن عبد الملك الواسطيّ، وأبو داود الْحَرّانيّ،
قالا: ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: ثنا أبي، عن صالح، عن ابن
شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف، عن ابن عباس، أنه أخبره، أن
خالد بن الوليد أخبره، أنه دخل مع رسول الله وَ﴿ على ميمونة بنت الحارث،
وهي خالته، فقُدِّم إلى رسول الله وَّ لحم ضبّ، جاءت به أم حُميد بنت
الحارث من نجد، وكانت تحت رجل من بني جعفر، وكان رسول الله وَل قول لا
يأكل شيئاً حتى يَعْلَم ما هو؟ فقال بعض النسوة: ألا تخبرين رسول الله وَ له ما
(١) هكذا نسخة ((المسند))، والظاهر أن لفظة ((ابن)) غلط، والصواب: ((يعني: يزيد بن
الأصم))، ومما يؤيّد هذا ما وقع في ((المسند)) في موضع آخر (٣٣١/٦): ((وأظنّ
أن الأصم يزيد بن الأصم)). انتهى.
(٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٨٨/٤.
(٣) ((المصباح المنير)) ١٢٢/١.

٢٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
يأكل؟ فأخبرته أنه لحم ضب، فتركه، قال خالد: سألت رسول الله وَله: أحرام
هو؟ قال: ((لا، ولكنه طعام ليس في قومي، فأجدني أعافه))، قال خالد:
فاجتررته إليّ، فأكلته، ورسول الله وَل﴿ ينظر. وحدثه ابن الأصمّ، عن ميمونة،
وكان في حجرها. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٢٩] (١٩٤٥) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
أُنِيَ النَّبِيُّ ◌َّهِ، وَنَحْنُ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ بِضَبَّيْنِ مَشْوِيَّيْنِ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ
يَزِيدَ بْنَ الأَصَمِّ، عَنْ مَيْمُونَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل باب.
وقوله: (بِضَبَّيْنِ مَشْوِيَّيْنٍ) لا ينافي هذا ما تقدّم من قوله: ((لحم ضبّ))
بالإفراد؛ لأن مفهوم العدد غير معتبر، فلا ينافي ذِكر الأقل الزيادة، فتنبّه، والله
تعالى أعلم.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ) هكذا النُّسخ، والظاهر أن يقول: ((بمثل حديثه))؛
لأن المراد صالح بن كيسان، لا الجماعة المتقدّمون الذين رووا عن الزهريّ،
وهم: مالك بن أنس، ويونس بن يزيد، وصالح بن كيسان؛ وإنما مِلت إلى
هذا بدليل قوله: ((ولم يذكر يزيد بن الأصمّ))؛ أي: لم يزد معمر في روايته عن
الزهريّ في آخر الحديث قوله: ((وحدّثه ابن الأصمّ ... إلخ))؛ لأن الذي زاده
هو صالح فقط، وأما مالك، ويونس فلم يذكراه مثل معمر، فلا معنى لقوله:
((بمثل حديثهم)).
والحاصل أن النُّسخ دخلها التصحيف، فالظاهر أن يقول: ((بمثل حديثه))؛
أي: حديث صالح، والله تعالى أعلم.
(١) ((مسند أبي عوانة)) ٣٩/٥.

٢٤٥
(٧) - بَابُ إِيَاحَةِ الضَّبِّ - حديث رقم (٥٠٣٠)
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ ... إلخ) الفاعل ضمير معمر؛ أي: لم يذكر في آخر
الحديث قوله.
[تنبيه]: رواية معمر عن الزهريّ هذه ساقها عبد الرزّاق ◌َّثُ في
(مصنّفه)»، فقال:
(٨٦٧١) - عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن أبي أمامة بن
سهيل بن حُنيف، عن ابن عباس قال: أُتي رسول الله وَل﴿ل بضبَّين مشويين،
وعنده خالد بن الوليد، فأهوى النبيّ وَ ل* بيده ليأكله، فقيل: إنه ضبّ، فأمسك
يده، فقال خالد: أحرام هو يا رسول الله؟ قال ◌َله: ((لا، ولكنه لا يكون
بأرض قومي، فأجدني أعافه))، قال: فأكل خالد، ورسول الله ◌َ ه ينظر إليه.
انتھی(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٣٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عبدُ المَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنَا أَبِي،
عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ،
أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلِ أَخْبَرَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَتِيَ رَسُولُ اللهِ وَّرِ، وَهُوَ فِي
بَيْتٍ مَيْمُونَةَ، وَعِنْدَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِلَحْمَ ضَبٍّ، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عبدُ المَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ) الْفَهميّ مولاهم، أبو عبد الله
المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت٢٤٨) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢١١/٢٦.
٢ - (أَبُوهُ) شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ بن سعد الْفَهميّ، أبو عبد الملك المصريّ،
ثقةٌ نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت١٩٩) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢١١/٢٦.
٣ - (خَالِدُ بْنُ بَزِيدَ) الْجُمحيّ، ويقال: السَّكْسكيّ، أبو عبد الرحيم
المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٦] (ت١٣٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٨٧/ ٤٦٢.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، قيل:
(١) ((مصنف عبد الرزاق)) ٤ /٥٠٩.

