النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
(٢٨) - بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ، وَالْخُرُوجِ فِي سَبِيلِ اللهِ - حديث رقم (٤٨٥١)
من أراد أَخْذه منه صون الذي يقاتله عن ارتكاب المعصية، وامتثال أمر الشارع
بالدفع، ولا يُمحض القصد لصون المال، فهو كمن قاتل لتكون كلمة الله هي
العليا، مع تشوّقه إلى الغنيمة. انتهى(١).
١٠ - (ومنها): بيان أن الأعمال الصالحة لا تستلزم الثواب لأعيانها،
وإنما يحصل بالنيّة الخالصة لله ربد .
١١ - (ومنها): أنه استُدلّ به على طهارة المسك، وقد استدلّ به البخاريّ
في ((صحيحه))، قال ابن المنيّر: وجه استدلال البخاريّ بهذا الحديث على
طهارة المسك، وكذا بالذي بعده، وقوع تشبيه دم الشهيد به؛ لأنه في سياق
التكريم والتعظيم، فلو كان نجساً لكان من الخبائث، ولم يَحسُن التمثيل به في
هذا المقام. انتهى(٢).
قال النوويّ تَخَّتُ: أجمعوا على أن المسك طاهر، يجوز استعماله في
البدن والثوب، ويجوز بيعه، ونَقَل أصحابنا عن الشيعة فيه مذهباً باطلاً، وهو
مستثنى من القاعدة: ما أُبِين من حيّ فهو ميت. انتهى.
وحَكَى ابن التين عن ابن شعبان من المالكية، أن فأرة المسك إنما تؤخذ
في حال الحياة، أو بذكاة من لا تصح ذكاته من الكفرة، وهي مع ذلك محكوم
بطهارتها؛ لأنها تستحيل عن كونها دماً حتى تصير مسكاً، كما يستحيل الدم إلى
اللحم، فيطهر، ويحل أكله، وليست بحيوان، حتى يقال: نجست بالموت،
وإنما هي شيء يحدُث بالحيوان؛ كالبيض، وقد أجمع المسلمون على طهارة
المسك، إلا ما حُكي عن عُمَر من كراهته، وكذا حَكَى ابن المنذر عن جماعة،
ثم قال: ولا يصح المنع فيه إلا عن عطاء؛ بناءً على أنه جزء منفصل.
وقد أخرج مسلم في أثناء حديث، عن أبي سعيد ظُه أن النبيّ وَّ قال:
((المسك أطيب الطيب))، وأخرجه أبو داود مقتصراً منه على هذا القدر.
(٣)
هى(٣).
انتھی
(١) ((الفتح)) ٥١٨/١٢ - ٥١٩، كتاب ((الذبائح)) رقم (٥٥٣٣).
(٢) ((المتواري)» ص٢٠٨.
(٣) ((الفتح)) ٥١٨/١٢، كتاب ((الذبائح)) رقم (٥٥٣٣).

٣٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
١٢ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ◌َخْتُ: وقد يُسْتَدلّ بهذا الحديث على أن
تغير ريح الماء بالمخالط النجس لا يخرجه عن أصله، كما لم يُخرج الدم عن
كونه دماً استحالةُ رائحته إلى رائحة المسك، وهو قول عبد الملك في رائحة
الماء أنها لا تفسده، ولا تخرجه عن أصله، وقد استُدِلّ به أيضاً على نقيض
ذلك، وهو أن تغيّر الرائحة يخرجه عن أصله، كما هو مذهب الجمهور، ووجه
هذا الاستدلال أن الدم لمّا استحالت رائحته إلى رائحة المسك خرج عن كونه
مستخبثاً نجساً، وأنه صار مسكاً، وأن المسك بعض دم الغزال، فكذلك الماء
إذا تغيرت رائحته، وأخرج البخاريّ هذا الحديث في المياه، وتُؤُوِّل له كلا
التأويلين. انتهى(١).
وقال الحافظ ابن عبد البرّ كَّلُهُ: وزعمت طائفة بأن في هذا الحديث
دليلاً على أن الماء إذا تغيرت رائحته بشيء من النجاسات، ولونه لم يتغير أن
الحكم للرائحة دون اللون، فزعموا أن الاعتبار باللون في ذلك لا معنى له؛
لأن دم الشهيد يوم القيامة يجيء، ولونه كلون الدماء، ولكن رائحته فَصَلَت بينه
وبين سائر الدماء، وكان الحكم لها، فاستدلوا في زعمهم بهذا الحديث على
أن الماء إذا تغير لونه لم يضرّه، وهذا لا يُفْهَم منه معنى تسكن النفس إليه، ولا
في الدم معنى الماء، فيقاس عليه، ولا يَشتغل بمثل هذا من له فَهْم، وإنما
اغتَرَّت هذه الطائفة بأن البخاريّ ذَكَر هذا الحديث في باب الماء، والذي ذكره
البخاري لا وجه له يُعْرَف، وليس من شأن أهل العلم اللغو به، وإشكالُه،
وإنما شأنهم إيضاحه وبيانه، وبذلك أخذ الميثاق عليهم في قوله: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ
لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، وفي كتاب البخاريّ أبواب لو لم تكن فيه
كان أصح لمعانيه، والله الموفق للصواب.
