النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
(٥٣) - بَابُ قَوْلِهِوَِّ: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي، ظَاهِرِينَ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩٤٣)
(٤٢٥٢) - حدّثنا سليمان بن حرب، ومحمد بن عيسى، قالا: ثنا
حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال:
قال رسول الله وَله: ((إن الله زَوَى لي الأرض، أو قال: إن ربي زوى لي
الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن مُلك أمتي سيبلغ ما زُوي لي منها،
وأُعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يُهلكها
بسُنَّة بعامّة، ولا يسلّط عليهم عدوّاً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن
ربي قال لي: يا محمد إني إذا قضيت قضاء، فإنه لا يُرَدّ، ولا أهلكهم بسُنَّة
بعامة، ولا أسلّط عليهم عدوّاً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، لو اجتمع
عليهم مَن بين أقطارها، أو قال: بأقطارها، حتى يكون بعضهم يُهلك بعضاً،
وحتى يكون بعضهم يَسبي بعضاً، وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا
وُضع السيف في أمتي لم يُرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى
تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تَعبُد قبائل من أمتي الأوثان، وإنه
سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبيّ، وأنا خاتم النبيين، لا
نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحقّ - قال ابن عيسى: ظاهرين، ثم
اتفقا - لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله)). انتهى (١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٤٣] (١٩٢١) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح)
وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيْعٌ، وَعَبْدَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ (ح)
وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا مَرْوَانُ - يَعْنِي: الْفَزَارِيَّ - عَنْ
إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ: ((لَنْ يَزَالَ
قَوْمٌ مِنْ أُمَِّي ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ، حَتَّى بَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ، وَهُمْ ظَاهِرُونَ)).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَبْدَةُ) بن سليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار
[٨] (ت ١٨٧) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٩/٦١.
(١) ((سنن أبي داود)) ٤/ ٩٧.

٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله
الكوفيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٤٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٩.
٣ - (مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ) ابن معاوية بن الحارث بن أسماء، أبو عبد الله
الكوفيّ، نزيل مكة، ثقةٌ حافظ، يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت١٩٣) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٣٨/٨.
٤ - (قَيْسُ) بن أبي حازم البجليّ، أبو عبد الله الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ [٢]
مات قبل بعد التسعين، أو قبلها، وقد جاوز المائة، وتغيّر (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) جـ٢ ص٤٧٥.
٥ - (الْمُغِيرَةً) بن شعبة بن مسعود بن معتّب الثقفيّ الصحابيّ الشهير،
أسلم قبل الحديبية، وولي إمرة البصرة، ثمّ الكوفة، ومات سنة خمسين على
الصحيح (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
والباقون تقدّموا قريباً، و((ابن نُمير)) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير،
و((ابن أبي عمر)) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، ثم المكيّ.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير ابن أبي عمر،
كما أسلفته آنفاً، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وفيه قيس بن أبي حازم
التابعيّ الوحيد الذي اجتمع له الرواية عن العشرة المبشّرين بالجنّة.
شرح الحديث:
(عَنْ قَيْس) بن أبي حازم، قال في ((الفتح)): وقد اتفق الرواة عن
إسماعيل على أنه عن قيس، عن المغيرة، وخالفهم أبو معاوية، فقال: عن
سعيد بدل المغيرة، فأورده أبو إسماعيل الهرويّ في ((ذمّ الكلام))، وقال:
الصواب قول الجماعة: عن المغيرة، وحديث سعد عند مسلم، لكن من طريق
أبي عثمان، عن سعد. انتهى(١).
(عَنِ الْمُغِيرَةِ) بن شعبة ◌َ ﴿به، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ:
(١) هو الحديث الآتي آخر الباب.

٢٣
(٥٣) - بَابُ قَوْلِهِوَهِ: ((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي، ظَاهِرِينَ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩٤٣)
(لَنْ يَزَالَ قَوْمٌ) قيل: أتى بكلمة ((لن)) لتوكيد الحكم؛ لتطمئنّ قلوبهم، وللترغيب
لإعداد أسباب الّفر والغلبة، وهذه الغلبة والظّفر لا يختصّ بقوم دون قوم، أو
زمان دون زمان، أو مكان دون مكان، والله تعالى أعلم.
وفي رواية البخاريّ من طريق عبيد الله بن موسى، عن إسماعيل: ((لا
تزال طائفة)) (مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ) المراد بالناس: أعداؤهم، كما في
حديث معاوية ظه الآتي بلفظ: ((ظاهرين على من ناوأهم))؛ أي: خالفهم.
(حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ) قال ابن بطّال ◌ََّفُ(١): المراد بأمر الله في هذا
الحديث: الساعة، وتعقّبه في ((الفتح))، فقال: والصواب: أمر الله بقيام
الساعة، فيرجع إلى حكمه وقضائه. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: لا وجه للتعقّب المذكور، فإن المعنَيْن مآلهما
واحد؛ لأن المراد بالساعة في قول ابن بطال: هي العلامة التي تقدّم بيانها،
وتلك العلامة تجيء إذا أمر الله رَك بقيام الساعة، فلا تخالُفَ بينهما، فتأمّل،
والله تعالى أعلم.
(وَهُمْ ظَاهِرُونَ)))؛ أي: غالبون على من خالفهم، أو المراد بالظهور:
أنهم غير مستترين، بل مشهورون، والأول أولى، وفي حديث جابر بن
سمرة ◌ُته التالي: ((لن يبرح هذا الدين قائماً تقاتل عليه عصابة من المسلمين،
حتى تقوم الساعة))، وفي حديث عقبة بن عامر الآتي أيضاً: ((لا تزال عصابة
من أمتي يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوّهم لا يضرّهم من خالفهم، حتى
تأتيهم الساعة)).
وقد تقدّم الجمع بينه وبين حديث عبد الله بن عمرو ظريها: ((لا تقوم
الساعة إلا على شرار الخَلْق، هم شرٌّ من أهل الجاهلية، لا يدعون الله بشيء
إلا ردّه عليهم))، كما سيأتي لمسلم في ((كتاب الفتن))، وفيه معارضة عقبة بن
عامر ظه بهذا الحديث، فقال عبد الله بن عمرو: أجل، ثم يبعث الله ريحاً
كريح المسك، فلا تترك نَفْساً في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى
(١) ((شرح البخاريّ)) لابن بطال ١٠/ ٤٧٧.
(٢) ((الفتح)) ٤٦٦/١٧، كتاب ((التوحيد)» (٧٤٥٩).

٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
شرار الناس عليهم تقوم الساعة. وهذا أَولى ما يُتَمَسَّك به في الجمع بين
الحديثين المذكورين، كما قاله الحافظ تَّلهُ(١).
ونقل ابن بطال عن الطبريّ في الجمع بينهما: أن شرار الناس الذين تقوم
عليهم الساعة يكونون بموضع مخصوص، وأن موضعاً آخر يكون به طائفة،
يقاتلون على الحقّ لا يضرهم من خالفهم، والجمع الأول أولى وأوضح، كما
أسلفناه آنفاً، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ◌ًّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩٤٣/٥٣ و٤٩٤٤] (١٩٢١)، و(البخاريّ) في
((المناقب)) (٣٦٤٠) و((الاعتصام)) (٧٣١١) و((التوحيد)) (٧٤٥٩)، و(أحمد) في
(مسنده)) (٢٤٤/٤ و٢٤٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٥٠٧/٤ - ٥٠٨)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٤٠٢/٢٠)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٤٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي
إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةً يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلـ
يَقُولُ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ مَرْوَانَ سَوَاءً).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) النيسابوريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثٍ مَرْوَانَ سَوَاءً) قيل: المماثلة في قوله: ((لن يزال))،
وقوله: ((على الناس))، وقوله: (وهم ظاهرون)، (٢) والله تعالى أعلم.
(١) راجع: ((الفتح)) ٢٠١/١٧ رقم (٧٣١١).
(٢) منقول من هامش النسخة التركيّة ٦/ ٥٣.

٢٥
(٥٣) - بَابُ قَوْلِهِ وَلِ: ((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي، ظَاهِرِينَ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩٤٥)
[تنبيه]: رواية أبي أسامة، عن إسماعيل بن أبي خالد هذه ساقها الطبرانيّ في
((المعجم الكبير))، مقرونة برواية وكيع، وعليّ بن مسهر، ويعلى بن عُبيد، فقال:
(٩٦٠) - حدّثنا عبيد بن غنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة (ح) وحدّثنا
الحسين بن إسحاق التستريّ، ثنا عثمان بن أبي شيبة، قالا: ثنا وكيع، وأبو
أسامة، وعليّ بن مسهر (ح) وحدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، ثنا
يعلى بن عبيد، كلهم عن إسماعيل، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة، قال: قال
رسول الله قال: ((لا تزال من أمتي قوم، ظاهرين، حتى يأتيهم أمر الله، وهم
ظاهرون». انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٤٥] (١٩٢٢) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالًا:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ،
عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ أَنَّهُ قَالَ: (لَنْ يَبْرَحَ هَذَا الدِّينُ قَائِماً، يُقَاتِلُ عَلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنَ
الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ) بن أوس بن خالد الذَّهْلِيّ البكري، أبو المغيرة
الكوفيّ، صدوق، مضطرب في عكرمة خاصّة، وتغيّر بآخره، فربّما تلقّن [٤]
(ت١٢٣) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤.
٢ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنادة السُّوائيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، نزل
الكوفة، ومات بها بعد سنة (٧٠) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٨٠٨/٢٤.
والباقون تقدّموا قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف، وأن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم
الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وأنه مسلسل بالبصريين إلى سماك،
وهو والصحابيّ كوفيّان، وأن صحابيّه ابن صحابيّ
(١) ((المعجم الكبير)) للطبرانيّ ٤٠٢/٢٠.

٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
شرح الحديث:
(عَنِ النَّبِيِّ وَِّ أَنَّهُ قَالَ: ((لَنْ يَبْرَحَ) - بفتح
(عَنْ جَابِرٍ بْنِ سَمُرَةَ)
أوله، وثالثه - يقال: بَرِحَ الشيءُ يَبْرَحُ، من باب تَعِب بَرَاحاً: زال من مكانه،
ومنه قيل لليلة الماضية: البارحة، والعرب تقول قبل الزوال: فعلنا الليلة
كذا؛ لقربها من وقت الكلام، وتقول بعد الزوال: فعلنا البارحة، قاله
الفيّوميّ (١). (هَذَا الدِّينُ) الإسلاميّ (قَائِماً)؛ أي: ثابتاً غير متزحزح، ولا
متأثّر بعواصف هوى أعدائه، وما يُبيّتونه من حقد وبغض ومكر وخديعة،
وقوله: (يُقَاتِلُ عَلَيْهِ) هذه الجملة مستأنفة بياناً للجملة الأولى، وعدّاه
بـ((على))؛ لتضمينه معنى يظاهر، والله تعالى أعلم. (عِصَابَةٌ) بالكسر؛ أي:
جماعة (مِنَ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ))) تقدّم أن المراد به مجيء علامته،
وهي الريح الليّنة التي تقبض روح كلّ مؤمن ومؤمنة، وقال المناويّ تَخّْتُهُ:
يعني أن هذا الدين لم يزل قائماً بسبب مقاتلة هذه الطائفة، وفيه بشارة بظهور
أمر هذه الأمة على سائر الأمم إلى قيام الساعة، قال ابن جماعة: ولعله
بدعوة النبيّ ◌َ﴿ التي دعاها لأمته أن لا يسلط عليهم عدوّاً من غيرهم.
انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة ﴿مّ هذا من أفراد
المصنّف تَخْتُهُ، ولم يُخرجه أحد من أصحاب الأصول السّة.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩٤٥/٥٣] (١٩٢٢)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٩٢/٥ و٩٤ و١٠٣ و١٠٥ و١٠٦ و١٠٨) و(ابنه عبد الله) في ((زوائده)) (٥٪
٩٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٥٠٥/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢/
٢٢٥)، والله تعالى أعلم.
(١) ((المصباح المنير)) ١ / ٤٢.
(٢) ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)) للمناويّ ٣٠١/٥.

