النص المفهرس
صفحات 401-420
(٢٩) - بَابُ فَضْلِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٤٨٦٤) ٤٠١ وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال: [٤٨٦٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، أَخْبَرَنِي زَيْدٌ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّام، قَالَ: حَدَّثَنِي النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي تَوْبَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) الحافظ الشهير، تقدّم قريباً. ٢ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) البصريّ، نزيل تِنِّيس، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٨) (خ م د ت س) تقدّم في ((الحيض)) ٧٢٣/٧. والباقون ذُكروا قبله، و((معاوية)) هو: ابن سلّام. [تنبيه]: رواية يحيى بن حسّان، عن معاوية بن سلّام هذه ساقها البزّار تَظْتُ في ((مسنده))، فقال: (٣٢٣٨) - وأخبرنا محمد بن مسكين، قال: أخبرنا يحيى بن حسّان، قال: أخبرنا معاوية بن سلّام، عن زيد بن سلّام، قال: حدثني أبو سلّام، قال: حدّثني النعمان بن بشير ﴿ما قال: كنت عند منبر رسول الله وَل﴾ يوم جمعة، فقال رجل: ما أبالي ألّا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاجّ، فقال الآخر: ما أبالي ألّا أعمل عملاً بعد الإسلام ألا أن أَعْمُر المسجد الحرام، وقال الآخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم، فزجرهم عمر، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله وَل﴾، وهو يوم جمعة، ولكني إذا صليتُ الجمعة دخلت عليه، فاستفتيته فيما اختلفتم، فدخل عليه، فسأله، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿أَجَعَلْتُمُ سِقَائَةَ الْحَجْ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ ءَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأَخِرِ وَجَهَدَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُنَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهَدِى الْقَوْمَ [التوبة: ١٩]. انتهى (١)، والله تعالى أعلم. الفَّلمِينَ ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (١) ((مسند البزار)) ٢٠٠/٨. ٤٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة (٣٠) - (بَابُ فَضْلِ الْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ فِي سَبِيلِ اللّهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّل الكتاب قال: [٤٨٦٥] (١٨٨٠) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ رَوْحَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا))). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ) الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدّم في ((الطهارة)) ١٧ / ٦١٧. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] (ت١٦٧) (خت م ٤) تقدّم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠. ٣ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع و(١٢٠) وله (٨٦) سنةً (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٨٠/٦. ٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) ◌َته، تقدّم في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ◌َظّثهُ؛ كلاحقه، وهو (٣٤٨) من رباعيّات الكتاب، وهو مسلسل بالبصرين، وفيه أثبت الناس في شيخ وهو حماد في ثابت، وألزم الناس لشيخه، وهو ثابت، فقد لزم أنساً به أربعين سنة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) ◌َّهِ أَنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (لَغَدْوَةٌ) اللام للابتداء، و((غَدوة)) مبتدأ خبره قوله: ((خيرٌ ... إلخ))، وقال في ((العمدة)): قوله: (لغدوة)) مبتدأ تخصّص بالصفة، وهو قوله: ((في سبيل الله))، والتقدير: لغدوة كائنة في سبيل الله، وقوله: ((أو روحة)) عَظْف عليه، وكلمة ((أو)) للتقسيم، لا للشكّ، وقوله: ((خير)) خبر المبتدأ، واللام في ((لغدوة)) لام التأكيد، وقال ٤٠٣ (٣٠) - بَابُ فَضْلِ الْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ - حديث رقم (٤٨٦٥) بعضهم: للقَسَم، وفيه نظر. انتهى(١). و((الغَدْوة)) بفتح الغين المعجمة، وسكون الدال المهملة: المرّة الواحدة من الْغُدُوّ، وهو الخروج في أي وقت كان من أول النهار إلى انتصافه. (فِي سَبِيلِ اللهِ)؛ أي: في الجهاد لإعلاء كلمة الله رَت، (أَوْ رَوْحَةٌ) بفتح الراء، وسكون الواو: المرّة الواحدة من الرّواح، وهو الخروج في أي وقت كان من زوال الشمس إلى غروبها، قاله في ((الفتح)) (٢). وقال النوويّ كَُّ: ((الْغَدَوة)) - بفتح الغين -: السير أولَ النهار إلى الزوال، والرَّوْحة: السير من الزوال إلى آخر النهار، و((أو)) هنا للتقسيم، لا للشكّ، ومعناه: أن الروحة يحصل بها هذا الثواب، وكذا الغدوة، والظاهر أنه لا يختص ذلك بالغدوّ والرواح من بلدته، بل يحصل هذا الثواب بكل غَدْوة أو رَوْحة فى طريقه إلى الغزو، وكذا غَدوةٌ وروحة فى موضع القتال؛ لأن الجميع يُسَمّى غَدْوة وروحة في سبيل الله. انتهى(٣). (خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا))) قال النوويّ تَخْتُ: معنى هذا الحديث أن فضل الغدوة والروحة في سبيل الله، وثوابهما خير من نعيم الدنيا كلها، لو مَلَكها إنسان، وتصوّر تنعّمه بها كلها؛ لأنه زائل، ونعيم الآخرة باق، قال القاضي عياض: وقيل في معناه، ومعنى نظائره، من تمثيل أمور الآخرة، وثوابها