النص المفهرس

صفحات 1-20

البحر المحيط التجارية
فِي سشرح
جَعُ الأمرُ مُسْلِمُ الَجَا
لَجَامِعِه الْفَقِيْرِالحِصَوْلَه الغَنّالقَدِر
◌ُقَدَابرُ الشَّهُ العُلَّمَ بَلِ ◌ّنْ آدَمْ برُمُوسَ الإِنْيُّوُ الوُلْوِيّ
خُوَيَدْمِ الْقِلُم بِمَكّة المُكَّة
عَفَا اللَّه تَعَالى عَنْهُ، وعَنْهُ وَالدِبُّه آمين
المَجَلَّ الثَّالِثِ وَالثَّلاثُنْ
كتَابُ الإِمَارَة - الضَّيْدِ وَالَّبَائح - الاضَاحِى- الأشْرِبَة
رقم الأحاديث (٤٩٣٨ - ٥٢١٤)
دارابن الجوزي

50
3
بِشِـ

التحِ الخُطُ التجاري
في شرح
إجَخرجُ الأَمْط ◌ُسُلُ الَجَارِ
٣٣

حقوق الطبع محفوظة لِدارابن الجوزيّ
الطّبعَة الأولى
١٤٣٤هـ
حقوق الطبع محفوظة C ١٤٣٤ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي
نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته
إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
ابن
U
للنشر والتوزيع
دارابن الجوزي
لِنَشرٌ والتّوزيع
المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٨٢
الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - تلفاكس: ٢١٠٧٢٢٨ - جوال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨
الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٣٤١٩٧٣ - ٦٨١٣٧٠٦ - ٠٥٦٣٤٧٦٣٨٨ - بيروت - هاتف:
٠٣/٨٦٩٦٠٠ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٠٦٨٢٣٧٨٣ - تلفاكس:
٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠ - الإسكندرية - ٠١٠٦٩٠٥٧٥٧٣ - البريد الإلكتروني:
aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com

(٥٢) - بَابُ فَضْلِ الرَّمْنٍ، وَالْحَثِّ عَلَيْهِ، وَذَمِّ مَنْ عَلِمَهُ، ثُمَّ نَسِيَهُ - حديث رقم (٤٩٣٨)
برايسه الرحمن الرحيم
يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب ١٤٣١/٧/١٣هـ ابتدأت بكتابة أول الجزء
الثالث والثلاثين من شرح ((صحيح الإمام مسلم) المسمّى ((البحر المحيط النجّاج
في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاجِ)) رحمه الله تعالى.
(٥٢) - (بَابُ فَضْلِ الرَّمْي، وَالْحَثِّ عَلَيْهِ، وَذَمِّ مَنْ عَلِمَهُ، ثُمَّ نَسِيَهُ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٣٨] (١٩١٧) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ ثُمَامَةَ بْنِ شُفَيٍّ، أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: ((﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم ◌ِّن
[الأنفال: ٦٠] أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ))).
قُوَّقِ﴾
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) المروزيّ، أبو عليّ الْخَزّاز الضرير، نزيل بغداد،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٣١) وله (٧٤) سنة (خ م د) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٠/٦٣.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله المصريّ الحافظ، تقدّم قبل باب.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب
المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٩/١٦.
٤ - (أَبُو عَلِيٍّ ثُمَامَةُ بْنُ شُفَيٍّ) - بمعجمة، وفاء، مصغّراً - الْهَمْدانيّ
الأصبحيّ المصريّ، نزيل الإسكندريّة، ثقةٌ [٣] مات في خلافة هشام بن
عبد الملك قبل (١٢٠) (م د س ق) تقدم في ((الجنائز)) ٢٢٤٢/٢٩.
٥ - (عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ) الْجُهنيّ الصحابيّ الشهير، أبو حمّاد، ولي إمرة مصر لمعاوية
ءِ
ثلاث سنين، وكان فقيهاً فاضلاً، مات في قرب الستّين (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٩/٦.

٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف، وأنه مسلسل بالمصريين، سوى شيخه،
فمروزيّ، ثم بغداديّ.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي عَلِيٍّ ثُمَامَةَ بْنِ شُفَيٍّ) بصيغة التصغير (أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ
عَامِرٍ) ◌َُّهُ (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ) جملة حاليّة من
المفعول، وكذا قوله: (يَقُولُ) إما مترادفان، أو متداخلان؛ أي: قائلاً في تفسير
قوله تعالى: ((﴿وَأَعِدُواْ لَهُمْ﴾) أمر الله تعالى المؤمنين بإعداد آلات الحرب
لمقاتلة أعدائهم حسب الطاقة والإمكان والاستطاعة، فقال: (﴿مَا أُسْتَطَعْتُمْ﴾)؛
أي: مهما أمكنكم، وقوله: (﴿مِن قُوَِّ﴾) بيان لـ((ما استطعتم))، ثم فسّر النبيّ ◌َِّل
المراد بالقوّة هنا، فقال: (أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه، (إِنَّ الْقُوَّةَ) بكسر همزة ((إنّ))
لوقوعها في استفتاح الكلام، (الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُّ)))
قال الطيبيّ تَخُّْ: ((ما)) موصولة، والعائد محذوف، و((من قُوّة)) بيان له، فالمراد
هنا: نفس القوّة، وفي هذا البيان والمبيَّن إشارة إلى أن هذه العُدّة لا تستتبّ
بدون المعالجة، والإدمان الطويل، وليس شيء من عُدّة الحرب وأداتها أحوج
إلى المعالجة والإدمان عليها مثل القوس والرمي بها، ولذلك كرَّر ◌َّفي تفسير
القوّة بالرمي بقوله: (ألا إن القوّة الرمي)) ثلاثاً. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَقْتُ: القُوَّة: التقوِّي بإعداد ما يُحتاج إليه من الدروع،
والْمِجَانّ، والسيوف، والرِّماح، وسائر آلات الحرب، والرَّمي، إلا أنه لمّا كان
الرَّمي أنكاها في العدوّ، وأنفعها فسَّرها، وخصَّصها بالذُكر، وأكدها بتكرارها
ثلاثاً، ولم يُرِد أنها كلُّ العدّة، بل هي أنفعها، ووجه أنفعيّتها أن النِّكاية
بالسِّهام تبلغ العدوّ من الشجاع وغيره، بخلاف السيف والرمح، فإنه لا تحصل
النكاية بهما إلا من الشجعان الممارسين للكرِّ والفرِّ، وليس كل أحد كذلك،
ثم إنها أقرب مؤنة، وأيسر محاولة وإنكاءً، ألا ترى أنه قد يُرْمَى رأس الكتيبة
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٦٥/٨.

٧
(٥٢) - بَابُ فَضْلِ الرَّمْي، وَالْحَثِّ عَلَيْهِ، وَذَمِّ مَنْ عَلِمَهُ، ثُمَّ نَسِيَهُ - حديث رقم (٤٩٣٨)
فينهزم أصحابه؛ إلى غير ذلك مما يحصل منه من الفوائد، والله تعالى أعلم.
انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ كَّتُهُ تحقيق نفيسٌ،
وخلاصته أن تخصيص الرمي بالذِّكر لا يدلّ على قَصْر معنى القوّة عليه، وإنما
المراد: أن الرمي من أعلى أنواع القوّة في عهده وَّر، ولا يعني ذلك أن إعداد
جميع لوازم الجهاد مأمور به في كلّ عصر ومصر، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ نَّثُهُ: هذا تصريح بتفسيرها، ورَدّ لِمَا يحكيه المفسرون من
الأقوال، سوى هذا، وفيه، وفي الأحاديث بعده فضيلة الرمي، والمناضلة،
والاعتناء بذلك بنيّة الجهاد في سبيل الله تعالى، وكذلك المشاجعة، وسائر
أنواع استعمال السلاح، وكذا المسابقة بالخيل وغيرها، كما سبق في بابه،
والمراد بهذا كله التموُّن على القتال، والتدرّب، والتحذَّق فيه، ورياضة
الأعضاء بذلك. انتهى(٢).
وقال أبو عبد الله القرطبيّ كَخْتُهُ في ((تفسيره)): قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم
مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ الآية: أمَر الله سبحانه المؤمنين بإعداد القوّة للأعداء، بعد
أن أكد تقدمةَ التقوى، فإن الله سبحانه لو شاء لهزمهم بالكلام، والتَّفْل في
وجوههم، وبحَفْنة من تراب، كما فعل رسول الله وَّقه، ولكنه أراد أن يبتلي
بعض الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه النافذ، وكُلَّما تُعِدّه لصديقك من خير،
أو لعدوّك من شرّ فهو داخل في عُدَّتك، قال ابن عباس: القوة ها هنا السلاح
والقِسِيّ، وفي ((صحيح مسلم)) عن عقبة بن عامر مرفوعاً: ((ألا إن القوّة الرمي،
ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي))، وهذا نصّ؛ أي: في معنى الآية.
وقال ◌َ: ((كل شيء يلهو به الرجل باطل، إلا رميه بقوسه، وتأديبه
فرسه، وملاعبته أهله، فإنه من الحق))(٣).
(١) ((المفهم)) ٧٥٩/٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٦٤/١٣.
(٣) رواه البيهقيّ في ((الكبرى)) ١٥/١٠ بإسناده عن عطاء بن أبي رباح قال: رأيت
جابر بن عبد الله، وجابر بن عمير الأنصاريين ﴿ما يرتميان، فملَّ أحدهما فجلس،
فقال له صاحبه: أجلست؟ أما سمعت رسول الله -18 يقول: ((كل شيء ليس من =

٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
قال: ومعنى هذا - والله أعلم - أن كل ما يتلهى به الرجل مما لا يفيده
في العاجل، ولا في الآجل فائدةً فهو باطل، والإعراض عنه أولى.
وهذه الأمور الثلاثة، فإنه وإن كان يفعلها على أنه يتلهى بها، وينشط،
فإنها حقّ؛ لاتصالها بما قد يفيد، فإن الرمي بالقوس، وتأديب الفرس جميعاً
من مَعاون القتال.
وملاعبة الاهل قد تؤدي إلى ما يكون عنه وَلَد يوحّد الله ويعبده، فلهذا
كانت هذه الثلاثة من الحق.
وفي سنن أبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ، عن عقبة بن عامر ◌َُه، عن
النبيّ وَّل: ((إن الله يُدخل ثلاثة نفر الجنة بسهم واحد: صانعه يَحتسب في
صَنْعَته الخير، والرامي، ومُنَبِّله)).
وفضلُ الرمي عظيم ومنفعته عظيمة للمسلمين، ونكايته شديدة على
الكافرين، قال ◌َله: ((يا بني إسماعيل ارموا، فإن أباكم كان رامياً))، وتعلُّم
الفروسية، واستعمال الأسلحة فرض كفاية، وقد يتعيَّن. انتهى كلام
القرطبيّ كَُّ(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عقبة بن عامر ظه هذا من أفراد
المصنّف نَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩٣٨/٥٢] (١٩١٧)، و(أبو داود) في ((الجهاد))
(٢٥١٤)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٠٨٣)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد))
(٢٨١٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٥٦/٤ - ١٥٧)، و(الدارميّ) في ((سننه))
(٢٠٤/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٧٠٩)، و(الطبريّ) في ((التفسير))
= ذِكر الله فهو سهو ولهو، إلا أربع: مشي الرجل بين الغرضين، وتأديبه فرسه،
وتعلّمه السباحة، وملاعبته أهله)). انتهى.
(١) ((تفسير القرطبي)) ٣٥/٨ - ٣٦.

٩
(٥٢) - بَابُ فَضْلِ الرَّمْيٍ، وَالْحَثِّ عَلَيْهِ، وَذَمِّ مَنْ عَلِمَهُ، ثُمَّ نَسِيَهُ - حديث رقم (٤٩٣٩)
(١٦٢٢٥ و١٦٢٢٦ و١٦٢٢٧ و١٦٢٢٨ و١٦٢٢٩)، و(سعيد بن منصور) في
(سننه)) (٢٢٣/٥)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٨٣/٣)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (٥٠٢/٤ - ٥٠٣)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٣٢٨/٢)، و(البيهقيّ)
في ((الكبرى)) (١٣/١٠)، و(البغويّ) في ((التفسير)) (١٥٨/٢)، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٣٩] (١٩١٨) - (وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرَضُونَ، وَيَكْفِيكُمُ اللهُ، فَلَا يَعْجِزُ أَحَدُكُمْ
أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ)).
هذا الإسناد هو الإسناد الماضي، والحديث قطعة من الحديث الماضي،
ولذا ساقه الترمذيّ ◌َخْلَثُ في ((كتابه)) مساقاً واحداً، فتنبّه.
شرح الحديث:
(عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) رَبُه أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ: ((سَتُفْتَحُ
عَلَيْكُمْ أَرَضُونَ) بفتح الراء على المشهور، وحكى الجوهريّ لغةً شاذّةً بإسكانها:
جَمْع أرض، بفتح، فسكون، قال المجد كَذَتُهُ: الأرض: مؤنّئةٌ، اسم جنس،
أو جَمْع بلا واحد، ولم يُسمَع أرضةٌ، وجمعه أَرَضاتٌ، وأُرُوضٌ، وأَرَضُون،
وآراضٌ، والأراضي غيرُ قياسيّ. انتهى(١) . .
وقال الفيّوميّ تَخْذُهُ: الأرض مؤنّئةٌ، والجمع: أَرَضُون بفتح الراء، قال
أبو زيد: وسمِعتُ العرب تقول في جَمْع الأرض: الأراضي، والأُرُوض، مثلُ
فلوس، وجمعُ فَعْل على فَعَالِي في أرض وأراضي، وأهل وأهالي، وليل وليالي
بزيادة الياء على غير قياس، وربّما ذُكّرت الأرض في الشِّعر على معنى البساط.
(٢)
انتھی
.
قال الجامع عفا الله عنه: جَمْع الأرض على الأرضين مخالف لطريقة
(١) ((القاموس المحيط)» ص٤٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ١/ ١٢.

