النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
(٧) - بَابُ إِبَاحَةِ الضَّبِّ - حديث رقم (٥٠٢٣)
وَفِي حَدِيثٍ أُسَامَةَ: ((قَالَ: قَامَ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَرَسُولُ اللهِنَّهِ عَلَى
الْمِنْبَرِ»).
رجال هذا الإسناد: تسعة عشر:
١ - (إِسْمَاعِيلُ) بن إبراهيم المعروف بابن عُليّة، تقدّم قريباً.
٢ - (مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ) أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتُ، من كبار [٧]
(ت١٥٩) على الأصحّ (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤٦/١٠.
٣ - (شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ) بن قيس السَّكونيّ، أبو بدر الكوفيّ، صدوقٌ
ورِعٌ، له أوهامٌ [٩].
رَوَى عن الأعمش، وموسى بن عقبة، وهاشم بن هاشم بن عتبة،
وعمر بن محمد بن زيد العمريّ، وأبي خالد الدالانيّ، وزهير بن معاوية،
وغيرهم.
وروى عنه بقية بن الوليد، ومات قبله، وأحمد، وإسحاق، ويحيى بن
معين، وعليّ ابن المدينيّ، وهارون الحمال، ومحمد بن عبد الرحيم البزار،
وابنه أبو همام الوليد بن شجاع، ونصر بن عليّ الجهضميّ، وأبو خيثمة زهير بن
حرب، وغيرهم.
قال وكيع: سمعت سفيان يقول: ليس بالكوفة أعبد منه، وقال أحمد عن
أبي نعيم: لقيت سفيان بمكة، فكان أول شيء سألني كيف شجاع؟ وقال
أحمد بن حنبل: كنت مع يحيى بن معين، فلقي أبا بدر، فقال له: اتّق الله
يا شيخ، وانظر هذه الأحاديث، لا يكون ابنك يعطيك، قال أبو عبد الله:
فاستحييت، وتنحيت ناحيةً، وقال المروزيّ: فقلت لأحمد: ثقة هو؟ قال:
أرجو أن يكون صدوقاً، وقال حنبل: قال أبو عبد الله: كان أبو بدر شيخاً
صالحاً صدوقاً، كتبنا عنه قديماً، قال: ولقيه ابن معين يوماً، فقال له: يا
كذاب، فقال له الشيخ: إن كنت كذاباً، وإلا فهتكك الله، قال أبو عبد الله:
فأظن دعوة الشيخ أدركته، وقال ابن خِرَاش عن محمد بن عبد الله الْمُخَرِّميّ:
سئل وكيع عنه، فقال: كان جارنا ها هنا، ما عرفناه بعطاء بن السائب، ولا
المغيرة، وقال ابن أبي خيثمة: عن ابن معين: شجاع بن الوليد ثقةٌ، وقال

٢٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
العجليّ: كوفيّ ليس به بأسٌ، وقال أبو حاتم: عبد الله بن بكر السهميّ أحب
إلي منه، وهو شيخ، ليس بالمتين، لا يُحتج بحديثه، وقال أبو زرعة: لا بأس
به، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال مطين: مات سنة ثلاث ومائتين، وقال ابن سعد: مات سنة أربع
ومائتين في رمضان، وكان وَرِعاً، كثير الصلاة، وقال أحمد بن كامل: مات
سنة خمس ومائتين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث
برقم (١٩٤٣)، وحديث (٢٠٤٧): ((من تصبّح بسبع تمرات عجوة ... ))،
وحديث (٢٣٠٥): ((ألا إني فرط لكم على الحوض ... )).
٤ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيه،
إمام في المغازي [٥] (١٤١) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١.
٥ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ) تقدّم قريباً.
٦ - (أُسَامَةُ) بن زيد الليثيّ مولاهم، أبو زيد المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٧]
(ت١٥٣) (خت م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٨٥/٤٢.
والباقون ذُكروا في الباب، والبابين الماضيين، و((أبو الربيع)) هو:
سليمان بن داود الْعَتَكيّ، و((حماد)) هو: ابن زيد، و((أيوب)) هو: السختيانيّ،
و(هارون بن عبد الله)) هو: الحمّال البغداديّ.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ)؛ يعني: أن كلّاً من حمّاد بن زيد، وإسماعيل
ابن عليّة روى هذا الحديث عن أيوب السَّختيانيّ.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ نَافِع ... إلخ)؛ أي: كلّ هؤلاء الخمسة: أيوب
السختيانيّ، ومالك بن مِغْول، وابن جريج، وموسى بن عقبة، وأسامة بن زيد
الليثيّ رووا هذا الحديث عن نافع، عن ابن عمر ﴿ًّا، عن النبيّ ◌َل، بمعنى
رواية الليث بن سعد، عن نافع في الحديث السابق.
[تنبيه]: رواية أيوب السختيانيّ، عن نافع ساقها أبو عوانة تَخُّّْهُ في
((مسنده))، فقال:
(٧٦٩٣) - حدّثنا الصغانيّ، وأبو أمية قالا: ثنا أبو النعمان، قال: ثنا
حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: ((أن رسول الله وَلِ أُتِيَ

٢٢٣
(٧) - بَابُ إِيَاحَةِ الضَّبِّ - حديث رقم (٥٠٢٤)
بضب، فلم یأکله، ولم یحرمه)). انتهى(١).
ورواية مالك بن مِغْول، عن نافع، ساقها أبو عوانة تَّتُهُ أيضاً في
((مسنده))، فقال:
(٧٦٩٧) - حدّثنا أبو عمرو بن حازم بن أبي غرزة، قال: ثنا عبيد الله بن
موسى (ح) وحدّثنا أبو عمر إمام مسجد حَرّان، قال: ثنا مخلد بن يزيد، قالا:
ثنا مالك بن مَغْوَل، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سئل رسول الله وَلّ عن
أكل الضبّ، فقال: ((لا آكله، ولا أَنْهَى عنه)). انتهى.
ورواية ابن جريج، عن نافع، ساقها أيضاً أبو عوانة، فقال:
(٧٦٩٥) - حدّثنا يزيد بن سنان، والحميريّ البلخيّ بفارس قالا: ثنا
مكيّ بن إبراهيم، قال: ثنا ابن جريج، عن نافع، قال: كان ابن عمر يقول:
سئل النبيّ وَّ﴿ عن الضبّ، فقال: ((لست بآكله، ولا محرِّمه)). انتهى.
ورواية موسى بن عقبة، عن نافع ساقها أيضاً أبو عوانة، فقال:
(٧٦٩٦) - حدّثنا سعيد بن مسعود المروزيّ، قال: ثنا شجاع بن الوليد،
قال: سمعت موسى بن عقبة يحدّث عن نافع، عن ابن عمر: أن رجلاً سأل
رسول الله ﴿ عن الضبّ آكله؟ فقال رسول الله وَله: ((لست بآكله، ولا
محرِّمه))، قال: فتركه عبد الله حين سمع ذلك، وقد كان يأكله. انتهى(٢).
ورواية أسامة بن زيد ساقها أيضاً أبو عوانة، فقال:
(٧٦٩٤) - حدّثنا الربيع بن سليمان، وعيسى بن أحمد العسقلانيّ، قالا:
ثنا عبد الله بن وهب، عن أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قام
رجل في المسجد، ورسول الله وسلم على المنبر، فقال: يا رسول الله كيف ترى
في الضبّ؟ فقال: ((لا آكله، ولا أُحَرِّمه)). انتهى(٣)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَّتُهُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٢٤] (١٩٤٤) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ، سَمِعَ الشَّعْبِيَّ، سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ نَّ كَانَ مَعَهُ نَاسٌ مِنْ
(١) ((مسند أبي عوانة)) ٣٦/٥.
(٣) ((مسند أبي عوانة)) ٣٧/٥.
(٢) ((مسند أبي عوانة)) ٣٧/٥.