٢٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
مدنيّ الأصل، وقال ابن يونس: بل نشأ بها، صدوقٌ، حُكي عن أحمد أنه اختلط
[٦] مات بعد الثلاثين ومائة، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٨٧/ ٤٦٢.
٥ - (ابْنُ الْمُنْكَدِرِ) هو: محمد (١) بن المنكدر بن عبد الله بن الْهُدير التيميّ
المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤.
والباقون ذُكروا في الباب، وجدّ عبد الملك هو: الليث بن سعد الإمام
المشهور.
وقوله: (فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير ابن المنكدر؛
أي: ذكر محمد بن المنكدر هذا الحديث عن أبي أمامة بمعنى ما ذكره الزهريّ
عنه .
[تنبيه]: رواية محمد بن المنكدر عن أبي أمامة هذه ساقها الطبرانيّ تَظُّهُ
في ((المعجم الأوسط))، فقال:
(٨٧٥٤) - حدّثنا مطلب بن شعيب، ثنا عبد الله بن صالح، حدّثني
الليث، حدّثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ابن المنكدر، أن
أبا أمامة بن سهل بن حنيف أخبره، عن ابن عباس، قال: أَتي رسول الله وَلاته،
وهو في بيت ميمونة، وعنده خالد بن الوليد بلحم ضبّ، فقالت ميمونة:
أخبروا رسول الله وَل# ما هو؟ فلما أُخبر به تركه، فقال له خالد: أحرام هو يا
رسول الله؟ قال: ((لا، ولكني أعافه))، فأخذ خالد يتمشمش عظامه. انتهى (٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٣١] (١٩٤٧) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ
ابْنُ نَافِعٍ: أَخْبَرَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَهْدَتْ خَالَتِي أُمُّ حُفَيْدٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ سَمْناً،
وَأَقِطَأَ، وَأَضُبَّأَ، فَأَكَلُّ مِنَ السَّمْنِ، وَالأَقِطِ، وَتَرَكَ الضَّبَّ تَقَذُّراً، وَأُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ
رَسُولِ اللهِ وَِّ، وَلَوْ كَانَ حَرَاماً مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ).
(١) صرّح بكونه محمداً أبو عوانة في ((مسنده)) ٣٩/٥.
(٢) ((المعجم الأوسط)) ٣٢٠/٨.

٢٤٧
(٧) - بَابُ إِيَاحَةِ الضَّبِّ - حديث رقم (٥٠٣١)
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع) محمد بن أحمد بن نافع العبديّ، تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُو بِشْرٍ) ابن أبي وحشيّة، واسمه جعفر بن إياس، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بن هشام الأسديّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو
عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت٩٥) ولم يكمل الخمسين (ع) تقدم في
(الإيمان)) ٣٢٩/٥٧.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب.
وقوله: (خَالَتِي أُمُّ حُفَيْدٍ) - بضم الحاء المهملة، وفتح الفاء، وسكون
الياء آخر الحروف، وبالدال المهملة - بنت الحارث بن حَزْن - بفتح الحاء
المهملة، وسكون الزاي، وبالنون - واسمها هُزَيلة مصغّرُ هزلة، ولها أخوات:
أم خالد بن الوليد، واسمها لبابة - بضم اللام - الصغرى، وأم ابن عباس،
وهي اللبابة الكبرى، وميمونة زوج النبيّ ◌َّ أم المؤمنين، كلهنّ بنات
الحارث بن حَزْن الهلاليّ، قاله في ((العمدة))(١).
وقوله: (سَمْناً) بفتح، فسكون: ما يُعْمل من لبن البقر، والغنم، والجمع:
سُمْنان، مثلُ ظَهْر وظُهران، وبَطْن وبُطنان، قاله الفيّوميّ(٢) .
وقال المجد: السَّمْنُ: سلاءُ الزُّبْد، يقاوم السموم كلّها، ويُنقِّي الوَسَخَ
من القُروح الخبيثة، ويُنضج الأورام كلّها، ويُذهب الْكَلَف، والنَّمْش من الوجه
طلاءً، جمعه: أَسْمُنٌّ، وسُمُونٌ، وسُمْنَانٌ. انتهى (٣).
وقوله: (وَأَقِطاً) قال الأزهريّ: يُتَّخَذُ من اللبن الْمَخِيض، يُطْبَخُ ثم يُتْرَك،
حتى يَمْصُلَ(٤)، وهو بفتح الهمزة، وكسر القاف، وقد تسكن القاف للتخفيف،
مع فتح الهمزة، وكسرها، مثلُ تخفيف كَبِدٍ، نقله الصَّغَانيّ عن الفَرَّاء(٥).
(١) ((عمدة القاري)) ٣٨/٢١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٩٠/١.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص٦٤٢.
(٤) ((الْمَصْل)): مثالُ فَلْس: عُصارة الأقط، وهو ماؤه الذي يُعصر منه حين يُطبخ.
((المصباح)) ٥٧٤/٢.
(٥) ((المصباح المنير)) ١/ ١٧.

٢٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
وقال المجد: الأقط: مثلّثةً، ويُحرّك، وككَتِفٍ، ورِجْلٍ، وإبلٍ: شيءٌ
يُتَخذ منه الْمَخيض الْغَنَميّ، جمعه أُقطانٌ. انتهى(١).
وقوله: (وَأَضُبَّأَ) جمع ضبّ، وتقدّم البحث فيه أول الباب.
وقوله: (تَقَذُّراً) نُصِب على التعليل؛ أي: لأجل التقذّر، يقال: قَذِرت
الشيءَ، وتقذّرته، واستقذرته: إذا كرهته(٢).
وقوله: (وَأُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللهِ ◌ّيه) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: أُكل
الضبّ على مائدة رسول الله وَ*، قال الداوديّ: يعني القصعة، والمنديل،
ونحوهما؛ لأن أنساً قال: ما أَكل على خُوَان، وأصل المائدة من الْمَيد، وهو
العطاء، يقال: مادني يَميدني، وقال أبو عبيد: هي فاعلة بمعنى مفعولة، من
العطاء، وقال الزجاج: هو عندي من ماد يميد: إذا تحرك، وقال ابن فارس:
هو من ماد يميد: إذا أطعم (٣).
وقوله أيضاً: (وَأُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللهِ #) الذين أكلوا هم: الفضل بن
العبّاس، وخالد بن الوليد، وامرأة أخرى، كما بُيّن في الرواية التالية، وأما
زينب حيثا فلم تأكل، كما يأتي.
وقوله: (وَلَوْ كَانَ حَرَاماً مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَةٍ رَسُولِ اللهِ وَلِ﴿) قال
النوويّ كَّلُهُ: هذا تصريح بما اتَّفَق عليه العلماء، وهو أن إقرار النبيّ وَّل
الشيءَ، وسكوته عليه، إذا فُعِل بحضرته يكون دليلاً لإباحته، ويكون بمعنى
قوله: أذنت فيه، وأبحته، فإنه لا يسكت على باطل، ولا يُقِرّ مُنكراً، والله
أعلم. انتهى (٤).
وقال في ((العمدة)): وبهذا احتجّ من قال بجواز أكل الضبّ، قالت
الشافعية: وهو احتجاج حسنٌ، وهو قول الفقهاء كافّة، ونَصّ عليه مالك في
((المدوّنة))، وعنه رواية بالمنع(٥).
(١) ((القاموس المحيط)) ص٥٤.
(٣) ((عمدة القاري)) ١٣٤/١٣.
(٥) ((عمدة القاري)) ١٣٤/١٣.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٣٤/١٣.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٠١/١٣.