والماءُ لا يخلو تغيّره من أن يكون بنجاسة، أو بغير نجاسة، فإن كان
بنجاسة، فقد أجمع العلماء على أنه غير طاهر، ولا مطهر، وكذلك أجمعوا أنه
إذا تغيّر بغير نجاسة أنه طاهر على أصله، وقال الجمهور: إنه غير مطهر، إلا
أن يكون تغيّره من تربته وحماته، وما أجمعوا عليه فهو الحقّ الذي لا إشكال
(١) ((المفهم)) ٣/ ٧٠٧.

٣٦٣
(٢٨) - بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ، وَالْخُرُوجِ فِي سَبِيلِ اللهِ - حديث رقم (٤٨٥١)
فيه، ولا التباس معه. انتهى كلام ابن عبد البرّ كَُّ، (١) وهو تحقيقٌ نفيسٌ،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): ذكر في ((الفتح)) بحثاً مطوّلاً عند شرح حديث أبي
هريرة نظره الذي أخرجه البخاريّ كَّثُ في ((الجهاد)) من ((صحيحه)) من طريق
سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((مَثَلُ
المجاهد في سبيل الله - والله أعلم بمن يجاهد في سبيله - كمثل الصائم القائم،
وتوكّل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه سالِماً مع
أجر، أو غنيمة)).
فقال: قوله: ((مع أجر أو غنيمة؛ أي: مع أجر خالص، إن لم يَغْنَم
شيئاً، أو مع غنيمة خالصة معها أجر، وكأنه سكت عن الأجر الثاني الذي مع
الغنيمة؛ لنقصه بالنسبة إلى الأجر الذي بلا غنيمة، والحامل على هذا التأويل
أن ظاهر الحديث أنه إذا غَنِم لا يحصل له أجر، وليس ذلك مراداً بل المراد:
أو غنيمة معها أجر أنقص من أجر من لم يغنم؛ لأن القواعد تقتضي أنه عند
عدم الغنيمة أفضل منه، وأتمّ أجراً عند وجودها، فالحديث صريح في نفي
الحرمان، وليس صريحاً في نفي الجمع.
وقال الكرمانيّ رَّتُهُ: معنى الحديث: أن المجاهد إما يُسْتَشهَد، أو لا،
والثاني لا ينفكّ من أجر، أو غنيمة، مع إمكان اجتماعهما، فهي قضيةٌ مانعة
الخلوّ، لا الجمع.
وقد قيل في الجواب عن هذا الإشكال: إن ((أو)) بمعنى الواو، وبه جزم ابن
عبد البرّ، والقرطبيّ، ورجّحها التوربشتيّ، والتقدير: بأجر وغنيمة، وقد وقع
كذلك في رواية لمسلم من طريق الأعرج، عن أبي هريرة، رواه كذلك عن يحيى بن
يحيى، عن مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، وقد رواه جعفر الفريابيّ،
وجماعة، عن يحيى بن يحيى، فقالوا: ((أجر، أو غنيمة)) بصيغة ((أو))، وقد رواه
مالك في ((الموطأ)) بلفظ: ((أو غنيمة))، ولم يُختلَف عليه، إلا في رواية يحيى بن
بكير عنه، فوقع فيه بلفظ: ((وغنيمة))، ورواية يحيى بن بكير عن مالك فيها مقال.
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ١٦/١٩.

٣٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
ووقع عند النسائيّ من طريق الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي
هريرة ◌ُه بالواو أيضاً، وكذا من طريق عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة نظّ ◌ُبه،
وكذلك أخرجه أبو داود بإسناد صحيح، عن أبي أمامة، بلفظ: ((بما نال من
أجر، وغنيمة))، فإن كانت هذه الروايات محفوظة تعيّن القول بأن ((أو)) في هذا
الحديث بمعنى الواو، كما هو مذهب النحاة الكوفيين، لكن فيه إشكال صعب؛
لأنه يقتضي من حيث المعنى أن يكون الضمان وقع بمجموع الأمرين لكل من
رجع، وقد لا يتّفق ذلك، فإن كثيراً من الغزاة يرجع بغير غنيمة، فما فَرّ منه
الذي اذَّعَى أن ((أو)) بمعنى الواو وقع في نظيره؛ لأنه يلزم على ظاهرها أن من
رجع بغنيمة رجع بغير أجر، كما يلزم على أنها بمعنى الواو أن كل غازٍ يُجمَع
له بين الأجر والغنيمة معاً.