٢٧
(٥٣) - بَابُ قَوْلِهِ وَلِ: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي، ظَاهِرِينَ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩٤٦ - ٤٩٤٧)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٤٦] (١٩٢٣) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ،
قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ
سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِهَ يَقُولُ: ((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ
أُمَِّي، يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ، ظَاهِرِينَ إِلَى بَوْمِ الْقِيَامَةِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان الحمّال الْبَزّاز، أبو موسى البغداديّ،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) (م٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦١/٦٤.
٢ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج
الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٥٩) (مد) تقدم في ((المقدمة)) ٤٠/٦.
٣ - (حَجَّاجٌ بْنُ مُحَمَّدٍ) المصّيصيّ الأعور، أبو محمد الترمذيّ الأصل،
نزيل بغداد، ثم المِصِّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره، لَمّا قَدِمَ بغداد [٩]
(ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩٤/٦.
٤ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم،
المكيّ، ثقةٌ فاضلٌ، يَّدلّس ويُرسل [٦] (ت١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦.
٥ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم
المكيّ، صدوقٌ يدلّس [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ هـ
مات بعد السبعين، وهو (٩٤) سنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤ /١١٧، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث جابر بن عبد الله ما هذا من أفراد
المصنّف تَخْذَثُهُ، وقد تقدّم في ((كتاب الإيمان)) بأتمّ مما هنا، واستوفيت شرحه،
وبيان مسائله هنالك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٤٧] (١٠٣٧)(١) - (حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِم، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
(١) هذا الرقم مكرّر.
ء

٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، أَنَّ عُمَيْرَ بْنَ هَانِيْ حَدَّثَهُ، قَالَ:
سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ
مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، أَوْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ،
وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِم) بشير التُّركيّ، أبو نصر البغداديّ الكاتب،
ثقةٌ [١٠] (٢٣٥) تقدم في ((الإيمانَ)) ٢٥٥/٣٨.
٢ - (يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ) بن واقد الحضرميّ، أبو عبد الرحمن الدمشقيّ
القاضي، ثقةٌ رُمي بالقدر [٨] (ت١٨٣) على الصحيح، وله (٨٠) سنة (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ٢٩٤/٤٦.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ) الأزديّ، أبو عُتبة الشاميّ الدارانيّ،
ثقةٌ [٧] مات سنة بضع و(١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٨/١٠.
٤ - (عُمَيْرُ بْنُ هَانِيٍ) الْعَنْسيّ، أبو الوليد الدمشقيّ الدارانيّ، ثقةٌ، من
كبار [٤] قُتل سنة (١٢٧) أو قبل ذلك (ع) تقدم في (الإيمان)) ١٤٨/١٠.
٥ - (مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أُميّة الأمويّ، أبو
عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ الخليفة، أسلم قبل الفتح، وكَتَب الوحي،
ومات في رجب سنة ستّين، وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٨٥٨/٨.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف كَّلُهُ، وأنه مسلسل بالشاميين، إلا شيخه،
فبغداديّ، وصحابيّه هو الصحابيّ الخليفة المشهور
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ) الأزديّ الدارانيّ (أَنَّ عُمَيْرَ بْنَ هَانِيٍ)
الْعَنْسِيّ الدارانيّ (حَدَّثَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةً) بن أبي سفيان ◌ًِّا، وقوله:
(عَلَى الْمِنْبَرِ) متعلّق بحالٍ مقدّر؛ أي: حال كونه كائناً على المنبر، (يَقُولُ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ ﴿ يَقُولُ: ((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللهِ)؛ أي:
ثابتةً عليه، يقال: قام بالأمر يقوم قياماً: إذا ثبت عليه، ولزمه، (لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ

٢٩
(٥٣) - بَابُ قَوْلِهِ وَِّ: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي، ظَاهِرِينَ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩٤٨)
خَذَلَهُمْ) تقدّم أنه من باب قتل؛ أي: أذلّهم، وتَرَك نُصرتهم وإعانتهم، وهم
المعنيّون بقوله تعالى: ﴿وَمِمَنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِ يَعْدِلُونَ
[الأعراف: ١٨١]. (أَوْ) للشكّ من الراوي، هل قال: ((خذلهم))، أو قال
(خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ) المراد به الساعة؛ أي: علامتها، كما سبق قريباً.
(وَهُمْ ظَاهِرُونَ) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي: والحال أن هؤلاء
الطائفة غالبون (عَلَى النَّاسِ))) متعالُون عليهم، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث معاوية ظته هذا متّفقٌ عليه، وقد تقدّم
تخريجه، وبيان بقيّة مسائله في ((كتاب الزكاة)) [٢٣٨٩/٣٤ و٢٣٩٢] (١٠٣٧)،
فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٤٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَام،
حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ - وَهُوَ ابْنُ بُرْقَانَ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةً بَّنَّ
أَبِي سُفْيَانَ، ذَكَرَ حَدِيثاً، رَوَاهُ عَنِ النَّبِّ وَّهِ لَمْ أَسْمَعْهُ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ نَِّ عَلَى
مِنْبَرِهِ حَدِيثاً غَيْرَهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِي
الدِّينِ، وَلَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ، ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ
نَاوَأَهُمْ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسج، تقدّم قريباً.
٢ - (كَثِيرُ بْنُ هِشَام) الْكِلابِيّ، أبو سهل الرَّيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [٩] (ت
٧ أو ٢٠٨) (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٧/٦٣.
٣ - (جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ) الْكِلابيّ، أبو عبد الله الرّقّيّ، ثقةٌ يَهِم في حديث
الزهريّ [٧] (ت١٥٠) أو بعدها (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٧/٦٣.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ) واسمه عمرو بن عُبيد بن معاوية البكّائيّ، أبو
عوف الكوفيّ، نزيل الرّقّة، وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين ﴿يا، يقال: له
رؤية، ولا يثبتُ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٣) (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٧/٦٣.

٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
و((معاوية «په)) ذُكر قبله.
وقوله: (مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ) ((مَن)) موصولة تضمّنت معنى الشرط، فلذلك جُزم
بها ((يُرِدْ))، و((يُفَقِّهْهُ))؛ لأنهما فعل الشرط والجزاء.
وقوله: (خَيْراً)؛ أي: منفعةً، وهو ضدُّ الشرّ، وهو هنا اسم، وليس
بأفعل تفضيل، وإنما نكّره لإفادة التعميم؛ لأن النكرة في سياق الشرط كالنكرة
في سياق النفي، فالمعنى: مَن يُرِد الله به جميع الخيرات، ويجوز أن يكون
التنوين للتعظيم، والمقام يقتضي ذلك، كما في قول الشاعر:
لَهُ حَاجِبٌ عَنْ كُلِّ أَمْرٍ يَشِينُهُ
أي: حاجبٌ عظيم، ومانعٌ قويّ.
وقوله: (يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) بجزم ((يُفقّهه)) على أنه جواب الشرط؛ أي:
يجعله فقيهاً في الدين، والفقه لغةً: الفهم، وعُرفاً: العلم بالأحكام الشرعية
الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال، ولا يناسب هنا إلَّ المعنى اللغويّ؛
ليتناول فَهْم كلِّ عِلم من علوم الدين.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((يُفَقِّهْهُ))؛ أي: يُفَهِّمه، وهي ساكنة الهاء؛ لأنها
جواب الشرط، يقال: فَقُه بالضم: إذا صار الفقه له سجيةً، وفَقَّهَ بالفتح: إذا
سبق غيرَهُ إلى الفهم، وفَقِهَ بالكسر: إذا فَهِمَ، ونَكَّر ((خيراً))؛ ليشمل القليل
والكثير، أو التنكير للتعظيم؛ لأن المقام يقتضيه، ومفهوم الحديث أن من لم
يتفقه في الدين؛ أي: يتعلم قواعد الإسلام، وما يتصل بها من الفروع، فقد
حُرِمَ الخير، وقد أخرج أبو يعلى حديثَ معاوية رَُّته من وجه آخر ضعيف،
وزاد في آخره: ((ومن لم يتفقه في الدين لم يبال الله به))، والمعنى صحيحٌ؛ لأن
من لم يَعرف أمور دِينه لا يكون فقيهاً، ولا طالب فقه، فيصحُّ أن يوصف بأنه
ما أريد به الخير، وفي ذلك بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس،
ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم. انتهى (١).
وقال صاحب ((التكملة)): وفي الحديث فضيلة ظاهرة للتفقّه في الدين،
وليس ذلك علماً بالألفاظ والنقوش، ولا حفظاً للروايات والجزئيّات، ولكنه
(١) ((الفتح)) ٢٩٠/١، كتاب ((العلم)) رقم (٧١).

٣١
(٥٣) - بَابُ قَوْلِهِ وَلِ: ((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي، ظَاهِرِينَ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩٤٩)
مَلَكة راسخة، ومذاق سليم يُدرك الشخص بهما لبّ الشريعة الإسلاميّة،
ومغزاها، ولا يكاد يحصل ذلك إلا بصحبة أهل هذه الملكة، ولا يكفي في
ذلك قراءة الكتب، ودراستها. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله صاحب ((التكملة)) من أنه لا
يحصل ذلك إلا بصحبة أهل هذه الملكة، هذا هو الأفضل والأَوْلى لمن تيسّر
له ذلك، وهو الطريق السليم الذي درج عليه السالف الصالح، ومَنْ خَلَفهم
بالإحسان، ولكن إذا لم يتيسّر ذلك فطريق الوصول إليه قراءة كتبهم، وحفظها،
وفَهْمها، والإدمان لذلك، والمثابرة عليه، فمن ثابر على ذلك، ومرّن نفسه
عليه، حتى يصير كالملكة له، فإنه يحظى بالفتح المبين، وإلى ذلك أشرت
بقولي مرشداً طالب علم الحديث:
لَا بُدَّ فِي ذَا الْعِلْم أنْ تُتْقِنَهُ
يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ فَاعْلَمْ أَنَّهُ
مُحْتَرِماً لَهُمْ بِلَا أَنَفَةِ
مَعَ التَّوَاضُعِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ
مُجَانِباً ذَوِي الْخَبَالِ وَالرَّدَى
مُطَالِعاً كَلَامَ أَهْلِ الْقَدَمِ
كَلَامَهُمْ بِالْحِفْظِ وَالْفَهْم مَعَا
مِنْ رَبِّهِ الْكَاشِفِ لِلْحِجَابِ
مِنْ فَيْضِ هَذَا الْفَنِّ قَدْ نِلْنَا الْمُنَى
مُلَازِماً مَجَالِسَ الْحَفَظَةِ
بِالْحِفْظِ وَالْفَهْمِ وَلِلتَّقْوَى الْزَمِ
مُذَاكِراً بِالْفَهْم مَعْ أُولِي الْهُدَىَ
إِنْ لَمْ تَجِدْ مُذَاكِراً فَلْتَلْزَم
فَإِنَّ مَنْ رُزِقَ أَنْ يُطَالِعَاً
فَإِنَّهُ يَنَالُ فَتْحَ الْبَابِ
نَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ أَنْ تَجْعَلَنَا
وَقوله: (عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ) بهمزة بعد الواو؛ أي: عاداهم، وهو مأخوذ
مِن نأى إليهم، ونأوا إليه؛ أي: نهضوا للقتال، قاله النوويّ(٢)، وتمام البحث
فيه تقدّم في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَقْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٤٩] (١٩٢٤) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنٍ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا
عَمِّي عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ،
(١) ((تكملة فتح الملهم)) ٤٧١/٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٦٧/١٣.

٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُمَاسَةَ الْمَهْرِبُّ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مَسْلَمَةَ بْنِ مُخَلَّدٍ،
وَعِنْدَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى
شِرَارِ الْخَلْقِ، هُمْ شَرِّ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَدْعُونَ اللهَ بِشَيْءٍ إِلَّا رَدَّهُ عَلَيْهِمْ،
فَبَيْئَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، فَقَالَ لَهُ مَسْلَمَةُ: يَا عُقْبَةُ اسْمَعْ مَا يَقُولُ
عَبْدُ اللهِ، فَقَالَ عُقْبَةُ: هُوَ أَعْلَمُ، وَأَمَّا أَنَا فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((لَا تَزَالُ
عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ اللهِ، قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ،
حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ، وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ))، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَجَل، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيحاً
كَرِيحِ الْمِسْكِ، مَسُّهَا مَسُّ الْحَرِيرِ، فَلَ تَتْرُكُ نَفْساً فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنَ الإِيمَانِ
إِلَّا قَضَتْهُ، ثُمَّ يَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ، عَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ) المصريّ، لقبه بَحْشَل، أبو
عبيد الله، صدوقٌ تغيّر بآخره [١١] (ت٢٦٤) (م) تقدم في ((المساجد ومواضع
الصلاة)) ٠١٢٧٧/١٩
٢ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) يسار المصريّ، تقدّم قريباً.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) ﴿هَا، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَُّ، وأنه مسلسل بالمصريين، من أوله إلى
آخره، ومسلسل بالتحديث كذلك، وفيه رواية الراوي عن عمّه، وتابعيّ عن تابعيّ.
شرح الحديث:
عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ شُمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ، أنه (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مَسْلَمَةَ) - بفتح
الميم، واللام - (ابْنِ مُخَلَّدٍ) - بضمّ الميم، وفتح الخاء المعجمة، وتشديد اللام
المفتوحة، بوزن محمد - الأنصاريّ الزُّرَقَيّ، سكن مصر، وكان والياً عليها أيام
معاوية .
رَوَى عن النبيّ وَّ، وروى عنه أسلم أبو عمران، وشيبان بن أمية،

٣٣
(٥٣) - بَابُ قَوْلِهِوَهِ: ((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي، ظَاهِرِينَ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩٤٩)
وعبد الرحمن بن شماسة، وعليّ بن رَبَاحِ، ومجاهد بن جبر، وغيرهم.
قال عليّ بن رَبَاح عن مسلمة: وُلدت حين قدم النبيّ وَّ المدينة، ومات
وأنا ابن عشر سنين، وقال ابن يونس: تُوُفّي في ذي القعدة سنة اثنتين وستين،
وله ستون سنةً، قال هذا ابن يونس، وتعقّبه الحافظ، فقال: بل وله اثنتان
وستون؛ لأنه أخبر أن مولده في السنة الأولى، كما ترى، ولكن ذكر محمد بن
الربيع الْجِيزيّ عنه أنه قال: مات النبيّ وَ﴿ ولي أربع عشرة سنةً، وكذا ذكر ابن
سعد، فعلى هذا يكون ابن أربع وستين.
وحكى ابن أبي حاتم في ((المراسيل)) عن أحمد أنه قال: ليست له
صحبة، وكذا قال أبو حاتم، وقال البخاريّ: له صحبة، وقال العسكريّ: له
رؤية، وليست له صحبة، وقال الواقديّ: رجع إلى المدينة أيام معاوية، فمات
بها، وقال ابن حبان: مات بمصر، وقال ابن عبد البرّ: كانت مدة ولايته على
مصر وإفريقية ست عشرة سنةً. أخرج له أبو داود فقط(١).
(وَعِنْدَهُ)؛ أي: عند مسلمة (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) ﴿َا (فَقَالَ
عَبْدُ اللهِ) رَته، ظاهر هذا أنه من كلام عبد الله موقوفاً، ولكن مثل هذا لا يقال
بالرأي، وسيأتي في (كتاب الفتن)) من حديث النوّاس بن سَمْعان ◌َُّه مرفوعاً.
(لَا) نافية، ولذا رُفع الفعل بعدها، (تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ، هُمْ)؛
أي: هؤلاء الذين تقوم عليهم الساعة، (شَرِّ) بفتح الشين، وتشديد الراء مخفّف
أشرّ، كخير مخفّف أخير، قال ابن مالك في ((الكافية)):
وَغَالِباً أَغْنَاهُمُ خَيْرٌ وَشَرَّ عَنْ قَوْلِهِمْ أَخْيَرُ مِنْهُ وَأَشَرَّ
(مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ) قال ابن الأثير تَخْتُ: الجاهليّة تكرّر ذِكرها في
الحديث، وهي الحالة التي كانت عليها العرب قبل الإسلام، من الجهل بالله
تعالى، ورسوله وَّر، وشرائع الدين، والمفاخرة بالأنساب، والكِبْر، والتجبّر،
وغير ذلك. انتهى (٢). (لَا يَدْعُونَ اللهَ بِشَيْءٍ) من حوائجهم الدنيويّة والأخرويّة
(إِلَّا رَدَّهُ عَلَيْهِمْ) يعني: لا يستجيب لهم بنيل من طلبوا؛ لسوء حالهم. (فَبَيْنَمَا
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٧٨/٤.
(٢) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ص١٧٦.

٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
هُمْ)؛ أي: مسلمة، وعبد الله بن عمر، ومن معهم (عَلَى ذَلِكَ) الحديث الذي
حدّثهم به عبد الله بن عمرو، (أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ) الْجُهنيّ ◌َبه (فَقَالَ لَهُ
مَسْلَمَةُ) بن مُخَلَّد (يَا عُقْبَةُ اسْمَعْ مَا يَقُولُ عَبْدُ اللهِ) بن عمرو؛ يعني: الحديث
المذكور، (فَقَالَ عُقْبَةُ) ◌َبَه (هُوَ أَعْلَمُ)؛ أي: عبد الله بن عمرو ظنّ أعلم
منّي؛ لأنه من السابقين إلى الإسلام، وممن أكثر مجالسته وَلتر، (وَأَمَّا أَنَا
فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: ((لَا تَزَالُ عِصَابَةٌ) بالكسر؛ أي: جماعة (مِنْ أُمَّتِي
يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ اللهِ)؛ أي: لأجل ما أمر الله تعالى بمقاتلته، حال كونهم
(قَاهِرِينَ)؛ أي: غالبين (لِعَدُوِّهِمْ) بالحجة والسِّنان، (لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ،
حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ)؛ أي: القيامة، (وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ)))؛ أي: والحال أنهم
مقاتلون، قاهرون لعدوّهم. (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمرو (أَجَلْ) كنَعَمْ وزناً ومعنَى؛
يعني: أن الذي قلته حقّ وصدقٌ، قاله النبيّ ◌َّهِ، ولكن له تَتِمّة، لم تذكره،
وهو قوله: (ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيحاً كَرِيح الْمِسْكِ)؛ أي: كطيب ريح المسك،
(مَسُّهَا مَسُِّ الْحَرِيرِ)؛ أي: في اللِّين، (فَلَا تَتْرُكُ نَفْساً فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنَ
الإِيمَانِ إِلَّا قَبَضَتْهُ)؛ يعني: يموت بسببها، (ثُمَّ يَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ، عَلَيْهِمْ تَقُومُ
السَّاعَةُ)، فهذا الكلام أراد به عبد الله رَظُه التوفيق بين الحديثين، وَوَجْهُهُ أن
قوله وَر: ((حتى تأتيهم الساعة)) أراد به إتيان العلامة، وهي الريح المذكورة،
فلا تعارض، ولا تنافي بين الحديثين، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
هذا
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو، وعقبة بن عامر
من أفراد المصنّف تَخُّ، لم يُخرجه أحد من أصحاب الكتب السّة غيره.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩٤٩/٥٣] (١٩٢٤)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٦٨٣٦)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٨٦٩/١٧ و٨٧٠)، و(الحاكم)
في ((المستدرك)) (٥٠٣/٤)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٥٠٧/٤)، و(الرويانيّ)
في ((مسنده)) (١٦٢/١)، والله تعالى أعلم.

٣٥
(٥٣) - بَابُ قَوْلِهِوَلِ: ((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي، ظَاهِرِينَ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩٥٠)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٥٠] (١٩٢٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ
أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّةٍ:
(لَا يَزَالُ أَهْلُ الْغَرْبِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ بَحْتَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي
خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت١٨٣)، وقد
قارب الثمانين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٣ - (دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ) القُشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ،
ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢١/٢٧.
٤ - (أَبُو عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن ملّ (١) بن عمرو النهديّ الكوفيّ، ثمّ
البصريّ، مخضرم ثقة ثبتٌ عابدٌ، من كبار [٢] (ت٩٥) وقيل: بعدها، وعاش
(١٣٠) وقيل: أكثر (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٥ - (سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن
كلاب الزهريّ، أبو إسحاق الصحابيّ الشهير، مات بالعقيق سنة (٥٥) على
المشهور، ثم نقل إلى المدينة، ودُفن بالبقيع (ع) ٦/ ٧١.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف، وأن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم،
وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﴿ه، ذو مناقب جمّة، فهو من السابقين إلى
الإسلام، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة،
وهو آخرهم موتاً.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ)
أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ إِ: ((لَا يَزَالُ
ضُوعَة
(١) مثلّث الميم، واللام مشدّدة.

٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
أَهْلُ الْغَرْبِ) قال ابن الأثير تَُّهُ: قيل: أراد بهم أهل الشام؛ لأنهم غرب
الحجاز، وقيل: أراد بالغرب: الحدّة والشوكة، يريد: أهل الجهاد، وقال ابن
المدينيّ: الغرب ها هنا الدلو، وأراد بهم العرب؛ لأنهم أصحابها، وهم
يستقون بها. انتهى(١).
وقال السيوطيّ ◌َّثُ في ((الديباج)): قيل: المراد بهم العرب، والغرب
الدلو الكبيرة؛ لاختصاصهم بها غالباً، وقيل: المراد: القوّة والشدّة والْجِدّ،
وغَرْب كلِّ شيء حَدُّه، وقيل: المراد: الغرب من الأرض الذي هو ضدّ
الشرق، فقيل: المراد أهل الشام، وقيل: الشام وما وراء ذلك، وقيل: أهل
بيت المقدس.
قال القرطبيّ: أول الغرب بالنسبة إلى المدينة النبوية هو الشام، وآخره
حيث تنقطع الأرض من الغرب الأقصى، وما بينهما، كلُّ ذلك يقال عليه:
مغربٌ، فهل المراد المغرب كله، أو أوله؟ كلُّ ذلك مُحْتَمِلٌ.
وقال أبو بكر الطرطوشيّ في رسالة بعث بها إلى أقصى المغرب: الله
أعلم هل أرادكم رسول الله وَلقول بهذا الحديث، أو أراد بذلك جملة أهل
المغرب؛ لِمَا هم عليه من التمسك بالسُّنَّة، والجماعة، وطهارتهم من البِدَع
والإحداث في الدِّين، والاقتفاء لآثار من مضى من السلف الصالح؟ انتهى.
ومما يؤيد أن المراد بالغرب من الأرض رواية عبد بن حميد، وبَقِيّ بن
مَخْلَد: ((ولا يزال أهل المغرب))، ورواية الدارقطني: ((لا تزال طائفة من أمتي،
ظاهرين على الحق، في المغرب، حتى تقوم الساعة)).
قال السيوطيّ: لا يَبعد أن يراد بالمغرب مصر، فإنها معدودة في الخط
الغربي بالاتفاق، وقد روى الطبرانيّ، والحاكم، وصححه، عن عمرو بن
الحمق قال: قال رسول الله وَج: ((تكون فتنة أسلمُ الناس فيها الجند الغربي»،
قال ابن الحمق: فلذلك قَدِمت عليكم مصر.
وأخرجه محمد بن الربيع الْجِيزيّ في مسند الصحابة الذين دخلوا مصر،
وزاد فيه: ((وأنتم الجند الغربي)).
(١) ((النهاية في غريب الأثر)) ٣٥١/٣.