٢٤٩
(٧) - بَابُ إِبَاحَةِ الضَّبِّ - حديث رقم (٥٠٣٢)
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه قريباً، ولله الحمد
والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٣٢] (١٩٤٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ،
عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ، قَالَ: دَعَانَا عَرُوسٌ بِالْمَدِينَةِ، فَقَرَّبَ إِلَيْنَا ثَلَاثَةَ
عَشَرَ ضَبّاً، فَآكِلٌ، وَتَارِكْ، فَلَقِيتُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنَ الْغَدِ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَأَكْثَرَ الْقَوْمُ
حَوْلَهُ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَا آَكُلُهُ، وَلَا أَنْهَى عَنْهُ، وَلَا
أُحَرِّمُهُ»، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِئْسَ مَا قُلْتُمْ، مَا بُعِثَ نَبِيُّ اللهِ نَّهِ إِلَّ مُحِلّاً، وَمُحَرِّماً،
إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ بَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ، وَعِنْدَهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَخَالِدُ بْنُ
الْوَلِيدِ، وَامْرَأَةٌ أُخْرَى، إِذْ قُرِّبَ إِلَيْهِمْ خِوَانٌ، عَلَيْهِ لَحْمٌ، فَلَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ◌َهِ أَنْ
يَأْكُلَ، قَالَتْ لَهُ مَيْمُونَةُ: إِنَّهُ لَحْمُ ضَبٍّ، فَكَفَّ يَدَهُ، وَقَالَ: ((هَذَا لَحْمٌ لَمْ آَكُلْهُ
قَطُّ)، وَقَالَ لَهُمْ: ((كُلُوا))، فَأَكَلَ مِنْهُ الْفَضْلُ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْمَرْأَةُ، وَقَالَتْ
مَيْمُونَةُ: لَا آكُلُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّ شَيْءٌ يَأْكُلُ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ إِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، و((الشيبانيّ)) هو أبو إسحاق
سليمان بن أبي سليمان فيروز.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن
عبّاس ظها أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) سليمان بن أبي سليمان فيروز، (عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ) أنه
(قَالَ: دَعَانَا عَرُوسٌ)؛ أي: رجل تزوّج قريباً، ولا يُعرف اسمه(١)،
و ((العروس)): بفتح العين: يقع على الرجل والمرأة، قال الفيّوميّ كَّلُهُ:
(١) (تنبيه المعلم)) ص ٣٣٥.

٢٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
العَرُوسُ وصفٌ يستوي فيه الذكر والأنثى ما داما في إِعراسهما، وجمع الرجل:
عُرُسٌ بضمتين، مثلُ رَسول ورُسُل، وجمع المرأة: عَرَائِسُ، وعَرِسَ بالشيء
أيضاً: لَزِمه، ويقال: العَرُوسُ من هذين، وأَعْرَسَ بامرأته بالألف: دخل بها،
وأَعْرَسَ: عَمِل عُرْساً، وأما عَرَّسَ بامرأته بالتثقيل على معنى الدخول، فقالوا:
هو خطأ، وإنما يقال: عَرَّسَ: إذا نزل المسافر؛ ليستريح نَزْلَةً، ثم يرتحل، قال
أبو زيد: وقالوا: عَرَّسَ القوم في المنزل تَعْرِيساً: إذا نزلوا أَيَّ وقت كان، من
ليل، أو نهار، فَالإِعْرَاسُ: دخول الرجل بامرأته، والتَّعْرِيسُ نزول المسافر
ليستريح، وعِرْسُ الرجل بالكسر: امرأته، والجمع أَعْرَاسٌ، مثلُ حِمَل
وأَحْمَال، وقد يقال للرجل: عِرْسٌ أيضاً، والعُرْسُ بالضم الزِّفَاف، ويُذَكَّر
ويؤنَّث، فيقال: هو العُرْسُ، والجمع أَعْرَاسٌ، مثلُ قُفْل وأَقْفَال، وهي العُرْسُ،
والجمع عُرْسَاتٌ، ومنهم من يقتصر على إيراد التأنيث، والعُرْسُ أيضاً: طعام
الزِّفَاف، وهو مذكَّر؛ لأنه اسم للطعام. انتهى(١).
وقوله: (بِالْمَدِينَةِ) متعلّق بوصف «عَروسٌ))، (فَقَرَّبَ إِلَيْنَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ ضَبّاً)
قال القرطبيّ كَّثُ: هذا دليل على أن أكلهم للضِّباب كان فاشياً عندهم،
معمولاً به في الحاضرة، وفي البادية، ولذلك قال عمر ظهبه: إنه طعام عامة
الرِّعاء، ولو كان عندي طَعِمْتُه.
وإنكار ابن عباس ﴿﴿ه على الذي نَقل عن رسول الله وَ ل أنه قال: ((لا
آكله، ولا أنهى عنه، ولا أحرِّمه»، إنما كان لأنَّه فَهِمَ من القائل أنه اعتقد أن
النبيّ وَّه لم يَحْكُم في الضبِّ بشيء، ولذلك قال له: بئسما قلت، ما بعث
رسول الله وَ﴿ إلا محرِّماً ومحلِّلاً، ثم بيَّن له بعد ذلك دليل أنَّه وَل ◌َوَ أباحه،
فذكر الحدیث. انتهى(٢).
(فَآكِلٌ)؛ أي: فانقسم الحاضرون قسمين: فمنهم آكلٌ ما قُرب لهم من
الضِّباب؛ لاعتقاده حلّه، (وَتَارِك) له؛ لاعتقاده حرمته، أو تقذّراً له. (فَلَقِيتُ
(مِنَ الْغَدِ)؛ أي: في اليوم الثاني، فـ((مَنْ)) بمعنى ((في))،
ابْنَ عَبَّاسٍ) .
(فَأَخْبَرْتُهُ)؛ أي: ما جرى في ذلك العُرْس من اختلاف الناس في أكل الضبّ
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٠١ - ٤٠٢.
(٢) ((المفهم)) ٢٣٢/٥.