وقد رَوَى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عظيمًا مرفوعاً: ((ما
من غازية تغزو في سبيل الله، فيصيبون الغنيمة إلا تعجّلوا ثلثي أجرهم من
الآخرة، ويبقى لهم الثلث، فإن لم يصيبوا غنيمة تَمّ لهم أجرهم))، وهذا يؤيد
التأويل الأول، وأن الذي يغنم يرجع بأجر، لكنه أنقص من أجر من لم يغنم،
فتكون الغنيمة في مقابلة جزء من أجر الغزو، فإذا قوبل أجر الغانم بما حصل له
من الدنيا، وتمتّعه بأجر من لم يغنم، مع اشتراكهما في التعب والمشقة، كان
أجر من غَنِم دون أجر من لم يغنم، وهذا موافق لقول خبّاب وظُه في الحديث
الصحيح الآتي: ((فمنا من مات، ولم يأكل من أجره شيئاً ... )) الحديث.
واستَشْكَل بعضهم نقص ثواب المجاهد بأخذه الغنيمة، وهو مخالف لِمَا
يدلّ عليه أكثر الأحاديث، وقد اشتَهَر تمدّح النبيّ وَّ بِل الغنيمة، وجَعْلها من
فضائل أمته، فلو كانت تُنقص الأجرَ ما وقع التمدّح بها .
وأيضاً فإن ذلك يستلزم أن يكون أجر أهل بدر أنقص من أجر أهل أُحد
مثلاً، مع أن أهل بدر أفضل بالاتفاق، وسَبَقَ إلى هذا الإشكال ابنُ عبد البرّ،
وحكاه عياض، وذكر أن بعضهم أجاب عنه بأنه ضعَّف حديث عبد الله بن
عمرو؛ لأنه من رواية حميد بن هانئ، وليس بمشهور، وهذا مردود؛ لأنه ثقة
يُحتجّ به عند مسلم، وقد وثقه النسائيّ، وابن يونس، وغيرهما، ولا يُعرف فيه
تجریح لأحد.

٣٦٥
(٢٨) - بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ، وَالْخُرُوجِ فِي سَبِيلِ اللهِ - حديث رقم (٤٨٥١)
ومنهم من حَمَل نقص الأجر على غنيمة أُخذت على غير وجهها، وظهورُ
فساد هذا الوجه يغني عن الإطناب في ردّه؛ إذ لو كان الأمر كذلك لم يبق لهم
ثلث الأجر، ولا أقلّ منه.
ومنهم من حَمَل نقص الأجر على من قَصَد الغنيمة في ابتداء جهاده،
وحمل تمامه على من قصد الجهاد محضاً، وفيه نظر؛ لأن صدر الحديث
مصرِّح بأن المقسَّم راجع إلى من أخلص؛ لقوله في أوله: ((لا يُخرجه إلا إيمان
بي، وتصديق برسلي)).
وقال عياض: الوجه عندي إجراء الحديثين على ظاهرهما، واستعمالهما
على وجههما، ولم يُجب عن الإشكال المتعلّق بأهل بدر.
وقال ابن دقيق العيد: لا تعارض بين الحديثين، بل الحكم فيهما جارٍ
على القياس؛ لأن الأجور تتفاوت بحسب زيادة المشقّة فيما كان أجره بحسب
مشقته؛ إذ للمشقة دخول في الأجر، وإنما المشكل العمل المتصل بأخذ
الغنائم؛ يعني: فلو كانت تنقص الأجر لَمَا كان السلف الصالح يثابرون عليها،
فيمكن أن يجاب بأن أخذها من جهة تقديم بعض المصالح الجزئية على بعض؛
لأن أخذ الغنائم أوّل ما شُرع كان عوناً على الدين، وقوّة لضعفاء المسلمين،
وهي مصلحة عظمى، يُغْتَفَر لها بعض النقص في الأجر من حيث هو.
وأما الجواب عما استُشْكِل ذلك بحال أهل بدر، فالذي ينبغي أن يكون
التقابل بين كمال الأجر ونقصانه لمن يغزو بنفسه إذا لم يغنم، أو يغزو فيغنم،
فغايته أن حال أهل بدر مثلاً عند عدم الغنيمة أفضل منه عند وجودها، ولا
ينفي ذلك أن يكون حالهم أفضل من حال غيرهم من جهة أخرى، ولم يَرِد
فيهم نصّ أنهم لو لم يغنموا كان أجرهم بحاله من غير زيادة، ولا يلزم من
كونه مغفوراً لهم، وأنهم أفضل المجاهدين أن لا يكون وراءهم مرتبة أخرى.