بأمور الدنيا: إنها خير من الدنيا وما فيها، لو مَلَكها إنسان، ومَلَك جميع ما فيها، وأنفقه في أمور الآخرة، قال هذا القائل: وليس تمثيل الباقي بالفاني على ظاهر إطلاقه، والله أعلم. انتهى (٤). وقال في ((العمدة)): قال المهلّب: معنى قوله: ((خير من الدنيا)) أن ثواب هذا الزمن القليل في الجنة خير من الدنيا كلها، وكذا قوله: (لَقَابُ قوس أحدكم))؛ أي: موضع سوط في الجنة، يريد ما صَغُر في الجنة من المواضع كلها من بساتينها وأرضها، فأخبر أن قصير الزمان، وصغير المكان في الآخرة، (١) ((عمدة القاري)) ١٤/ ٩٢. (٢) ((الفتح)) ٥٤/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٧٩٢). (٣) ((شرح النوويّ)) ٢٦/١٣. (٤) ((شرح النوويّ)) ٢٦/١٣ - ٢٧. ٤٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة خير من طويل الزمان، وكبير المكان في الدنيا؛ تزهيداً وتصغيراً لها وترغيباً في الجهاد؛ إذ بهذا القليل يعطيه الله في الآخرة أفضل من الدنيا وما فيها، فما ظنك بمن أتعب فيه نفسه، وأنفق ماله. وقال غيره: معنى خير من الدنيا: ثواب ذلك في الجنة خير من الدنيا، وقيل: خير من أن يتصدق بما في الدنيا إذا مَلَكها، وقيل: إذا مَلَك ما في الدنيا، وأنفقها في وجوه البرّ والطاعة غير الجهاد. وقال القرطبيّ: أي: الثواب الحاصل على مَشية واحدة في الجهاد خير لصاحبه من الدنيا، وما فيها لو جُمعت له بحذافيرها، وهذا كما قال في الحديث الآخر: ((وموضع قوس أحدكم، أو سوطه في الجنّة خير من الدنيا، وما فيها))، وهذا منه وَّ إنما هو على ما استقرّ في النفوس من تعظيم مُلْك الدنيا، وأما على التحقيق فلا تدخل الجنّة تحت أفعل، إلا كما يقال: العسل أحلى من الخلّ، وقد قيل: إن معنى ذلك - والله أعلم - أن ثواب الغَدوة والروحة أفضل من الدنيا وما فيها لو ملكها مالكٌ، فأنفقها في وجوه البرّ والطاعة غير الجهاد، وهذا أليق، والأول أسبق. انتهى كلام القرطبيّ(١). وقال العينيّ: والظاهر أنه لا يختصّ ذلك بالغدوّ والرواح من بلدته، بل يحصل هذا حتى بكل غدوة، أو روحة في طريقه إلى الغزو، وقال النوويّ: وكذا غدوة وروحة في موضع القتال؛ لأن الجميع يسمى غدوة، وروحة في سبيل الله. انتهى(٢). وقال في ((الفتح)): قال ابن دقيق العيد: قوله: ((خير من الدنيا وما فيها)) يَحْتَمِل وجهین : أحدهما: أن يكون من باب تنزيل المغيَّب منزلة المحسوس؛ تحقيقاً له في النفس؛ لكون الدنيا محسوسةً في النفس، مستعظمةً في الطباع، فلذلك وقعت المفاضلة بها، وإلا فمن المعلوم أن جميع ما في الدنيا لا يساوي ذَرّةً مما في الجنة. والثاني: أن المراد: أن هذا القدر من الثواب خير من الثواب الذي (١) ((المفهم)) ٧٠٩/٣ - ٧١٠. (٢) ((عمدة القاري)) ١٤/ ٩٢. ٤٠٥ (٣٠) - بَابُ فَضْلِ الْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ - حديث رقم (٤٨٦٦) يَحصُل لمن لو حصلت له الدنيا كلها وأنفقها في طاعة الله تعالى. قال الحافظ: ويؤيد هذا الثاني ما رواه ابن المبارك في ((كتاب الجهاد)) من مرسل الحسن قال: بعث رسول الله وَالر جيشاً، فيهم عبد الله بن رواحة، فتأخّر ليشهد الصلاة مع النبيّ وَّر، فقال له النبيّ يَّر: ((والذي نفسي بيده لو أنفقت ما في الأرض، ما أدركت فضل غَدْوَتهم)). والحاصل أن المراد: تهوين أمر الدنيا، وتعظيم أمر الجهاد، وأن من حصل له من الجنة قَدْر سوط يصير كأنه حصل له أمر أعظم من جميع ما في الدنيا، فكيف بمن حصل منها أعلى الدرجات. والنكتة في ذلك أن سبب التأخّر عن الجهاد الميل إلى سبب من أسباب الدنيا، فنبّه هذا المتأخر أن هذا القدر اليسير من الجنة، أفضل من جميع ما في الدنيا. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﴿به هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨٦٥/٣٠] (١٨٨٠)، و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٢٧٩٢ و٢٧٩٦) و((الرقاق)) (٦٥٦٨)، و(الترمذيّ) في ((فضل الجهاد)) (١٦٥١)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد)) (٢٧٥٧)، و(ابن المبارك) في ((الجهاد)) (٣٩/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٠٢/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣/ ١٣٢ و١٥٣ و٢٠٧)، و(ابن حبّان) في («صحيحه)) (٤٦٠٢)، و(أبو عوانة) في (مسنده)) (٤٦٦/٤)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال: [٤٨٦٦] (١٨٨١) - (حَدَّثَنَا بَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِهِ قَالَ: ((وَالْغَدْوَةَ يَغْدُوَّهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللهِ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا))). (١) ((الفتح)) ٥٤/٧ - ٥٦، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٧٩٢). ٤٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمِ) المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٨] (ت١٨٤) أو قبل ذلك (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٤٥/ ٢٩٠. ٣ - (أَبُوهُ) أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج التمّار القاصّ المدنيّ، مولى الأسود بن سفيان، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت١٤٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدّم في ((الإيمان) ٣١٣/٥٠. ٤ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) هو: سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو العباس الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ه، مات سنة (٨٨) وقيل: بعدها، وقد جاوز المائة (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٣١٣/٥٠. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ◌َّثُ؛ كسابقه، وهو (٣٤٩) من رباعيّات الكتاب، وأن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو آخر من مات بالمدينة على بعض الأقوال، وهو من المعمّرين، كما أسلفته آنفاً، وشرح الحديث واضح، يُعلم من شرح ما قبله، وفيه مسألتان: (المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد الساعديّ ﴿ها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨٦٦/٣٠ و٤٨٦٧] (١٨٨١)، و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٢٧٩٤ و٢٨٩٢) وفي ((بدء الخلق)) (٣٢٥٠) و((الرقاق)) (٦٤١٥)، و(الترمذيّ) في ((فضل الجهاد)) (١٦٤٨)، و(النسائيّ) في ((الجهاد)) (١٥/٦)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد)) (٩٢١/٢)، و(أحمد) في («مسنده)) (٤٣٣/٣ و٥/ ٣٣٧ و٣٣٨ و٣٣٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٦٦/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٦/ ١٩٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٨٦٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ، عَنِ النَّبِّ وَِّ قَالَ: ((غَدْوَةٌ، أَوْ رَوْحَةٌ فِي سَبِيلَّ اللهِ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)). ٤٠٧ (٣٠) - بَابُ فَضْلِ الْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ - حديث رقم (٤٨٦٨) رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل بابين. ٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم أيضاً قبل بابين. والباقون ذُكروا في الباب وقبله، والحديث تقدّم البحث فيه مستوفّى فيما قبله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٨٦٨] (١٨٨٢) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ يَحْبَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وٍَّ: (لَوْلَا أَنَّ رِجَالاً مِنْ أُمَّتِ)) وسَاقَ الْحَدِّيثَ، وَقَالَ فِيهِ: ((وَلَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ غَدْوَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قبل باب. [تنبيه]: قوله: ((ابن أبي عمر)) قال النوويّ: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا، وكذا نقله أبو عليّ الغسّانيّ عن رواية الجلوديّ، قال: ووقع في نسخة أبي العلاء بن ماهان: ((حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا مروان ... )) فذَكَر ابن أبي شيبة بدل ابن أبي عمر، قال: والصواب الأول. انتهى(١). ٢ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) الفزاريّ، تقدّم أيضاً قبل باب. ٣ - (يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريّ المدنيّ القاضي، تقدّم أيضاً قبل باب. ٤ - (ذَكْوَانُ أَبُو صَالِح) السمّان الزيّات المدنيّ، تقدّم في الباب الماضي. [تنبيه]: وقع في معظم نسخ الكتاب ما نصّه: ((عن ذكوان بن أبي صالح))، بزيادة لفظة ((ابن))، وهو غلط صريح، والصواب، كما في النسخة الهنديّة: ((عن ذكوان أبي صالح)) بإسقاط لفظة ((ابن))، فإن أبا صالح كنية ذكوان، فيُعرب بدلاً منه، أو عَطْف بيان، فتنبه، والله تعالى أعلم. (١) ((تقييد المهمل)) ٨٨٧/٣ - ٨٨٨، و((شرح النوويّ)) ١٧/١٣. ٤٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَبّه، تقدّم أيضاً في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَُّهُ، وهو مسلسلٌ بالمدنيين، من یحیی، والأولان مكيّان، فمروان كوفيّ، ثم مكيّ، ثم دمشقيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة رضيُه رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﴿له أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: ((لَوْلَا أَنَّ رِجَالاً مِنْ أُمَّتِي)) وسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل ((ساق)) ضمير النبيّ وَّ، ويَحتَمِل أن يكون ضمير أبي هريرة ◌ُته، والأول أظهر. [تنبيه]: لم أجد نصّ الحديث بتمامه، ويَحْتَمل أنه أراد حديث أبي هريرة ره الماضي قبل باب بنفس السند المذكور هنا، ولفظه: ((قال رسول الله وَر: لولا أن أشقّ على أمتي لأحببت أن لا أتخلّف خلف سريّة ... )) الحديث، والله تعالى أعلم. (وَقَالَ فِيهِ)؛ أي: في جملة ذلك الحديث الذي ساقه: ((وَلَرَوْحَةٌ) تقدّم أن اللام لام الابتداء، وقيل: هي لام القَسَم، و((الروحة)) بالفتح: المرّة من الرواح، وهو السير بعد الزوال إلى آخر النهار، وقوله: (فِي سَبِيلِ اللهِ) متعلّق بصفة لـ((روحة))، وهو الذي سوّغ الابتداء بالنكرة، (أَوْ) هما للتقسيم، لا للشكّ، (غَدْوَةٌ) بوزن رَوْحة، هو السير أول النهار إلى الزوال، وقوله: (خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) خبر المبتدأ، وهو ((روحة))، والمعنى: أن ثواب الروحة، والغدوة في سبيل الله خير من نعيم الدنيا كلّها لو ملكها الإنسان، وتصوّر تنعّمه بها كلّها؛ لأنها زائلة فانية، ونعيم الجنّة باقية، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﴿به هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨٦٨/٣٠] (١٨٨٢)، و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٢٧٩٣)، و(الترمذيّ) في ((فضل الجهاد)) (١٦٤٩)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد)) (٢٧٥٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥٣٢/٢ و٥٣٣)، والله تعالى أعلم. ٤٠٩ (٣٠) - بَابُ فَضْلِ الْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ - حديث رقم (٤٨٦٩) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٨٦٩] (١٨٨٣) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ، وَإِسْحَاقَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّقَتِي شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكِ الْمَعَافِرِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ رَوْحَةٌ، خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، وَغَرَبَتْ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (الْمُقْرِئُ عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) أبو عبد الرحمن المكّيّ، بصريّ الأصل، أو من الأهواز، ثقة فاضلٌ، أقرأ القرآن نيِّفاً وسبعين سنةً [٩] (ت٢١٣)، وقد قارب المائة (ع) من كبار شيوخ البخاريّ، تقدّم في ((المقدمة)) ١٥/٤. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ) اسم أبيه مِقْلاص الْخُزاعيّ مولاهم، أبو يحيى المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت١٦١) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ١٥/٤. ٤ - (شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكِ الْمَعَافِرِيُّ) أبو محمد المصريّ، ويقال: شُرحبيل بن عمرو بن شَرِيك، صدوقٌ [٦] (بخ م « ت س) تقدّم في ((الزكاة)) ٢٤٢٦/٤٢. ٥ - (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ) - بضمّ الحاء المهملة، والموحّدة - عبد الله بن يزيد المعافريّ المصريّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٠) بإفريقية (بخ م ٤) تقدّم في ((الزكاة)) ٢٤٢٦/٤٢. ٦ - (أَبُو أَيُّوبَ) خالد بن زيد بن كُليب الأنصاريّ النجّاريّ (ت ٥٠) أو بعدها (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ١١٣/٤. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف نَّثُهُ، ولأنه مسلسل بالمصريين من سعيد بن أبي أيوب، سوى الصحابيّ، وأن صحابيه من كبار الصحابة ﴿م، شَهِد بدراً، ونزل النبيّ ◌َّ عليه حين قَدِم المدينة، مات غازياً بالروم. ٤١٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة شرح الحديث: (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ) - بضمّ الحاء المهملة، والباء الموحّدة -: نسبة إلى بطن من المعافر، وهم من اليمن، قاله في ((اللباب))(١). (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ) خالد بن زيد الأنصاريّ رَُّبه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((غَدْوَةٌ) بالفتح؛ أي: سَيْر قبل الزوال، (فِي سَبِيلِ اللهِ)؛ أي: لأجل إعلاء كلمة الله، (أَوْ رَوْحَةٌ) بالفتح أيضاً؛ أي: سَيْر بعد الزوال، (خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، وَغَرَبَتْ))) هذا هو المراد بقوله فيا سبق: ((خير من الدنيا وما فيها))، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي أيوب الأنصاريّ هذا من أفراد مضرعيه المصنّف نَخْدَّتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨٦٩/٣٠ و٤٨٧٠] (١٨٨٣)، و(النسائيّ) في ((الجهاد)) (١٥/٦) و((الكبرى)) (١١/٣)، و(ابن المبارك) في ((الجهاد)) (١/ ١٦٨)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٠١/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥/ ٤٢٢)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده) (١٠٤/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤/ ٤٦٦)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٩١/٨) و((الكبير)) (١٨١/٤ و١٨)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٨٧٠] ( ... ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْح، قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: حَدَّثَنِي شُرَحْبِيْلُ بْنُ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ. بِمِثْلِهِ سَوَاءَ). (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٣٧/١ - ٣٣٨. ٤١١ (٣٠) - بَابُ فَضْلِ الْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ - حديث رقم (٤٨٧٠) رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ) - بضمّ القاف، وسكون الهاء، ثمّ زاي - المروزيّ، ثقةٌ [١١] (ت٢٦٢) (م) تقدّم في ((المقدمة)) ٣٢/٥، من أفراد المصنّف. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ) بن شقيق، أبو عبد الرحمن المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت٢١٥) أو قبل ذلك تقدّم في ((المقدمة)) ٣٥/٦. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ) ابن واضح الحنظليّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، جواد، مجاهد، جُمعت فيه خصال الخير [٨] (ت١٨١) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٣٢/٥. ٤ - (حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْح) بن صفوان التجيبيّ، أبو زرعة المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، فقيهٌ زاهد [٧] (ت٨ أو ١٥٩) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٣٢٨/٥٧. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا)؛ أي: من سعيد بن أبي أيوب، وحيوة بن شُریح. وقوله: (بِمِثْلِهِ سَوَاءً)؛ أي: بمثل حديث عبد الله بن يزيد المقرىء. [تنبيه]: رواية ابن المبارك هذه أخرجها هو في ((مسنده))، فقال: (٢٢٤) - أخبرنا إبراهيم، حدّثنا محمد، حدّثنا سعيد، قال: سمعت ابن المبارك، عن حَيْوة بن شُرَيح، وسعيد بن أبي أيوب(١) ... الأنصاريّ قال: قال رسول الله وَيقر: ((غدوة في سبيل الله رَمَّ، أو روحة خيرٌ مما طَلَعت عليه الشمس، وغربت)). انتهى(٢)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١) هكذا النسخة، وقد سقط منها كما بَيَّنَتْهُ رواية مسلم قوله: ((قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ منهما: حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ ... ))، وهذا خطأ فاحش، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (٢) ((الجهاد لابن المبارك)) ١٦٨/١. ٤١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة (٣١) - (بَابُ بَيَانِ مَا أَعَدَّهُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُجَاهِدِ فِي الْجَنَّةِ مِنَ الدَّرَجَاتِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٨٧١] (١٨٨٤) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو هَانِيِ الْخَوْلَانِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ لِهِ قَالَ: ((يَا أَبَا سَعِيدٍ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبّاً، وَبِالإِسْلَامِ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيّاً، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ))، فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ، فَقَالَ: أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللهِ، فَفَعَلَ، ثُمَّ قَالَ: ((وَأُخْرَى يُرْفَعُ بِهَا الْعَبْدُ مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ))، قَالَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ)). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم قريباً. ٣ - (أَبُو هَانِيِّ الْخَوْلَّانِيُّ) حُميد بن هانئ المصريّ، لا بأس به [٥] (بخ م ٤) أكبر شيخ لابن وهب، تقدّم في ((المقدمة)) ١٥/٤. ٤ - (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ) عبد الله بن يزيد المعافريّ المذكور في السند الماضي. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان ◌ُهَا، تقدّم أيضاً قريباً. من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَخْلَتُهُ، وهو مسلسل بالمصريين غير شيخه، فخراسانيّ، ثم مكيّ، والصحابيّ، فإنه مدنيّ، وأن صحابيّه ابن صحابيّ . وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً. شرح الحديث : (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌ِ قَالَ: ٤١٣ (٣١) - بَابُ بَيَانِ مَا أَعَدَّهُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُجَاهِدِ فِي الْجَنَّةِ مِنَ الدَّرَجَاتِ - حديث رقم (٤٨٧١) (يَا أَبَا سَعِيدٍ مَنْ رَضِيّ بِاللهِ رَبّاً) منصوب على التمييز؛ أي: من حيث كونُهُ ربّاً؛ أي: من رضي بربوبيته على وفق قضائه وقدره، من خيره وشرّه، وحُلْوه، ومرّه، (وَبِالإِسْلَامِ دِيناً)؛ أي: من حيث الدينُ؛ أي: رضي بشرائعه، وأحكامه، من المأمورات وَالمنهيّات، (وَبِمُحَمَّدٍ) وَ (نَبِيّاً)؛ أي: من حيث كونه رسولاً؛ أي: رضي برسالته الموجبة لمتابعته في أقواله، وأفعاله، وأحواله. قال صاحب ((التحرير)): معنى رضيتُ بالشيء: قنِعتُ به، واكتفيت به، ولم أطلب معه غيره، فمعنى الحديث: لم يطلب غير الله تعالى، ولم يَسْعَ في غير طريق الإسلام، ولم يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد برَاه. (وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ)))؛ أي: ثبتت، وتحقّقت، وعبّر بالماضي مبالغةً في تحقّق وقوعها. وفيه فضل عظيم لمن اتّصف بالرضى المذكور، حيث وجبت له الجنّة، وذلك لأن رضا العبد بهذه المذكورات دليل على ثبوت معرفته، ونفاذ بصيرته، ومخالطة الإيمان قلبه، فتسهل عليه الطاعات، وتلذّ له، ولذلك قال وَّر، كما في حديث العبّاس بن عبد المطّلب ظُه: ((ذاق طَعْم الإيمان من رضي بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﴿ رسولاً))، رواه مسلم. وقال القرطبيّ تَظُّهُ: قوله: ((من رضي بالله ربّاً ... إلخ))؛ أي: من مات على ذلك فلا بدَّ له من دخول الجنَّة قطعاً، ولو أُدخل النار في كبائر عليه فمآله إلى الجنة على كل حال. انتهى(١). (فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ) فيه التفات، إذ الظاهر أن يقول: فعجبت لها؛ أي: عجب أبو سعيد الخدريّ رَظُله لأجل هذه الكلمات، أو لهذه القضيّة. (فَقَالَ) أبو سعيد (أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللهِ) إنما استعاده؛ ليحفظه، ويستبشر به، (فَفَعَلَ)؛ أي: فأعاده وَّهِ مرّة ثانيةً (ثُمَّ قَالَ) وَِّ ((وَأُخْرَى) يَحْتَمِل أن يكون مرفوعاً، مبتدءاً خبره محذوف؛ أي: عندي خصلة أخرى، وأن يكون مفعولاً لفعل محذوف؛ أي: أعلّمك خصلة أخرى، وقال الطيبيّ: ((أخرى)) صفة موصوف محذوف، وهو مبتدأ، وقوله: ((يُرفع)) خبره، أو منصوب على إضمار (١) ((المفهم)) ٧١٠/٣. ٤١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة فعل؛ أي: ألا أبشّرك بشارةً أخرى، وقوله: ((يُرفع)) صفة، أو حال. وقيل: هناك خصلة أخرى. انتهى. وقال القرطبيّ ◌َخّْتُهُ: وقوله وَله: ((وأخرى يُرفع بها العبد مائة درجة))؛ أي: خصلة أخرى، والدرجة: المنزلة الرفيعة، ويراد بها غرف الجنة ومراتبها التي أعلاها الفردوس، كما جاء في الحديث، ولا يُظَنّ من هذا أن درجات الجنة محصورة