٢٥١
(٧) - بَابُ إِبَاحَةِ الضَّبِّ - حديث رقم (٥٠٣٢)
وتركه، (فَأَكْثَرَ الْقَوْمُ حَوْلَهُ)؛ أي: الذين جلسوا حول ابن عبّاس حین ذكر له یزید بن
الأصمّ المسألة، (حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: «لَا آكُلُهُ، وَلَا أَنْهَى عَنْهُ،
وَلَا أُحَرِّمُهُ))، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﴿َا (بِئْسَ مَا قُلْتُمْ)؛ أي: ما ذكرتموه من أنه وَه
قال: لا آكله ... إلخ))، (مَا) نافية، (بُعِثَ) بالبناء للمفعول، (نَبِيُّ اللهِ وَلَّ إِلّا
مُحِلّاً، وَمُحَرِّماً) بصيغة اسم الفاعل، من التحليل والتحريم، ونصبهما على الحال.
قال ابن العربيّ: ظنّ ابن عباس أن الذي أَخْبَر بقوله {وَل 9: ((لا آكله))،
أراد: لا أُحِلّه، فأنكر عليه؛ لأن خروجه من قسم الحلال والحرام محالٌ.
وتعقبه الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)) بأن الشيء إذا لم يتضح
إلحاقه بالحلال أو الحرام يكون من الشبهات، فيكون من حكم الشيء قبل
ورود الشرع، والأصح كما قال النوويّ أنه لا يحكم عليها بحلّ، ولا حرمة.
وتعقّبه الحافظ، فقال: وفي كون مسألة الكتاب من هذا النوع نظرٌ؛ لأن
هذا إنما هو إذا تعارض الحكم على المجتهد، أما الشارع إذا سئل عن واقعة،
فلا بُدّ أن يذكر فيها الحكم الشرعيّ، وهذا هو الذي أراده ابن العربيّ، وجَعَل
محطّ کلام ابن عباس علیه.
قال: ثم وجدت في الحديث زيادة لفظة سقطت من رواية مسلم، وبها
يتجه إنكار ابن عباس، ويُستغنَى عن تأويل ابن العربيّ: ((لا آكله)) بـ«لا أُحِلّه))،
وذلك أن أبا بكر بن أبي شيبة، وهو شيخ مسلم فيه، أخرجه في ((مسنده))
بالسند الذي ساقه به عند مسلم، فقال في روايته: ((لا آكله، ولا أنھی عنه،
ولا أحله، ولا أحرمه))، ولعل مسلماً حذفها عمداً؛ لشذوذها؛ لأن ذلك لم
يقع في شيء من الطرق، لا في حديث ابن عباس، ولا غيره، وأشهر من روى
عن النبيّ وَّ: ((لا آكله، ولا أُحرِّمه)) ابنُ عمر، كما تقدم، ولیس في حديثه:
((لا أحله))، بل جاء التصريح عنه بأنه حلال، فلم تثبت هذه اللفظة، وهي
قوله: ((لا أحله))؛ لأنها وإن كانت من رواية يزيد بن الأصم، وهو ثقة، لكنه
أخبر بها عن قوم كانوا عند ابن عباس، فكانت روايةً عن مجهول، ولم يقل
يزيد بن الأصم: إنهم صحابةٌ، حتى يُغتفر عدم تسميتهم. انتهى (١).
(١) ((الفتح)) ٥٢٧/١٢.