وأما الاعتراض بِحِلّ الغنائم فغير وارد؛ إذ لا يلزم من الحل ثبوت وفاء
الأجر لكل غاز، والمباح في الأصل لا يستلزم الثواب بنفسه، لكن ثبت أن
أخذ الغنيمة، واستيلاءها من الكفار يحصل الثواب، ومع ذلك فمع صحة ثبوت
الفضل في أخذ الغنيمة، وصحة التمدّح بأخذها، لا يلزم من ذلك أن كل غاز
يحصل له من أجر غَزاته نظير من لم يغنم شيئاً البتة.

٣٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
قال الحافظ تَخْذَلُهُ: والذي مَثَّل بأهل بدر أراد التهويل، وإلا فالأمر على
ما تقرّر آخراً: بأنه لا يلزم من كونهم مع أخذ الغنيمة أنقص أجراً مما لو لم
يحصل لهم أجر الغنيمة، أن يكونوا في حال أخذهم الغنيمة مفضولين بالنسبة
إلى من بعدهم؛ كمن شهد أُحُداً لكونهم لم يغنموا شيئاً، بل أجر البدريّ في
الأصل أضعاف أجر من بعده، مثال ذلك أن يكون لو فُرض أن أجر البدريّ
بغير غنيمة ستمائة، وأجر الأُحُدي مثلاً بغير غنيمة مائة، فإذا نَسَبنا ذلك باعتبار
حديث عبد الله بن عمرو كان للبدريّ لكونه أخذ الغنيمة مائتان وهي ثلث
الستمائة، فيكون أكثر أجراً من الأُحديّ، وإنما امتاز أهل بدر بذلك لكونها
أول غزوة شهدها النبيّ وَّ ر في قتال الكفار، وكان مبدأ اشتهار الإسلام، وقوة
أهله، فكان لمن شهدها مِثْل أجر من شهد المغازي التي بعدها جميعاً،
فصارت لا يوازيها شيء في الفضل، والله أعلم.
واختار ابن عبد البرّ أن المراد بنقص أجر من غَنِم أن الذي لا يغنم
يزداد أجره لحزنه على ما فاته من الغنيمة، كما يؤجر من أصيب بماله، فكان
الأجر لمّا نقص عن المضاعفة بسبب الغنيمة عند ذلك كالنقص من أصل
الأجر، ولا يخفى مباينة هذا التأويل لسياق حديث عبد الله بن عمرو الذي
تقدّم ذكره.
وذَكَر بعض المتأخرين للتعبير بثلثي الأجر في حديث عبد الله بن عمرو
حكمةً لطيفةً بالغةً، وذلك أن الله أعدّ للمجاهدين ثلاث كرامات: دنیویتان،
وأخروية، فالدنيويتان السلامة والغنيمة، والأخروية دخول الجنة، فإذا رجع
سالِماً غانماً فقد حصل له ثلثاً ما أعد الله له، وبقي له عند الله الثلث، وإن
رجع بغير غنيمة عوّضه الله عن ذلك ثواباً في مقابلة ما فاته، وكأن معنى
الحديث أنه يقال للمجاهد: إذا فات عليك شيء من أمر الدنيا عوّضتك عنه
ثواباً، وأما الثواب المختص بالجهاد فهو حاصل للفريقين معاً، قال: وغاية ما
فيه عَدُّ ما يتعلق بالنعمتين الدنيويتين أجراً بطريق المجاز. انتهى (١)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((الفتح)) ٤٦/٧ - ٤٨، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٧٨٧).

٣٦٧
(٢٨) - بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ، وَالْخُرُوجِ فِي سَبِيلِ اللهِ - حديث رقم (٤٨٥٢ - ٤٨٥٣)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٥٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (ابْنُ فُضَيْلِ) هو: محمد تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا في السند الماضي، والباب الماضي.