٢٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ سَعْدٌ، وَأَتُوا بِلَحْمِ ضَبٍّ، فَنَادَتِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ وَلِ: إِنَّهُ
لَحْمُ ضَبٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((َكُلُوا، فَإِنَّهُ حَلَاَلٌ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِي))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (تَوْبَةُ الْعَنْبَرِيُّ) هو: توبة بن أبي الأسد، أبو الْمُوَرّع البصريّ، واسم
أبي الأسد كيسان بن راشد، وقيل: توبة بن أبي راشد، ويقال: ابن أبي
الْمُوَرِّع، ثقةٌ، أخطأ الأزديّ إذ ضعفّه [٤].
رَوَى عن أنس، ومُوَرِّق العجليّ، والشعبيّ، وعمر بن عبد العزيز،
ومحمد بن إبراهيم التيميّ، وأبي بردة بن أبي موسى، وأبي العالية، وغيرهم.
وروى عنه شعبة، والثوريّ، وأبو الأشهب، وأبو بشر، وأبو هلال
الراسبيّ، ومطيع بن راشد، وهشام بن حسان، وجماعة.
قال إسحاق بن منصور عن ابن معين، وأبو حاتم، وإبراهيم بن عرعرة،
والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: أخبرنا إسحاق بن المورِّع بن توبة العنبريّ،
قال: هو توبة بن كيسان بن أبي الأسد، أصله من سجستان، ومولده اليمامة،
ومنشؤه بها، ثم تحول إلى البصرة، وهو مولى أيوب بن أزهر، وفد على
عمر بن عبد العزيز، وولّاه يوسف بن عمر سابور، ثم ولّاه الأهواز، وكان يوم
توفي ابن (٧٤) سنةً، وقال خليفة: مات بعد الثلاثين ومائة، وقال حفيده
العباس بن عبد العظيم العنبريّ: مات في الطاعون سنة (١٣١)، قال ابن
المدينيّ: له نحو ثلاثين حديثاً، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال الأزديّ
وحده: توبة منكر الحديث، ورَوَى بإسناد له عن ابن معين يُضَعَّف، وقال ابن
أبي خيثمة عن المدائنيّ، عن توبة: عملت ليوسف بن عمر، فحبسني حتى لم
يبق في رأسي شعرة سوداء، فذكر قصةً.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا
الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب.
شرح الحديث:
(عَنْ تَوْبَةَ) - بمثناة مفتوحة، وسكون الواو، بعدها موحّدة - هو ابن

٢٢٥
(٧) - بَابُ إِبَاحَةِ الضَّبِّ - حديث رقم (٥٠٢٥)
كيسان، يُكنى أبا الْمُوَرِّع - بتشديد الراء، والاهمال - (الْعَنْبَرِيِّ) - بفتح العين
المهملة، والموحدة، بينهما نون ساكنة - نسبة إلى بني العنبر، بطن شهير من
بني تميم، قاله في ((الفتح))(١). أنه (سَمِعَ الشَّعْبِيَّ) عامر بن شَرَاحيل، وقوله:
(سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ) جملة حاليّة بتقدير ((قد)) عند البصريين، وبدونها عند الكوفيين،
(أَنَّ النَّبِيَّ نَلِ كَانَ مَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) ﴿هَ، (فِيهِمْ سَعْدٌ) ابن أبي وقّاص،
(وَأَتُوا) بالبناء للمفعول، (بِلَحْمِ ضَبِّ، فَنَادَتِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ وََّ) هي
ميمونة أم المؤمنين ﴿يا، كما سيأتي. (إِنَّهُ)؛ أي: إن اللحم الذي أتي به
النبيّ لَّه وأصحابه (لَحْمُ ضَبٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ) لأصحابه («كُلُوا، فَإِنَّهُ
حَلَالٌ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِي)))؛ أي: ولكن أنا تعافه نفسي؛ لأنه ليس من
الطعام الذي تعوّدت أكله؛ لعدم توفّره في مكة، ولفظ البخاريّ: ((قال: كان
ناس من أصحاب النبيّ وَّ فيهم سعد، فذهبوا يأكلون من لحم، فنادتهم امرأة
من بعض أزواج النبيّ وَله: إنه لحم ضبّ، فأمسكوا، فقال رسول الله والته :
كلوا، أو اطعَمُوا، فإنه حلال، أو قال: لا بأس به، ولكنه ليس من طعامي)).
والمراد أنه 80* ما ترك أكله لكونه حراماً، وإنما تركه لأنه ليس من
الطعام المألوف له، فلا تخالُفَ بين قوله هنا: ((فإنه حلال))، وبين قوله
السابق: ((لا أحله ولا أحرمه))، فتنبّه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى، ويأتي تمام البحث فيه، وبالله تعالى
التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٢٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،
حَدَّثْنَا شُعْبَةُ، عَنْ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي الشَّعْبِيُّ: أَرَأَيْتَ حَدِيثَ الْحَسَنِ عَنِ
النَّبِيِّ وَّهِ، وَقَاعَدْتُ ابْنَ عُمَرَ قَرِيباً مِنْ سَنَتَيْنٍ، أَوْ سَنَةٍ وَنِصْفٍ، فَلَمْ أَسْمَعْهُ رَوَى
عَنِ النَّبِّ وَِّ غَيْرَ هَذَا، قَالَ: كَانَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ ◌ِ فِيهِمْ سَعْدٌ، بِمِثْلِ
حَديثٍ مُعَاذٍ).
(١) ((الفتح)) ١١٩/١٧، كتاب ((أخبار الآحاد)) (٧٢٦٧).