١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
جَمْع المذكّر السالم من أربعة أوجه، كونه اسم جنس، مؤنّئاً، غير عاقل، جمع
تكسير؛ إذ شروط ما يُجمع هذا الجمع أن يكون عَلَماً، أو صفة لمذكّر عاقل،
خالٍ من تاء التأنيث، ومن التركيب، ويزيد في الصفة أن لا يكون من باب
أفعل فعلاء، ولا من باب فعلان فعلى، ولا مما يستوي فيه المذكّر والمؤنّث،
كما هو مقرّر في محلّه من كتب النحو(١)، والله تعالى أعلم.
(وَيَكْفِيكُمُ اللهُ)؛ أي: يكفيكم أعداءكم بإلقاء الرعب في قلوبهم، ثم يولّوا
مدبرين، وقال القرطبيّ تَّثُ: قوله: ((ويكفيكم الله))؛ أي: أمْرَ العدوّ بالظهور
عليه، أو التمكين منه، وقد كان كلّ ذلك، وهذا من دلائل صحّة نبوّته.
انتھی
(٢)
.
وقال القاضي عياض ◌َُّ في ((المشارق)): أي: يكفيكم القتالَ بما فتح
عليكم، وظهور دينكم؛ أي: لا يوجب ذلك من حُكم الرمي والتدرّب في أمور
الحرب؛ للحاجة إليها يوماً ما. انتهى(٣).
(فَلَا يَعْجِزُ) يَحْتَمل أن تكون ((لا)) ناهيةً، والفعل مجزوم بها، ويَحْتَمل أن
تكون نافيةً، والفعل مرفوع، وفي رواية الترمذيّ: ((فلا يعجزنّ)).
وقوله: ((يعجز)) بكسر الجيم على المشهور، وبفتحها في لغة، قاله
النوويّ كَُّ(٤)، وقال المجد كَّتُهُ: الْعَجْز، والْمَعْجِز، والْمَعْجِزة، وتُفتح
جميعها، والْعَجَزَان، محرَّكةً، والْعُجُوز بالضمّ: الضَّعف، والفعل كضَرَبَ،
وسمِعَ. انتھی(٥) .
قال الفيّوميّ نَّثُهُ: عَجَزَ عن الشيء عَجْزاً، من باب ضَرَب، ومَعْجِزة
بالهاء، وحذفها، ومع كلّ وجه فتح الجيم، وكَسْرها: ضَعُفَ عنه، وعَجِزَ
عَجَزاً، من باب تَعِبَ لغة لبعض قيس عَيْلان، ذكرها أبو زيد، وهذه اللغة غير
معروفة عندهم، وقد روى ابن فارس بسنده إلى ابن الأعرابيّ أنه لا يقال: عَجِز
(١) راجع: ((الخلاصة))، و((شروحها)) عند قوله:
وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَبِيَا اجْرُرْ وَانْصِبٍ
(٢) «المفهم)» ٧٦٠/٣.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٦٥/١٣.
سَالِمَ جَمْعِ عَامِرٍ وَمُذْنِبٍ
(٣) ((مشارق الأنوار)) ٣٤٦/١.
(٥) ((القاموس المحيط)» ص ٨٤٢.

١١
(٥٢) - بَابُ فَضْلِ الرَّمْيٍ، وَالْحَثِّ عَلَيْهِ، وَذَمِّ مَنْ عَلِمَهُ، ثُمَّ نَسِيَهُ - حديث رقم (٤٩٣٩)
الإنسانُ بالكسر إلا إذا عَظُمت عَجِيزته. انتهى(١).
(أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ)؛ أي: يشتغل، قال ابن الأثير تَّتُهُ: اللَّهْوُ: اللَّعِبُ،
يقال: لَهَوتُ بالشيء أَلْهُو لَهْواً، وتلهّيتُ به: إذا لَعِبتَ به، وتشاغلتَ، وغَفَلْتَ
به عن غيره، وألهاه عن كذا؛ أي: شَغَله، ولَهِيتُ عن الشيء بالكسر أَلْهَى
بالفتح لِهِيّاً: إذا سَلَوتَ عنه، وتركتَ ذِكره، وإذا غفلت عنه، واشتَغَلتَ.
(٢) .
انتھی
وقال الفيّوميّ: اللهو معروفٌ، يقول أهل نجد: لَهَوتُ عنه أَلْهُو لُهِيّاً،
والأصل على فُعُول، من باب قعد، وأهل العالية يقولون: لَهِيتُ عنه أَلْهَى، من
باب تَعِبَ، ومعناه: السُّلْوانُ، والترك، ولَهْوتُ به لَهْواً، من باب قَتَل: أُولِعْتُ
به، وتلهّيت به أيضاً، قال الطَّرْطُوشيّ: وأصل اللهو: الترويح عن النفس بما لا
تقتضيه الحكمة. انتهى(٣) .
وقوله: (بِأَسْهُمِهِ)) بفتح الهمزة، وضمّ الهاء: جمع سَهم، بفتح،
فسكون، وهو واحد النَّبل، وقيل: هو نفس النَّصْلِ(٤).
قال القرطبيّ كَخَّتُهُ: قوله: ((فلا يعجز أن يلهو ... إلخ))؛ أي: يجعل
الرَّمي بدلاً من اللهو، فيدوم عليه، ويشتغل به حتى لا ينساه، ولا يغفل عنه
فيأثم، على ما جاء في حديث عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله والهم
يقول: ((إن الله يدخل بالسَّهم الواحد ثلاثة نفر الجنَّة: صانعه يحتسبه في صنعه
الخير، ومُنَِّّله، والرامي به، وأن ترموا أحبّ إليّ من أن تركبوا، ليس من اللهو
إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله، ومن ترك
الرمي بعدما تعلمه رغبةً عنه فإنها نعمة تركها - أو قال: كَفَرها ـ))، أخرجه أبو
داود(٥)، ويدلّ عليه حديث فُقَيم المذكور بعد هذا. انتهى (٦).
وقال الأبيّ كَّتُهُ: قوله: ((فلا يعجز ... إلخ)) الفاء للسبب، وكأنه قيل:
إن الله تعالى سيفتح عليكم الروم قريباً، وهم رُماة، وسيكفيكم الله شرّهم
(١) ((المصباح المنير)) ٣٩٣/٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ٥٥٩/٢.
(٥) حديث ضعيف، في إسناده مجهول.
(٢) ((النهاية)) ص٨٤٨.
(٤) ((المصباح المنير)) ٢٩٣/١.
(٦) («المفهم)) ٧٦٠/٣.