[تنبيه]: رواية محمد بن فُضيل، عن عمارة بن القعقاع هذه ساقها ابن
أبي شيبة تَخْثُ في ((مصنّقه))، فقال:
(١٩٣١٦) - حدّثنا محمد بن فُضيل، عن عُمارة، عن أبي زرعة، عن أبي
هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((أعدّ الله لمن خرج في سبيله، لا يَخرُج إلا
الجهاد في سبيلي، وإيمان بي، وتصديق برسلي، فهو عليّ ضامن، أن أُدخله
الجنة، وأن أُرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلاً ما نال من أجر، أو
غنيمة. ثم قال: والذي نفس محمد بيده، لولا أن أشُقّ على المسلمين، ما
قعدت خلاف سريّة تغزو في سبيل الله أبداً، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا
يجدون سعة فيتبعوني، ولا تطيب أنفسهم، فيتخلفون بعدي، والذي نفس محمد
بيده، لوددت أن أغزو في سبيل الله، فأُقتل، ثم أغزو، فأقتل، ثم أغزو،
فأقتل، ثم أغزو، فأقتل)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَظْلُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٥٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
الْحِزَامِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِِّ قَالَ:
(تَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّ جِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ
كَلِمَتِهِ بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، مَعَ مَا نَالَ مِنْ
أَجْرٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ(٢))).
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢٠٢/٤.
(٢) وفي نسخة: ((من أجر وغنيمة)).

٣٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم في الباب
الماضي.
٢ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ) المدنيّ، نزل عسقلان، لقبه
قُصيّ، ثقةٌ له غرائب [٧] (ع) تقدّم في ((الطهارة)) ٦٥٣/٢٦.
٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن
المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٣٠/٥.
٤ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز القرشيّ مولاهم، أبو داود المدنيّ،
ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣.
و «أبو هريرة څ)) ذُكر قبله.
وقوله: (تَكَفَّلَ اللهُ)؛ أي: ضَمِن الله تعالى، وفي رواية للبخاريّ:
((انتدب الله))، قال في ((النهاية)): أي: أجابه إلى غفرانه، يقال: ندبته فانتدب؛
أي: بَغَيْتُه، ودَعَوْته، فأجاب، وقال التوربشتيّ: وفي بعض طرقه: ((تضمّن الله))،
وفي بعضها: ((تكفّل الله))، وكلاهما أشبه بنسق الكلام من قوله: ((انتدب الله))،
وكلّ ذلك صحيح(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي،
ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَّفُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٥٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّل
قَالَ: ((لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللهِ - وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ - إِلَّا جَاءَ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ، وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ (٢) اللَّوْنُ لَوْنُ دَم، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكِ))).
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٢٤/٨.
(٢) وفي نسخة: ((يثعب دماً، اللون لون دم)).

(٢٨) - بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ، وَالْخُرُوجِ فِي سَبِيلِ اللهِ - حديث رقم (٤٨٥٤)
٣٦٩
رجال هذا الإسناد: سنة:
١ - (عَمْرٌو النَّاتِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير، أبو عثمان البغداديّ،
نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدّم في ((المقدمة)) ٢٣/٤.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: يُجرح، والكُلُوم:
الجراح، معروف ذلك في لسان العرب معرفةً يُستغنى بها عن الاستشهاد عليها
بشيء، ومن أملح ما جاء في ذلك قول حسان بن ثابت ه يصف امرأة
ناعمةً، طريةً، زَعَم أن الذرّ لو مشى عليها لجرحها جراحاً تصيح منها، وتَندُب
نفسها، فقال [من الخفيف]:
لَوْ يَدِبُّ الْحَوْلِيّ مِنْ وَلَدِ الذَّرْ رٍ عَلَيْهَا لِأَنْدَبَتْهَا الْكُلُومُ
وقوله: (فِي سَبِيلِ اللهِ) معناه: الجهاد، وملاقاة أهل الحرب من الكفار،
قال ابن عبد البرّ كَّلُ: على هذا خرج الحديث، ويدخل فيه بالمعنى كلُّ من
جُرح في سبيل بِرِّ وحَقِّ، مما أباحه الله؛ كقتال أهل البغي، والخوارج،
وغيرهم، واللصوص، والمحاربين، أو آمر بمعروف، أو ناهٍ عن منكر، ألا
ترى قوله وَله: ((مَن قُتِل دون ماله فهو شهيدٌ)). انتهى(١).
وقوله: (وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ) قال الزرقانيّ كَُّهُ: هذه الجملة
معترضة بين المستثنى منه والمستثنى، مؤكّدة، مقرِّرة لمعنى المعترض فيه،
وتفخيم شأن من يُكْلَم في سبيل الله، ونظيره قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّ وَضَعْتُهَا
أُنْقَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ الآية [آل عمران: ٣٦]؛ أي: بالشيء الذي وضعت،
وما عُلِّق به من عظائم الأمور، ويجوز أن يكون تتميماً للصيانة عن الرياء،
والسمعة، وتنبيهاً على الإخلاص في الغزو، وأن الثواب المذكور إنما هو لمن
أخلص لتكون كلمة الله هي العليا. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ كَّلهُ: قوله: ((والله أعلم ... إلخ)) فيه تنبيه على وجوب
(١) ((الاستذكار)) ٩٧/٥.