٣٧
(٥٣) - بَابُ قَوْلِهِ وَلِ: ((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي، ظَاهِرِينَ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩٥٠)
فهذه منقبة لمصر في صدر الملة، واستمرت قليلة الفتن معافاة طول
الملة، لم يعترها ما اعترى غيرها من الأقطار، وما زالت معدن العلم والدين،
ثم صارت في آخر الأمر دار الخلافة، ومحط الرحال، ولا بلد الآن في سائر
الأقطار بعد مكة والمدينة يظهر فيها من شعائر الدين ما هو ظاهر في مصر.
انتهى كلام السيوطيّ كَذَهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي كون المراد هم أهل الشام أقرب؛ لكثرة
ما يُصرَّح بذلك، ففي حديث أبي أمامة عند أحمد: أنهم ببيت المقدس،
وللطبرانيّ من حديث النهديّ نحوه، وفي حديث أبي هريرة في ((الأوسط))
للطبرانيّ: ((يقاتلون على أبواب دمشق، وما حولها، وعلى أبواب بيت
المقدس، وما حوله، لا يضرّهم من خذلهم، ظاهرين إلى يوم القيامة)).
فهذه النصوص كلها تؤيّد كون المراد بالغرب هو الشام، والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ تَُّ بعد ما تقدّم: ويُمكن الجمع بين الأخبار بأن المراد:
قوم يكونون ببيت المقدس، وهي شاميّة، ويسقون بالدلو، وتكونوا لهم قوّة في
جهاد العدوّ، وحِدّة، وچِدّ. انتهى(٢).
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): اتّفق الشرّاح على أن معنى قوله: ((على من
خالفهم)) أن المراد علوّهم عليهم بالغلبة، وأبعدَ من أبدع، فردّ ذلك على من
جعل ذلك منقبةً لأهل الغرب أنه مذمّة؛ لأن المراد بقوله: ((ظاهرين على
الحقّ)) أنهم غالبون له، وأن الحقّ بين أيديهم كالميت، وأن المراد بالحديث ذمّ
الغرب وأهله، لا مَذْحهم. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: ما أبعدَ هذا التأويل عن سياقات أحاديث الباب
كلها، فالحقّ أن أحاديث الباب كلّها إنما سيقت للمدح، لا للذمّ، سواء حديث
سعد بن أبي وقّاص ◌ُه هذا في أهل الغرب، أو الأحاديث التي قبله، فكلها
مدح، لا ذمّ، فتأملها بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
(١) ((الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج)) ٤/ ٥١٤.
(٢) ((الفتح)) ٢٠٣/١٧، كتاب ((الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة)) رقم (٧٣١٢).
(٣) ((الفتح)) ٢٠٣/١٧، كتاب ((الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة)) رقم (٧٣١٢).

٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
(ظَاهِرِينَ)؛ أي: غالبين، وقوله: (عَلَى الْحَقِّ) تقدّم أنه متعلِّق بحال
مقدّر؛ أي: كائنين على الحقّ (حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ)))؛ أي: تأتي علامتها، كما
تقدّم تحقيقه، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص ◌ُه هذا من أفراد
المصنّف تَخْلُهُ، لم يُخرجه أحد من أصحاب الكتب السّة غيره.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩٥٠/٥٣] (١٩٢٥)، و(أبو يعلى) في ((مسنده))
(١١٨/٢)، و(البزّار) في («مسنده)) (٥٧/٤)، و(الشاشيّ) في ((مسنده)) (١/
٢٠٤)، و(نعيم بن حمّاد) في (الفتن)) (٢/ ٦٠١)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٣/
٩٥ - ٩٦)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾.
(٥٤) - (بَابُ مُرَاعَاةٍ مَصْلَحَةِ الدَّوَابِّ فِي السَّيْرِ،
وَالتَّهْيِ عَنِ التَّعْرِيسِ فِي الطَّرِيقِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٥١] (١٩٢٦) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلِ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ّهِ: ((إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ
فَأَعْطُوا الإِبِلَ حَظَّهَا مِنَ الأَرْضِ، وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَةِ فَأَسْرِعُوا عَلَيْهَا السَّيْرَ،
وَإِذَا عَرَّسْتُمْ بِاللَّيْلِ فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ(١)، فَإِنَّهَا مَأْوَى الْهَوَامُّ بِاللَّيْلِ))).
هذا الإسناد رجاله: خمسة:
وقد تقدّم بعينه قبل بابين، و((جرير)) هو ابن عبد الحميد.
(١) وفي نسخة: ((فاجتنبوا الطرُق)).