١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
بواسطة الرمي، فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه، ولا عليكم أن تهتموا
بالرمي، حتى إذا حاربتم الروم تكونون متمكّنين منه، وإنما أُخْرِج مخرج اللهو
إمالة للنفوس على تعلّمه، فإن النفوس مجبولة على ميلها إلى اللهو. انتهى (١).
وقال الطيبيّ تَخَّثُ: الفاء في قوله: ((فلا يعجز)) سببيّة، كأنه قيل: إن الله
تعالى سيفتح لكم عن قريب الروم، وهم رُماة، ويكفيكم الله تعالى بواسطة
الرمي شرّهم، فإذن لا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه؛ أي: عليكم أن تهتمّوا
بشأن النضال، وتمرّنوا فيه، وعَضّوا عليه بالنواجذ حتى إذا زاولتم محاربة الروم
تكونوا متمكّنين منه، وإنما أخرجه مخرج اللهو إمالة للرغبات إلى تعلّم الرمي،
وإلى الترامي، والمسابقة، فإن النفوس مجبولة على ميلها إلى اللهو. انتهى (٢)
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
هذا من أفراد
(المسألة الأولى): حديث عقبة بن عامر
المصنّف رَحْذَلَهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩٣٩/٥٢ و٤٩٤٠] (١٩١٨)، و(الترمذيّ) في
((التفسير)) (٣٠٨٣)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٥٧/٤)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٤٦٩٧)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (٢٠٦/٢)، و(أبو عوانة)
في «مسنده» (٥٠٣/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٨٢/٣)، و(الطبرانيّ) في
(الكبير)) (٩١٢/١٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٣/١٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائد أحاديث عقبة بن عامر ظبه المذكورة في
الباب:
١ - (منها): بيان المعنى المراد بالآية الكريمة: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم
يِّن قُوَّةٍ﴾ الآية، قال القاضي عياض نَظّثُ: هذا التفسير يقضي على سائر
-
(١) ((شرح الأبّيّ)) ٢٦٤/٥.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٦٦/٨.

١٣
(٥٢) - بَابُ فَضْلِ الرَّمْيِ، وَالْحَثِّ عَلَيْهِ، وَذَمِّ مَنْ عَلِمَهُ، ثُمَّ نَسِيَهُ - حديث رقم (٤٩٤٠)
التفاسير فيه أنه العدّة والسلاح، وقد يَحْتَمل أن مراده وَّر: أن الرمي أنكأ
للقذف، ورأس أنواع القوّة، فسمّاه قوّةً لهذا؛ لَمّا كان معظمها، وأنفعها،
وأنكاها للعدوّ. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: معنى هذا الاحتمال الأخير من قول القاضي تَظّهُ
أنه كقوله ◌َى: ((الحجّ عرفة))، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): الحثّ على تعلّم الرمي، والتمهّر فيه.
٣ - (ومنها): جواز المناضلة، والمسابقة بالسهام، والحضّ على ذلك،
وأن لا يُترك، وإن استُغني عنه بما كفى الله من الفتح على الأعداء، وظهور
الدِّین.
٤ - (ومنها): جواز اللعب بالسلاح، والمثاقفة، وإجراء الخيل، وأشباه
ذلك؛ إذ في كلّ ذلك التمرّن، والاستعداد، ومعاهدة الجسم، ورياضة الأعضاء
بها، قاله القاضي عياض ◌َّهُ(٢).
٥ - (ومنها): أن فيه الوعيدَ الشديدَ لمن تعلّم الرمي، ثم تَرَكه، لا لعذر
شرعيّ، فقد قال ◌َّ ﴿ فيه: ((فليس منّا))، وعيد شديد، فلا ينبغي للمسلم أن
يتساهل في هذا الأمر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَفُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٤٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنْ بَكْرِ بْنِ
مُضَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْهَمْدَانِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ
عَامِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) الهاشميّ مولاهم الْخُوَارزْميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ
[١٠] (ت٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان) ١٤٨/١٠.
٢ - (الْوَلِيدُ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ كثير
التدليس والتسوية [٨] (ت٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٨/١٠.
(١) ((إكمال المعلم)) ٣٤٦/٦.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٣٤٦/٦ - ٣٤٧.