٢٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
(إِنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ) بكسر همزة ((إن))؛ لوقوعها في الابتداء؛ إذ الجملة
مستأنفة استئنافاً بيانيّاً، فكأنه قيل: لِمَ أنكر القول المذكور؟ فأجاب بقوله: ((إن
رسول الله (َّه))، وقوله: (بَيْنَمَا) هي (بين)) الظرفيّة زيدت عليها ((ما))، فهي مضافة
إلى الجملة الاسميّة، وتحتاج إلى جواب، وجوابها هنا قوله: ((إذا قُرّب إليهم ...
إلخ))، (هُوَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ) بنت الحارث أم المؤمنين ﴿ّا، (وَعِنْدَهُ)؛ أي: والحال
أن عند النبيّ وَّ، (الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ) بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ، ابن
عمّ النبيّ وَّر، وأكبر أولاد العبّاس، استُشهِد في خلافة عمر ◌ُبه، تقدّمت ترجمته
في «الصيام)» ٢٥٨٩/١٣. (وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ) تقدّمت ترجمته في الباب، (وَامْرَأَةٌ
أُخْرَى) لا تُعرف، (إِذْ قُرِّبَ) بالبناء للمفعول، (إِلَيْهِمْ)؛ أي: إلى النبيّ ◌َّ، ومن
معه (خِوَانٌ) بكسر الخاء، وضمّها، لغتان، والكسر أفصح، والجمع أَخْوِنَةٌ،
وخُونٌ، وليس المراد بهذا الخوان ما نفاه في الحديث المشهور في قوله: ((ما أكل
رسول الله وَ﴿ على خِوَان قطّ))، بل شيء من نحو السُّفْرة، قاله النوويّ(١).
وقال الفيّوميّ تَخْذَتُهُ: الخِوَانُ: ما يؤكل عليه، مُعَرَّبٌ، وفيه ثلاث لغات:
كسر الخاء، وهي الأكثر، وضمّها، حكاه ابن السِّكِّيت، وإِخْوَانٌ بهمزة
مكسورة، حكاه ابن فارس، وجمع الأُولى في الكثرة خُونٌ، والأصل بضمتين،
مثلُ كتاب وكُتُب، لكن سُكِّن تخفيفاً، وفي القلة أَخْوِنَةٌ، وجمع الثالثة أَخَاوِينٌ،
ويجوز في المضموم في القلة أَخْوِنَةٌ أيضاً، كغُرَاب وأَغْرِبَةٍ. انتهى(٢).
وقال في ((العمدة)): قال ابن فارس: والخوان مما يقال: إنه اسم
أعجميّ، غير أني سمعت إبراهيم بن عليّ القطان يقول: سئل ثعلبٌ، وأنا
أسمع: أيجوز أن يقال: إن الخوان سُمِّي بذلك؛ لأنه يتخوّن ما عليه؛ أي:
ينتقص به، فقال: ما يَبْعُد ذلك. انتهى(٣).
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: و((الخوان)): ما يُجعل عليه الطعام، يقال بكسر
الخاء، وضمّها، وجمعه: أَخْوِنَة وخُونٌ، ويُسمَّى بذلك إذا لم يكن عليه طعام،
وإذا وُضع عليه الطعام يُسمَّى مائدة.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٢/١٣.
(٣) ((عمدة القاري)) ١٣٤/١٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ١٨٤/١.

٢٥٣
(٧) - بَابُ إِيَاحَةِ الضَّبِّ - حديث رقم (٥٠٣٢)
قال: وفيه دليل على جواز اتخاذ الأخْونة، والأكل عليها؛ فإنَّهِ وَِّ قد
كان له خُوان، وأُكِل عليه بحضرته، على ما اقتضاه ظاهر هذا الحديث، وما
روي: أنه لل﴾ وأصحابه
٤ لم تكن لهم موائد، وأنَّهم كانوا يأكلون على
السُّفَرِ، فذلك كان غالب أحوالهم، والله تعالى أعلم. انتهى(١).
وقوله: (عَلَيْهِ لَحْمٌ) جملة في محلّ رفع صفة لـ((خوان))، (فَلَمَّا أَرَادَ
النَّبِيُّ وَلِ أَنْ يَأْكُلَ، قَالَتْ لَهُ مَيْمُونَةُ) ◌َّا (إِنَّهُ لَحْمُ ضَبٍّ، فَكَفَّ يَدَهُ)؛ أي:
مَنَعها مِن تناول ذلك اللحم، يقال: كَفّ عن الشيء كفّاً، من باب قَتَلَ: تركه،
وكففتُهُ كفّاً، منعته، فكفّ يتعدَّى، ولا يتعدّى(٢)، وما هنا من المتعدّي، ولذا
نصب ((يده)). (وَقَالَ) ◌ِ ((هَذَا لَحْمٌ لَمْ أَكُلْهُ قَطَّ)))؛ أي: فيما مضى من
الزمن، يقال: ما فعلت ذلك قظُ؛ أي: في الزمان الماضي، بضمّ الطاء
المشدّدة، قاله الفيّوميّ (٣). (وَقَالَ لَهُمْ)؛ أي: للحاضرين («كُلُوا))، فَأَكَلَ مِنْهُ
الْفَضْلُ) بن العبّاس (وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْمَرْأَةُ) تقدّم أنها لا تُعرف، (وَقَالَتْ
مَيْمُونَةُ) رِوَّا (لَا آَكُلُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَيْءٌ يَأْكُلُ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ نَّ) فيه ما كانت
عليه ميمونة ﴿ّا من شدّة محبّتها للنبيّ وََّ، حيث تركت أكْلَ ما أَمَر بأكله، لَمّا
تركه هو، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ها هذا من أفراد المصنّف دخُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٠٣٢/٧] (١٩٤٨)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (١٢٤/٥)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٢٦/١)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (٤٠/٥)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٠٢/٤)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٢٣/٩)، والله تعالى أعلم.
(١) ((المفهم)) ٢٣٣/٥.
(٣) ((المصباح المنير)) ٥٠٨/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٣٦/٢.

