النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
(٥٤) - بَابُ مُرَاعَاةِ مَصْلَحَةِ الدَّوَابِّ فِي السَّيْرِ، وَالتَّهْيِ ... إلخ - حديث رقم (٤٩٥١)
ومنه حديث كعب بن عجرة
حيث قال له النبيّ وَّل : ((أيؤذيك هواء
مضِـ
رأسك؟))، والمراد: القمل، على الاستعارة، بجامع الأذى(١).
وقوله: (بِاللَّيْلِ))) متعلّق بـ((مأوى))، والباء بمعنى ((في))؛ أي: في الليل،
والمعنى: أنها محل تَردّدها بالليل لتأكل ما فيه من الرّمّة، وتلتقط ما سقط من
المارّة، من نحو مأكول، فينبغي التعريج عنها حَذَراً من أذاها، والله تعالى
أعلم .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩٥١/٥٤ و٤٩٥٢] (١٩٢٦)، و(أبو داود) في
(الجهاد)) (٢٥٦٩)، و(الترمذيّ) في ((الأدب)) (٢٨٥٨)، و(النسائيّ) في
((الكبرى)) (٢٥٢/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣٧/٢ و٣٣٨)، و(ابن خزيمة)
في ((صحيحه)) (٢٥٥٠ و٢٥٥٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٧٠٣
و٢٧٠٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٥٠٩/٤ و٥١٠)، و(الطحاويّ) في
((مشكل الآثار)) (١١٥ و١١٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٥٦/٥)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الحثّ على الرفق بالدوابّ، ومراعاة مصلحتها، فإن
سافروا في الخصب قللوا السير، وتركوها ترعى في بعض النهار، وفي أثناء
السير، فتأخذ حظّها من الأرض، بما ترعاه منها، وإن سافروا في القحط
عَجّلوا السير؛ ليصلوا المقصد، وفيها بقية من قوّتها، ولا يقللوا السير فيلحقها
الضرر؛ لأنها لا تجد ما ترعى، فتضعف، ويذهب نِقْيُها، وربما كلّت،
ووقفت.
وفي رواية مالك في ((الموطأ)): ((إن الله تبارك وتعالى رفيق يحب الرفق،
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٤١.

٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
ويرضى به، ويُعِين عليه، ما لا يُعِين على العُنْف، فإذا ركبتم هذه الدواب
الْعُجْم فأنزلوها منازلها، فإن كانت الأرض جدبة فانجوا عليها بنِقْيها، وعليكم
بِسَيْر الليل، فإن الأرض تُطوى بالليل، ما لا تطوى بالنهار، وإياكم والتعريس
على الطريق، فإنها طرق الدواب، ومأوى الحيات)). انتهى.
قال أبو عمر بن عبد البرّ تَخْشُهُ: وهذا عموم يدخل فيه الرفق بالدواب في
الأسفار وغيرها .
وخص المسافر في هذا الحديث بالذِّكر، فأمر أن يمشي مهلاً رويداً
ويكثر النزول إذا كانت الأرض مخصبة؛ لترعى دابته الكلأ، وتنال من الحشيش
والماء، وهذا إنما هو في الأسفار البعيدة، ما لم تضم الضرورة إلا أن يجدّ في
السفر، فإذا كانت جِدّبّة، وكان عام السَّنَة، فالسُّنّة للمسافر أن يُسرع في السفر،
ويسعى في الخروج عن بلاد الجدب، وبدابته رَمَقٌ يقيه من النقي، والنقي:
الشحم، والقوّة حتى يحصل في بلد الخصب. انتهى(١).
وقال صاحب ((التكملة)): إن رسول الله وَ ل﴿ بُعث رحمة للعالمين، فعلّمنا
آداب ركوب الدوابّ، ومراعاة مصالحها، وأن لا تُحمَّل من العَناء فوق
طاقتها، ولمّا كان هذا من تعليم النبيّ وَ ﴿ في الدواب والحيوانات، فما بالك
بالسُّوّاق الذين يسوقون السيّارات لمن استأجرهم على ذلك، فمراعاة مصالحهم
في الطعام والشراب والراحة أولى بالاعتناء، وقلّ من الناس، ولا سيّما
أصحاب الثروة من يعتني بها. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله بالنسبة لسوّاق السيّارات محل
نظر، ولعله شاهد ذلك في بعض البلدان، وإلا فالذي نشاهده هنا في المملكة
العربيّة السعوديّة عكس هذا، بل الشركات تتنافس في ترفيه الركّاب، والعناية
براحتهم، حتى تجلب الناس إليها، ولذا يجد الركاب من الراحة والترفّه ما لا
يجدونه في مقرّ إقامتهم، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): أن من آداب السير والنزول اجتنابَ الطريق، كما أرشد
النبيّ وَّه إليه هنا؛ لأن الحشرات، ودواب الأرض من ذوات السموم، والسباع
(١) ((الاستذكار)) ٥٣٤/٨ - ٥٣٥.
(٢) ((تكملة فتح الملهم)» ٤٧٣/٣.

٤٣
(٥٤) - بَابُ مُرَاعَاةِ مَصْلَحَةِ الدَّوَابُّ فِي السَّيْرِ، وَالَّهْيِ ... إلخ - حديث رقم (٤٩٥٢)
تمشي في الليل على الطرق؛ لسهولتها؛ ولأنها تلتقط منها ما يسقط من مأكول
ونحوه، وما تجد فيها من رِمَّة ونحوها، فإذا عَرَّس الإنسان في الطريق ربما مَرّ
به منها ما يؤذيه، فينبغي أن يتباعد عن الطريق.
٣ - (ومنها): شدّة عناية النبيّ وَّ في إرشاد أمته إلى ما يُصلحها، وإبعادها
عما يضرّها، ويؤذيها، فهو ◌َّه في أعلى القمّة من الشفقة والرأفة، كما قال الله
تعالى في حقّه: ﴿لَقَدْ جََّكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ
[التوبة: ١٢٨]، والله تعالى أعلم.
حَرِيصٌ عَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (٨َ))
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٥٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي: ابْنَ
مُحَمَّدٍ - عَنْ سُهَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ِ قَالَ: ((إِذَا سَافَرْتُمْ
فِي الْخِصْبِ فَأَعْطُوا الإِبِلَ حَظَّهَا مِنَ الأَرْضِ، وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَّةِ فَبَايِرُوا بِهَا
نِقْيَهَا، وَإِذَا عَرَّسْتُمْ فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ، فَإِنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابِّ، وَمَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عُبيد الدراورديّ الجهنيّ مولاهم، أبو
محمد المدنيّ، صدوقٌ كان يحدّث من كتب غيره، فيُخطىء [٨] (ت٦ أو ١٨٧)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَبَادِرُوا بِهَا نِقْيَهَا) بكسر النون، وإسكان القاف، آخره ياء،
ويقال: النقو بالواو أيضاً، وهو الْمُخّ، قال الفيّوميّ: النِّقْوُ وزانُ حِمْلٍ: كلُّ
عظم ذي مُخّ، والجمع أنقاء، مثلُ أحمال، وهي الْقَصَبُ، والنِّقْيُ بالياءَ لغةٌ،
والنِّقْيُ أيضاً: شحم العين من السِّمَن، والجمع أنقاء، ونَقَوتُ العظم نَقْواً،
ونقَيته نَقْياً: استخرجتُ نِقْوه. انتهى(١).
[تنبيه]: قال التوربشتيّ تَخْلُ: ومن الناس من يرويها ((نقبها)) بالباء الموحّدة
(١) ((المصباح المنير)) ٦٢٤/٢.

٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
بعد القاف، ويرى الضمير فيه راجعاً إلى الأرض، ويفسّر النقب بالطريق، وليس
ذلك بشيء، ومن التصحيفات التي زَلَّ فيه العالِم فضلاً عن الجاهل. انتهى.
وقال الطيبيّ نَّتُهُ: قوله: ((نقيها)) يَحْتَمل الحركات الثلاث، أن يكون
منصوباً مفعولاً به؛ لأن ((بادر)) يتعدّى إلى المفعول الأول بالواسطة وبغيرها،
وكذا إلى المفعول الثاني، وهذا من هذا القِسْم، وجعل ذهاب النقي بمنزلة
المبادرة إلى الغاية، وجاء بالمفاعلة، و((بها)) حال منه؛ أي: بادروا نقيها إلى
المقصد ملتبساً بها، أو من الفاعل؛ أي: ملتبسين بها، ويجوز أن تكون الباء
سبيّةً؛ أي: بادروا بسبب سَيْرها نقيها، وأن تكون للاستعانة؛ أي: بادروا نقيها
مستعينين بِسَيْرها، ومنه الحديث: ((بادروا بالأعمال ستّاً، ... الدخان،
والدجّال ... )) الحديث، رواه مسلم.
ويجوز أن يكون ((نقيها)) مرفوعاً فاعلاً بالظرف، وهو حال؛ أي: بادروا
إلى المقصد ملتبسين بها نقيها، أو مبتدأ، والجارّ والمجرور خبره، والجملة
حال، كقولهم: فوه إلى فيّ، وأن يكون مجروراً بدلاً من الضمير المجرور،
والمعنى: بادروا بنقيها إلى المقصد باقية النقي، فالجارّ والمجرور حال. انتهى
كلام الطيبيّ كَذَتُهُ ببعض تصرّف(١).
وقوله: (فَإِنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابِّ) هذه علّة ثانية للنهي عن التعريس في
الطريق، وهي كونها طريقاً للدوابّ، فإذا نزل المسافر فيها ضيّق على المارّة،
قال صاحب ((التكملة)): هذه علّة أخرى، وهو أن الطريق حقّ المارّة، فلو نزل
أحد بالطريق ضيّق المرور على المارّة، وبهذا يؤخذ أن الاحتراز عن إيذاء
المارّة واجبٌ على كلّ إنسان، فلا يجوز إيقاف السيّارات، والمراكب في أمكنة
يضيق بها الطريق على الناس، وبهذا يؤخذ وجوب الالتزام بقواعد المرور،
فإنها وُضعت لصيانة الطريق من التضييق، والتوسعة على المارّة. انتهى (٢)، وهو
بحث جيّد، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٨٠/٨ - ٢٦٨١.
(٢) ((تكملة فتح الملهم)) ٣/ ٤٧٤.

٤٥
(٥٥) - بَابُ السَّفَرِ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، وَاسْتِحْبَابٍ تَعْجِيلٍ ... إلخ - حديث رقم (٤٩٥٣)
(٥٥) - (بَابُ السَّفَرِ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، وَاسْتِحْبَابٍ تَعْجِيلٍ
الْمُسَافِرِ إِلَى أَهْلِهِ بَعْدَ قَضَاءِ شُغْلِهِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٥٣] (١٩٢٧) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنٍ قَعْنَبِ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ
أَبِي أُوَيْسٍ، وَأَبُو مُصْعَبِ الزُّهْرِيُّ، وَمَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ،
قَالُوا: حَدَّثَنَا مَالِكٌ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بَحْيَى التَّمِيمِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ:
قُلْتُ لِمَالِكٍ: حَدَّثَكَ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، يَمْنَغُّ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ، وَطَعَامَهُ،
وَشَرَابَهُ، فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ وَجْهِهِ، فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ))؟ قَالَ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) تقدّم قريباً.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) هو: إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن
أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ، صدوق، أخطأ في
أحاديث مِن حِفْظه [١٠] (ت٢٢٦) (خ م د ت ق) تقدم في ((الحج)) ١٧/ ٢٩٢١.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الغسّانيّ الجيّانيّ تَُّ بعد أن أورد إسناد
المصنّف المذكور هنا ما نصّه: هكذا إسناد هذا الحديث عند أبي أحمد، وكذا
عند الكسائيّ، وعند أبي العلاء بن ماهان: حدّثنا عبد الله بن مسلمة، وابن أبي
الوزير، وأبو مصعب، ومنصور، وقتيبة، عن مالك بهذا.
هكذا عنده جَعَل ابن أبي الوزير بدل إسماعيل بن أبي أويس، وذكره أبو
مسعود الدمشقيّ عن مسلم من حديث إسماعيل بن أبي أويس، وقتيبة،
وأصحابهما، على ما في رواية أبي أحمد، والكسائيّ، وابن أبي الوزير هو:
إبراهيم بن عمر بن أبي الوزير، ويُكنى أبا إسحاق، ممن روى عن مالك، ولا
أعلم لمسلم عنه روايةً، ولا هو ممن أدركه، وقد خرّج البخاريّ في ((كتابه)) عن
عبد الله بن محمد الجعفيّ، عن إبراهيم بن أبي الوزير مقروناً بالحسين بن

٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
الوليد النيسابوريّ، عن ابن الغسيل في الطلاق، حديث الْجَوْنيّة التي تزوّجها
رسول الله ◌َ﴾، فاستعانت منه. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد يُفهم مما سبق أن ما وقع عند ابن ماهان،
من قوله: ((وابن أبي الوزير)) غلط، والصواب: ((وإسماعيل بن أبي أويس))،
فتنبه .
٣ - (أَبُو مُصْعَبِ الزُّهْرِيُّ) أحمد بن أبي بكر، واسمه القاسم بن
الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف المدنيّ الفقيه، صدوقٌ،
عابه أبو خيثمة للفتوى بالرأي [١٠] (ت٢٤٢) وله نيّف وتسعون سنة (ع).
رَوَى عن مالك ((الموطأ))، والدّرَاوَرْديّ، وابن أبي حازم، والمغيرة بن
عبد الرحمن، ومحمد بن إبراهيم بن دينار، وجماعة.
ورَوَى عنه الجماعة، لكن النسائي بواسطة خياط السُّنَّة، وأبو إسحاق
الهاشميّ راوية ((الموطأ)) عنه، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وقالا:
صدوقٌ، والذُّهْليّ، وغيرهم.
قال الزبير بن بكّار: مات، وهو فقيه أهل المدينة، غير مدافع، قال
السرّاج: مات في رمضان سنة (٢٤٢) وله (٩٢) سنةً، وكذا ذكر البخاريّ،
وابن أبي عاصم وفاته، وقال صاحب («الميزان»: ما أدري ما معنى قول أبي
خيثمة لابنه: لا تكتب عن أبي مصعب، واكتب عمن شئت؟ انتهى.
قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكون مراد أبي خيثمة: دخوله في القضاء، أو
إكثاره من الفتوى بالرأي، وقال الحاكم: كان فقيهاً متقشفاً عالِماً بمذاهب أهل
المدينة، وكذا ذكر ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن حزم دَّثُهُ: في ((موطئه))
زيادةٌ على مائة حديث، وقدّمه الدارقطنيّ في ((الموطأ)) على يحيى بن بكير.
روى عنه الجماعة، وليس له عند المصنّف في هذا الكتاب إلا هذا
الحديث.
والباقون تقدّموا في الأبواب الأربعة الماضية.
(١) ((تقييد المهمل)) ٣/ ٨٩٠.

٤٧
(٥٥) - بَابُ السَّفَرِ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، وَاسْتِحْبَابٍ تَعْجِيلٍ ... إلخ - حديث رقم (٤٩٥٣)
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف، وله فيه ستة من الشيوخ قرن بين خمسة
منهم؛ لاتّحاد كيفيّة التحمّل والأداء، وأفرد السادس؛ لمخالفته لهم في كيفيّة
التحمّل، والأداء.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ
الْعَذَابِ)؛ أي: جزء منه؛ لِمَا فيه من التعب، ومعاناة الريح، والشمس،
والبرد، والخوف، والخطر، وأكل الْخَشِن، وقلة الماء، والزاد، وفراق
الأحبة، ولا يناقضه خبر: ((سافروا تغنموا))؛ إذ لا يلزم من الغُنْم بالسفر أن لا
يكون من العذاب؛ لِمَا فيه من المشقة، وقيل: السَّفَر سَقَر، وقيل فيه:
وَلَا هِمَّةٍ يَسْمُو بِهَا لَعَجِيبُ
وَإِنَّ اغْتِرَابَ الْمَرْءِ مِنْ غَيْرٍ خُلَّةٍ
وَنَالَ الثُّرَيَّا أَنْ يُقَالَ غَرِيبُ
وَحَسْبُ الْفَتَى ذُلّاً وَإِنْ أَدْرَكَ الْعُلَا
وقوله: (يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ) جملة مستأنفة استئنافاً بيانيّاً، وهو ما وقع جواباً
السؤال مقدَّر، تقديره: لِمَ كان ذلك؟ فقال: يمنع أحدكم، وقال في ((الفتح)):
قوله: ((يمنع أحدكم)) كأنه فَصَله عما قبله بياناً لذلك بطريق الاستئناف،
كالجواب لمن قال: لِمَ كان كذلك؟ فقال: يمنع أحدكم نومه إلخ؛ أي: وجْهُ
التشبيه الاشتمال على المشقّة، وقد ورد التعليل في رواية سعيد المقبريّ،
ولفظه: ((السفر قطعة من العذاب؛ لأن الرجل يشتغل فيه عن صلاته،
وصيامه))، فذكر الحديث، والمراد بالمنع في الأشياء المذكورة: منعُ كمالها،
لا أصلها، وقد وقع عند الطبرانيّ بلفظ: ((لا يهنأ أحدكم بنومه، ولا طعامه،
ولا شرابه))، وفي حديث ابن عمر عند ابن عديّ: ((وأنه ليس له دواء إلا سرعة
(١)
السير)). انتهى (١).
(نَوْمَهُ، وَطَعَامَهُ، وَشَرَابَهُ) قال النوويّ تَظُّ: معناه: يمنعه كمالَها،
ولذيذَها؛ لِمَا فيه من المشقّة، والتعَب، ومقاساة الحرّ والبرد، والسُّرَى،
(١) ((الفتح)) ٤٥/٥ - ٤٦، كتاب ((العمرة)) رقم (١٨٠٤).

٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
والخوف، ومفارقة الأهل والأصحاب، وخشونة العيش. انتهى (١).
وقال المناويّ كَّثُ: قوله: ((طعامَه ... إلخ)) منصوب بنزع الخافض على
المفعولية؛ لأن ((مَنَع)) يتعدى لمفعولين: الأول ((أحدكم))، والثاني: ((طعامه))،
و ((شرابه)) عطفُ عليه، و((نومه)) إما على الأول، أو الثاني، والمراد: منعُ
كمالات المذكورات، لا أصلها، ومما تقرَّر عُلِم أن المراد: العذاب الدنيويّ،
وأما ما قيل من أن المراد العذاب الأخرويّ بسبب الإثم الناشئ عن المشقّة
فیه، فناشئ عن عدم تأمّل.
[فإن قلت]: لِمَ عَبّر بالعذاب دون العقاب؟.
[قلت]: لكون العذاب أعمّ؛ إذ العذاب: الألم كما تقرر، وليس كل
مؤلم يكون عقاباً على ذنب، قاله المناويّ كَذَهُ(٢).
(فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ) - بفتح النون، وسكون الهاء -؛ أي: رغبته، أو
مقصوده، أو حاجته، والمقصود منه: استحباب تعجيل الرجوع إلى الأهل بعد
قضاء شغله، ولا يتأخر بما ليس له بمهم، قاله النوويّ تَّهُ(٣).
وقال في ((العمدة)): النهمة - بفتح النون، وضمها، وكسرها (٤) -: بلوغ
الهمة في الشيء. انتهى(٥).
(مِنْ وَجْهِهِ)؛ أي: مقصده، أو من جهة سفره، وبيانه في حديث ابن
عديّ بلفظ: ((إذا قضى أحدكم وَطَرَه من سفره))، وفي رواية روّاد بن الجرّاح:
((فَرَعْ أحدكم من حاجته)). (فَلْيُعَجِّلْ) بضم حرف المضارعة، (إِلَى أَهْلِهِ))) وفي
رواية عتيق، وسعيد المقبريّ: ((فليُعجّل الرجوع إلى أهله))، وفي رواية أبي
(١) ((شرح النوويّ)) ٧٠/١٣.
(٢) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) للمناويّ ١٤٠/٤ - ١٤١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٧٠/١٣.
(٤) كذا ضبطه في ((عمدة القاري)) مثلّث النون، ولم أجد في ((الصحاح))، ولا في
((القاموس))، ولا في ((المصباح)) إلا الضبط الأول؛ أي: بفتح، فسكون فقط،
فليُنظر، والله تعالى أعلم.
(٥) ((عمدة القاري)) ٦٠/٢١.

٤٩
(٥٥) - بَابُ السَّفَرِ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، وَاسْتِحْبَابٍ تَعْجِيلٍ ... إلخ - حديث رقم (٤٩٥٣)
مصعب: ((فليعجل الكَرذَة إلى أهله))، وفي حديث عائشة: ((فليعجل الرِّحْلة إلى
أهله، فإنه أعظم لأجره)).
والمعنى: ليُسرع الرجوعَ إليهم؛ محافظةً على فضل الجمعة، والجماعة،
وأداء الحقوق الواجبة لمن يَمُونه، وعَبَّر بالنهمة التي هي بلوغ الهمة؛ إشعاراً
بأن الكلام في سفر لِأَرَب دنيويّ، كتجارة، دون الواجب، كحجّ، وغزو.
[تنبيه]: قال ابن عبد البرّ ◌َّلهُ: زاد فيه بعض الضعفاء عن مالك:
((وليتخذ لأهله هديّةً، وإن لم يجد إلا حجراً - يعني: حجر الزناد ـ»، قال:
وهي زيادة مُنكَرة.
[لطيفة]: لَمَّا جلس إمام الحرمين محلّ أبيه، سئل لِمَ كان السفر قطعةً
من العذاب؟.
فأجاب فوراً: لأن فيه فراق الأحباب(١).
وقوله: (قَالَ: نَعَمْ)؛ أي: قال مالك لَمّا سأله يحيى بن يحيى كما تقدّم
أول الحديث بقوله: ((حدّثك سُميّ عن أبي صالح إلخ؟)) أجابه بقوله: ((نعم))؛
أي: حدَّثني بهذا الحديث، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة نص به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩٥٣/٥٥] (١٩٢٧)، و(البخاريّ) في ((العمرة))
(١٨٠٤) و((الجهاد)) (٣٠١) و((الأطعمة)) (٥٤٢٩)، و(النسائيّ) في ((الكبرى))
(٢٤٢/٥)، و(ابن ماجه) في ((المناسك)) (٢٨٨٢)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (٢/
٩٨٠)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٦٤/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٦/٢
و٤٤٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٨٤/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤/
٥١٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٧٠٨)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١/
٢٣٣) و((الصغير)) (٣٦٦/١)، و(أبو الشيخ) في ((الأمثال)) (٢٠٥)، و(القضاعيّ)
(١) ((الفتح)) ٤٥/٥ - ٤٦، كتاب ((العمرة)) رقم (١٨٠٤).

٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
في ((الشهاب)) (٢٢٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٥٩/٥)، و(البغويّ) في
((شرح السُّنّة)) (٢٦٨٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في الكلام على هذا الحديث:
(اعلم): أن هذا الحديث رواه مالك عن سُميّ، وهذا هو المشهور عنه،
قال في ((الفتح)): كذا لأكثر الرواة عن مالك، وكذا هو في ((الموطأ))، وقد
صَرّح يحيى بن يحيى النيسابوريّ عن مالك بتحديث سُمَيّ له به، وشذّ خالد بن
مَخْلَد عن مالك، فقال: ((عن سهيل)) بدل ((سُمَيّ)) أخرجه ابن عديّ، وذكر
الدار قطنيّ أن ابن الماجشون رواه عن مالك، عن سُهيل أيضاً، فتابع خالد بن
مَخْلد، لكن قال الدارقطنيّ: إن أبا علقمة القروي تفرد به، عن ابن
الماجشون، وإنه وَهِمَ فیه.
ورواه الطبرانيّ عن أحمد، عن بَشِير الطيالسيّ، عن محمد بن جعفر
الورکانيّ، عن مالك، عن سهيل.
وخالفه موسى بن هارون، فرواه عن الوركانيّ، عن مالك، عن سُمَيّ،
قال الدارقطنيّ: حدثنا به دُغْلج، عن موسى، قال: والوهم في هذا من
الطبرانيّ، أو من شيخه، وسُمَيّ هو المحفوظ في رواية مالك، قاله ابن عديّ،
وأخرجه الدارقطنيّ، وغيرهما، ولم يروه عن سُميّ غيرُ مالك، قاله ابن
عبد البرّ، ثم أسند عن عبد الملك بن الماجشون، قال: قال مالك: ما لأهل
العراق يسألونني عن حديث: ((السفرُ قطعة من العذاب))؟ فقيل له: لَمْ يروه عن
سُمَيّ أحد غيرك، فقال: لو عرفت ما حدّثت به، وكان مالك ربما أرسله
لذلك.
ورواه عتيق بن يعقوب، عن مالك، عن أبي النضر، عن أبي صالح،
ووَهِم فيه أيضاً على مالك، أخرجه الطبرانيّ، والدار قطنيّ.
ورواه رَوّاد بن الجراح عن مالك، فزاد فيه إسناداً آخر، فقال: عن
ربيعة، عن القاسم، عن عائشة، وعن سُمَيّ بإسناده، فذكره، قال الدار قطنيّ:
أخطأ فيه رَوّاد بن الجراح. وأخرجه ابن عبد البرّ من طريق أبي مُصعب، عن
عبد العزيز الدّراوَرْديّ، عن سُهيل، عن أبيه، وهذا يدلّ على أن له في حديث
سهيل أصلاً، وأن سُمَيّاً لم ينفرد به. وقد أخرجه أحمد في ((مسنده)) من طريق