٢٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم ذُكروا في الباب، وقبل باب.
وقوله: (قَالَ لِي الشَّعْبِيُّ: أَرَأَيْتَ حَدِيثَ الْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ ◌َلٍّ ... إلخ)؛
يعني: الحسن البصريّ، والرؤيا هنا بصرية، والاستفهام للإنكار، كأن الشعبيّ
يُنكر على من يرسل الأحاديث عن رسول الله وَّه، إشارةً إلى أن الحامل لفاعل
ذلك طلب الإكثار من التحديث عنه، وإلا لكان يكتفي بما سمعه موصولاً .
وقال الكرمانيّ: مراد الشعبيّ أن الحسن مع كونه تابعيّاً كان يُكثر
الحديث عن النبيّ وَّه، وابن عمر مع كونه صحابيّاً يحتاط، ويُقِلّ من ذلك
مهما أمكن.
قال الحافظ: وكأن ابن عمر اتَّبَع رأي أبيه في ذلك، فإنه كان يحضّ على
قلة التحديث عن النبيّ وَّ لوجهين:
أحدهما: خشية الاشتغال عن تعلم القرآن، وتفهّم معانيه.
والثاني: خشية أن يُحَدَّث عنه بما لم يقله؛ لأنهم لم يكونوا يكتبون، فإذا
طال العهد لم يؤمَن النسيان.
وقد أخرج سعيد بن منصور بسند آخر صحيح، عن الشعبيّ، عن قَرَظَة بن
كعب، عن عمر أنه قال: أقلّوا الحديث عن النبيّ وَّ، وأنا شريككم.
وقوله: (وَقَاعَدْتُ ابْنَ عُمَرَ) الجملة حالية، والمراد أنه جلس معه المدة
المذكورة.
وقوله: (قَرِيباً مِنْ سَنَتَيْنِ، أَوْ سَنَةٍ وَنِصْفٍ) ووقع عند ابن ماجه، من طريق
عبد الله بن أبي السَّفَر، عن الشعبيّ، قال: ((جالست ابن عمر سنةً))، فيُجمع بأن
مدة مجالسته كانت سنة وكسراً، فألغى الكسر تارةً، وجبره أخرى، وكان
الشعبي جاور بالمدينة، أو بمكة، وإلا فهو كوفيّ، وابن عمر لم تكن له إقامة
بالكوفة، قاله في ((الفتح)) (١).
وقوله: (فَلَمْ أَسْمَعْهُ)؛ أي: ابن عمر، (رَوَى عَنِ النَّبِيِّ بَ غَيْرَ هَذَا)
(١) ((الفتح)) ١٢٠/١٧، كتاب ((أخبار الآحاد)) رقم (٧٢٦٧).

٢٢٧
(٧) - بَابُ إِبَاحَةِ الضَّبِّ - حديث رقم (٥٠٢٦)
أشار به إلى الحديث يريد أن يذكره، وهو حديث الضبّ، قال في ((الفتح)):
وكأنه استحضره بذهنه إذ ذاك.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثٍ مُعَاذٍ)؛ يعني: أن محمد بن جعفر حدّث عن
الشعبيّ بمثل ما حدّث به معاذ بن معاذ عنه.
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن شعبة هذه ساقها البخاريّ في
((صحيحه))، فقال:
(٧٢٦٧) - حدّثنا محمد بن الوليد، حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة،
عن توبة العنبريّ، قال: قال لي الشعبيّ: أرأيت حديث الحسن عن النبيّ تَّ،
وقاعدت ابن عمر قريباً من سنتين، أو سنة ونصف، فلم أسمعه يُحَدِّث عن
النبيّ ◌َّ غير هذا، قال: كان ناس من أصحاب النبيّ وَّل، فيهم سعد، فذهبوا
يأكلون من لحم، فنادتهم امرأة من بعض أزواج النبيّ وَّ: إنه لحم ضبّ،
فأمسكوا، فقال رسول الله وَّله: ((كلوا، - أو اطْعَمُوا - فإنه حلال - أو قال: لا
بأس به، شك فيه (١) - ولكنه ليس من طعامي)). انتهى (٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٢٦] (١٩٤٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلَّهَ بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأَتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوٍ،
فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَ بِيَدِهِ، فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ اللَّتِي فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ:
أَخْبِرُوا رَسُولَ اللهِ وَّهِ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَدَهُ، فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ
هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((لَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضٍ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ))، قَالَ
خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ، فَأَكَلْتُّهُ، وَرَسُولُ اللهِ وَلِّ يَنْظُرُ).
(١) قوله: ((شكّ فيه)) هو قول شعبة، والذي شَكَّ في أيّ اللفظين قال: هو توبة الراوي
عن ابن عمر، بَيَّن ذلك محمد بن جعفر في روايته، عن شعبة، أخرجه أحمد في
((مسنده) عنه، قاله في ((الفتح)) ١٢٠/١٧ رقم (٧٢٦٧).
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ٦/ ٢٦٥٢.

٢٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ) - مصغّراً - هو: أسعد بن سهل بن حُنيف
الأنصاريّ، مشهور بكنيته، معدود من الصحابة؛ لرؤيته، ولم يسمع منه ◌َّل،
ومات سنة مائة، وله اثنان وتسعون سنةً [٢] (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧٧٩/١٨.
والباقون تقدّموا قبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف، وأنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وقد
دخل المدينة للأخذ عن مالك، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس
أحد المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة، والمشهورين بالفتوى.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) أسعد (بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ) بصيغة التصغير، له رؤية،
وأبوه صحابيّ، وفي رواية للبخاريّ من طريق يونس، عن ابن شهاب: ((قال
أخبرني أبو أمامة)) (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ) ﴿هَا أنه (قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ
الْوَلِيدِ) بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم، سيف الله، أبو سليمان، من
كبار الصحابة ، كان إسلامه بين الحديبية والفتح، وكان أميراً على قتال
أهل الرّدّة وغيرها من الفتوح، إلى أن مات ظه سنة (١ أو٢٢)، تقدّمت
ترجمته في ((الجهاد والسِّيَر)) ١٣/ ٤٥٦٠. (مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهُ بَيْتَ مَيْمُونَةَ) بنت
الحارث ينا، وهذه الرواية صريحة في كون الحديث من مسند ابن عبّاس چًا،
وفي رواية يونس التالية: ((أن ابن عباس أخبره أن خالد بن الوليد الذي يقال
له: سيف الله أخبره)»، فجعله من مسند خالد
قال في ((الفتح)): وهذا الحديث مما اختلف فيه على الزهريّ، هل هو
من مسند ابن عباس، أو من مسند خالد؟ وكذا اختلف فيه على مالك، فقال
الأكثر: عن ابن عباس، عن خالد، وقال يحيى بن بكير في ((الموطأ))، وطائفة:
عن مالك، بسنده عن ابن عباس، وخالد أنهما دخلا، وقال يحيى بن يحيى
التميميّ عن مالك، بلفظ: ((عن ابن عباس، قال: دخلت أنا وخالد على
النبيّ وَّ))، أخرجه مسلم عنه - يعني: هذه الرواية - وكذا أخرجه من طريق