٢٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٣٣] (١٩٤٩) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا:
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ
يَقُولُ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِضَبٌّ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَقَالَ: ((لَا أَدْرِي لَعَلَّهُ مِنَ
الْقُرُونِ الَّتِي مُسِخَتْ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم تقدّموا في الباب، والبابين السابقين، وشرح الحديث واضحٌ يُعلم
مما سبق.
وقوله: (لَا أَدْرِي لَعَلَّهُ مِنَ الْقُرُونِ الَّتِي مُسِخَتْ) هذا قاله النبيّ ◌َّه قبل أن
يوحى إليه أن الممسوخ لا يعيش فوق ثلاث، وأنه لا نسل له، وإنما الضبّ
وغيره كان موجوداً قبل المسخ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ظها هذا من أفراد
المصنّف ◌َخَذْتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٠٣٣/٧] (١٩٤٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣/
٣٢٣ و٣٨٠)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٣٤] (١٩٥٠) - (وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ،
حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَأَلْتُ جَابِراً عَنِ الضَّبِّ، فَقَالَ: لَا تَطْعَمُوهُ،
وَقَذِرَهُ، وَقَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ النَّبِيَّ وَ لَمْ يُحَرِّمْهُ، إِنَّ اللهَ يَنْفَعُ بِهِ
غَيْرَ وَاحِدٍ، فَإِنَّمَا طَعَامُ عَامَّةِ الرِّعَاءِ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ عِنْدِي طَعِمْتُهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار
[١١] مات سنة بضع و(٢٤٠) (م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٠.

٢٥٥
(٧) - بَابُ إِيَاحَةِ الضَّبِّ - حديث رقم (٥٠٣٤)
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن مُحمد بن أعين، أبو الْحَرّانيّ،
نُسب لجدّه، صدوقٌ [٩] (ت٢١٠) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
٣ - (مَعْقِلُ) بن عبيد الله الْجَزَريّ، أبو عبد الله الْعَبْسيّ مولاهم، صدوقٌ
يُخطىء [٨] (ت١٦٦) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
والباقيان ذكرا قبله.
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تدرُس، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ جَابِراً)
(عَنِ الضَّبِّ)؛ أي: عن حُكم أكْله، (فَقَالَ) جابر ◌َظُه (لَا تَطْعَمُوهُ) بفتح أوله،
وثالثه، قال الفيّوميّ: طَعِمْتُهُ أَطْعَمُهُ، من باب تَعِبَ طَعْماً، بفتح الطاء، ويقع
على كلّ ما يُساغ، حتى الماء، وذوقِ الشي، وفي التنزيل: ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ
فَإِنَّهُ مِنَّ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقال بَّ في زمزم: ((إِنَّهَا طَعَامُ طُعْم))(١)، بالضمّ؛
أي: يَشْبع منه الإنسان. انتهى (٢).
(وَقَذِرَهُ) بكسر الذال؛ أي: كرهه، يقال: قَذِرت الشيءَ أقذره، من باب
تَعِبَ: كَرِهته لوسخه، كاستقذرته، وتقذّرته، ويقال أيضاً: قَذِر الشيءُ من باب
تَعِبَ: إذا لم يكن نظيفاً (٣). (وَقَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) ◌َهُ (إِنَّ النَّبِيَّ ◌َِل
لَمْ يُحَرِّمْهُ)؛ أي: لحم الضبّ، (إِنَّ اللهَ وَ يَنْفَعُ بِهِ غَيْرَ وَاحِدٍ)؛ أي: كثيراً من
الناس، (فَإِنَّمَا طَعَامُ عَامَّةِ الرِّعَاءِ) بكسر الراء والمدّ: جمع راع، ويُجمع أيضاً
على رُعاة، كقاض وقُضاة، وعلى رُعيانٍ، مثلُ رُغْفان، يقال: رَعَت الماشية
تَرْعَى بالفتح فيهما رَغْياً: فهي راعيةٌ: إذا سَرَحَت بنفسها، ورَعَيتُها أَرْعاها،
يُستعمل لازماً، ومتعدّياً(٤)، وقوله: (مِنْهُ)؛ أي: من لحم الضبّ، متعلّق
بحذوف خبر لـ((طعامُ))، (وَلَوْ كَانَ عِنْدِي طَعِمْتُهُ)؛ أي: لو كان الضبّ موجوداً
عندي لأكلته، وهذا قاله عمر ظلُّه تأكيداً لكونه مباحاً، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) رواه مسلم في ((صحيحه)) رقم (٢٤٧٣). (٢) ((المصباح المنير)) ٣٧٢/٢.
(٤) ((المصباح المنير)) ٢٣١/١.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٩٤.

٢٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب ظُه هذا من أفراد
المصنّف رَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٠٣٤/٧] (١٩٥٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣/
٣٤٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٢/٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩/
٣٢٤)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تََّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٣٥] (١٩٥١) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ،
عَنْ دَاوُدَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا
بِأَرْضِ مَضَبَّةٍ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟، أَوْ فَمَا تُفْتِينَا؟ قَالَ: ((ذُكِرَ لِي أَنَّ أَمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ
مُسِخَتْ))، فَلَمْ يَأْمُرْ، وَلَمْ يَنْهَ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ عُمَرُ:
إِنَّ اللهَ رَتْ لَيَنْفَعُ بِهِ غَيْرَ وَاحِدٍ، وَإِنَّهُ لَطَعَامُ عَامَّةِ هَذِهِ الرِّعَاءِ، وَلَوْ كَانَ عِنْدِي
لَطَعِمْتُهُ، إِنَّمَا عَافَهُ رَسُولُ اللهِ﴾.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) المذكور في الباب.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو
البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٨/٦.
٣ - (دَاوُدُ) بن أبي هند دينار الْقُشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد
البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧/ ٢٢١.
٤ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطعة الْعَبْدِيّ الْعَوَقِيّ البصريّ، ثقةٌ
[٣] (ت٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٧.
٥ - (أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سِنَان بن عُبيد الأنصاريّ الخدريّ
الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ه، استُصغر يوم أُحد، ثم شَهِد ما بعدها،
ومات بالمدينة سنة (٣ أو٤ أو٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٥.

