النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
(١) - بَابُ الصَّيْدِ بِالْكِلَبِ الْمُعَلَّمَةِ، وَالرَّمْيٍ - حديث رقم (٤٩٧٥)
وخبرها قوله: (بِأَرْضِ قَوْم مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)؛ يعني: بالشام، وكان جماعة من
قبائل العرب قد سكنوا الشام، وتنصّروا، منهم آل غَسّان، وتنوخ، وبَهْز،
وبطون من قُضاعة، منهم بنو خُشَين آل أبي ثعلبة. (نَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ) جَمْع إناء،
والأواني جَمْع آنية، وفي رواية البخاريّ تَُّهُ: «أفنأكل في آنيتهم؟».
(وَأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي) قال المجد: ((القوس)) معروفة، وقد تذكّر،
وتصغيرها قويسة، وقُويسٌ، والجمع قِسِيّ، وقُسيّ، وأقواسٌ، وقِيَاسٌ. انتهى.
وقال في ((الفتح)): وهي مركّبة، وغير مركّبة، ويُطلق لفظ القوس أيضاً
على الثمر الذي يبقى في أسفل النخلة، وليس مراداً هنا. انتهى.
(وَأَصِيدُ بِكَلْبِي الْمُعَلَّم، أَوْ بِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّم، فَأَخْبِرْنِي مَا الَّذِي يَحِلُّ
لَنَا مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ) بَّهِ ((أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكُمْ بِأَرْضٍ قَوْم مِنَّ أَهْلِ الْكِتَابِ، تَأْكُلُونَ فِي
آنِيَتِهِمْ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَّمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا، ثُمَّ كُلُوا
فِيهَا) قال في ((الفتح)): تمسَّكَ بهذا الأمر من رأى أن استعمال آنية أهل الكتاب
تتوقف على الغسل؛ لكثرة استعمالهم النجاسة، ومنهم من يتديّن بملابستها .
قال ابن دقيق العيد: وقد اختَلَف الفقهاء في ذلك؛ بناء على تعارض
الأصل والغالب، واحتَجَّ من قال بما دل عليه هذا الحديث بأن الظنّ المستفاد
من الغالب راجح على الظن المستفاد من الأصل، وأجاب من قال بأن الحكم
للأصل حتى تتحقق النجاسة بجوابين:
أحدهما: أن الأمر بالغسل محمول على الاستحباب احتياطاً؛ جمعاً بينه
وبين ما دل على التمسك بالأصل.
والثاني: أن المراد بحديث أبي ثعلبة حالُ من يتحقق النجاسة فيه،
ويؤيده ذِكر المجوس؛ لأن أوانيهم نجسة؛ لكونهم لا تحل ذبائحهم.
وقال النوويّ: المراد بالآنية في حديث أبي ثعلبة آنية مَن يَطْبُخ فيها لحم
الخنزير، ويشرب فيها الخمر، كما وقع التصريح به في رواية أبي داود: («إنا
نجاور أهل الكتاب، وهم يطبخون في قُدورهم الخنزير، ويشربون في آنيتهم
الخمر)»، فقال، فذكر الجواب.
وأما الفقهاء فمرادهم مُطلق آنية الكفار التي ليست مستعملة في النجاسة،

١٠٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
فإنه يجوز استعمالها، ولو لم تُغسل عندهم، وإن كان الأَولى الغسل للخروج
من الخلاف، لا لثبوت الكراهة في ذلك.
ويَحْتَمِل أن يكون استعمالها بلا غسل مكروهاً؛ بناءً على الجواب
الأول، وهو الظاهر من الحديث، وأن استعمالها مع الغسل رخصة، إذا وجد
غيرها، فإن لم يجد جاز بلا كراهة؛ للنهي عن الأكل فيها مطلقاً، وتعليق الإذن
على عدم غيرها مع غسلها .
وتمسّك بهذا بعض المالكية لقولهم: إنه يتعيَّن كسر آنية الخمر على كل
حال؛ بناءً على أنها لا تطهر بالغسل، واستدلّ بالتفصيل المذكور؛ لأن الغسل
لو كان مطهّراً لها لَمَا كان للتفصيل معنى.
وتُعُقِّب بأنه لم ينحصر في كون العين تصير نجسة بحيث لا تطهر أصلاً،
بل يَحتَمِل أن يكون التفصيل للأخذ بالأَولى، فإن الإناء الذي يُطبخ فيه الخنزير
يُستقذر، ولو غُسل كما يُكره الشرب في المحجمة، ولو غُسلت استقذاراً.
ومشى ابن حزم على ظاهريته، فقال: لا يجوز استعمال آنية أهل الكتاب
إلا بشرطين: أحدهما: أن لا يجد غيرها، والثاني: غسلها .
وأجيب بما تقدم من أن أَمْره بالغسل عند فَقْد غيرها دالّ على طهارتها
بالغسل، والأمر باجتنابها عند وجود غيرها للمبالغة في التنفير عنها، كما في
حديث سلمة به في الأمر بكسر القدور التي طُبخت فيها الميتة، فقال رجل:
((أَوْ نغسلها؟)) فقال: ((أوْ ذاك))، فأمَرَ بالكسر للمبالغة في التنفير عنها، ثم أذِن
في الغسل ترخيصاً، فكذلك يتجه هذا هنا، والله أعلم(١).
(وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضٍ صَيْدٍ، فَمَا أَصَبْتَ بِقَوْسِكَ، فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ)؛
أي: عند الرمي، لا عند الأكل، كما هو المتبادَر، وقد تمسك بهذا من أوجب
التسمية على الصيد وعلى الذبيحة، وقد تقدَّمت مباحثه في المسألة السابعة من
مسائل حديث عديّ بن حاتم ربه، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(ثُمَّ كُلْ) وقع هذا الحديث مفسَّراً في رواية أبي داود من حديث عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن أعرابياً، يقال له: أبو ثعلبة، قال: يا
(١) ((الفتح)) ٤٢٩/١٢ - ٤٣٠، كتاب ((الذبائح)) رقم (٥٤٧٨).