٢٢٩
(٧) - بَابُ إِيَاحَةِ الضَّبِّ - حديث رقم (٥٠٢٦)
عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، بلفظ: ((عن ابن عباس، قال: أتي
النبيّ وَّ، ونحن في بيت ميمونة بضبّين مشويين))، وقال هشام بن يوسف عن
معمر کالجمهور.
والجمع بين هذه الروايات أن ابن عباس كان حاضراً للقصة في بيت
خالته ميمونة، كما صرَّح به في هذه الرواية، وكأنه استثبت خالد بن الوليد في
شيء منه؛ لكونه الذي كان باشر السؤال عن حكم الضب، وباشر أكله أيضاً،
فكان ابن عباس ربما رواه عنه، ويؤيد ذلك أن محمد بن المنكدر حدّث به عن
أبي أمامة بن سهل، عن ابن عباس، قال: (أَتِيَ النبيّ وَّ، وهو في بيت
ميمونة، وعنده خالد بن الوليد بلحم ضبّ))، الحديث أخرجه مسلم، وكذا رواه
سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فلم يذكر فيه خالداً. انتهى(١).
(فَأُتِيَ) بالبناء للمفعول، (بِضَبِّ مَحْنُوذٍ) - بحاء مهملة ساكنة، ونون
مضمومة، وآخره ذال معجمة -؛ أي: مَشْويّ بالحجارة المحمّاة، ووقع في
رواية معمر: ((بضبّ مَشْويّ))، والمحنوذ أخصّ، والحنيذ بمعناه، زاد يونس في
روايته: ((قَدِمت به أختها حُفَيدة))، وهي بمهملة، وفاء، مصغَّراً، وفي رواية
سعيد بن جبير: ((أن أم حُفيدة بنت الحارث بن حزن خالة ابن عباس، أهدت
للنبيّ وَّ سمناً، وأَقِطاً، وأُضُبّاً))، وفي رواية عوف، عن أبي بشر، عن سعيد بن
جبير، عند الطحاويّ: ((جاءت أم حفيدة بضبّ وقنفذ))، وذِكْر القنفذ فيه غريب.
وقد قيل في اسمها: هُزيلة بالتصغير، وهي رواية ((الموطأ)) من مرسل
عطاء بن يسار، فإن كان محفوظاً، فلعل لها اسمين، أو اسم ولقب، وحَكَى
بعض شراح ((العمدة)) في اسمها: حُمِيدة، بميم، وفي كنيتها: أم حُميد، بميم
بغير هاء، وفي رواية بِهاء، وبفاء، ولكن بِراء بدل الدال، وبعين مهملة بدل
الحاء، بغير هاء، وكلها تصحيفات(٢).
(فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَهِ بِيَدِهِ) زاد يونس: ((وكان رسول الله وَّهُ قَلّما
يُقَدِّم يده لطعام حتى يُسَمَّی له)).
وأخرج إسحاق بن راهويه، والبيهقيّ في ((الشعب)) من طريق يزيد بن
(١) (الفتح)) ٥٢٤/١٢.
(٢) ((الفتح)) ٥٢٤/١٢.

٢٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
الْحَوْتكية، عن عمر تَظُه: ((أن أعرابيّاً جاء إلى النبيّ وَّ بأرنب يُهديها إليه،
وكان النبيّ ◌َ﴿ لا يأكل من الهدية حتى يأمر صاحبها، فيأكل منها، من أجل
الشاة التي أهديت إليه بخيبر ... )) الحديث، وسنده حسن.
(فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ اللََّّتِي فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ: أَخْبِرُوا رَسُولَ اللهِ نَّهِ بِمَا
يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَدَهُ) وفي رواية البخاريّ: ((فقالوا: هو ضبّ
یا رسول الله، فرفع یدہ».
وفي رواية يونس: ((فقالت امرأة من النسوة الحضور: أخبرن رسول الله وَل
بما قدمتنّ له، هو الضب يا رسول الله))، وكأن المرأة أرادت أن غيرها يخبره،
فلمّا لم يُخبروا بادرت هي، فأخبرت. وفي رواية الشعبيّ، عن ابن عمر، قال:
((كان ناس من أصحاب النبيّ وَّ، فيهم سعد - يعني: ابن أبي وقاص - فذهبوا
يأكلون من لحم، فنادتهم امرأة من بعض أزواج النبيّ بَّر))، وفي رواية يزيد بن
الأصم: ((عن ابن عباس أنه بينما هو عند ميمونة، وعندها الفضل بن عباس،
وخالد بن الوليد، وامرأة أخرى إذا قُرِّب إليهم خِوَانٌ عليه لحم، فلما أراد
النبيّ وَلّ أن يأكل قالت له ميمونة: إنه لحم ضبّ، فكفّ يده)).
وعُرِف بهذه الرواية اسم التي أُبهمت في الرواية الأخرى، وعند الطبرانيّ
في ((الأوسط)) من وجه آخر صحيح: ((فقالت ميمونة: أخبروا رسول الله وَلّ ما
هو))(١).
وقوله أيضاً: (فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ وَفِ يَدَهُ) زاد في رواية: ((عن الضبّ))،
ويؤخذ منه أنه أكل من غير الضب مما كان قُدِّم له من غير الضب، كما يأتي
أنه كان فيه غير الضب، وقد جاء صريحاً في رواية سعيد بن جبير، عن ابن
عباس قال: ((فأكل من السمن، والأقط، وترك الضبّ))، وفي رواية للبخاريّ:
((فأكل الأقط، وشرِب اللبن)).
(فَقُلْتُ) القائل هو خالد بن الوليد ظُه، كما يأتي بعده. (أَحَرَامٌ هُوَ)؛
أي: الضبّ (يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) وَّهِ ((لا)؛ أي: ليس بحرام، (وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ
بِأَرْضِ قَوْمِي) في رواية يزيد بن الأصم: ((هذا لحم لم آكله قطّ))، قال ابن
(١) ((الفتح)) ٥٢٤/١٢، كتاب ((الذبائح)) رقم (٥٥٣٧).