٥١
(٥٥) - بَابُ السَّفَرِ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، وَاسْتِحْبَابٍ تَعْجِيلٍ ... إلخ - حديث رقم (٤٩٥٣)
سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة. وأخرجه ابن عديّ من طريق جُمهان، عن
أبي هريرة أيضاً، فلم ينفرد به أبو صالح. وأخرجه الدارقطنيّ، والحاكم من
طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، بإسناد جيّد، فلم ينفرد به أبو
هريرة .
بل في الباب عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي سعيد، وجابر، عند ابن
عديّ بأسانيد ضعيفة. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن السفر قطعة من العذاب، وقد تقدّم وجه التشبيه.
٢ - (ومنها): كراهة التغرّب عن الأهل لغير حاجة.
٣ - (ومنها): استحباب استعجال الرجوع من السفر إلى أهله، ولا سيما
مَن يُخْشَى عليهم الضيعة بالغَيبة.
٤ - (ومنها): أن في الإقامة في الأهل راحةً مُعِينةً على صلاح الدين
والدنيا .
٥ - (ومنها): أن في الإقامة أيضاً تحصيلَ الجماعات، والقوّة على
العبادة.
٦ - (ومنها): ما قال ابن بطال: إنه لا تعارض بين هذا الحديث،
وحديث ابن عمر طما مرفوعاً: ((سافروا تَصِحُّوا))، فإنه لا يلزم من الصحة
بالسفر؛ لِمَا فيه من الرياضة أن لا يكون قطعة من العذاب؛ لِمَا فيه من
المشقة، فصار كالدواء المرّ المعقّب للصحة، وإن كان في تناوله الكراهة.
٧ - (ومنها): أن الخطابيّ استنبط منه تغريبَ الزاني؛ لأنه قد أُمر
بتعذيبه، والسفر من جملة العذاب، قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه. انتهى(٢)،
والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) ((الفتح)) ٤٥/٥ - ٤٦، كتاب ((العمرة)) رقم (١٨٠٤).
(٢) ((الفتح)) ٤٥/٥ - ٤٦، كتاب ((العمرة)) رقم (١٨٠٤).

٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
(٥٦) - (بَابُ كَرَاهَةِ الطُّرُوقِ، وَهُوَ الدُّخُولُ لَيْلاً لِمَنْ وَرَدَ مِنْ سَفَرٍ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٥٤] (١٩٢٨) - (حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ
هَارُونَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ:
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَّهِ كَانَ لَا يَطْرُقُ أَهْلَهُ لَيْلاً، وَكَانَ يَأْتِيهِمْ غُدْوَةً، أَوْ عَشِيَّةً))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم قبل بابين.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) تقدّم قريباً.
٣ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر
البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ٧٠.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، تقدّم قريباً.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) رُبه، تقدّم قبل أربعة أبواب.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَبُه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ كَانَ لَا يَطْرُقُ) بفتح أوله،
وضمّ ثالثه، يقال: طَرَق النجم، يطرُقُ، من باب قعد: طَلَع، وكلّ ما أتى
ليلاً، فقد طرق، وهو طارقٌ(١). (أَهْلَهُ) منصوب على المفعوليّة، (لَيْلاً) منصوب
على الظرفيّة.
والمعنى: أنه وَ﴿ لا يَقْدَم على أهله من سفر، ولا غيره في الليل، على
غفلة؛ لئلا يرى ما يكرهه؛ لأن القادم إما أن يجد أهله على غير أَهْبة، من نحو
تَنَظّف، أو يجدهم بحالة غير مرضية، فتحصل منه النفرة، والوحشة، فلا ينبغي
أن يبغتهم في وقت غير مناسب، والله تعالى أعلم.
(وَكَانَ يَأْتِيهِمْ)؛ أي: أهله، (غُدْوَةً) بضمّ الغين المعجمة، وسكون الدال
(١) ((المصباح المنير)) ٣٧٢/١.

٥٣
(٥٦) - بَابُ كَرَاهَةِ الطُّرُوقٍ، وَهُوَ الدُّخُولُ لَيْلاَّ لِمَنْ وَرَدَ مِنْ سَفَرٍ - حديث رقم (٤٩٥٤)
المهملة: ما بين طلوع الصبح وطلوع الشمس، وجمعها غُدَى، مثلُ مُدْية
ومُدَى، هذا أصله، ثم كثُر حتى استُعمل في الذهاب والانطلاق أيَّ وقت
كان، ومنه قوله وَّهِ: ((واغْدُ يا أنيس))(١)؛ أي: وانطلق(٢). (أَوْ عَشِيَّةً) قال ابن
الأنباريّ: العشيّة مؤنّثةٌ، وربّما ذكّرتها العرب على معنى الْعَشيّ، وقال
بعضهم: العشيّة واحدة، جَمْعها عشيّ، قيل: العشيّ ما بين الزوال إلى
الغروب، ومنه يقال للظهر والعصر: صلاتا العشيّ، وقيل: هو آخر النهار،
وقيل: العشيّ من الزوال إلى الصباح، وقيل: العشيّ، والعشاء من صلاة
المغرب إلى العتمة، وعليه قول ابن فارس: العشاءان: المغرب والعتمة (٣).
وقال الطيبيّ نَقْتُ: لم يُرد بالعشيّة الليل، كقوله: ((لا يطرُق ليلاً))، وإنما
المراد بعد العصر، كقوله تعالى: ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] قال في
((الكشّاف)): ((عشيّاً)): صلاة العصر، و((تظهرون)): صلاة الظهر، وقال في
((النهاية)): الظُّرُوق من الطَّرْق، وهو الدقّ، وسُمّي الآتي بالليل طارقاً لحاجته
إلى دقّ الباب. انتهى (٤)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ظُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩٥٤/٥٦ و٤٩٥٥] (١٩٢٨)، و(البخاريّ) في
((العمرة)) (١٨٠٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٣٧/٦)، و(أحمد) في
(مسنده)) (١٢٥/٣ و٢٠٤ و٢٤٠)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٦٢/٥)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (٥١١/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٥٩/٥ و٢٦٠)،
والله تعالى أعلم.
(١) أشار به إلى ما أخرجه الشيخان في (صحيحيهما)) من قوله وَله: ((واغدُ يا أُنيس إلى
امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها)).
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٤٣/٢.
(٤) (الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٨٣/٨.
(٣) ((المصباح المنير)) ٤١٢/٢.

٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٥٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ
عبد الوَارِثِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكِ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((كَانَ لَا يَدْخُلُ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عبد الوَارِثِ) بن سعید بن ذکوان العنبريّ مولا هم، أبو سهل
التّوريّ البصريّ، ثقة، ثبتٌ في شعبة [٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٢.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((كَانَ لَا يَدْخُلُ)) الضمير لعبد الصمد؛ أي: قال
عبد الصمد في روايته: ((لا يدخل)) بدل قول يزيد بن هارون: ((لا يطرُق))،
والمعنى متقارب، هكذا قال المصنّف: إن رواية عبد الصمد بلفظ: ((لا
يدخل))، ولكن الذي في رواية أحمد الآتية أنه بلفظ: ((لا يطرُق))، كلفظ
هارون، ولكن قال في آخره: ((كان يدخل عليهم)) بدل: ((وكان يأتيهم))، ولعلٌ
المصنّف وقع في روايته هكذا، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية عبد الصمد، عن همّام هذه ساقها الإمام أحمد تَظْتُ في ((مسنده)) فقال:
(١٢٢٨٥) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، حدّثنا عبد الصمد، ثنا همام،
ثنا إسحاق بن عبد الله، عن أنس بن مالك: ((أن النبيّ ◌َ﴿ كان لا يطرُق أهله
ليلاً، كان يدخل عليهم غُدْوةً، أو عشيّةً)). انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٥٦] (٧١٥)(٢) - (حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا
سَيَّارٌ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَأَ هُشَيْمٌ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنِ
الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﴿ِ فِي غَزَاةٍ، فَلَمَّا قَدِمْنَا
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١٢٥/٣.
(٢) هذا الرقم مكرّر، فقد تقدّم.

٥٥
(٥٦) - بَابُ كَرَاهَةِ الطُّرُوقِ، وَهُوَ الدُّخُولُ لَيْلاَّ لِمَنْ وَرَدَ مِنْ سَفَرٍ - حديث رقم (٤٩٥٦)
الْمَدِينَةَ ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ، فَقَالَ: ((أَمْهِلُوا حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلاً - أَيْ: عِشَاءً - كَيْ تَمْتَشِطَ
الشَّعِئَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم) الصائغ البغداديّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (م) من
أفراد المصنّف) تقدم في ((الخَّيض)) ٧٤٨/١٠.
٢ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى) المذكور قبل حدیثین.
٣ - (هُشَيْمُ) بن بشير، تقدّم قبل بابين.
٤ - (سَيَّارُ) بن أبي سيّار، أبو الحكم الْعَنَزيّ، واسم أبيه: وَرْدان،
وقيل: وَرْد، وقيل غيره، الواسطيّ، ويقال: البصريّ، ثقةٌ [٦] (١٢٠) (ع)
تقدم في ((الإيمان)» ٢٠٩/٢٥.
٥ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ فقيه فاضلٌ مشهور
[٣] مات بعد المائة، وله نحو ثمانين سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام ﴿ّ، تقدّم قبل بابين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه جابر بن عبد الله ◌َيُّه الصحابيّ ابن
الصحابيّ، أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً.
شرح الحديث:
(عَنِ الشَّعْبِيِّ) في رواية أبي عوانة من طريق شُرَيح بن النعمان، عن
هشيم، حدّثنا سيّار، حدّثنا الشعبيّ، ولأحمد من وجه آخر: سمعت الشعبيّ
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ﴾ ﴿هَا، أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي غَزَاةٍ) بالفتح،
بمعنى الغَزْو، (فَلَمَّا قَدِمْنَا) بكسر الدال، (الْمَدِينَةَ ذَهَبْنَا)؛ أي: مضينا (لِنَدْخُلَ)
المدينة، (فَقَّالَ) وَّرِ ((أَمْهِلُوا) بقطع الهمزة، أمْرٌ من الإهمال رباعيّاً؛ أي:
اتّئدوا، ولا تَعْجلوا، قال الفيّوميّ: أَمْهَلْتُهُ إِمْهَالاً: أنظرته، وأخّرت طلبه،
ومَهَّلْتُهُ تَمْهِيلاً مثله، وفي التنزيل: ﴿فَهِّلِ الْكَفِرِينَ أَنْهِلْهُمْ رُوَّاً ®﴾ [الطارق: ١٧]،
والاسم: المَهْلُ بالسكون، والفتحُ لغةٌ، وأَمْهِلْ إِمْهَالاً، وتَمَهَّلْ في أمرك تَمَهُّلاً؛
أي: اتَّئِد في أمرك، ولا تَعْجَل، والمُهْلَةُ مثلُ غُرْفة كذلك، وهي الرفق، وفي

٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
الأمر مُهْلَةٌ؛ أي: تأخير، وتَمَهَّلَ في الأمر: تَمَكَّثَ، ولم يَعْجَلْ. انتهى(١).
(حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلاً - أَيْ: عِشَاءً -) قال في ((الفتح)): هذا التفسير في نفس
الخبر، وفيه إشارة إلى الجمع بين هذا الأمر بالدخول ليلاً، والنهي عن الظُّرُوق
ليلاً بأن المراد بالأمر الدخول في أوّلَ الليل، وبالنهي الدخول في أثنائه،
ويَحْتَمِل أن يكون الأمر بالدخول ليلاً لمن أَعْلَم أهله بقدومه، فاستعدُّوا له،
والنهي عمن لم يفعل ذلك(٢).
وفي الرواية التالية: ((إذا قَدِم أحدكم ليلاً، فلا يأتينّ أهله طُرُوقاً))، وفي
رواية البخاريّ: ((كان النبيّ وَّهِ يَكرَه أن يأتي الرجل أهله طُرُوقً)).
قال في ((الفتح)): قال أهل اللغة: الظُّروق بالضم: المجيء بالليل من
سفر، أو من غيره، على غفلة، ويقال لكل آتٍ بالليل: طارقٌ، ولا يقال بالنهار
إلا مجازاً .
وقال بعض أهل اللغة: أصل الظُروق: الدفع، والضرب، وبذلك سُمِيت
الطريق؛ لأن المارّة تدقّها بأرجلها، وسُمِّي الآتي بالليل طارقاً؛ لأنه يحتاج
غالباً إلى دقّ الباب.
وقيل: أصل الطروق: السكون، ومنه: أطرق رأسه، فلما كان الليل
يُسْكَن فيه سُمّي الآتي فيه طارقاً .
(كَيْ تَمْتَشِطَ)؛ أي: لتستعمل الْمُشط، وهو بضمّ الميم: الذي يُمْتشط به،
وبنو تميم يكسرون الميم، وهو القياس؛ لأنه آلة، والجمع أَمْشاطٌ، يقال:
مَشَطت الشعر مَشْطاً، من بابي قتل، وضرب: سرّحته، والتثقيل مبالغة،
وامتشطَت المرأة: مشَطَت شعرها(٣). (الشَّعِثَةُ) بفتح الشين المعجمة، وكسر
العين المهملة؛ أي: المرأة التي أصابها الشَّعَث، وهو الوسخ، يقال: شَعِثَ
الشعرُ شَعْئاً، فهو شَعِثْ، من باب تَعِبَ: تَغَيَّرَ، وتَلَبَّد لقلة تعَهُّده بالدهن،
ورجلٌ أَشْعَثُ، وامرأة شَعْثَاءُ، مثلُ أحمر وحمراء، والشَّعَثُ أيضاً: الوسخُ،
(١) ((المصباح المنير)) ٥٨٣/٢.
(٢) ((الفتح)) ٢٤١/٩، كتاب ((النكاح)) رقم (٥٢٤٥).
(٣) راجع: ((المصباح المنير)) ٥٧٤/٢.

٥٧
(٥٦) - بَابُ كَرَاهَةِ الطُّرُوقٍ، وَهُوَ الدُّخُولُ لَيْلاَّ لِمَنْ وَرَدَ مِنْ سَفَرٍ - حديث رقم (٤٩٥٦)
ورجلٌ شَعِثٌ: وَسِخُ الجسد، شَعِتُ الرأس أيضاً، وهو أَشْعَثُ أغبر؛ أي: من
غير استحداد، ولا تنظّف، والشَّعَثُ أيضاً: الانتشار، والتفرق، قاله الفيّوميّ(١).
(وَتَسْتَحِدَّ)؛ أي: تستعمل الحديدة في حلق الشعر، قال المجد:
الاستحداد: الاحتلاق بالحديد(٢). (الْمُغِيبَةُ)))؛ أي: المرأة التي غاب زوجها،
يقال: أغابت المرأة بالألف: إذا غاب زوجها، فهي مُغِيبٌ، ومُغيبةٌ، قاله
الفيّومي(٣)، وقال المجد: وامرأةٌ مُغِيبٌ، ومُغِيبةٌ، ومُغْيِبٌ، كمُحْسِنٍ: غاب
(٤)
زوجها. انتهى (٤).
وقال القرطبيّ: قوله: ((وتستحد)): تفتعل؛ أي: تستعمل الحديدة في حلق
الشعر.
و((المغيبة))؛ أي: التي غاب عنها زوجها، وهو مِن: أغابت، تُغِيب،
فهي: مُغِيبة. و((الشعثة)): التي علاها الشَّعَث، وهو: الغبار، والوسخ في
الشعر؛ يعني بذلك: أن المرأة في حال غيبة زوجها متبذلة، لا تمتشط، ولا
تدَّهن، ولا تتنظف، فلو بَغَتها زوجها من سفره، وهي على تلك الحال،
استقذرها، ونفرت نفسه منها، وربما يكون ذلك سبب فراقها، فإذا قَدِم نهاراً
سَمِعت بخبر قدومه، فأصلحت من شأنها، وتهيأت له، فحسنت الحال، وأُمِنت
النفرة المذكورة.
وفيه من الفقه: أن المرأة ينبغي لها أن تتحسَّن، وتتزيَّن، وتتطيَّب وتتصنَّع
للزوج بما أمكنها، وتجتهد في أن لا يرى منها زوجها ما تنفر نفسه منها بسببه؛
من الشَّعَث والوسخ، وغير ذلك.
قال: وأما نهيه وَّر في حديث جابر عن الظُّرُوق: فلمعنّى آخر، وهو: أن
يظن بهنّ خبانةً في أنفسهن، أو فيما في أيديهن مما أمَّنهنّ عليه، وهو ظنّ لا
يَحِلّ، وتخمين منهيّ عنه، فصار النهي عن طروق الرجل أهله معَلّلاً بعلّتين،
بالأولى، وبالثانية، والله تعالى أعلم. انتهى(٥).
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٣١٤/١.
(٣) راجع: ((المصباح المنير)) ٤٥٨/٢.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٢٦٩.
(٤) ((القاموس المحيط)) ص ٩٦٧.
(٥) ((المفهم)) ٧٦٧/٣.

٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
[تنبيه]: هذا الحديث اختصره المصنّف هنا، وقد ساقه في ((كتاب
الرضاع)) [٣٦٤٠] مطوّلاً، بسند يحيى بن يحيى، ولفظه: عن جابر بن عبد الله،
قال: كنا مع رسول الله وَّ في غَزَاة، فلما أقبلنا تعجَّلت على بعير لي قَطُوف،
فلحقني راكب خلفي، فنخس بعيري بعنزة كانت معه، فانطلق بعيري كأجود ما
أنت راء من الإبل، فالتفتّ، فإذا أنا برسول الله وَ له، فقال: ((ما يُعجلك يا
جابر؟)) قلت: يا رسول الله إني حديث عهد بعُرس، فقال: ((أبكراً تزوجتها أم
ثيباً؟)) قال: قلت: بل ثيباً، قال: ((هلّا جاريةً تلاعبها، وتلاعبك؟)) قال: فلما
قَدِمنا المدينة ذهبنا لندخل، فقال: ((أَمْهِلُوا حتى ندخل ليلاً - أي: عشاء - كي
تمتشط الشَّعِثة، وتَستحدّ الْمُغِيبة)). قال: وقال: ((إذا قَدِمتَ، فالكيسَ،
الكيسَ)). انتهى، وقد مضى شرحه هناك، مستوفَى، فراجعه تستفد.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩٥٦/٥٦ و ٤٩٥٧ و ٤٩٥٨ و ٤٩٥٩ و ٤٩٦٠
و٤٩٦١ و٤٩٦٢ و٤٩٦٣] (٧١٥)، و(البخاريّ) في ((النكاح)) (٥٠٧٩
و٥٢٤٧)، و(أبو داود) في ((الجهاد)» (٢٧٧٦ و٢٧٧٨)، و(الترمذيّ) في
((الاستئذان)) (٢٧١٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٦٢/٥)، و(الطيالسيّ) في
(مسنده)) (١٧٢٤ و١٧٨٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٢٣/١٢)،
و(أحمد) في («مسنده» (٣٠٢/٣ و٣٠٣ و٣١٠ و٣٩٩)، و(الدارميّ) في ((سننه))
(١٤٦/٢)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (١٦٩/١)، و(أبو عوانة) في
«مسنده)» (٢٥٤/٣ و٥١٢/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٧٧/٣)، و(ابن
الجعد) في ((مسنده)) (٢٦٠/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٧١٣ و٢٧١٤)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦٠/٥ و٢٥٤/٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن ظُرُوق الأهل، وهو الدخول ليلاً لمن ورد من
السفر.