١٠٣
(١) - بَابُ الصَّيْدِ بِالْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ، وَالرَّمْىٍ - حديث رقم (٤٩٧٥)
رسول الله، إن لي كلاباً مكلَّبة، فأفْتِني في صيدها؟، فقال النبيّ وَلّ: ((إن كان
لك كلاب مكلَّبة، فَكُلْ مما أمسكن عليك))، قال: ذَكِيّاً أو غير ذكي؟، قال:
((نعم))، قال: فإن أكل منه؟ قال: ((وإن أكل منه))، فقال: يا رسول الله، أفتني
في قوسي، قال: ((كُلْ ما ردّت عليك قوسك))، قال: (ذَكيّاً أو غير ذكي))،
قال: وإنْ تغيَّب عني، قال: ((وإن تغيَّب عنك، ما لم يَصِلَّ، أو تجد فيه أثراً
غير سهمك))، قال: أفْتِني في آنية المجوس، إن اضْطُررنا إليها، قال:
(«اغسلها، وَكُلْ فيها)).
وقوله: ما لم يَصِلّ)) بصاد مهملة، مكسورة، ولام ثقيلة؛ أي: يُنتِنَ.
(وَمَا أَصَبْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّم، فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، ثُمَّ كُلْ، وَمَا أَصَبْتَ بِكَلْبِكَ
الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّم، فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ)؛ أي: أدركته حيّاً، فذكّته (فَكُلْ))) فيه أنه لا
يحلّ ما أُدرك منَّ الصيد حيّاً، إلا بذَبْحه، قال النوويّ تَظُّْهُ: هذا مُجْمَع عليه
أنه لا يحلّ إلا بذكاته. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ثعلبة الْخُشَنِيّ ◌ُه هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩٧٥/١ و٤٩٧٦] (١٩٣٠)، و(البخاريّ) في
((الذبائح والصيد)) (٥٤٧٨ و٥٤٩٦)، و(أبو داود) في ((الصيد)) (٢٨٥٢ و٢٨٥٥
و٢٨٥٦)، و(الترمذيّ) في ((الصيد)) (١٤٦٤) و((الأطعمة)) (١٧٩٧)، و(النسائيّ)
في المجتبى (١٨١/٧) و((الكبرى)) (١٤٤/٣)، و(ابن ماجه) في ((الصيد))
(٣٢٠٧)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٨٥٠٣)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)
(١٠١٤ و١٠١٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٩٣/٤ و١٩٥)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٥٨٧٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٣/٥)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٢٤٧/٩ - ٢٤٨ و١٠/١٠)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٧٧١)،
والله تعالى أعلم.

١٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): جواز جمع المسائل، وإيرادها دفعة واحدةً، وتفصيل
الجواب عنها، واحدةً واحدةً بلفظ ((أمّا، وأمّا)).
٢ - (ومنها): بيان حكم الأكل في آنية أهل الكتاب، وهو أن يؤكل فيها
إذا وُجد غيرها، وإلا جاز بعد غسلها .
٣ - (ومنها): جواز الصيد بالقوس.
٤ - (ومنها): بيان حكم صيد الكلب الذي ليس بمعلّم، وهو التحريم،
إلا إذا وُجد حيّاً، فذُكّي، فيجوز.
٥ - (ومنها): وجوب التسمية على الكلب، والقوس عند الإرسال والرمي.
٦ - (ومنها): أن ما أُدرك من الصيد حيّاً وجبت ذكاته، سواء كان
بالكلب، أم بالقوس، وإلا كان ميتةً، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخََّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٧٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ (ح) وَحَدَّثَنِي
زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ (١)، كِلَاهُمَا عَنْ حَيْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ
ابْنِ الْمُبَارَكِ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنٍ وَهْبٍ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ صَيْدَ الْقَوْسِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريّ الحافظ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (الْمُقْرِئُ)(٢) عبد الله بن يزيد المكيّ، أبو عبد الرحمن المقرىء،
أصله من البصرة، أو الأهواز، ثقةٌ فاضلٌ، أقرأ القرآن نيّفاً وسبعين سنةً [٩]
(١) وقع في بعض النسخ بدله: ((المقبريّ))، وهو غلط، فتنبّه.
(٢) وقع في برنامج الحديث للكتب التسعة غلط في هذه الترجمة، فقد ترجموا
عبد الله بن يزيد المخزومي الأعور مولى الأسود بن سفيان المدنيّ، من الطبقة
السادسة، وهو غلط بلا شك؛ لأن زهير بن حرب لم يره، وإنما وُلد بعد موته،
كما قدمت بيانه في موضع آخر، فليُتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.

١٠٥
(١) - بَابُ الصَّيْدِ بِالْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ، وَالرَّمْىٍ - حديث رقم (٤٩٧٦)
(ت٢١٣) وقد قارب المائة، وهو من كبار شيوخ البخاريّ، ولا يروي عنه
المصنّف، وأصحاب السنن إلا بواسطة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٥/٤.
و«حیوة» ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية عبد الله بن وهب، عن حيوة ساقها ابن حبّان تَخّْثُ في
((صحيحه))، فقال:
(٥٨٧٩) - أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة، قال: حدثنا حرملة بن
يحيى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني حَيْوة بن شُريح قال: سمعت
ربيعة بن يزيد الدمشقيّ يقول: سمعت أبا إدريس الخولانيّ، أنه سمع أبا ثعلبة
الخشنيّ، يقول: أتيت رسول الله ول﴾، فقلت: يا رسول الله إنا بأرض من أهل
كتاب، نأكل في آنيتهم، وإن أرضنا أرض صيد، أصيد بقوسي، وبالكلب
المكلَّب، وبالكلب الذي ليس بمكلَّب، فأخبرني ماذا يحلّ لنا مما يحرُم عليّ
من ذلك، فقال رسول الله وَله: ((أما ما ذكرتَ أنكم بأرض أهل كتاب تأكلون
في آنيتهم، فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا غير آنيتهم،
فاغسلوها، وكُلوا فيها، وأما ما ذكرت من الصيد، فما صدت بقوسك، فكل
منه، واذكر اسم الله عليه، وأما ما أصاب كلبك المكلَّب، فكل مما أمسك
عليك، واذكر اسم الله عليه، وأما ما أصاب كلبك الذي ليس بمكلَّب، فإن
أدركت ذكاته فَكُل، وما لم تدرك ذكاته فلا تأكل)). انتهى(١).
وأما رواية عبد الله يزيد، عن حيوة فساقها البخاريّ تظلّثهُ في ((صحيحه))،
فقال :
(٥١٦١) - حدّثنا عبد الله بن يزيد، حدّثنا حَيْوة، قال: أخبرني ربيعة بن
يزيد الدمشقيّ، عن أبي إدريس، عن أبي ثعلبة الخشنيّ، قال: قلت: يا نبيّ الله
إنّا بأرض قوم أهل الكتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ وبأرض صيد، أصيد بقوسي،
وبكلبي الذي ليس بمعلَّم، وبكلبي المعلّم، فما يصلح لي؟ قال: ((أما ما ذكرت
من أهل الكتاب، فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها،
وكُلُوا فيها، وما صدت بقوسك، فذكرت اسم الله فَكُل، وما صدت بكلبك
(١) ((صحيح ابن حبان)) ١٩٠/١٣ - ١٩١.