٢٣١
(٧) - بَابُ إِبَاحَةِ الضَّبِّ - حديث رقم (٥٠٢٦)
العربي: اعتَرَض بعض الناس على هذه اللفظة: ((لم يكن بأرض قومي)) بأن
الضِّباب كثيرة بأرض الحجاز، قال ابن العربيّ: فإن كان أراد تكذيب الخبر فقد
كَذَبَ هو، فإنه ليس بأرض الحجاز منها شيء، أو ذُكرت له بغير اسمها، أو
حدثت بعد ذلك، وكذا أنكر ابن عبد البرّ، ومن تبعه أن يكون ببلاد الحجاز
شيء من الضِّباب.
قال الحافظ: ولا يحتاج إلى شيء من هذا، بل المراد بقوله وَل اته:
((بأرض قومي)) قريشٌ فقط، فيختص النفي بمكة وما حولها، ولا يمنع ذلك أن
تكون موجودة بسائر بلاد الحجاز، وقد وقع في رواية يزيد بن الأصم عند
مسلم: ((دعانا عروس بالمدينة، فقرّب إلينا ثلاثة عشر ضبّاً، فآكل، وتارك ... ))
الحديث، فبهذا يدلّ على كثرة وجدانها بتلك الديار. انتهى(١).
(فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ) - بعين مهملة، وفاء خفيفة -؛ أي: أكره أكله، يقال:
عاف الطعام، والشراب يعافه، من باب تَعِبَ عِيَافةً بالكسر: إذا كَرِهته، ووقع
في رواية سعيد بن جبير: فتركهن النبيّ وَ ◌ّ كالمتقذّر لهنّ، ولو كُنّ حراماً لَمَا
أُكلن على مائدة النبيّ وََّ، ولَمَا أَمَر بأكلهنّ))، كذا أطلق الأمر، وكأنه تلقاه من
الإذن المستفاد من التقرير، فإنه لم يقع في شيء من طرق حديث ابن عباس
بصيغة الأمر، إلا في رواية يزيد بن الأصم الآتية، فإن فيها: ((فقال لهم:
كُلُوا، فأكل منه الفضل، وخالد، والمرأة))، وكذا في رواية الشعبيّ عن ابن
عمر: ((فقال النبيّ ◌َل﴾: كُلُوا، أو اطْعَمُوا، فإنه حلال، أو قال: لا بأس به،
ولکنه لیس طعامي)).
وفي هذا كله بيان سبب ترك النبيّ وَلقر، وأنه بسبب أنه ما اعتاده، وقد
ورد لذلك سبب آخر أخرجه مالك من مرسل سليمان بن يسار، فذكر معنى
حديث ابن عباس، وفي آخره: ((فقال النبيّ وَّ: كلا - يعني: لخالد وابن
عباس - فإنني يحضرني من الله حاضرة))، قال المازريّ: يعني الملائكة، وكأن
للحم الضب ريحاً، فترك أكْله لأجل ريحه، كما ترك أكل الثوم مع كونه
حلالاً .
(١) ((الفتح)) ٥٢٤/١٢، كتاب ((الذبائح)) رقم (٥٥٣٧).

٢٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
قال الحافظ: وهذا إن صح يمكن ضمّه إلى الأول، ويكون لتركه الأكل
من الضب سببان. انتهى(١).
(قَالَ خَالِدٌ)؛ أي: ابن الوليد، (فَاجْتَرَرْتُهُ) - بجيم ورائين - هذا هو
المعروف في كتب الحديث، وضبطه بعض شراح ((المهذّب)) بزاي قبل الراء،
وقد غلّطه النوويّ.
(فَأَكَلْتُهُ، وَرَسُولُ اللهِوَِّ يَنْظُرُ) زاد يونس في روايته عند البخاريّ: ((إِلَيَّ))،
وفي روايته الآتية عند مسلم: ((ورسول الله (وَل﴿ ينظر، فلم ينهني)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: [إن قيل]: إذا كان النبيّ ◌َلقر ترك أكله؛
لكونه ليس بأرض قومه، فَلِمَ أكَله خالد بن الوليد، وهو من قوم النبيّ ◌َّ؟.
[قلت]: لعلّ خالداً تعوّد أكله تقليداً لأهل نجد، فإن المرأة التي أهدت
الضبّ له وَّر من نجد، وهي خالته، فلعله كان يذهب إليها لزيارتها، فرأى
الناس هناك يأكلونه بكثرة، فأكله معهم، بخلافه وَّته، ولم أر من تعرّض لهذا
البحث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٠٢٦/٧ و٥٠٢٧ و ٥٠٢٨ و٥٠٢٩ و٥٠٣٠
و٥٠٣١ و٥٠٣٢] (١٩٤٥ و١٩٤٦ و١٩٤٧ و١٩٤٨)، و(البخاريّ) في ((الأطعمة))
(٥٣٩١) و((الذبائح)) (٥٥٣٧)، و(أبو داود) في ((الأطعمة)) (٣٧٩٤)، و(الترمذيّ)
(٣٤٥٥)، و(النسائيّ) في ((الصيد)) (١٩٧/٧ - ١٩٨) و((الكبرى)) (٤٨٢٦)،
و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (١٧٤/٢)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٢٠/١ و٢٢٥
و٢٨٤ و٣٣٢)، و(الدارميّ) في («سننه» (٩٣/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٥٢٦٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣٨١٥ و٣٨١٦ و٣٨١٧ و٣٨٢١ و٣٨٢٢)،
(١) ((الفتح)) ٥٢٤/١٢، كتاب ((الذبائح)) (٥٥٣٧).

٢٣٣
(٧) - بَابُ إِبَاحَةِ الضَّبِّ - حديث رقم (٥٠٢٦)
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٢٣/٩)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٧٩٩)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز أكل الضبّ، وحَگی عیاض عن قوم تحريمه،
وعن الحنفية كراهته، وأنكر ذلك النوويّ، وقال: لا أظنه يصح عن أحد، فإن
صح فھو محجوج بالنصوص، وبإجماع من قبله.
وتعقّبه الحافظ، فقال: قد نقله ابن المنذر عن عليّ ◌َظُه، فأيُّ إجماع
يكون مع مخالفته، ونقل الترمذيّ كراهته عن بعض أهل العلم، وقال الطحاويّ
في ((شرح معاني الآثار)): كَرِه قوم أكل الضب، منهم أبو حنيفة، وأبو يوسف،
ومحمد بن الحسن، قال: واحتَجَّ محمد بحديث عائشة رضيويُها أن النبيّ ◌َلّ أُهدي
له ضبّ، فلم يأكله، فقام عليهم سائل، فأرادت عائشة أن تعطيه، فقال لها
رسول الله وَله: ((أتعطينه ما لا تأكلين؟))، قال الطحاويّ: ما في هذا دليل على
الكراهة؛ لاحتمال أن تكون عافته، فأراد النبيّ وَ﴿ أن لا يكون ما يُتقرَّب به
إلى الله إلا من خير الطعام، كما نَهَى أن يتصدق بالتمر الرديء. انتهى.
وقد جاء عن النبيّ وَّرِ أنه نَهَى عن الضبّ، أخرجه أبو داود بسند حسن،
فإنه من رواية إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زُرْعة، عن شُريح بن عتبة،
عن أبي راشد الْحُبْرانيّ، عن عبد الرحمن بن شِبْل، وحديث ابن عياش عن
الشاميين قويّ، وهؤلاء شاميون ثقاتٌ، ولا يُغْتَرّ بقول الخطابيّ: ليس إسناده
بذاك، وقولِ ابن حزم: فيه ضعفاء، ومجهولون، وقول البيهقيّ: تفرد به
إسماعيل بن عياش، وليس بحجة، وقول ابن الجوزيّ: لا يصحّ، ففي كل ذلك
تساهل لا يخفى، فإن رواية إسماعيل عن الشاميين قوية عند البخاريّ، وقد
صحح الترمذيّ بعضها .
وقد أخرج أبو داود من حديث عبد الرحمن بن حسنة: ((نزلنا أرضاً كثيرة
الضِّباب ... )) الحديث، وفيه: ((إنهم طبخوا منها، فقال النبيّ وَّر: إن أمة من
بني إسرائيل مُسخت دوابّ في الأرض، فأخشى أن تكون هذه، فاكفئوها))،
أخرجه أحمد، وصححه ابن حبان، والطحاويّ، وسنده على شرط الشيخين،
إلا الضحاك، فلم يُخرجا له.