بهذا العدد، بل هي أكثر من ذلك، ولا يَعْلَم حصرها ولا عددها إلا الله تعالى، ألا تراه قد قال في الحديث الآخر: ((يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارْقَ، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها)) (١)، فهذا يدلّ على أن في الجنة درجات على عدد آي القرآن، وهي نيّف على ستة آلاف آية، فإذا اجتمعت للإنسان فضيلة الجهاد مع فضيلة القرآن، جُمعت له تلك الدرجات كلها، وهكذا كلما زادت أعماله زادت درجاته، والله تعالى أعلم. انتهى (٢). (يُرْفَعُ) بالبناء للمفعول، (بِهَا الْعَبْدُ مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، مَا بَيْنَ كُلِّ حَرَجَتَيْنٍ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ») قال القاضي عياض ◌َّتُهُ: يَحْتَمِل أن هذا على ظاهره، وأن الدرجات هنا المنازل التي بعضها أرفع من بعض في الظاهر، وهذه صفة منازل الجنّة، كما جاء في أهل الغرف أنهم يتراءون كالكوكب الدّريّ، قال: ويَحْتَمِل أن المراد: الرفعة بالمعنى، من كثرة النعيم، وعظيم الإحسان مما لم يخطر على قلب بشر، ولا بصفة مخلوق، وأن أنواع ما أنعم الله به عليه من البرّ والكرامة يتفاضل تفاضلاً كثيراً، ويكون تباعده في الفضل كما بين السماء والأرض في البعد. قال القاضي: والاحتمال الأول أظهر، قال النوويّ: وهو كما قال. والله تعالى أعلم. (قَالَ) أبو سعيد (وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) ◌َِِّ ((الْجِهَادُ) خبر لمحذوف؛ أي: هي الجهاد (فِي سَبِيلِ اللهِ، الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ)) هكذا مكرراً مرّتين، وهو كذلك عند النسائيّ في ((المجتبى))، ولكن في ((الكبرى)) مكرّرٌ ثلاث مرّات. (١) حديث صحيح، أخرجه أحمد في ((مسنده)) ٢/ ١٩٢، وأبو داود (١٤٦٤)، والترمذيّ (٢٩١٤). (٢) («المفهم)) ٧١٠/٣ - ٧١١. ٤١٥ (٣١) - بَابُ بَيَانِ مَا أَعَدَّهُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُجَاهِدِ فِي الْجَنَّةِ مِنَ الدَّرَجَاتِ - حديث رقم (٤٨٧١) وفي هذا الأسلوب تفخيم أمر الجهاد، وتعظيم شأنه، فإن قوله: ((من رضي بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً)) مشتملٌ على جميع ما أمر الله به، ونهى عنه، ومنه الجهاد، وكذا إبهامه بقوله: ((وأخرى))، وإبرازه في صورة البشارة؛ ليسأل عنها، فيجاب بما يجاب؛ لأن التبيين بعد الإبهام أوقع في النفس، وكذا تكراره بقوله: ((الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله)). ونظير هذا الحديث قوله تعالى: ﴿هَلْ أَذُلُّكُمْ عَلَى ◌ِزَوَ ثُجِيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٠ - ١٣]. أفاده الطيبيّ(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ◌ُه هذا من أفراد المصنّف نَّتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨٧١/٣١] (١٨٨٤)، و(النسائيّ) في ((الجهاد)) (١٩/٦) و(الكبرى)) (١٤/٣) و((عمل اليوم والليلة)) (٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٤/٣)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (٢٣٠١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٦١٢)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٤٦٧/٤)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (١/ ٤٠٣)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣١٧/٨)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٢٨٨/١)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٩٣/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩/ ١٥٨) و((شعب الإيمان)) (٢٧/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٦١١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان درجة المجاهد في سبيل الله ربك، وأنه يُرفع مائة درجة، بُعد ما بين الدرجتين، كما بين السماء والأرض. ٢ - (ومنها): بيان فضل الرضا بالله تعالى ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد وَ ل﴿ نبيّاً، حيث إن من اتّصف به وجبت له الجنّة. (١) راجع: ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٦٠/٨، و((مرقاة المفاتيح)) ٤١٢/٧ - ٤١٣. ٤١٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة ٣ - (ومنها): فضل الجهاد في سبيل الله تعالى، حيث يرفع المجاهد هذه الدرجات العالية بسببه، والله تعالى أعلم. (٣٢) - (بَابٌ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ كُفِّرَتْ خَطَايَاهُ إِلَّ الدَّيْنَ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كََّثُ أوّل الكتاب قال: [٤٨٧٢] (١٨٨٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قَادَةَ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَاهـ أَنَّهُ قَامَ فِيهِمْ، فَذَكَرَ لَهُمْ: (أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالإِيمَانَ بِاللهِ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ))، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ، تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَابَاتِيَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَنْتَ صَابِرٌ، مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ، غَيْرُ مُدْبِرٍ))، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَفِ: ((كَيْفَ قُلْتَ؟»