١٠٦
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
المعلَّم، فذكرت اسم الله فَكُل، وما صدت بكلبك غير معلَّم، فأدركت ذكاته
فَكُل)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٢) - (بَابٌ إِذَا غَابَ عَنْهُ الصَّيْدُ، ثُمَّ وَجَدَهُ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٧٧] (١٩٣١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ
حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ الْخَيَّاطُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ: قَالَ: ((إِذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ، فَغَابَ عَنْكَ،
فَأَدْرَكْتَهُ فَكُلْهُ، مَا لَمْ يُنْتِنْ))).
[تنبيه]: هذا الحديث أول عَوْد سماع أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن
سفيان من مسلم، والحديث الذي قبله هو آخر فواته الثالث، ولم يبق له في
الكتاب فوات بعد هذا، والله تعالى أعلم، قاله النوويّ ◌َخْذُ(٢).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ) أبو جعفر الْجَمّال، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٣٩) أو قبلها (خ م د) ٢٠٩/٢٥.
٢ - (أَبُو عَبْدِ اللهِ حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ الْخَيَّطُ) القرشيّ، أبو عبد الله البصريّ،
نزيل بغداد، أصله مدنيّ، ثقةٌ أُميّ [٩].
رَوَى عن أفلح بن حميد، وأفلح بن سعيد، وابن أبي ذئب، وهشام بن
سعد، وعبد الله وعاصم ابني عمر العمريين، وأبي عاتكة البصريّ صاحب
أنس، وغيرهم.
وروى عنه أحمد بن حنبل، وابن معين، وأحمد بن منيع، وأبو سعيد
الأشجّ، وقتيبة، ومحمد بن مهران الرازيّ، وابن نمير، وأبو بكر بن أبي شيبة،
والزعفرانيّ، وجماعة.
(١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٠٨٧/٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٨١/١٣.

١٠٧
(٢) - بَابٌ إِذَا غَابَ عَنْهُ الصَّيْدُ، ثُمَّ وَجَدَهُ - حديث رقم (٤٩٧٧)
قال أحمد: كان حافظاً، كتبت عنه أنا ويحيى بن معين، وكان يحدثنا،
وهو يحفظ، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقةٌ، كان أُمّيّاً لا يكتب، كان يقرأ
الحديث، وقال ابن عمار، والنسائيّ: ثقة، وقال ابن المدينيّ: كان من أهل
المدينة، وكان ثقةً عندنا، وقال مجاهد بن موسى: كتبنا عنه، وهشيم حيّ،
ومدحه يحيى بن معين، ووثّقه، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ثقةٌ، وأنكر
أن يكون أميّاً، وقال أبو زرعة: شيخٌ متقنٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))،
وقال عليّ بن إبراهيم بن الهيثم البلديّ: حدّثنا الحسن بن عرفة، حدّثنا حماد بن
خالد، وكان من خير من أدركناه.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا
الحدیث .
٣ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِح) بن حُدير الحضرميّ أبو عمرو، أو أبو
عبد الرحمن الحمصيّ، قاضي الأندلس، ثقةٌ له أوهامٌ [٧] (ت١٥٨) (ز م ٤)
تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٩/٦.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ) بن نُفير الحضرميّ الحمصيّ، ثقةٌ [٤]
(ت١١٨) (بخ م ٤) تقدم في ((الجنائز)) ٢٢٣٢/٢٥.
٥ - (أَبُوهُ) جُبير بن نُفير بن مالك بن عامر الحضرميّ الحمصيّ، مخضرمٌ
ثقةٌ جليلٌ [٢] (ت٨٠) أو بعدها (بخ م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٩/٦.
والصحابيّ ذُكر قبله.
شرح الحديث:
(عَنِ النَّبِيِّ نََّ) أنه (قَالَ: إِذَا رَمَيْتَ)؛ أي:
(عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ) الْخُشنيّ .
الصيد، فحُذف المفعول، (بِسَهْمِكَ، فَغَابَ) ذلك الصيد (عَنْكَ، فَأَدْرَكْتَهُ فَكُلْهُ)
سواء طالت المدّة، أم قصُرت، (مَا لَمْ يُنْتِنْ))) بضمّ أوله، وكَسْر ثالثه، مِنْ أنْتَنَ
رباعيّاً، ويجوز أن يكون بفتح أوله، وتثليث ثالثه، مِنْ نَتن، يقال: نَتْن الشيءُ
بالضمّ نُتُونَةً، ونَتَانَةً، فهو نَتِينٌ، مثلُ قَرُب، ونَتَنَ نَتْناً، من باب ضَرَبَ، ونَتِنَ
يَنْتَنُ، فهو نَتِنٌ، من باب تَعِبَ، وأنتن إنتاناً، فهو مُنْتِنٌ، وقد تُكسر الميم

١٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
للإتباع، فيقال: مِنْتِنٌ، وضمُّ التاء إتباعاً للميم قليلٌ، قاله الفيّوميّ(١).
وقال المجد: النَّتْنُ: ضِدُّ الْفَوْحِ، نَتْنَ، ككَرُمَ، وضَرَبَ نَتَانَةً، وأنْتَنَ فهو
مُنْتٌ، ومِنْتِنٌ بكسرتين، وبضمّتين، وكِقِنْديل. انتهى(٢).
وهذا الحديث صريح في كون الصيد حلالاً، وإن غاب أكثر من ثلاثة
أيّام، إذا لم يُنتن، حيث جَعَلَ الْغَايَة أَنْ يُنْتِنِ الصَّيْد، فَلَوْ وَجَدَهُ مَثَلاً بَعْد
ثَلاث، وَلَمْ يُنْتِنْ حَلَّ، وَإِنْ وَجَدَهُ بِدَوْنِهَا وَقَدْ أَنْتَنَ فَلا، هَذَا ظَاهِرِ الْحَدِيث.
وَأَجَابَ النَّوَوِيّ بِأَنَّ النَّهْي عَن أَكْله إِذَا أَنْتَنَ لِلتَّنْزِيهِ، إلا إن خيف منه الضرر،
فَيَحْرُم، وهذا مذهب الشافعيّة، وأما المالكيّة، فحملوا النهي على التحريم
مطلقاً، قال في ((الفتح)): وهو الظاهر.
واستدلّ من حمل النهي على التنزيه بقصّة الحوت الذي أكل منه الجيش
مع أبي عبيدة ﴿ه نصف شهر، كما سيأتي الحديث في ذلك بعد بابين - إن
شاء الله تعالى -.
ووجْهه أنهم أكلوا من لحم الحوت نصف شهر، وأكل منه النبيّ وَّهِ بعد
ذلك، واللحم لا يبقى غالباً بلا نتن في تلك المدة، لا سيما في الحجاز، مع
شدّة الحرّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن يَحْتَمِل - كما قال في ((الفتح)) - أن
يكونوا ملّحوه، وقدّدوه، فلم يدخله نتن، وبهذا لا يتمّ الاستدلال به على
صَرْف النهي عن التحريم إلى التنزيه.
والحاصل أن حَمْل النهي مِنْ أَكْل الصيد، إذا أنتن على التحريم، هو
الظاهر؛ لظاهر النصّ، وأما حَمْله على التنزيه، فيحتاج إلى دليل صريح، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ثعلبة به هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٩٢.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص ١٢٦٠.