٢٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
وللطحاويّ من وجه آخر، عن زيد بن وهب، ووافقه الحارث بن مالك،
ويزيد بن أبي زياد، ووكيع، وفي آخره: ((فقيل له: إن الناس قد اشتووها،
وأكلوها، فلم يأكل، ولم ينه عنه))، والأحاديث الماضية وإن دلت على الحلّ
تصريحاً وتلويحاً نصّاً وتقريراً، فالجمع بينها وبين هذا أن يُحْمَل النهي فيه على
أول الحال عند تجويز أن يكون مما مُسخ، وحينئذ أَمَر بإكفاء القدور، ثم
توقف، فلم يأمر به، ولم ينه عنه، ويُحْمَل الإذن فيه على ثاني الحال لَمّا عَلِم
أن الممسوخ لا نسل له، ثم بعد ذلك کان یستقدره، فلا یأکله، ولا يحرمه،
وأُكل على مائدته، فدل على الإباحة، وتكون الكراهة للتنزيه في حقّ من
يتقذّره، وتُحْمَل أحاديث الإباحة على من لا يتقذّره، ولا يلزم من ذلك أنه يُكره
مطلقاً .
وقد أفهم كلام ابن العربيّ أنه لا يحل في حقّ من يتقذّره؛ لِمَا يُتَوَقَّع في
أكله من الضرر، وهذا لا يختصّ بهذا .
٢ - (ومنها): أنه استَدَلّ بعضُ من مَنَع أكل الضبّ بحديث أبي سعيد
الخدريّ ظُه الآتي عند مسلم، أن النبيّ وَل﴿ قال: ((ذُكر لي أن أمة من بني
إسرائيل مُسخت))، قال الطبريّ: ليس في الحديث الجزم بأن الضبّ مما مُسِخِ،
وإنما خَشِي أن يكون منهم، فتوقف عنه، وإنما قال ذلك قبل أن يُعْلِمِ اللهُ تعالى
نبيّه و ◌َ﴿ أن الممسوخ لا يُنسِل، وبهذا أجاب الطحاويّ، ثم أخرج من طريق
المعرور بن سويد، عن عبد الله بن مسعود، قال: سئل رسول الله وَّر عن
القردة والخنازير، أهي مما مُسخ؟ قال: إن الله لم يُهلك قوماً، أو يَمْسَخْ قوماً،
فيجعلَ لهم نسلاً، ولا عاقبةً)).
قال الحافظ: وأصل هذا الحديث في مسلم، وكأنه لم يستحضره من
((صحيح مسلم))، ويُتعجّب من ابن العربيّ، حيث قال: قوله: إن الممسوخ لا
يُنسِل دعوى، فإنه أمر لا يُعرف بالعقل، وإنما طريقه النقل، وليس فيه أمر
يُعَوَّل عليه، كذا قال، ثم قال الطحاويّ بعد أن أخرجه من طرُق، ثم أخرج
حديث ابن عمر: فثبت بهذه الآثار أنه لا بأس بأكل الضبّ، وبه أقول، قال:
وقد احتج محمد بن الحسن لأصحابه بحديث عائشة، فساقه الطحاويّ من
طريق حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود،

٢٣٥
(٧) - بَابُ إِبَاحَةِ الضَّبِّ - حديث رقم (٥٠٢٦)
عن عائشة: ((أُهديَ للنبيّ وَّر، فلم يأكله، فقام عليهم سائل، فأرادت عائشة أن
تعطيه، فقال لها: أتعطيه ما لا تأكلين؟))، قال محمد: دَلّ ذلك على كراهته
لنفسه ولغيره.
وتعقبه الطحاويّ باحتمال أن يكون ذلك من جنس ما قال الله تعالى:
﴿وَلَسْتُمْ بِفَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُوْ فِيَةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧]، ثم ساق الأحاديث
الدالة على كراهة التصدق بحَشَف التمر، وبحديث البراء: ((كانوا يحبون الصدقة
بأردأ تمرهم))، فنزلت: ﴿أَنفِقُواْ مِن طَيْبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧]،
قال: فلهذا المعنى كره لعائشة الصدقة بالضب، لا لكونه حراماً. انتهى.
وهذا يدلّ على أنه فَهِم عن محمد أن الكراهة فيه للتحريم، والمعروف
عن أكثر الحنفية فيه كراهة التنزيه، وجنح بعضهم إلى التحريم، وقال: اختَلَفت
الأحاديث، وتعذّرت معرفة المتقدِّم، فرجّحنا جانب التحريم؛ تقليلاً للنسخ.
انتھی.
وتعقّبه الحافظ بأن دعواه التعذر ممنوعة؛ لِمَا تقدم، والله أعلم.
قال: ويُتعجب من ابن العربيّ حيث قال: قولهم: إن الممسوخ لا يُنسل
دعوى، فإنه أمر لا يُعْرَف بالعقل، وإنما طريقه النقل، وليس فيه أمر يُعَوَّل
عليه، كذا قال، وكأنه لم يستحضره من ((صحيح مسلم))، ثم قال: وعلى تقدير
ثبوت كون الضب ممسوخاً، فذلك لا يقتضي تحريم أكله؛ لأن كونه آدميّاً قد
زال حكمه، ولم يبق له أثر أصلاً، وإنما كره وَّر الأكل منه لِمَا وقع عليه من
سخط الله، کما کره الشرب من میاه ثمود. انتهى.
قال الحافظ: ومسألة جواز أكل الآدميّ إذا مُسخ حيواناً مأكولاً لم أرها
في كتب فقهائنا - يعني: الشافعيّة -. انتهى (١).
٣ - (ومنها): أن فيه الإعلامَ بما شَكّ فيه؛ لإيضاح حكمه.
٤ - (ومنها): أن مطلق النّفْرَة عن الشيء، وعدم استطابته لا يستلزم
التحريم.
٥ - (ومنها): أن المنقول عنه ◌َ﴾ أنه كان لا يعيب الطعام إنما هو فيما
(١) ((الفتح)) ٥٢٤/١٢، كتاب ((الذبائح)) رقم (٥٥٣٧).