، قَالَ: أَرَأَيْتَ، إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَتْكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَاتِيَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((نَعَمْ، وَأَنْتَ صَابِرٌ، مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ، غَيْرُ مُدْبِرٍ، إِلَّ الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ عَلَّا قَالَ لِي ذَلِكَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (لَيْثُ) بن سعد الإمام الشهير المصريّ، تقدّم قريباً. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) كيسان المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقةٌ فقيه [٣] مات في حدود (١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٢٥٠/٣٦. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريّ المدنيّ، ثقة [٣] (٩٥) (ع) تقدّم في ((الطهارة)) ٦١٩/١٨. ٥ - (أَبُو قَتَادَةَ) الأنصاريّ الحارث بن رِبْعيّ بن بُلْدمة، وقيل: غيره، السَّلَمَيّ المدنيّ الصحابيّ الشهير، شَهِد أحداً وما بعدها، مات سنة (٥٤) على الأصحّ (ع) تقدّم في ((الطهارة)) ٦١٩/١٨. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف كَّثُ، وأنه مسلسل بالمدنيين، إلا شیخه، ٤١٧ (٣٢) - بَابٌ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ كُفِّرَتْ خَطَايَاهُ إِلَّ الدَّيْنَ - حديث رقم (٤٨٧٢) فبغلانيّ، وليثاً، فمصريّ، وفيه تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وأن صحابيّه نظّ ◌ُه من مشاهير الصحابة ﴿ه، فارس رسول الله وَله . شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريّ المدنيّ (عَنْ) أبيه (أَبِي قَتَادَةَ) الحارث، أو عمرو، أو النعمان بن رِبْعيّ بن بُلْدُدة الأنصاريّ ◌َُّه (أَنَّهُ) (يُحَدِّثُ عَنْ الضمير لعبد الله بن أبي قتادة، (سَمِعَهُ)؛ أي: سمع أبا قتادة . رَسُولِ اللهِ وَ لِ أَنَّهُ) وَِّ (قَامَ فِيهِمْ)؛ أي: الصحابة الحاضرين لديه، (فَذَكَرَ لَهُمْ: ((أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالإِيمَانَ بِاللهِ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ)؛ أي: على الإطلاق، فلا عمل أفضل منهما . وقال القرطبيّ رَّتُهُ: قوله: ((إن الإيمان، والجهاد أفضل الأعمال)): الإيمان هنا هو المذكور في حديث جبريل عليهله، ولا شك في أنه أفضل الأعمال؛ فإنه راجع إلى معرفة الله تعالى ورسوله وَّر، وما جاء به، وهو المصحِّح لأعمال الطاعات كلها، المتقدم عليها في الرتبة والمرتبة، وإنما قَرَن به الجهاد هنا في الأفضلية، وإن لم يجعله من جملة مباني الإسلام التي ذكرها في حديث ابن عمر ◌ّ؛ لأنه لم يتمكن من إقامة تلك المباني على تمامها، وكمالها، ولم يَظْهَر دينُ الإسلام على الأديان كلها إلا بالجهاد، فكأنه أصل في إقامة الدِّين والإيمانُ، أصلٌ في تصحيح الدِّين، فجمع بين الأصلين في الأفضلية، والله تعالى أعلم. قال: وقد حصل من مجموع هذه الأحاديث أن الجهاد أفضل من جميع العبادات العملية، ولا شكّ في هذا عند تعيينه على كل مكلف يقدر عليه، كما كان في أوّل الإسلام، وكما قد تعيَّن في هذه الأزمان؛ إذ قد استولى على المسلمين أهل الكفر والطغيان، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وأمَّا إذا لم يتعيّن فحينئذ تكون الصلاة أفضل منه، على ما جاء في حديث أبي ذرّ رظُه؛ إذ سُئل عن أفضل الأعمال فقال: ((الصلاة على مواقيتها)). انتهى (١). (١) ((المفهم)) ٧١٢/٣ - ٧١٣. ٤١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة (فَقَامَ رَجُلٌ) قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرفه (١). (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ)؛ أي: لإعلاء كلمة الله ◌َ، (تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟) وفي رواية النسائيّ من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن سعيد المقبريّ: ((جاء رجل إلى رسول الله وَله، فقال: يا رسول الله، أرأيتَ إن قُتلتُ في سبيل الله صابراً محتسباً مقبلاً غير مُدْبِر، أيكفّر الله عنّي خطاياي؟))، (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((نَعَمْ) يكفّرها عنك، (إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ)؛ أي: مخلص نيّتك، ومدّخر ثوابه عند ربّك، فلا تريد به غير وجه الله ◌ُعَلَ، (مُقْبِلٌ) على العدوّ، وقوله: (غَيْرُ مُدْبِرٍ)))؛ أي: عن العدوّ، زاده البيان كون الإقبال في جميع الأحوال؛ إذ قد يُقبلّ مرّة، ويُدبر مرّةً أخرى، فيصدق عليه أنه مقبلٌ. (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((كَيْفَ قُلْتَ؟»)، وفي رواية النسائيّ المذكورة: ((فلما ولّى الرجل ناداه رسول اللهِ وَّةٍ، أو أَمَر ربه فنودي له، فقال رسول الله وَله: كيف قُلت؟