١٠٩
(٢) - بَابٌ إِذَا غَابَ عَنْهُ الصَّيْدُ، ثُمَّ وَجَدَهُ - حديث رقم (٤٩٧٧)
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩٧٧/٢ و٤٩٧٨ و٤٩٧٩] (١٩٣١)، و(أبو
داود) في ((الصيد)) (٢٨٦١)، و(النسائيّ) في ((الصيد)) (١٩٣/٧) و((الكبرى))
(٤٨١٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٩٤/٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٥٪
١٤)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢٩٥/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٤٢/٩
و٢٤٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في مدّة غَيبة الصيد عن
الصائد :
قال في ((الفتح)): استُدلّ بهذا الحديث على أن الرامي لو أخّر الصيد
عقب الرمي إلى أن يجده أنه يحلّ بالشروط المتقدمة، ولا يحتاج إلى استفصال
عن سبب غَيْبته عنه، أكان مع الطلب أو عدمه، لكن يُسْتَدَلّ للطلب بما وقع في
الرواية التي علّقها البخاريّ آخر الباب، حيث قال: ((فيقتفي أثره)) فدلّ على أن
الجواب خرج على حسب السؤال، فاختصر بعض الرواة السؤال، فلا يُتمسَّك
فيه بترك الاستفصال.
قال: واختُلِف في صفة الطلب، فعن أبي حنيفة: إن أَخَّر ساعةً، فلم
يطلب لم يحلّ، وإن اتّبعه عقب الرمي فوجده ميتاً حلّ، وعن الشافعية: لا بدّ
أن يتبعه، وفي اشتراط العَدْو وجهان، أظهرهما: يكفي المشي على عادته،
حتى لو أسرع(١) وجده حيّاً حلّ، وقال إمام الحرمين: لا بدّ من الإسراع
قليلاً؛ ليتحقق صورة الطلب، وعند الحنفية نحو هذا الاختلاف. انتهى (٢).
وقال ابن عبد البرّ كَّلُهُ: وقد اختلف الفقهاء في هذا المعنى، فقال
مالك: إذا أدركه الصائد من يومه أَكَله، في الكلب والسهم جميعاً، وإن كان
ميتاً إذا كان فيه أثر جرحه، وإن كان قد بات عنه لم يأكله، وقال الثوريّ: إذا
غاب عنه يوماً وليلةً كرهت أكله، وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا توارى عنه
الصيد، وهو في طلبه فوجده، وقد قتله جاز أكْله، فإن ترك الطلب، واشتغل
بعمل غيره، ثم ذهب في طلبه، فوجده مقتولاً، والكلب عنده كرهنا أكْله،
(١) هكذا نسخة ((الفتح))، ولعله ((حتى لو لم يُسرع ... إلخ)).
(٢) (الفتح)) ٩/ ٦١١.

١١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
وقال الأوزاعيّ: إذا وجده من الغد ميتاً، ووجد فيه سهماً أو أثراً فليأكله،
وقال الشافعيّ: القياس ألا يأكله إذا غاب عنه، ورُوي عن ابن عباس: ((كُلْ ما
أصميت، ودَعْ ما أنميت))، يريد: كُلْ ما عاينت صيده وموته، من سلاحك، أو
كلبك، وَدَعْ ما غاب عنك.
وفي حديث أبي رزين، عن النبيّ وَّ أنه كره أكل ما غاب عنك مصرعه
من الصيد، وهو حديث مرسلٌ؛ لأنه ليس بأبي رزين العُقَيليّ، وإنما هو أبو
رزين مولى أبي وائل، رواه عنه موسى بن أبي عائشة، من حديث الثوريّ
وغيره.
ورَوَى أبو ثعلبة الخشنيّ، عن النبيّ ◌َّر في الذي يُدرك صيده بعد ثلاث:
((يأكله ما لم ينتن)) - يعني: حديث الباب -.
وفي حديث عديّ بن حاتم، أنه سأل رسول الله وَّ و عن الصيد يغيب عن
صاحبه الليلة والليلتين، فقال: ((إذا وجدت فيه سهمك، ولم تجد أثر سبع،
وعلمت أن سهمك قتله فكُلْه)).
قال: وفي حديث هذا الباب ردّ لقول أبي حنيفة وأصحابه في اشتراطهم
التراخي في الطلب؛ لأن رسول الله و# لم يقل للبهزيّ(١) هل تراخيت في
طلبه؟، وأباح لأصحابه المُحْرِمين، ولم يسأله عن ذلك، وبالله التوفيق.
انتھی(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بعدم اشتراط الطلب هو
الأرجح؛ لظاهر الحديث.
وأما جوابه و # بقوله: ((يأكل)) حينما سأله عديّ بن حاتم ظُه بقوله:
(١) أشار به إلى ما أخرجه مالك في ((الموطأ)) بسنده، عن البهزي أن رسول الله واله
خرج يريد مكة، وهو مُحرم، حتى إذا كان بالروحاء إذا حمار وحشي عَقِير، فذُكِر
ذلك لرسول الله ﴿﴿ فقال: ((دعوه، فإنه يوشك أن يأتي صاحبه))، فجاء الْبَهْزيّ،
وهو صاحبه إلى رسول الله ◌َ﴿، فقال: يا رسول الله شأنكم بهذا الحمار، فأمر
رسول الله ﴿ أبا بكر فقَسَمه بين الرفاق ... الحديث.
(٢) ((التمهيد)) لابن عبد البر ٣٤٦/٢٣ - ٣٤٧.