٢٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
صنعه الآدميّ؛ لئلا ينكسر خاطره، ويُنْسَب إلى التقصير فيه، وأما الذي خُلِق
كذلك فليس نفور الطبع منه ممتنعاً .
٦ - (ومنها): أن وقوع مثل ذلك ليس بمعيب ممن يقع منه، خلافاً لبعض
المتنطعة .
٧ - (ومنها): أن الطّباع تختلف في النفور عن بعض المأكولات.
٨ - (ومنها): ما قيل: إنه قد يُستنبط منه أن اللحم إذا أنتن لم يحرم؛
لأن بعض الطباع لا تعافه.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا فيه نظر لا يخفى؛ لأنه تقدّم أنه وَّ قال
في حديث أبي ثعلبة الخشنيّ ﴿به: ((فليأكله إلا أن يُنتن))، فإنه صريح أنه إذا
أنتن لا يجوز أكله، وهو صريح، فيقدّم على هذا المفهوم، والله تعالى أعلم.
٩ - (ومنها): جواز دخول أقارب الزوجة بيتها، إذا كان بإذن الزوج، أو
رضاه .
[تنبيه]: قال الحافظ: وذَهِل ابنُ عبد البرّ هنا ذهولاً فاحشاً، فقال: كان
دخول خالد بن الوليد بيت النبيّ ◌َ﴿ في هذه القصة قبل نزول الحجاب، وغفل
عما ذَكَره هو أن إسلام خالد كان بين عمرة القضية والفتح، وكان الحجاب قبل
ذلك اتفاقاً، وقد وقع في حديث الباب: ((قال خالد: أحرام هو يا رسول الله؟))
فلو كانت القصة قبل الحجاب لكانت قبل إسلام خالد، ولو كانت قبل إسلامه
لم يسأل عن حلال ولا حرام، ولا خاطب بقوله: يا رسول الله. انتهى(١).
١٠ - (ومنها): جواز الأكل من بيت القريب، والصهر، والصديق، وكأن
خالداً ومن وافقه في الأكل أرادوا جَبْر قَلْب الذي أهدته، أو ليتحقق حكم
الحلّ، أو لامتثال قوله وَلّ: ((كلوا)»، وفَهِم من لم يأكل أن الأمر فيه للإباحة.
١١ - (ومنها): أن فيه أنه وَ * كان يؤاكل أصحابه، ويأكل اللحم حيث
تيسّر، وأنه كان لا يَعْلَم من المغيَّبات إلا ما علّمه الله تعالى.
١٢ - (ومنها): أن فيه وفورَ عقل ميمونة أم المؤمنين رحُّا، وعظيم
نصيحتها للنبيّ وَّر؛ لأنها فَهِمت مظنة نفوره عن أكله بما استقرأت منه،
(١) ((الفتح)) ٥٢٤/١٢، كتاب ((الذبائح)) رقم (٥٥٣٧).

٢٣٧
(٧) - بَابُ إِبَاحَةِ الضَّبِّ - حديث رقم (٥٠٢٧)
فخَشِيت أن يكون ذلك كذلك، فيتأذى بأكله؛ لاستقذاره له، فصَدَقت فراستها .
١٣ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن من خُشِي أن يتقذّر شيئاً لا ينبغي أن
يُدَلَّس له؛ لئلا يتضرر به، وقد شوهد ذلك من بعض الناس. ذكر هذا كلّه في
((الفتح))(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٢٧] (١٩٤٦) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ جَمِيعاً، عَنِ ابْنِ
وَهْبٍ، قَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي
أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفِ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ خَالِدَ بْنَ
الْوَلِيدِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: سَيْفُ اللهِ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللهِنَّهِ عَلَى مَيْمُونَةَ
زَوْجِ النَّبِيِّ وَ﴿ِ، وَهِيَ خَالَتُهُ، وَخَالَةُ ابْنٍ عَبَّاسٍ، فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبّأَ مَحْتُوذاً،
قَدِمَتْ بِهِ أُخْتُهَا حُفَيْدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ مِنْ نَجْدٍ، فَقَدَّمَتِ الضَّبَّ لِرَسُولِ اللهِ وَلآِ،
وَكَانَ قَلَّمَا يُقَدَّمُ إِلَيْهِ طَعَامٌّ حَتَّى يُحَدَّثَ بِهِ، وَيُسَمَّى لَهُ، فَأَهْوَى رَسُولُ اللهِنَّهِ يَدَهُ
إِلَى الضَّبِّ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ النِّسْوَةِ الْحُضُورِ: أَخْبِرْنَ رَسُولَ اللهِ وَ بِمَا قَدَّمْتُنَّ
لَهُ، قُلْنَ: هُوَ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللهِ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَدَهُ، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ
الْوَلِيدِ: أَحَرَامٌ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((لَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضٍ قَوْمِي،
فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ))، قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ، فَأَكَلْتُهُ، وَرَسُولُ اللهِ وَِّ يَنْظُرُ، فَلَمْ يَنْهَني).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب والبابين قبله، و((أبو الطاهر)) هو: أحمد بن
عمرو بن عبد الله بن السَّرْح المصريّ، و((حرملة)) هو: ابن يحيى التجيبيّ
المصريّ، و((ابن وهب)) هو: عبد الله المصريّ، و(يونس)) هو: ابن يزيد
الأيليّ.
وقوله: (أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: سَيْفُ اللهِ﴾ هذا لقب
لخالد نظره، لقّبه به رسول الله عليه، كما أخرجه الترمذيّ من حديث أبي
(١) ((الفتح)) ٥٢٥/١٢ - ٥٢٩، كتاب ((الذبائح)) رقم (٥٥٣٧).

٢٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
هريرة ظنّه بسند رجاله ثقات، كما قال في ((الإصابة))(١).
وقوله أيضاً: (أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: سَيْفُ اللهِ أَخْبَرَهُ) هذا
صريح في كون الحديث من مسند خالد بن الوليد ربه، وقد تقدّم وجه الجمع
بينه وبين الرواية السابقة، وخلاصته أن ابن عباس طيها كان حاضراً للقصة في
بيت خالته ميمونة ﴿يا، كما صرَّح به في الرواية الماضية، وكأنه استثبت
خالد بن الوليد رضي في شيء منه؛ لكونه الذي كان باشر السؤال عن حكم
ربما رواه عنه، والله تعالى
الضب، وباشر أكله أيضاً، فكان ابن عباس ـ
أعلم.
وقوله: (وَهِيَ خَالَتُهُ، وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ) يعنى: أنها خالة لخالد بن
الوليد، وخالة لابن عباس، فإن أم خالد لبابة الصغرى، وأم ابن عباس لبابة
الكبرى، وميمونة وأم حُفيد كلهنّ أخوات، والدهنّ الحارث بن حَزْن بن
بُجير بن الْهُزَم بن رويبة بن عبد الله.
وقوله: (ضَبّأَ مَحْنُوذاً)؛ أي: مشويّاً، وقيل: المشويّ على الرَّضْف(٢)،
وهي الحجارة الْمُحمّاة.
وقال في ((العمدة)): قوله: ((محنوذاً))؛ أي: مشويّاً، قال الله ◌َ ﴿جَآءَ
بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩]؛ أي: مشويّ، يقال: حنذتُ الشاةَ أَحْنِذها حَنْذاً(٣)؛
أي: شويتها، وجعلت فوقها حجارة مُحماة؛ لتُنضجها فهي حَنِيذ. انتهى(٤).
وقوله: (حُفَيْدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ) وفي الرواية الأخرى: ((أم حُفَيد))، وفي
بعض النسخ: ((أم حفيدة)) بالهاء، وفي بعضها في رواية أبي بكر بن النضر: ((أم
حُميد))، وفي بعضها: ((حُميدة))، وكله بضم الحاء، مصغراً، قال القاضي
عياض وغيره: والأصوب، والأشهر: ((أم حُفيد)) بلا هاء، واسمها هُزيلة،
وكذا ذكرها ابن عبد البرّ وغيره في الصحابة، والله أعلم. انتهى(٥).
(١) راجع: ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٢١٦/٢.
(٢) الرَّضْف بالفتح: هي الحجارة المحمّاة، واحدها رَضْفة؛ كتمر وتمرة.
(٣) من باب ضرب.
(٥) ((شرح النوويّ)) ٩٩/١٣ - ١٠٠.
(٤) راجع: ((عمدة القاري)) ٣٩/٢١.