(٢) ((شرح الزرقانيّ على الموطأ)) ٤٦/٣.

٣٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
الإخلاص في الجهاد، وتنويهٌ بالمخلَص فيه، واستبعاد للإخلاص، وإشعار
بقلّته(١) .
وقال ابن عبد البرّ تَخْتُ: في قوله وَّ: ((والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله))
دليلٌ على أنه ليس كل من خرج في الغزو تكون هذه حاله حتى تصح نيّته،
ويعلم الله من قلبه أنه خرج يريد وجهه، ومرضاته، لا رياء، ولا سمعة، ولا
مباهاة، ولا فخراً، وفي هذا الحديث أيضاً دليل على أن الشهيد يُبعث على
حاله التي قُبض عليها، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك في كل ميت - والله أعلم - يبعث
على حاله التي مات فيها، إلا أن فضل الشهيد المقتول في سبيل الله بين
الصفين أن يكون ريح دمه كريح المسك، وليس كذلك دم غيره، ومن قال: إن
الموتى جملةً يبعثون على هيئاتهم، احتَجَّ بحديث أبي سعيد الخدريّ ◌ُبه أنه
لمّا حضرته الوفاة دعا بثياب جدد، فلبسها، ثم قال: سمعت رسول الله وَليه
يقول: ((إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها))، وهذا قد يَحْتَمِل أن يكون
أبو سعيد سمع الحديث في الشهيد، فتأوّله على العموم، ويكون الميت
المذكور في حديثه هو الشهيد الذي أُمر أن يزَمَّل بثيابه، ويُدفن فيها، ولا يغسل
عنه دمه، ولا يغيّر شيء من حاله، بدليل حديث ابن عباس وغيره، عن النبيّ وَل
أنه قال: ((إنكم محشورون يوم القيامة حُفاةً، عُراةً، غُرْلاً، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ
أَوَّلَ خَلْقِ نُعِيدُهُ، وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنَّا فَعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وأول من يكسى
يوم القيامة إبراهيم))، فلهذا الحديث وشِبهه تأوّلنا في حديث أبي سعيد ما
ذَكَرنا، والله أعلم.
قال: وقد كان بعضهم يتأول في حديث أبي سعيد أنه يُبعث على العمل
الذي يُختم له به، وظاهره على غير ذلك، والله أعلم.
وقد استَدَلّ جماعة من أهل العلم بهذا الحديث، وما كان مثله في سقوط
غسل الشهيد المقتول في دار الحرب بين الصفين، ولا حاجة بنا إلى الاستدلال
في ترك غسل الشهداء الموصوفين بذلك مع وجود النصّ، فقد أخرج أبو داود،
عن جابر بن عبد الله عنه، عن النبيّ وَ ﴿ قال في قتلى أحد: ((لا تغسلوهم،
(١) ((المفهم)) ٧٠٧/٣.

٣٧١
(٢٨) - بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ، وَالْخُرُوجِ فِي سَبِيلِ اللهِ - حديث رقم (٤٨٥٤)
فإن كل جرح، أو دم يفوح مسكاً يوم القيامة))، ولم يصلِّ عليهم. انتهى.
وقال في ((الاستذكار)): وفي هذا الحديث دليل على أن الشهيد يبعث على
حاله التي قُبض عليها وهيئته، بدليل هذا الحديث، ومثله حديث ابن عباس في
المُحْرِم الذي وَقَصَتْه ناقته، فقال فيه رسول الله وَله: ((لا تخمّروا وجهه، ولا
رأسه، ولا تقرّبوه طِيباً، فإنه يُبعث يوم القيامة يلبي))، وقد زعم بعض أهل
العلم أن قوله ◌َّيقر: ((يبعث الميت في ثيابه التي قُبض فيها))؛ أي: يعاد خَلَق
ثيابه له كما يعاد خَلْقُه، وقال غيره: إنما ذلك قول خرج على المجاز، فكنى
بالثياب عن الأعمال، كما يقال: طاهر الثوب، ونَقِيّ الجيب.
قال أبو عمر: وحَمْلُ هذا الحديث على المجاز مرويّ من حديث ابن
عباس، وغيره، عن النبيّ وَّ أنه قال: ((يُحشر الناس عُراةً، غُرْلاً، وأول من
يكسى إبراهيم))، فعلى هذا يَحْتَمِل أن يُبعث على ما مات عليه من كفر،
وإيمان، وشكّ، وإخلاص، ونحو ذلك.
والحقيقة في كلّ ما يَحتملها اللفظ من الكتاب والسُّنَّة أَوْلى من المجاز؛
لأن الذي يُعيده خَلْقاً سَوِيّاً يعيد ثيابه - إن شاء.