١١
(٢) - بَابٌ إِذَا غَابَ عَنْهُ الصَّيْدُ، ثُمَّ وَجَدَهُ - حديث رقم (٤٩٧٨)
(يرمي الصيد، فيقتفي أثره ... إلخ))، فإنه خرج على حسب السؤال؛ لأنه سأله
سؤالاً مقيّداً بالاقتفاء، فأجابه النبيّ وَّهِ بحلّ الأكل، فلا مفهوم له؛ لأنَّ شَرْط
العمل بمفهوم المخالفة أن لا يخرج الجواب مخرج السوال؛ كما هنا، فلا
يُقيّد به الإطلاق الواقع في حديث أبي ثعلبة رؤ الذي سأل سؤالاً مطلقاً،
فأجابه جواباً مطلقاً، بلا استفصال، فلو كان الطلب شرطاً في حلّه، لبيّن له،
ومما يدلّ عليه حديث البهزيّ المذكور.
والحاصل أن عدم اشتراط الطلب للحِلّ هو الظاهر، فتأمّل، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٧٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ
عِيسَى، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي
تَعْلَبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ فِي الَّذِي يُدْرِلُكُ صَيْدَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ: ((فَكُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِنْ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ) السلميّ، أبو عبد الله البغداديّ
القَطِيعِيّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣٧) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ٩٢/ ٥٠٢.
٢ - (مَعْنُ بْنُ عِيسَى) بن يحيى الأشجعيّ مولاهم، أبو يحيى المدنيّ
القزّاز، ثقةٌ ثبتٌ، قال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب مالك، من كبار [١٠]
(ت١٩٨) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٦٣/٧.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: ((فَكُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِنْ))) قال القرطبيّ كَُّ: اختلف العلماء في تعليل
هذا المنع، فمنهم من قال: إذا أنتن لَحِق بالمستقدرات التي تمجُّها الطّباع،
فيُكره أكلها تنزيهاً، فلو أكلها لجاز، كما قد أكل النبيّ وَّ الإهالة السَّنِخة،
وهي المُنتنة، ومنهم من قال: بل هو مُعلَّلٌ بما يُخاف منه الضرر على آكله،
وعلى هذا التعليل يكون أصله محرَّماً؛ إن كان الخوف محققاً، وقيل: إن ذلك
النتن يمكن أن يكون مِنْ نَهْش ذوات السُّموم، قال ابن شهاب: كُلْ مما قُتل
إلا أن يَنْعَطِن، فإذا انعَطَن فإنَّه نهشٌ، وفسَّروا ((ينعطن)) بأنَّه إذا مُدَّ تَمَرَّط، قال

١١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
ابن الأعرابي: إهاب معطون، وهو الذي تَمَرَّط شعره. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم في الحديث الماضي أن القول بالتحريم
هو الأقرب والأظهر الموافق لظاهر النصّ، فتنبّه، وقد تقدّم تمام البحث في
ذلك هناك، والله تعالى وليّ التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٧٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
مَهْدِيٌّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ مَكْخُّولٍ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيّ،
عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ حَدِيثَهُ فِي الْصَّيْدِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٌّ، عَنْ
مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي الزَّاهِرِيَّةِ، عُنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِي
ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، بِمِثْلِ حَدِيثِ الْعَلَاءِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ نُتُونَتَهُ، وَقَالَ فِي الْكَلْبِ:
((كُلْهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، إِلَّا أَنْ يُنْتِنَ، فَدَعْهُ))).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم قريباً.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) تقدّم قبل باب.
٣ - (الْعَلَاءُ) بن الحارث بن عبد الوارث الْحَضْرميّ، أبو وهب، ويقال:
أبو محمد الدمشقيّ، ثقةٌ(٢) فقيهٌ، رُمي بالقدر، وقد اختلط [٥].
رَوَى عن عبد الله بن بُسر، ومكحول، وأبي الأشعث، والزهريّ،
وعمرو بن شعيب، وعليّ بن أبي طلحة، وغيرهم.
وروى عنه الأوزاعيّ، ويحيى بن حمزة، وعبد الرحمن بن ثابت بن
ثوبان، ومعاوية بن صالح الحضرميّ، وعيسى بن موسى القرشيّ، وجماعة.
قال معاوية بن صالح عن أحمد: صحيح الحديث، وكذا قال المفضل
الغَلَّبِيّ، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقةٌ، قيل له: في حديثه شيء؟ قال:
لا، ولكن كان يرى القدر، وقال ابن المدينيّ: ثقةٌ، وقال يعقوب بن سفيان:
(١) ((المفهم)) ٢١٠/٥ -٢١١.
(٢) هذا أَولى من قول ((التقريب)): صدوقٌ، كما يظهر من ترجمته بعدُ، فتنبّه.

١١٣
(٢) - بَابٌ إِذَا غَابَ عَنْهُ الصَّيْدُ، ثُمَّ وَجَدَهُ - حديث رقم (٤٩٧٩)
ثنا أبو صالح، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، وهو ثقةٌ، وقال
الآجريّ عن أبي داود: ثقةٌ، كان يرى القَدَر، تغيَّر عقله، وقال عثمان الدارميّ
عن دُحيم: كان مقدَّماً على أصحاب مكحول، ثقةً، وقال أبو حاتم: لا أعلم
أحداً من أصحاب مكحول أوثق منه، وقال الكنانيّ: قلت لأبي حاتم عنه،
فقال: كان يرى القدر، كان دمشقيّاً من خيار أصحاب مكحول، صدوق في
الحديث، ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، ولكنه أعلمُ أصحاب
مكحول، وأقْدَمُهم، كان يفتي حتى خولط، وقال أبو زرعة: قلت لدُحيم:
العلاء بن الحارث، وثابت بن ثوبان، أيهما أثبت؟ قال: العلاء أفقه حديثاً،
وثابت بن ثوبان قليل الحديث، قلت له: إن أبا مسهر قال: أنبل أصحاب
مكحول ثابت بن ثوبان، والعلاء بن الحارث، وأعَدْتُ عليه تقدُّم سنّ ثابت،
ولُقِيّه سعيد بن المسيِّب، فلم يدفعه عن ثقة، وتقدُّم، وقدَّم العلاء بن الحارث
لِفقهه، وقال أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز: إن كتاب مكحول في الحج
أخذه من العلاء بن الحارث، وقال أبو مسهر: إليه أوصى مكحول، وقال
يعقوب بن سفيان: سألت هشام بن عمار: أي أصحاب مكحول أرفع؟ قال:
سليمان بن موسى، قلت: فمن يليه؟ قال: العلاء بن الحارث، قال أبو مسهر:
مات يوم مات، وهو فقيه الجند، وفي رواية: وهو أفقه الجند، وقال ابن سعد
وغير واحد: مات سنة ست وثلاثين ومائة، زاد بعضهم: وهو ابن سبعين سنةً.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث
فقط متابعةً.
٤ - (مَكْحُولٌ) الشاميّ، أبو عبد الله، ثقةٌ فقيهٌ، مشهورٌ، كثير الإرسال
[٥] مات سنة بضع عشرة ومائة (م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٤٥/٦.
[تنبيه آخر]: قال الحافظ الرشيد العطّار كَّلُ في ((غرره)): وقد أخرج
مسلم تَّثُ لمكحول هذا حديثاً، عن أبي ثعلبة الْخُشنيّ، لم يورد له متناً، بل
قال: حديثه في الصيد فقط، وفي سماعه منه أيضاً نظر، إلا أن مسلماً دَّثُهُ أورد
حديث أبي ثعلبة هذا من طُرُق ثابتةٍ الاتّصال، وهو قوله وَّ: ((إذا رميت
بسهمك، فغاب عنك، فأدركته، فكُلْ ما لم يُنتن))، انفرد به مسلم دون البخاريّ.