٣٩
(٥٤) - بَابُ مُرَاعَاةِ مَصْلَحَةِ الدَّوَابُّ فِي السَّيْرِ، وَالتَّهْىٍ ... إلخ - حديث رقم (٤٩٥١)
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِذَا سَافَرْتُمْ فِي
الْخِصْبِ) - بكسر الخاء المعجمة، وسكون الصاد المهملة - وزانُ حِمْل:
النماء، والبركة، وهو خلاف الْجَدْب، وهو اسمٌ مِنْ أخصبَ المكان
بالألف، فهو مُخْصِبٌ، وفي لغة: خَصِبَ يَخْصَبُ، من باب تَعِبَ، فهو
خَصِيبٌ، وأخصب الله الموضع: إذا أنبت فيه الْعُشْب والكلأ، قاله
الفيّوميّ(١).
والمراد هنا: زمان كثرة العَلَف، والنبات، (فَأَعْطُوا الإِبِلَ)؛ أي: ونحوها
من الخيل، والبغال، والحمير، وخَصّ الإبل؛ لأنها غالب مراكب العرب،
(حَظَّهَا)؛ أي: نصيبها (مِنَ الأَرْضِ)؛ أي: من نباتها، بأن تمكّنوها من الرَّغْي
في بعض النهار، وفي أثناء السير، جعله حظّاً؛ لأن صاحبها إذا أحسن رعيها
سَمِنَت وحَسُنت في عينه، فيَنْفَس بها، ولم ينحرها، ذكره الزمخشريّ، وفي
رواية بدل ((حظها)): ((حقّها))، قال القاضي: حظّها من الأرض: رعيُها فيها
ساعةً فساعةً. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ ◌َّتُهُ: قوله: ((فأعطوا الإبل حقها))؛ أي: ارفُقُوا بها في
الرَّعي، حتى تأخذ منه ما يُمسك قواها، ويردّ شهوتها، ولا تعجّلوها، فتمنعوها
المرعى مع وجوده، فيجتمع عليها ضعف القوى، مع ألم كسر شهوتها.
انتھی(٣).
(وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَّةِ) بفتحتين: الجدب، والقحط، وانعدام النبت، أو
قلّته، (فَأَسْرِعُوا عَلَيْهَا السَّيْرَ) لتصل المقصد، وبها بقية من قوّتها؛ لِفَقْد ما
يقوّيها على السير، قال القاضي: معناه: إذا كان الزمان زمان قحط فأسرعوا
السير عليها، ولا تتعوّقوا في الطريق؛ لِتُبلغكم المنزلَ قبل أن تَضْعُف، وقد
صَرّح بهذا في الرواية التالية حيث قال: ((وإذا سافرتم في السَّنَة فبادروا بها نِقْيها))؛
(١) ((المصباح المنير)) ١٧٠/١.
(٢) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) للمناويّ ٣٧٠/١.
(٣) ((المفهم)) ٧٦٥/٣.

٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
أي: أسرعوا عليها السير، ما دامت قوّية باقية النقي، وهو الْمُخّ. انتهى (١).
وقال القرطبيّ تَخُّْ: قوله: ((في السنة)): السَّنة: الجدب، ضد الخصب،
وإنما أمر بالإسراع بها في الجدب؛ لِتَقْرُب مدة سفرها، فتبقى قوّتها الأُولى،
فإنها إن رفق بها طال سفرها، فهُزِلت، وضَعُفت؛ إذ لا تجد مَرْعَى تتقوَّى به،
وإلى هذا أشار ◌َّ ه بقوله: ((بادروا بها نِقْيها))؛ والنقي: مخ العظام، وهو بكسر
النون.
قال: وهذه الأوامر من باب الإرشاد إلى المصالح والندب إليها .
انتھی(٢) .
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((من باب الإرشاد)) أشار به إلى أن الأمر
للاستحباب، لكن الظاهر أنه للوجوب؛ إذ الأمر للوجوب عند الجمهور إلا إذا
وُجد صارف، فإن وُجد هنا فذاك، وإلا فالأصل الوجوب، فتنبّه، والله تعالى
أعلم.
(وَإِذَا عَرَّسْتُمْ) بتشديد الراء؛ أي: نزلتم (بِاللَّيْلِ)؛ أي: آخره لنحو نوم،
واستراحة، قال أهل اللغة: التعريس: النزول في أواخر الليل؛ للنوم،
والراحة، هذا قول الخليل، والأكثرين، وقال أبو زيد: هو النزول أيّ وقت
كان، من ليل، أو نهار، والمراد بهذا الحديث هو الأول(٣).
(فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ) وفي بعض النسخ: ((الظُرُق))؛ أي: اعْدِلوا، وأعرضوا
عنها، وانزلوا يَمْنَةً، أو يَسْرةً، ثم ذكر علة النهي، فقال: (فَإِنَّهَا) الفاء للتعليل؛
أي: لأن الطريق (مَأْوَى الْهَوَامِ) قال الفيّوميّ: المأوى بفتح الواو لكلّ حيوان:
مسكنه، وسُمع: مَأوي الإبل بكسر الواو شاذاً، ولا نظير له في المعتلّ،
وبالفتح على القياس، ومأوى الغنم: مُرَاحها الذي تأوي إليه ليلاً. انتهى(٤).
و((الهوامّ)): جمع هامّة - بتشديد الميم - مثل دابّة ودوابٌ، وهو ما له سُمّ
يَقْتُل، كالحية، قاله الأزهريّ، وقد تُطلق الهوامّ على ما لا يقتل، كالحشرات،
(١) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) للمناويّ ٣٧٠/١.
(٢) ((المفهم)) ٧٦٥/٣.
(٤) ((المصباح المنير)) ١/ ٣٢.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٦٩/١٣.