، فأعاد عليه قوله. (قَالَ) الرجل (أَرَأَيْتَ، إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَتْكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَاتِيَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((نَعَمْ) يكفّر عنك الخطايا كلّهَا، (وَأَنْتَ صَابِرٌ، مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ، غَيْرُ مُدْبِرٍ، إِلَّ الدَّيْنَ) بفتح الدال المهملة، والنصب على الاستثناء؛ يعني: أن القتل في سبيل الله على الصفة المذكورة لا يُكفّر عنك ديون الخلق، فإن ديونهم لا يكفّرها إلا عفو صاحبه، أو استيفاؤه. (فَإِنَّ جِبْرِيلَ عَا قَالَ لِي ذَلِكَ)))؛ أي: أخبرني بأن الدَّين لا يُكفَّر بالشهادة، وفي رواية عند أبي عمر: ((إلا الدَّين، فإنه مأخوذٌ، كما زعم جبريل))؛ أي: قال، من إطلاق الزعم على القول الحقّ. وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((أرأيت إن قتلت في سبيل؛ أيكفر عني خطاياي ... إلخ)): هذا بحكم عمومه يشمل جميع الخطايا، ما كان من حقوق الله تعالى، وما كان من حقوق الآدميين، فجوابه وَلّ بـ(نعم)) مطلقاً يقتضي تكفير جميع ذلك، لكن الاستثناء الوارد بعد هذا يبيّن أن هذا الخبر ليس على عمومه؛ وإنما يتناول حقوق الله تعالى خاصَّة لقوله وَّه: ((إلا الدَّين))، (١) ((تنبيه المعلم)) ص٣٢٨. ٤١٩ (٣٢) - بَابٌ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ كُفْرَتْ خَطَايَاهُ إِلَّ الدَّيْنَ - حديث رقم (٤٨٧٢) وذِكره الدَّين تنبيهٌ على ما في معناه من تعلّق حقوق الغير بالذمم؛ كالغصب، وأَخْذ المال بالباطل، وقَتْل العمد، وجراحه، وغير ذلك من التبعات، فإن كل هذا أولى بأن لا يُغفر بالجهاد من الدَّين، لكن هذا كله إذا امتنع من أداء الحقوق مع تمكّنه منه، وأما إذا لم يجد للخروج من ذلك سبيلاً؛ فالمرجوّ من كَرَم الله تعالى إذا صَدَق في قَصْده، وصحت توبته أن يُرضيَ اللهُ تعالى خصومه عنه، كما قد جاء نصّاً في حديث أبي سعيد الخدريّ المشهور في هذا، وقد دلَّ على صحة ما ذكرناه قوله وَله: (لَتُؤَذَّن الحقوقُ إلى أهلها يوم القيامة ... ))، الحديث، وسيأتي إن شاء الله تعالى، ولا يُلتفت إلى قول من قال: إن هذا الذي ذكره من الدَّين إنما كان قبل قوله وَلجه: ((من ترك ديناً أو ضَياعاً فعليَّ ... ))، الحديث؛ يشير بذلك إلى أن ذلك المعنى منسوخ، فإنه قول باطل مفسوخ؛ فإن المقصود من هذا الحديث بيان أحكام الديون في الدنيا، وذلك أنه كان من أحكامها دوام المطالبة، وإن كان الإعسار، وقال بعض الرواة: إن الحر كان يُباع في الدَّين، وامتنع النبيّ وَلّ من الصلاة على من مات، وعليه دينار، ولم يجد وفاءً له، فهذه الأحكام وأشباهها هي التي يمكن أن تُنسخ، والحديث الأول لم يتعرّض لهذه الأحكام؛ وإنما تعرّض لمغفرة الذنوب فقط، هذا إذا قلنا: إن هذا ناسخ، فأما إذا حقّقنا النظر فيه فلا يكون ناسخاً، وإنما غايته أنْ تَحَمَّل النبيّ وََّ على مقتضى كَرَم خُلُقه عن المعسر دَيْنِه، وسدّ ضيعة الضائع، وقد دل على ذلك قوله ﴿ في هذا الحديث بعينه: ((أنا أَوْلى بكل مؤمن من نفسه، وأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم))، فعلى هذا يكون هذا التحمل خصوصاً به، أو من جملة تبرعاته لمّا وسّع الله عليه، وعلى المسلمین، وقد قيل في معنى هذا الحديث: إن معنى ذلك: أن النبيّ وَ ل * قام بذلك من مال الخُمس والفيء ليبيّن أن للغارمين، ولأهل الحاجة حقّاً في بيت مال المسلمين، وإن الناظر لهم يجب عليه القيام بذلك لهم. انتهى كلام القرطبيّ تَخَُّهُ، وهو بحث نفيسٌ، وسيأتي زيادة التحقيق في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى _(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((المفهم)) ٧١٣/٣ - ٧١٤. ٤٢٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة مسائل تتعلّق بهذا الحديث: هذا من أفراد المصنّف نَّتُهُ. (المسألة الأولى): حديث أبي قتادة (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨٧٢/٣٢ و٤٨٧٣ و٤٨٧٤] (١٨٨٥)، و(الترمذيّ) في ((فضل الجهاد)) (١٧١٢)، و(النسائيّ) في ((الجهاد)) (٣٤/٦ - ٣٥) و((الكبرى)) (٢٢/٣ و٢٣)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٤٦١/٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣١٠/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٠٣/٥ - ٣٠٤)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (٢٥٥٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٠٧/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٦٥٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٦٧/٤ و٤٦٩)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٩٦/١)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٤٠١/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٣/٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن من قُتل في سبيل الله رَك، وعليه دين، لا تُكفّر شهادته عنه دينه، وقد تقدّم تفصيل ذلك مستوفّى قريباً . ٢ - (ومنها): أن الأجر في ذلك لمن صدقت نيّته، واحتسب أجره، ولم يُقاتل حميّةً، ولا لطلب دنيا، ولِطَلَب ذِكر وثناء. ٣ - (ومنها): أن من قُتل مدبراً، فإنه ليس له من هذا الأجر شيء. ٤ - (ومنها): أن حقوق الآدميين، والتبعات التي للعباد لا تكفّرها الأعمال الصالحة، وإنما تكفِّر ما بين العبد وربّه. ٥ - (ومنها): أن فيه أن جبريللعلّه كان ينزل على النبيّ وَّ من الوحي بما يُتلى من القرآن، وبما لا يُتلى من السُّنَّة، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِىِ بُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ وَاَلِكْمَةِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٤]: إن الآيات القرآنُ، والحكمة السُّنَّة، وكلٌّ من الله، فإنه ◌َّ لا ينطق عن الهوى، والله تعالى أعلم بالصواب. ٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَّتُ: وفيه من الفقه جواز تأخير الاستثناء قَدْراً قليلاً؛ لأنه أَطلق أولاً، فلمّا ولّى دعاه، فذكر له الاستثناء، وقد یجاب عنه بأنه لمّا أراد أن يستثني أعاد اللفظ الأوّل، ووصلَ الاستثناء به في الحال،