١١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
انتهى كلام الرشيد العطّار دخّلُ، وقد تقدّم في ((مقدّمة شرح المقدّمة))(١).
٥ - (أبُو الزَّاهِرِيَّةِ) حُدَير بن كُريب الحضرميّ، ويقال: الْحِمْيريّ
الحمصيّ، صدوقٌ [٣].
رَوَى عن حذيفة، وأبي الدرداء، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي
أمامة، وعتبة بن عبد، وأبي ثعلبة، وأبي عِنبة الخولاني، وغيرهم.
وروى عنه ابنه حميد، وأبو مهديّ سعيد بن سنان، ومعاوية بن صالح،
وإبراهيم بن أبي عَبْلة، وغيرهم.
قال ابن معين، والعجليّ، ويعقوب بن سفيان، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو
حاتم: لا بأس به، وقال الدارقطنيّ: لا بأس به، إذا روى عنه ثقةٌ، وقال ابن
سعد: تُوُفِّي سنة (١٢٩)، وقال: أخشى أن لا يكون محفوظاً، وكذا قال أبو
عبيد، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: إنه تُوُفّي في خلافة عمر بن
عبد العزيز، وهو نحو قول عمرو بن عليّ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج ه البخاري في ((جزء القراءة»، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ،
وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا حديثان فقط، هذا (١٩٣١)، وحديث
(١٩٧٥): ((أَصلِحْ لحمَ هذه، فلم أزل أطعمه ... )) الحديث.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ نُتُونَتَهُ) الضمير لمعاوية بن صالح(٢).
[تنبيه]: لم يسق المصنّف ◌َّثُ حديث العلاء، وإنما قال: ((حديثه في
الصيد)»، ثم أحال عليه حديث معاوية عن عبد الرحمن بن جبير، وأبي
الزاهريّة، وهذا من غريب ما اتَّفَقَ له، ولعله إنما لم يَسُقه لِمَا سبق من أن
مكحولاً لم يسمع من أبي ثعلبة عظته، لكن الغريب الإحالة المذكورة.
ثم إني لم أجد من ساق رواية العلاء، ولا رواية عبد الرحمن، وأبي
الزاهريّة، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَغْثُ، وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيِبُ﴾ .
(١) ((مقدّمة شرح المقدّمة)) ١١٧/١.
(٢) وأما وقع في شرح الشيخ الهرري مما يدلّ على أنه أبو الزاهريّة، ففيه نظر، فتأمله.

١١٥
(٣) - بَابُ تَحْرِيمٍ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السَِّاعِ، وَكُلِّ ذِي ... إلخ - حديث رقم (٤٩٨٠)
(٣) - (بَابُ تَحْرِيم أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السَِّاعِ،
وَكُلِّ فِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَِّ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٨٠] (١٩٣٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ، قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ◌َّهِ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي
نَابٍ مِنَ السَّبُعِ. زَادَ إِسْحَاقُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي حَدِيثِهِمَا: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَلَمْ
نَسْمَعْ بِهَذَا حَتَّى قَدِمْنَا الشَّامَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثم
المكيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران الهلاليّ مولاهم، أبو محمد
الكوفيّ، ثم المكيّ الإمام الحافظ الفقيه الحجة، من كبار [٨] (ت١٩٨) عن
(٩١) سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدمة)) جـ١ ص٣٨٣.
٣ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن
عبد الله بن الحارث بن زُهرة القرشيّ، أبو بكر المدنيّ الحافظ الفقيه الحجة
الإمام، رأس [٤] (١٢٥) (ع) تقدّم أيضاً في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٣٤٨.
والباقون ذُكروا في البابين الماضيين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قَرَن بينهم، ثمّ
فصّل؛ لاختلافهم في الأداء، كما تقدّم غير مرّة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ) الْخُشَنِيّ ◌َهَ أنه (قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ◌َّهِ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي
نَابٍ) الناب واحد الأنياب، وهي مما يلي الرَّبَاعيات من الإنسان، وقال