وإن كان قد رُوي بالوجه الآخر خبر، ذكره أبو داود في ((باب من يغزو
ويلتمس الدنيا)) بإسناده عن عبد الله بن عمرو، أنه قال: يا رسول الله أخبرني
عن الجهاد، والغزو، فقال: ((يا عبد الله بن عمرو، إن قاتلت صابراً محتسباً،
بعثك الله صابراً محتسباً، وإن قاتلت مرائياً مكاثراً بعثك الله مرائياً مكاثراً،
يا عبد الله بن عمرو على أي حال قاتلت، أو قُتلت بعثك الله على تلك
الحال)). انتهى(١).
وقوله: (وَجُرْحُهُ يَتْعَبُ) زاد في بعض: النسخ: ((دماً))، و((الجُرح)) بضمّ
الجيم: اسم كالجراحة بكسرها، والمصدر: الْجَرْح بالفتح، و((يَثْعُبُ)) - بفتح
الياء، والعين، وإسكان المثلثة بينهما - ومعناه: يجري متفجّراً؛ أي: كثيراً،
وهو بمعنى الرواية الأخرى: ((يتفجر دماً))(٢).
وإسناد الثعب إلى الجرح مع أن الذي يثعُب على الحقيقة إنما هو دمه؛
(١) ((الاستذكار)) ٩٩/٥.
(٢) (شرح النوويّ)) ٢٢/١٣.

٣٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
لإفادة المبالغة على حدّ قوله تعالى: ﴿وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [التوبة: ٩٢]،
فإن الذي يفيض هو الدمع، لا العين، لكن جُعلت العين تَفِيض مبالغةً.
وقال التوربشتيّ: قوله: ((يثعُب دماً))، يقال: ثعبت الماءَ: فجّرته،
فانثعب، وإضافة الفعل إلى الجرح؛ لأنه السبب في فجر الدم، و((دماً)) يكون
مفعولاً، ولو أراد به التمييز لكان من حقّه أن يقول: ينثعب دماً، أو يُثعَب،
على بناء المجهول، قال: ولم أجده روايةً.
قال الطيبيّ: مجيؤه متعدّياً نُقل عن الجوهريّ، وظاهر كلام صاحب
((النهاية)) أنه لازم، حيث فسّره بقوله: ((يجري))، ولأنه جاء في حديث آخر:
((وجرحه يشخب دماً))، والشخب: السيلان، فحينئذ يكون من قوله تعالى:
﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [التوبة: ٩٢]، فإن الظاهر أن يقال: إن الدمع تفيض
من العين، فجعل العين فائضةً مبالغةً، كذلك الدم هو السائل من الجرح لا
الجرح. انتهى(١).
وقوله: (اللَّوْنُ لَوْنُ دَم، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكِ) قال ابن عبد البرّ ◌َُّهُ: هذا
من أحسن حديث في فضل الغزو في سبيل الله، والحضّ على الثبوت عند لقاء
(٢)
العدوّ. انتهى(٢).
وقال الزرقانيّ تَخّْثُ: قوله: ((اللون لون الدم، والريح ريح المسك))؛ أي:
كريحه؛ إذ ليس هو مسكاً حقيقةً، بخلاف لون الدم، فلا تقدير فيه؛ لأنه دم
حقيقةً، فليس له من أحكام الدماء وصفاتها إلا اللون فقط.
قال العلماء: الحكمة في بعثه كذلك؛ ليكون معه شاهد فضيلته ببذله نفسه
في طاعة الله تعالى، وعلى من ظَلَمه، وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن
يُستشهَد، أو تبرأ جراحته.
قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن المراد: ما مات صاحبه به قبل اندماله، لا ما
اندمل في الدنيا، فإن أثر الجراحة وسيلان الدم يزول، ولا ينفي ذلك أن له
فضلاً في الجملة، لكن الظاهر أن الذي يجيء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً من
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٣٣/٨.
(٢) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ١٣/١٩.