١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
٣ - (بَكْرُ بْنُ مُضَرَ) بن محمد بن حكيم، أبو محمد، أو أبو عبد الله المصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت٣ أو ١٧٠) (خ م « ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٩/٣٦.
والباقون ذُكروا قبله، و((أبو عليّ الْهَمْدانيّ)) هو: ((ثمامة بن شُفيّ))
المذكور قبله.
[تنبيه]: رواية بكر بن مضر، عن عمرو الحارث هذه لم أجد من ساقها،
فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٤١] (١٩١٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ،
عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ شَّمَاسَةَ، أَنَّ فُقَيْماً اللَّخْمِيَّ قَالَ
لِعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: تَخْتَلِفُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْغَرَضَيْنِ، وَأَنْتَ كَبِيرٌ بَشُقُّ عَلَيْكَ؟، قَالَ
عُقْبَةُ: لَوْلَا كَلَامٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَهْ لَمْ أُعَانِهِ، قَالَ الْحَارِثُ: فَقُلْتُ لِاِبْنِ
شُمَاسَةَ: وَمَا ذَاَ؟ قَالَ: إِنَّهُ قَالَ: (مَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ، ثُمَّ تَرَكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا، أَوْ قَدْ
عَصَى))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ) التُّجيبيّ المصريّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ الشهير، تقدّم أيضاً قبل باب.
٣ - (الْحَارِثُ بْنُ يَعْقُوبَ) بن ثعلبة، ويقال: ابن عبد الله الأنصاريّ
مولاهم المصريّ، والد عمرو، ثقةٌ عابد [٥].
رَوَى عن سهل بن سعد، وأبي الْحُبَاب سعيد بن يسار، ويعقوب بن
عبد الله بن الأشج، وعبد الرحمن بن شماسة، وغيرهم.
وروى عنه ابنه عمرو، ويزيد بن أبي حبيب، والليث، وبكر بن مضر،
وغيرهم.
قال ابن معين: ثقةٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال الليث: كان
يعقوب أفضل من ابنه الحارث، وكان الحارث أفضل من ابنه عمرو، وقال
موسى بن ربيعة: كان الحارث من العبّاد، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
قال ابن يونس: تُوُفّي سنة (١٣٠).

١٥
(٥٢) - بَابُ فَضْلِ الرَّمْيِ، وَالْحَثِّ عَلَيْهِ، وَذَمِّ مَنْ عَلِمَهُ، ثُمَّ نَسِيَهُ - حديث رقم (٤٩٤١)
أخرج له البخاريّ في ((خلق أفعال العباد))، والمصنّف، والترمذيّ،
والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا برقم (١٩١٩)، وحديث
(٢٧٠٨): ((من نزل منزلاً، ثمّ قال ... )) الحديث، وأعاده بعده، وحديث
(٢٧٠٩): ((لو قلت حين أمسيت ... )) الحديث.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَمَاسَةَ) بتثليث الشين المعجمة (١)، وتخفيف
الميم، بعدها مهملة - الْمَهْريّ - بفتح الميم، وسكون الهاء - المصريّ، ثقةٌ [٣]
(ت١٠١) أو بعدها (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٨/٥٧.
و((عقبة بن عامر)) قُته ذُكر قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ شَمَاسَةَ) تقدّم أنه بتثليث الشين، (أَنَّ فُقَيْماً) بضمّ
الفاء، مصغّراً، لم أجد من ترجمه، وقوله: (اللَّخْمِيَّ) بفتح اللام، وسكون
الخاء المعجمة: نسبة إلى أبي قبيلة، واسمه مالك بن عديّ بن الحارث بن
مُرّة بن أُدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن
يعرب بن قحطان، قاله في ((اللباب))(٢). (قَالَ لِعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) تَبَهُ (تَخْتَلِفُ)
بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أتتردّد؛ أي: تذهب، وتجيء مرّة بعد أخرى (بَيْنَ
هَذَيْنِ الْغَرَضَيْنِ) بفتحتين: الهَدَف الذي يُرمَى إليه، والجمع: أغراضٌ، مثلُ
سبب وأسباب، وتقول: غرضه كذا على التشبيه بذلك؛ أي: مَرْماه الذي
يقصده، وفُعِل لغرض صحيح؛ أي: لِمَقْصِد، قاله الفيّوميّ(٣).
وقوله: (وَأَنْتَ كَبِيرٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل؛ أي:
والحال أنك کبیر السنّ، وقوله: (یشُقُّ عَلَيْك؟) جملة في محلّ رفع صفة لـ((کبیرُ))،
و(يشُقّ)) بضمّ الشين، وزانُ ينصُرُ، وكان عقبة ظُه يمارس الرمي ليتحفّظ على
تمرّنه به مع كونه شيخاً كبيراً، فسأله فُقيم لمّا رأى من شدّة اهتمامه به.
(١) ذكر الكسر في ((التقريب))، و((الخلاصة))، وذكر الضمّ والفتح النوويّ، وصاحب
(القاموس))، حيث قال: ((شُماسة)) كقُمامة، ويُفتح: اسمٌ. انتهى.
(٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ١٣٠/٣.
(٣) ((المصباح المنير)) ٤٤٥/٢.