١١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
الفيّوميّ: الناب من الأسنان مذكّرٌ، ما دام له هذا الاسم، والجمع أنياب، وهو
الذي يلي الرَّبَاعِيَات، قال ابن سينا: ولا يجتمع في حيَوَان نابٌ، وقرْنٌ معاً.
(١)
.
انتھی
وفِي (شَرْحِ السُّنَّةِ)): أَرَادَ بِكُلِّ ذِي نَابٍ: مَا يَعْدُو بِنَابِهِ، عَلَى النَّاسِ
وَأَمْوَالِهِمْ، كَالذِّئْبِ، وَالْأَسَدِ، وَالْكَلْبِ، وَنَحْوِهًا .
(مِنَ السَّبُع) بضمّ الموحّدة، قال الفيّوميّ تَظْثُهُ: السبع بضمّ الباء معروفٌ،
وإسكان الباء لغة، حكاها الأخفش، وغيره، وهي الفاشية عند العامّة، ولهذا
قال الصغانيّ: السبع، والسبع لغتان، وقُرىء بالإسكان في قوله تعالى: ﴿وَمَآ
أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣]، وهو مرويّ عن الحسن البصريّ، وطلحة بن سليمان،
وأبي حيوة، ورواه بعضهم عن عبد الله بن كثير أحدِ السبعة، ويُجمع في لغة
الضمّ على سِبَاعِ، مثلُ رَجُل ورِجَال، لا جَمْع له غير ذلك على هذه اللغة، قال
الصغانيّ: وجمعُهُ على لغة السكون في أدنى العدد أَسْبُعٌ، مثلُ فَلْس وأفلُسِ،
وهذا كما خُفّف ضَبُعٌّ، وجُمع على أضبُعٍ، قال: ويقع السبع على كلّ ما له
نابٌ، يَعدُو به، ويَفترِس، كالذئب، والفهد، والنمر، وأما الثعلب، فليس
بسبع، وإن كان له نابٌ؛ لأنه لا يعدُو به، ولا يفترس، وكذلك الضبع، قاله
الأزهريّ. انتهى(٢).
وقوله: (زَادَ إِسْحَاقُ)؛ أي: ابن إبراهيم، وهو ابن راهويه، (وَابْنُ أَبِي
عُمَرَ فِي حَدِيثِهِمَا: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَلَمْ نَسْمَعْ بِهَذَا حَتَّى قَدِمْنَا الشَّامَ) وفي الرواية
التالية: ((ولم أسمع ذلك من علمائنا بالحجاز، حتى حدّثني أبو إدريس، وكان
من فقهاء أهل الشام))، وكأن الزهريّ لم يبلغه حديث عَبِيدة بن سفيان، وهو
مدنيّ، عن أبي هريرة رَظُبه - يعني: الآتي هنا بعد حديث - ولفظه: ((كلُّ ذي
ناب من السباع، فأكْله حرام))، وكذا حديث ابن عبّاس ظّ الآتي بعده: ((نَهَى
رسول الله ( 38 عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مِخْلب من الطير)).
وأخرج الترمذيّ من حديث جابر ظبه بسند لا بأس به، قال: ((حَرَّم
رسول الله ﴿ الحمر الإنسية، ولحوم البغال، وكل ذي ناب من السباع، وكل
(١) ((المصباح المنير)) ٦٣٢/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٦٤/١.

١١٧
(٣) - بَابُ تَحْرِيمٍ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السَِّاعِ، وَكُلِّ ذِي ... إلخ - حديث رقم (٤٩٨٠)
ذي مِحْلب من الطير))، ومن حديث العرباض بن سارية مثله، وزاد: ((يوم
خيبر))، أفاده في ((الفتح))(١).
وهذه الأحاديث نصوص صريحة في تحريم أكل كلّ ذي ناب، وإلى هذا
ذهب الجمهور من السلف، وغيرهم، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في
المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ثعلبة الْخُشنيّ ◌َبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩٨٠/٣ و٤٩٨١ و٤٩٨٢ و٤٩٨٣] (١٩٣٢)،
و(البخاريّ) في ((الذبائح)) (٥٥٢٧) و((الطبّ)) (٥٧٨١)، و(أبو داود) في
(الأطعمة)) (٣٨٠٢)، و(الترمذيّ) في ((الأطعمة)) (١٤٧٧) و((السير)) (١٥٦٠)،
و(النسائيّ) في ((الصيد)) (٧/ ٢٠٠ و٢٠٤) و((الكبرى)) (١٥٨/٣ و١٦١)، و(ابن
ماجه) في ((الصيد)) (٣٢٣٢)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٤٩٦/٢)، و(الطيالسيّ)
في ((مسنده)) (١٠١٦)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٥١٩/٤)، و(ابن أبي شيبة)
في ((مصنّفه)) (٢٥٨/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٩٣/٤ و١٩٤ و١٩٥)،
و(الدارميّ) في ((سننه)) (٨٤/٢ - ٨٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٢٧٩)،
و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٢٢٤/١)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (١/
٤٢٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥٤٨/٢٢ و٥٤٩ و٥٥٠ و٥٥١ و٥٥٢ و٥٥٣
و٥٥٤ و٥٥٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٥/٥ و١٦ و١٧ و١٨)، و(البيهقيّ)
في ((الكبرى)) (٣١٥/٩ و٣١٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢٧٩٣)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم أكل كلّ ذي ناب من
السباع، وذي مِخْلب من الطيور:
(١) ((الفتح)) ٥١٢/١٢ - ٥١٣، كتاب ((الذبائح والصيد)) رقم (٥٥٣٠).

١١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
فأما ذو الناب من السباع، فذهب أكثر أهل العلم إلى تحريم كلّ ذي
ناب قويّ من السباع، يعْدُو، ويَكسِر، إلا الضبع، منهم: مالك، والشافعيّ،
وأبو ثور، وأصحاب الحديث، وأبو حنيفة، وأصحابه. وقال الشعبيّ،
وسعيد بن جُبير، وبعض أصحاب مالك: هو مباح؛ لعموم قوله تعالى: ﴿قُل لَّ
أَجِدُ فِ مَا أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥]، وقوله تعالى:
﴿إِنََّا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ الآية
[البقرة: ١٧٣].
واحتجّ الأولون بأحاديث أبي ثعلبة، وأبي هريرة، وابن عبّاس
المذكورة في الباب. قال الحافظ ابن عبد البرّ كَُّ: هذا حديث ثابتٌ،
صحيح، مُجمع على صحّته، وهذا نصّ صريح يخُصّ عموم الآيات، فيدخل
في هذا: الأسدُ، والنمرُ، والفهد، والذئب، والكلب، والخنزير، وقد رُوي
عن الشعبيّ أنه سئل عن رجل يتداوى بلحم الكلب؟ فقال: لا شفاه الله. وهذا
يدلّ على أنه رأی تحریمه. انتهى.
وأما ذو الْمِحْلب من الطيور، وهي التي تعلِّق بمخالبها الشيء، وتصيده
بها، فذهب أكثر أهل العلم أيضاً إلى تحريمه، وبه قال الشافعيّ، وأبو ثور،
وأصحاب الرأي.
وقال مالك، والليث، والأوزاعيّ، ويحيى بن سعيد: لا يحرم شيء من
الطير، قال مالك: لم أر أحداً من أهل العلم يَكره سباع الطير.
واحتجّوا بعموم الآيات المبيحة، وقول أبي الدرداء، وابن عبّاس.
ما سكت الله، فهو مما عفا عنه.
واحتجّ الأولون بحديث ابن عبّاس ظه المذكور: نهى رسول الله وَّر عن
كلّ ذي ناب من السباع، وكلّ ذي مِخلب من الطير، رواه مسلم. فهذا يخصّ
عموم الآيات، ويُقدَّم على ما ذكروه، فيدخل في هذا كلّ ما له مِخلبٌ يعدو
به، كالعُقاب، والبازي، والصقر، والشاهين، والباشق، والحدأة، والبومة،
ونحوها(١).
(١) راجع: ((المغني)) لابن قدامة تَذَثم ٣١٩/١٣ - ٣٢٣.