٢٣٩
(٧) - بَابُ إِبَاحَةِ الضَّبِّ - حديث رقم (٥٠٢٧)
وقال في ((الإصابة)): هُزَيلة بنت الحارث بن حَزْن الهلالية، أخت ميمونة
أم المؤمنين، قيل: هي أم حُفيد الآتية في الكنى، قاله أبو عمر، قال: وكانت
نَكَحَت في الأعراب، وهي التي أهدت الضِّباب، وروى حديثها سليمان بن
يسار وغيره عن ميمونة، وقد أخرجه مالك في ((الموطأ)) عن عبد الرحمن بن
أبي صَعْصَعة، عن سليمان بن يسار، قال: دخل النبيّ وَّ بيت ميمونة بنت
الحارث، فإذا بضباب، ومعه عبد الله بن عباس، وخالد بن الوليد، فقال: ((من
أين لكم هذا؟)) قالت: أهدته إليّ أختي هُزيلة بنت الحارث، فقال لعبد الله
وخالد: ((كُلا))، فقالا: ألا تأكل؟ قال: ((إني يحضرني من الله حاضر))، وأصل
الحديث في ((الصحيحين)) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قالت:
((أهدت خالتي أم حُفيد بنت الحارث إلى النبيّ وَّهُ سمناً، وأَقِطاً، وضِباباً،
فدعا بهنّ رسول الله وَّر، فأكلن على مائدته ... )) الحديث، وأخرجه أبو داود
وغيره من رواية عُمر بن حرملة، عن ابن عباس، فوقع في مسند ابن أبي عمر
العدنيّ من هذا الوجه، بلفظ: أم عُتيق بعين مهملة، بدل الحاء المهملة، وقاف
في آخره بدل الدال، والمعروف أم حُفيد، والله أعلم. انتهى(١).
وقوله: (مِنْ نَجْدٍ) - بفتح، فسكون - البلد المعروف، قال الفيّوميّ تَّقُ:
النَّجْدُ: ما ارتفع من الأرض، والجمع: نُجُودٌ، مثل فَلْس وفُلُوس، وبالواحد
سُمِّي بلاد معروفة من ديار العرب، مما يلي العراق، وليست من الحجاز، وإن
كانت من جزيرة العرب، قال في ((التهذيب)): كلّ ما وراء الخندق الذي خندقه
كسرى على سواد العراق فهو نَجْدٌ إلى أن تميل إلى الْحَرّة، فإذا مِلت إليها
فأنت في الحجاز، وقال الصغانيّ: كلّ ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق
فهو نَجْدٌ. انتهى(٢).
وقوله: (وَكَانَ قَلَّمَا يُقَدَّمُ إِلَيْهِ طَعَامٌ ... إلخ) ((ما)) في ((قلّما)) كافّة كفّت
((قَلَّ)) عن طلب الفاعل، كما ((طال ما))، و((كثُر ما))، وزاد بعضهم ((قصُر ما))،
فهذه الأفعال لا فاعل لها، كالتوكيد اللفظيّ في ((قام قام))، وكـ((كان)) الزائدة،
ذكره الأمير في ((حاشيته على مغني اللبيب))، وقد نظمت ذلك بقولي:
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ١٤٧/٨. (٢) ((المصباح المنير)) ٥٩٣/٢.

٢٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
وَبَعْضُهُمْ زَادَ عَلَيْهَا ((قَصُرًا))
و((ما)) تَكُفُّ ((طَالَ)) ((قَلَّ)) ((كَثُرَا))
فِي ((قَامَ قَامَ)) إِذْ مُؤَكِّداً سَمَا
فَلَا يَلِي الْفَاعِلُ هَذِهِ كَمَا
فَمَعَ مَا يَلِي تَكُونُ فَاعِلَهْ
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ ((مَا)) مُؤَوِّلَهْ
وقال في ((العمدة)): قوله: ((وكان قلَّما يُقَدَّم)) من التقديم، و((قَلَّ)) فعل
ماض، و((ما يقدَّم)) فاعله، و((ما)) مصدرية؛ أي: فَلَّ تقديم يده لطعام ((حتى
يُحَدَّث)) على صيغة المجهول؛ أي: حتى يُخبَر به ما هو؟ و((يُسَمَّى)) مجهول
· أيضاً (١).
وقال القرطبيّ: وإنما كان يُسمَّى له الطعام إذا وُضع بين يديه بَّهِ؛ لِيُقْبِل
على ما يحب، ويترك ما لا يحب؛ فإنَّه ◌َ ﴿ ما كان يذمُّ ذَوَاقاً، فإن أحبَّه أكله،
وإن كرهه تركه، كما فعل بالضبِّ(٢).
وقوله: (فَأَهْوَى رَسُولُ اللهِ وَلِ يَدَهُ إِلَى الضَّبّ)؛ أي: مدّ يده، وأومأ إليه
لیأکل منه.
وقوله: (فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ النِّسْوَةِ الْحُضُورِ) وَصَف النسوة بالحضور الذي
هو جمع حاضر، مع أن المطابقة شرط بين الصفة والموصوف في التذكير
والتأنيث وغيرهما؛ لأنه لوحظ فيهما صورة الجمع، أو يقال: إن الحضور
مصدر، قاله في ((العمدة))(٣).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((الحضور)) كذا وقع بلفظ جمع المذكر، وكأنه
باعتبار الأشخاص، وفيه: «أَخْبِرْنَ رسول الله وَّ بما قدمتنّ له))، وهذه المرأة
وَرَدَ التصريح بأنها ميمونة أم المؤمنين ضعها في رواية الطبرانيّ، ولفظه: ((فقالت
ميمونة: أخبروا رسول الله * بما هو؟ فلما أخبروه تركه))، وعند مسلم من
وجه آخر عن ابن عباس: ((فقالت ميمونة: يا رسول الله إنه لحم ضبّ، فكفّ
يده»(٤).
وقوله: (أَحَرَامُ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((لَا) قال القرطبيّ: فيه دليل
على أنه ليس بحرام، وهذا يُبطل قول من قال بتحريمه، حكاه المازري عن
(١) ((عمدة القاري)) ٣٩/٢١.
(٣) ((عمدة القاري)) ٣٩/٢١
(٢) ((المفهم)) ٢٣١/٥.
(٤) ((الفتح)) ٣٠٩/١٢.