١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
(لَوْلاً كَلَامٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وِ ◌َّ لَمْ أُعَانِهِ) بضم
(قَالَ عُقْبَةُ)
الهمزة مضارع عانى، يقال: عاناه يعانيه معاناةً: إذا قاساه، كتعنّاه(١)؛ أي: لم
أقاسه، ولم أتحمّل المشقّة فيه.
ووقع في معظم النسخ بلفظ: ((لم أعانيه)) بإثبات الياء مع الجازم، وهو
لغة، ومنه قول الشاعر [من الوافر]:
أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالأَنْبَاءُ تَنْمِي بِمَا لَاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادِ
والأول أفصح، وقد سبق نظيره غير مرّة، والله تعالى أعلم.
(قَالَ الْحَارِثُ) بن يعقوب (فَقُلْتُ لـ) عبد الرحمن (ابْنِ شُمَاسَةَ: وَمَا
ذَاكَ؟)؛ أي: الكلام الذي سمعه عقبة منه وََّ، (قَالَ) ابن شماسة (إِنَّهُ)؛ أي:
النبيّ ◌َّ﴿ ﴿قَالَ: ((مَنْ عَلِمَ) بفتح أوله، وكسر ثانيه، (الرَّمْيَ، ثُمَّ تَرَكَهُ فَلَيْسَ
مِنَّا)؛ أي: بمتّصل بنا، معدود في زمرتنا، وهو أشدّ ممّن لم يتعلّم؛ لأنه لم
يدخل في زمرتهم، وهذا دخل، ثم خرج، كأنه رأى النقص فيه، أو استهزأ به،
وكلّ ذلك كفران لتلك النعمة الخطيرة، قاله الطيبيّ(٢).
وقال النوويّ: هذا فيه تشديد عظيم لمن نسي الرمي بعد تعلّمه، وهو
مكروه كراهة شديدةً لمن تَرَكه بلا عذر. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر الوعيد يدلّ على تحريمه، فليُتأمّل، والله
تعالى أعلم.
وقوله: (أَوْ) للشكّ من الراوي، هل قالِ نَّه: ((فليس منّا))، أو قال:
(قَدْ عَصَى)))، وهو أيضاً وعيد شديد؛ لأن عصيان الله تعالى ورسوله وَله،
خطر عظيم، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا مُّبِينًا﴾
[الأحزاب: ٣٦]، وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرٍِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ
يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(١) راجع: ((القاموس)» ص٩٢٢.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٦٦/٨.

١٧
(٥٣) - بَابُ قَوْلِهِوَِّ: ((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي، ظَاهِرِينَ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩٤٢)
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عقبة بن عامر ظه هذا من أفراد
المصنّف نَخَذْتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩٤١/٥٢] (١٩١٩)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد))
(٢٨١٤)، و(أحمد) في «مسنده)) (١٤٨/٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤/
٥٠٣ و٥٠٤)، و(الطبراني) في ((الكبير)) (٣١٨/١٧)، و(الرويانيّ) في ((مسنده))
(١٩٦/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٣/١٠)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتْ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾.
(٥٣) - (بَابُ قَوْلِهِ نَِّ: ((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي،
ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ)))
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌ََّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٤٢] (١٩٢٠) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ،
وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ - عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ،
عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي،
ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْنِيَ أَمْرُ اللهِ، وَهُمْ كَذَلِكَ))،
وَلَيْسَ فِي حَدِيثٍ قُتَنْيَةَ: ((وَهُمْ كَذَلِكَ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ) سليمان بن داود، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (قُتَنْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين.
٤ - (حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم أيضاً قبل بابين.
٥ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
حجةٌ فقيهٌ عابد [٥] (ت١٣١) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٠٥.

١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
٦ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر الْجَرْميّ البصريّ،
ثقةٌ فاضلٌ كثير الإرسال، قيل: فيه نَصْبٌ يسير [٣] (١٠٤) أو بعدها (ع)
تقدم في ((الإيمان)» ١٧٣/١٧.
٧ - (أَبُو أَسْمَاءَ) الرَّحَبيّ، عمرو بن مَرْثد الدمشقيّ، ويقال: اسمه عبد الله،
ثقةٌ [٣] مات في خلافة عبد الملك (بخ م ٤) تقدم في ((الحيض)) ٧/ ٧٢٢.
٨ - (ثَوْبَانُ) بن بُجدُد الهاشميّ، مولى النبيّ ◌َّلۇ، صَحِبه، ولازمه، ونزل
بعده الشام، ومات بحمص سنة (٥٤) (بخ م ٤) تقدم في ((الحيض)) ٧/ ٧٢٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف، وأن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، سوى
سعيد، فخراسانيّ، ثم مكيّ، وقتيبة، فبغلانيّ، ونصفه الثاني مسلسل
بالشاميين، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: أيوب، عن أبي
قلابة، وهو عمّه، عن أبي أسماء، وفيه ثوبان ﴿ه، لا يوجد أحد شاركه في
الكتب الستّة.
شرح الحديث :
(عَنْ ثَوْبَانَ) رَهُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((لَا تَزَالُ) ((لا)) نافية،
ولذا رُفع الفعل بعدها، و((تزال)) مضارع زَيِلَ، كعَلِمَ، قال الفيّومِيّ ◌َُّهُ: وما
زال يفعل كذا، ولا أزال أفعله، لا يُتكلّم به إلا بحرف النفي، والمراد به:
ملازمة الشيء، والحالُ الدائمة، مثلُ ما بَرِحَ وزناً ومعنًى، وقد تكلّم بعض
العرب على أصله، فقال: ما زَيِلَ زيد يفعل كذا. انتهى.
وهي من الأفعال التي ترفع الاسم، وتنصب الخبر واسمها، قوله: (طَائِفَةٌ
مِنْ أُمَّتِي)؛ أي: جماعة منهم، وَهُم الذين قال الله تعالى في حقّهم: ﴿وَمِمَّنْ
خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ (٨)﴾ [الأعراف: ١٨١]، والطائفة: الفِرْقة
من الناس، والقطعة من الشيء، وأقلها ثلاثة، وربما أُطلقت على الواحد
والاثنين، وقوله: (ظَاهِرِينَ)؛ أي: غالبين أعداءهم، أو مَن خالفهم، أو المراد
بالظهور: أنهم غير مستترين، بل مشهورون، والأول أَولى؛ لحديث عقبة
الآتي: ((قاهرين لعدوّهم))، وقوله: (عَلَى الْحَقِّ) متعلّق بحال مقدّر؛ أي: حال