٥٩
(٥٦) - بَابُ كَرَاهَةِ الطُّرُوقِ، وَهُوَ الدُّخُولُ لَيْلاَّ لِمَنْ وَرَدَ مِنْ سَفَرٍ - حديث رقم (٤٩٥٦)
٢ - (ومنها): الحثّ على التوادّ، والتحابّ خصوصاً بين الزوجين؛ لأن
الشارع راعى ذلك بين الزوجين، مع اطّلاع كل منهما على ما جرت العادة
بستره، حتى إن كل واحد منهما لا يخفى عنه من عيوب الآخر شيء في
الغالب، ومع ذلك فنهى عن الظُروق؛ لئلا يطّلع على ما تنفر نفسه عنه، فيكون
مراعاة ذلك في غير الزوجين بطريق الأَولى.
٣ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن الاستحداد، ونحوه، مما تتزين به المرأة
ليس داخلاً في النهي عن تغيير الخِلقة.
٤ - (ومنها): التحريض على ترك التعرّض لِمَا يوجب سوء الظنّ
بالمسلم .
٥ - (ومنها): أن في تقييده بطول الغَيبة في رواية عاصم، الآتية، حيث
قال: ((إذا أطال أحدكم الغيبة، فلا يَطرُق أهله ليلاً)) إشارةً إلى أن علة النهي
إنما توجد حينئذ، فالحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فلما كان الذي يخرج
لحاجته مثلاً نهاراً، ويرجع ليلاً لا يتأتى له ما يُحْذَر من الذي يطيل الغيبة، كان
طول الغيبة مظنّة الأمن من الهجوم، فيقع للذي يَهْجُم بعد طول الغيبة غالباً ما
یگره:
إما بأن يجد أهله على غير أُهبة، من التنظّف، والتزين المطلوب من
المرأة، فيكون ذلك سبب النَّفْرة بينهما، وقد أشار إلى ذلك بقوله في هذا
الحديث: ((كي تمتشط الشعثة، وتَستحِدّ المغيبة)»، ويؤخذ منه كراهة مباشرة
المرأة في الحالة التي تكون فيها غير متنظفة؛ لئلا يطّلع منها على ما يكون سبباً
لنفرته منها .
وإما بأن يجدها على حالة غير مرضيّة، والشرع مُحَرِّضٌ على الستر، وقد
أشار إلى ذلك بقوله: ((أن يتخوَّنهم، ويتطلب عَثَراتهم))، فعلى هذا مَن أَعْلَم
أهله بوصوله، وأنه يَقْدَم في وقت كذا مثلاً لا يتناوله هذا النهي، وقد صَرَّح
بذلك ابن خزيمة في «صحيحه»، في حديث ابن عمر قال: ((قَدِم النبيّ ◌َِّ من
غزوة، فقال: لا تطرقوا النساء، وأرسل من يُؤْذِن الناسَ أنهم قادمون)).
قال ابن أبي جمرة تَخَّتُهُ: فيه النهي عن طروق المسافر أهله على غِرّة من
غير تقدّم إعلام منه لهم بقدومه، والسبب في ذلك ما وقعت إليه الإشارة في

٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
الحديث، قال: وقد خالف بعضهم، فرأى عند أهله رجلاً، فعوقب بذلك على
مخالفته. انتهى.
وأشار بذلك إلى حديث أخرجه ابن خزيمة، عن ابن عمر قال: ((نهى
رسول الله ﴿ ﴿ أن تُطْرَق النساء ليلاً، فَطَرَق رجلان، كلاهما وجد مع امرأته ما
يكره))، وأخرجه من حديث ابن عباس نحوه، وقال فيه: ((فكلاهما وجد مع
امرأته رجلاً».
ووقع في حديث مُحارب، عن جابر، أن عبد الله بن رواحة أتى امرأته
ليلاً، وعندها امرأة تَمْشُطها، فظنها رجلاً، فأشار إليها بالسيف، فلما ذَكَر
للنبيّ وَّ نَهَى أن يَطْرُق الرجل أهله ليلاً. أخرجه أبو عوانة في ((صحيحه)(١)،،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٥٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ سَيَّارِ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا قَدِمَ أَحَدُكُمْ
لَيْلاً فَلَا بَأْتِيَنَّ أَهْلَهُ طُرُوقاً، حَتَّى تَسْتَجِدَّ الْمُغِيبَةُ، وَتَمْتَشِطَ الشَّعِئَةُ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل بابين، و((عبد الصمد)) هو: ابن عبد الوارث
المذكور قبل حديث، و((عامر)) هو الشعبيّ.
وقوله: (فَلَا يَأْتِيَنَّ أَهْلَهُ طُرُوقاً) بضمّ الطاء المهملة: هو الإتيان في الليل،
وكلّ آتٍ في الليل فهو طارق(٢).
وقوله: (حَتَّى تَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ) قال النوويّ: معنى ((تستحدّ المغيبة))؛ أي:
تزيل شَعْر عانتها، والمغيبة التي غاب زوجها، والاستحداد: استفعال من
استعمال الحديدة، وهي الْمُوسَى، والمراد: إزالته كيف كان. انتهى (٢).
(١) راجع: ((الفتح)) ٧٠١/١١، كتاب ((النكاح)) (٥٢٤٣).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٧١/١٣.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٧١/١٣.