٢٥٧
(٧) - بَابُ إِبَاحَةِ الضَّبِّ - حديث رقم (٥٠٣٥)
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف، وأنه مسلسل بالبصريين، سوى الصحابيّ
فمدنيّ، وأن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد
تقدّموا غير مرّة، وأن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو أحد المكثرين السبعة، روى
(١١٧٠) حديثاً .
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ ◌َظُهُ أنه (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) وفي الرواية التالية:
((أن أعرابيّاً أتى رسول الله وَلجر ... ))، ولا يُعرف اسمه، لكن قال الحافظ:
وهذا يمكن أن يفسر بثابت بن وديعة، فقد أخرج أبو داود، والنسائيّ من
حديثه، قال: أصبت ضِباباً، فشويت منها ضبّاً، فأتيت به رسول الله وأهله، فأخذ
عُوداً، فَعدّ به أصابعه، ثم قال: ((إن أمة من بني إسرائيل مُسخت دوابّ في
الأرض، وإني لا أدري أيّ الدواب هي؟))، فلم يأكل، ولم يَنْهَ، وسنده
صحیح. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: تفسير الرجل المبهم في حديث أبي سعيد هنا
بثابت بن وديعة، مع اختلاف طريقي الحديثين محلّ نظر؛ إذ لا دليل عليه،
فتأمل، والله تعالى أعلم.
(يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضِ مَضَبَّةٍ) قال النوويّ: فيها لغتان مشهورتان:
إحداهما: فتح الميم والضاد، والثانية ضم الميم، وكسر الضاد، والأول
أشهر، وأفصح؛ أي: ذات ضِباب كثيرة. انتهى(١).
وقال ابن الأثير تَخْلَتُهُ: هكذا جاء في الرِّواية بضم الميم، وكسر
الضاد، والمعْرُوف بفتحِهما، يقال: أضبَّت أرضُ فُلان: إذا كثر ضِبَابُها،
وهي أرضٌ مَضَبَّة؛ أي: ذات ضِبَاب، مثْل مَأْسَدَة، ومَذْأَبَة، ومَرْبَعة؛ أي:
ذات أُسُود، وذئاب، ويَرَابيع، وجمع المَضَبّة: مَضَابُّ، فأمَّا مُضبّة: فهي
اسمُ فاعل، من أضَبَّت، كأغدَّت، فهي مُغِدَّة، فإن صحَّت الرواية فهي
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٢/١٣ - ١٠٣.

٢٥٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
بمعناها، ونَحْوٌ من هذا البِنَاء. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: بناء الْمَفْعَلة والْمُفْعِلَة، وصفاً للمكان للدلالة
على الكثرة من اسم ما كثُر فيه. ذَكَرِه ابن مالك تَُّهُ في ((لاميّته))، فقال:
كَمِثْلٍ مَسْبَعَةٍ وَالزَّائِدُ اخْتُزِلَا
مِنِ اسْمِ مَا كَثُرَ اسْمُ الأَرْضِ مَفْعَلَةٌ
وَأَفْعَلَتْ عَنْهُمُ فِي ذَلِكَ احْتُمِلَا
مِنَ الْمَزِيدِ كَمَفْعَاةٍ وَمُفْعِلَةٌ
وَرُبَّمَا جَاءَ مِنْهُ نَادِرٌ قُبِلَا
غَيْرُ الثَّلَائِيِّ مِنْ ذَا الْوَضْعِ مُمْتَنِعٌ
وأشار بقوله: ((غير الثلاثيّ ... إلخ)) أن شرط البناء المذكور أن يكون من
الثلاثيّ، وأما غيره فلا يُبنى منه إلا نادراً، كمُعَقرِبةٍ، ومُثَعْلِبَةٍ؛ أي: كثيرة
العقرب، والثعلب.
(فَمَا تَأْمُرُنَا؟، أَوْ) للشكّ من الراوي، (فَمَا تُفْتِينَا؟)؛ أي: تُخبرنا بحكمه،
(قَالَ) ◌ِ ((ذُكِرَ لِي) بالبناء للمفعول، والظاهر أن الذاكر له جبريل ظلّلا، فهو
وحي، ولكنه لم يُبيّن له أيّ الدوابّ هي؟ (أَنَّ أُمَّةً)؛ أي: جماعةً (مِنْ بَنِي
إِسْرَائِيلَ)؛ أي: أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل - عليهم الصلاة
والسلام - (مُسِخَتْ))) بالبناء للمفعول؛ أي: حُوّلت من صورتها الآدميّة إلى
صورة حيوان آخر، يقال: مسَخَ الله مَسْخاً: حَوّل صورته التي كان عليها إلى
غيرها، ومَسَخَ الكاتب: إذا صحّف، فأحال المعنى في كتابه (٢).
(فَلَمْ يَأْمُرْ) وَّرَ بأكلها (وَلَمْ يَنْهَ) عنه. (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريّ
ضى عنه
(فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ) اسم ((كان)) محذوف؛ أي: فلما كان الزمن بعد ذلك
اليوم الذي قال فيه النبيّ بَ﴿ ما ذُكر، (قَالَ عُمَرُ) بن الخطّاب
(إِنَّ اللهَ وَكَ لَيَنْفَعُ بِهِ)؛ أي: بالضبّ؛ أي: بأكل لحمه (غَيْرَ وَاحِدٍ)؛ يعني:
كثيراً من الناس، (وَإِنَّهُ لَطَعَامُ عَامَّةِ هَذِهِ الرِّعَاءِ، وَلَوْ كَانَ عِنْدِي لَطَعِمْتُهُ، إِنَّمَا
عَافَهُ رَسُولُ اللهِ وَ﴿)؛ يعني: أنه يَّو إنما ترك أكله لا لكونه حراماً، وإنما
لكراهته له تقذّراً، حيث لم يكن بأرض قومه، ولا من طعامهم، والله تعالى
أعلم.
(١) ((النهاية في غريب الأثر)) ١٥٠/٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٧٢/٢.