١١٩
(٣) - بَابُ تَحْرِیم آْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السَُّاعِ، وَكُلِّ ذِي ... إلخ - حديث رقم (٤٩٨٠)
وقال في ((الفتح)): قَالَ التِّرْمِذِيّ: الْعَمَلِ عَلَى هَذَا عِنْد أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْم،
وَعَن بَعْضهمْ: لا يَحْرُم، وَحَكَى ابْنِ وَهْب، وَابْن عبد الحَكَم، عَن مَالِك
كَالْجُمْهُورِ، وَقَالَ ابْنِ الْعَرَبِيّ: الْمَشْهُور عَنْهُ الْكَرَاهَة. وَقَالَ ابْن عبد البَرّ:
اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى ابْن عَبَّاس، وَعَائِشَة، وَجَابِر، وعَن ابْن عُمَر مِنْ وَجْه ضَعِيف،
وَهُوَ قَوْل الشَّعْبِيّ، وَسَعِيد بْن ◌ُبَيْر.
وَاحْتَجُوا بِعُمُومٍ: ﴿قُل لَّ أَجِدُ﴾ الآية.
وَالْجَوَابِ أَنَّهَا مَكِيَّةٍ، وَحَدِيث التَّحْرِيمِ بَعْد الْهِجْرَة.
ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوه مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ نَصَّ الْآيَة عَدَم تَحْرِيم غَيْرِ مَا ذُكِرَ إِذْ ذَاكَ،
فَلَيْسَ فِيهَا نَفْي مَا سَيَأْتِي، وَعَن بَعْضهمْ: أَنَّ آيَة الْأَنْعَامِ خَاصَّة، بِبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ؛
لأَنَّهُ تَقَدَّمَ قَبْلِهَا حِكَايَة عَنِ الْجَاهِلِيَّةِ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُحَرِّمُونَ أَشْيَاء، مِنْ الأَزْوَاجِ
الثَّمَانِيَة بِآَرَائِهِمْ، فَنَزَلَتْ الْآيَة: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَّا أُوْجِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية؛ أي:
مِنَ الْمَذْكُورَاتِ، إِلا الْمَيْتَة مِنْهَا، وَالدَّم الْمَسْفُوحِ، وَلا يَرِدِ كَوْن لَحْم الْخِنْزِير
ذُكِرَ مَعَهَا؛ لأَنَّهَا قُرِنَتْ بِهِ عِلَّ تَحْرِيمه، وَهُوَ كَوْنه رِجْساً.
وَنَقَلَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَنِ الشَّافِعِيّ، أَنَّهُ يَقُول بِخُصُوصِ السَّبَبِ، إِذَا وَرَدَ فِي
مِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّة؛ لأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الْآيَة حَاصِرَة لِمَا يَحْرُم مِنَ الْمَأْكُولَات، مَعَ
وُرُودِ صِيغَة الْعُمُومِ فِيهَا، وَذَلِكَ أَنَّهَا وَرَدَتْ فِي الْكُفَّارِ، الَّذِينَ يُحِلُّونَ الْمَيْنَة،
وَالدَّم، وَلَحْم الْخِنْزِيرِ، وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ، وَيُحَرِّمُونَ كَثِيراً مِمَّا أَبَاحَهُ الشَّرْعِ،
فَكَأَنَّ الْغَرَضِ مِنَ الْآيَةِ إِبَانَة حَالهِمْ، وَأَنَّهُمْ يُضَادُونَ الْحَقّ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: لا حَرَام
إِلا مَا حَلَلْتُمُوهُ، مُبَالَغَة فِي الرَّدّ عَلَيْهِمْ.
وَحَكَى الْقُرْطُبِيّ عَن قَوْمٍ: أَنَّ آيَةِ الْأَنْعَامِ الْمَذْكُورَةِ، نَزَلَتْ فِي حَجَّة
الْوَدَاعِ، فَتَكُون نَاسِخَة، وَرُدَّ بِأَنَّهَا مَكِيَّة، كَمَا صَرَّحَ بِهِ كَثِير مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَيُؤَيِّدهُ
مَا تَقَدَّمَ قَبْلِهَا مِنَ الآيَات، مِنَ الرَّدّ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَب، فِي تَحْرِيمِهِمْ مَا
حَرَّمُوهُ مِنَ الْأَنْعَامِ، وَتَخْصِيصِهِمْ بَعْض ذَلِكَ بِآلِهَتِهِمْ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا سَبَقَ
للرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ كُلّه قَبْلِ الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَةِ.
وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالتَّحْرِيمِ، فِي الْمُرَاد بِمَا لَهُ نَاب: فَقِيلَ: إِنَّهُ مَا يَتَقَوَّى

١٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
بِهِ، وَيَصُول عَلَى غَيْرِهِ، وَيَصْطَادِ، وَيَعْدُو بِطَبْعِهِ غَالِباً، كَالْأَسَدِ، وَالْفَهْد،
وَالصَّفْرِ، وَالْعُقَاب، وَأَمَّا مَا لا يَعْدُو، كَالضَّبْعِ، وَالثَّعْلَب، فَلا، وَإِلَى هَذَا
ذَهَب الشَّافِعِيّ، وَاللَّيْث، وَمَنْ تَبِعَهُمَا، وَقَدْ وَرَدَّ فِي حِلّ الضَّبْعِ أَحَادِيث، لا
بَأُس بِهَا، وَأَمَّا الثَّعْلَبِ، فَوَرَدَ فِي تَحْرِيمِه حَدِيث خُزَيْمَةَ بْن جَزْء، عِنْد
التِّرْمِذِيّ، وَابْن مَاجَهْ، وَلَكِنْ سَنَده ضَعِيف. انتهى ما في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الصواب هو ما ذهب
إليه الجمهور، من تحريم كلّ ذي ناب، من السباع، وكلّ ذي مِخلب من
الطيور؛ لصحة الأحاديث بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٨١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ يَقُولُ:
نَھَى رَسُولُ اللهِن ◌َّهِ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ أَسْمَعْ
ذَلِكَ مِنْ عُلَمَائِنَا بِالْحِجَازِ، حَتَّى حَدَّثَنِي أَبُو إِدْرِيسَ، وَكَانَ مِنْ نُقَهَاءِ أَهْلِ الشَّامِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ،
صدوقٌ [١١] (ت٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٢ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ،
ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب.
والحديث من أفراد المصنّف كَّتُهُ، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في
الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُّ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٨٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
أَخْبَرَنَا عَمْرٌو - يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ - أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ
(١) ((الفتح)) ٥١٣/١٢ - ٥١٤، كتاب ((الذبائح والصيد)) رقم (٥٥٣٠).