:
١٩
(٥٣) - بَابُ قَوْلِهِ وَهِ: ((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي، ظَاهِرِينَ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩٤٢)
كونهم كائنين على الحقّ؛ أي: الثابت من الله روم على لسان نبيّهِ وَلَه. (لَا
يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ)؛ أي: تَرَك نُصرتهم وإعانتهم، يقال: خذله، من باب قَتَلَ:
إذا ترك نصرته وإعانته، وتأخّر عنه، (حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ)؛ أي: إلى أن تأتي
العلامة التي يؤذن بقيام الساعة، وهي الريح التي تقبض روح كلّ مؤمن ومؤمنة،
كما سيأتي في حديث عقبة بن عامر رُه في الباب، وقوله: (وَهُمْ كَذَلِكَ)))
جملة في محلّ نَصب على الحال؛ أي: والحال أنهم ظاهرون عن أعدائهم.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث سَبَق شرحه مع ما يُشبهه في أواخر
(كتاب الإيمان))، وذَكَرْنا هناك الجمع بين الأحاديث الواردة في هذا المعنى،
وأن المراد بقوله {وَل: ((حتى يأتي أمر الله)) هي الريح التي تأتي، فتأخذ روح
كل مؤمن ومؤمنة، وأن المراد برواية من روى: ((حتى تقوم الساعة))؛ أي:
تَقْرُب الساعة، وهو خروج الريح المذكورة.
وأما هذه الطائفة فقال البخاريّ: هم أهل العلم، وقال أحمد بن حنبل:
إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم؟ قال القاضي عياض: إنما أراد
أحمد أهلَ السُّنّة والجماعة، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث.
قال النوويّ: ويَحْتَمِل أن هذه الطائفة مفرّقة بين أنواع المؤمنين، منهم
شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدِّثون، ومنهم زهاد، وآمرون
بالمعروف، وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم
أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض.
وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة للنبيّ وَّ، فإن هذا الوصف ما زال
- بحمد الله تعالى - من زمن النبيّ ◌َ﴿ إلى الآن، ولا يزال حتى يأتي أمر الله
المذكور في الحدیث.
وفيه دليل لكون الإجماع حجةً، وهو أصحّ ما استُدلّ به له من الحديث،
وأما حديث: ((لا تجتمع أمتي على ضلالة)) فضعيف، والله أعلم. انتهى(١).
وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثٍ قُتَيْبَةَ: ((وَهُمْ كَذَلِكَ))) بيّن به اختلاف شيوخه
(١) ((شرح النوويّ)) ٦٦/١٣ - ٦٧.

٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
في ذِكر جملة: ((وهم كذلك))، فذَكَره سعيد، وأبو الربيع، وأسقطه قتيبة، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ثوبان به هذا من أفراد المصنّف تَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩٤٢/٥٣] (١٩٢٠)، و(أبو داود) في ((الفتن))
(٤٢٥٢)، و(الترمذيّ) في ((الفتن)) (٢٣٣٠)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (١٠)
و((الفتن)) (٣٩٥٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٧٩/٥)، و(سعيد بن منصور) في
((سننه)) (١٧٧/٢)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٥٠٨/٤)، و(ابن أبي عاصم) في
(الآحاد والمثاني)) (٣٣٢/١)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤٩٦/٤)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٢٦/٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): حديث ثوبان ﴿به هذا أخرجه المصنّف مختصراً،
وسيأتي له في ((كتاب الفتن)) بأطول مما هنا، ونصّه:
(٢٨٨٩) - حدّثنا أبو الربيع العتكيّ، وقتيبة بن سعيد، كلاهما عن
حماد بن زيد، واللفظ لقتيبة، حدّثنا حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي
أسماء، عن ثوبان، قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله زوى لي الأرض،
فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ مُلكها ما زوى لي منها، وأُعطيت
الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسُنَّة عامّة،
وأن لا يسلط عليهم عدوّاً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال:
يا محمد إني إذا قضيت قضاءً، فإنه لا يُردُّ، وإني أعطيتك لأمتك أن لا
أهلكهم بسُنَّة عامة، وأن لا أسلّط عليهم عدوّاً من سوى أنفسهم، يستبيح
بيضتهم، ولو اجتمع عليهم مَنْ بأقطارها - أو قال: من بين أقطارها - حتى
يكون بعضهم يُهلك بعضاً، ويَسبي بعضهم بعضاً)). انتهى(١).
وقد ساقه أبو داود في ((سننه)) بأتمّ من هذا، فقال:
(١) ((صحيح مسلم)) ٢٢١٥/٤.