٢٥٩
(٧) - بَابُ إِيَاحَةِ الضَّبِّ - حديث رقم (٥٠٣٦)
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ظُه هذا من أفراد
المصنّف نَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٠٣٥/٧ و٥٠٣٦] (١٩٥١)، و(ابن ماجه) (٢/
١٠٧٩)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (٢٨٦/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥/
١٢٣)، و(أحمد) في («مسنده)) (٥/٣ و١٩ و٦٦)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢/
٤٠٣)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٩٨/٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٤٢/٥ و٤٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٢٥/٩ و٤٢٤)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّلُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٣٦] ( .. ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيل
الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ أَغَّرَابِيّاً أَتَى رَسُولَ اللهِ وَِّ، فَقَالَ:
إِنِّي فِي غَائِطٍ مَضَبَّةٍ، وَإِنَّهُ عَامَّةُ طَعَامِ أَهْلِي، قَالَ: فَلَمْ يُحِبْهُ، فَقُلْنَا: عَاوِدْهُ،
فَعَاوَدَهُ، فَلَمْ يُجِبْهُ ثَلَاثاً، ثُمَّ نَادَاهُ رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي الثَّالِئَةِ، فَقَالَ: ((يَا أَعْرَابِيُّ
إِنَّ اللّهَ لَعَنَ، أَوْ غَضِبَ عَلَى سِبْطٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَمَسَخَهُمْ دَوَابَّ يَدِبُّونَ فِي
الأَرْضِ، فَلَا أَدْرِي لَعَلَّ هَذَا مِنْهَا، فَلَسْتُ أَكُلُهَا، وَلَا أَنْهَى عَنْهَا)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد
المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣.
٢ - (أَبُو عَقِيلِ الدَّوْرَقِيُّ) بشير بن عُقبة الناجيّ الساميّ، أو الأزديّ البصريّ،
أبو عَقِيل - بفتح العين - ثقةٌ [٧] (خ م مد تم) تقدم في ((البيوع)) ٤٢/ ٤٠٩٧
والباقون ذُكروا في الباب وقبله، و((محمد بن حاتم)) هو: ابن ميمون.
وقوله: (أَنَّ أَعْرَابِيّاً ... إلخ) تقدّم ما قيل في اسمه في الحديث الماضي.
وقوله: (إِنِّي فِي غَائِطٍ مَضَبَّةٍ) الغائط: الأرض المطمئنّة، قال الفيّوميّ:
الغَائِطُ: المطمئن الواسع من الأرض، والجمع: غِيطَانٌ، وأَغْوَاطٌ، وغُوْظٌ، ثم
أطلق الغَائِطُ على الخارج المستقذَر من الإنسان؛ كراهةً لتسميته باسمه

٢٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
الخاصّ؛ لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في المواضع المطمَئِنّة، فهو من مجاز
المجاورة، ثم توسعوا فيه حتى اشتقوا منه، وقالوا: تَغَوَّطَ الإنسان، وقال ابن
الْقُوطية: غَاطَ في الماء غَوْطاً: دخل فيه، ومنه الغَائِطُ. انتهى(١).
وقوله: (فَقُلْنَا: عَاوِدْهُ)؛ أي: راجع النبيّ وَّ مرّة أخرى.
وقوله: (إِنَّ اللهَ لَعَنَ، أَوْ غَضِبَ ... إلخ) ((أو)) للشكّ من الراوي.
وقوله: (عَلَى سِبْطٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) ((السبط)) بكسر، فسكون: وَلَد
الولد، والجمع أسباطٌ، مثلُ حِمْلٍ وأحمال، والسبط أيضاً الفريق من اليهود،
يقال للعرب: قبائل، ولليهود: أسباط، قاله الفيّوميّ(٢).
وقال ابن الأثير تَّتُهُ: الأسباط في أولاد إسحاق بن إبراهيم الخليل
بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل، واحدهم سِبْطٌ، فهو واقع على الأمة، والأمة
(٣)
واقعة عليه. انتهى(٣).
وقوله: (فَمَسَخَهُمْ دَوَابَ) الدواب: جمع دابّة، قال النوويّ: كذا وقع في
بعض النسخ، ووقع في أكثرها ((دوابّاً)) بالألف، والأول هو الجاري على
المعروف المشهور في العربيّة. انتهى (٤).
وقوله: (يَدِبُّونَ فِي الأَرْضِ) بكسر الدال، يقال: دبّ الصغير يدِبّ، من
باب ضرب دَبِيباً، ودبّ الجيش دبيباً أيضاً: سار سيراً ليّناً (٥).
وقوله: (فَلَا أَدْرِي لَعَلَّ هَذَا مِنْهَا) تقدّم أن هذا قبل أن يعلم وَّ، فقد
أخرج مسلم في ((صحيحه))(٦) عن ابن مسعود رَق مرفوعاً: ((إن الله تعالى لم
يجعل لمسخ نسلاً، ولا عَقِباً، وقد كانت القِرَدة والخنازير قبل ذلك))، قال
الشوكانيّ تَخْتُ: وقد صح عنه ◌َّ ير أن الممسوخ لا نسل له، والظاهر أنه لم
يعلم ذلك إلا بوحي، وأن تردّده في الضبّ كان قبل الوحي بذلك. انتهى (٧).
وقال القرطبيّ تَُّ: هذا منه وَِّ تَوقُّعُ، وخوف لأن يكون الضَّبُّ من
(١) ((المصباح المنير)) ٢ / ٤٥٧.
(٣) ((النهاية في غريب الأثر)) ص٤١٤.
(٥) ((المصباح المنير)) ١٨٨/١.
(٧) (نيل الأوطار)) ٢٨٧/٨.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٦٤/١.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٠٣/١٣.
(٦) ((صحيح مسلم)) رقم (٢٦٦٣).