٣٧٣
(٢٨) - بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ، وَالْخُرُوجِ فِي سَبِيلِ اللهِ - حديث رقم (٤٨٥٥)
فارق الدنيا كذلك، ويؤيده ما لابن حبان عن معاذ: ((عليه طابع الشهداء))،
ولأصحاب ((السنن))، وصححه الترمذيّ، وابن حبان، والحاكم، عن معاذ
مرفوعاً: ((من جُرح في سبيل الله، أو نُكِب نكبةً، فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر
ما كانت، لونها الزعفران، وريحها المسك»، قال: وعُرِف بهذه الزيادة أن
الصفة المذكورة لا تختص بالشهيد، بل تحصل لكل من جُرح. انتهى (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه قبل حديث، ولله الحمد
والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٥٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبَّ هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ◌ّهه
فَذَكَرَ أَحَادِيثَ،َ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ الْمُسْلِمُ فِي
سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ تَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَهَيْئَتِهَا إِذَا طُعِنَتْ، تَفَجَّرُ دَماً، اللَّوْنُ لَوْنُ
دَم، وَالْعَرْفُ عَرْفُ الْمِسْكِ))، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ فِي
يَدِّهِ، لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ،
وَلَكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً، فَأَحْمِلَهُمْ، وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً، فَقَبِعُونِي، وَلَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ
أَنْ يَقْعُدُوا بَعْدِي))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) النيسابوريّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بَّنْ همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضاً قبل بابين.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن،
ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٨] (ت١٥٨) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل، أبو عقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٣٢) (ع)
تقدّم في ((الإيمان)» ٢١٣/٢٦.
و((أبو هريرة لظ له)) ذُكر قبله.
(١) ((شرح الزرقانيّ على الموطأ)) ٤٧/٣.

٣٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
شرح الحديث:
(عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنِّهٍ) أنه (قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ لََّ،
فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((كُلُّ كَلْم) بفتح الكاف، وإسكان
اللام، (يُكْلَمُهُ الْمُسْلِمُ) بضمّ حرف المضارعة، وإسگّان الكاف، وفتح اللام،
مبنيّاً للمفعول؛ أي: يُجرحه، وقوله: (فِي سَبِيلِ اللهِ) قيْدٌ يُخرج ما يصيب
المسلم من الجراحات في غير سبيل الله، وزاد في ((الجهاد)) من طريق الأعرج،
عن أبي هريرة: ((والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله))، وفيه إشارة إلى أن ذلك إنما
يحصل لمن خلصت نيته(١).
(ثُمَّ تَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) هكذا في عامّة النسخ، بـلاثُمّ))، وفي رواية
البخاريّ: ((تكون)) بدونها، ولا يظهر لها معنى هنا، ولعلّها جاءت زائدة، فقد
جوّز الأخفش، والكوفيّون تجرّدها عن معنى العطف، ومجيئها زائدةً، وحَمَلوا
على ذلك قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ
أَنْفُسُهُمْ وَنُواْ أَنْ لَّا مَلْجَاً مِنَ اللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية [التوبة: ١١٨]؛
أي: حتى إذا ضاقت الأرض ... إلخ، تاب عليهم، والله تعالى أعلم.
(كَهَيْئَتِهَا) الضمير يعود على الكَلْم باعتبار أنه بمعنى الْكَلْمة، أو
الجراحة، ويوضّحه رواية القابسيّ، عن أبي زيد المروزيّ، عن الفربريّ: ((كلُّ
كلمة يُكلمها))، وكذا هو في رواية ابن عساكر، قاله في ((الفتح))(٢).
(إِذَا طُعِنَتْ) بالبناء للمفعول، وهكذا في عامّة النسخ: ((إذا)) بالألف بعد
الذال، قال القسطلّانيّ: وهي هنا لمجرّد الظرفيّة، أو هي بمعنى ((إذ))، وقد
يتقارضان، أو عبَّر بـ((إذا)) لاستحضار صورة الطعن؛ لأن الاستحضار كما يكون
بصريح لفظ المضارع، نحو: ﴿وَاللَّهُ الَّذِىّ أَرْسَلَ الْرِّيَحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ الآية [الروم:
٤٨] يكون بما في معنى المضارع، كما فيما نحن فيه.
وقوله: (تَفَجَّرُ) بفتح الجيم المشدّدة، وحَذْف إحدى التاءين؛ إذ أصله
تتفجّر، كما في قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَّى﴾ [الليل: ١٤]، و﴿فَانْتَ لَهُ تَصَدَّى
٦
(١) ((الفتح)) ٥٨٧/١، كتاب ((الوضوء)) رقم (٢٣٧).
(٢) ((الفتح)) ٥٨٧/١، كتاب ((الوضوء)) رقم (٢٣٧).

(٢٨) - بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ، وَالْخُرُوجِ فِي سَبِيلِ اللهِ - حديث رقم (٤٨٥٥)
٣٧٥
[عبس: ٦]، و﴿نَزَّلُ الْمَلَئِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، قال في ((الخلاصة)):
فِيهِ عَلَى تَا كَـ(تَبَيَّنُ الْعِبَرْ))
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ
وقوله: (دَماً) منصوب على التمييز المحوّل من الفاعل، إذ أصله يتفجّر
دمه .
(اللَّوْنُ لَوْنُ دَم، وَالْعَرْفُ عَرْفُ الْمِسْكِ)))؛ أي: رائحته رائحة المسك،
و((العرف)) بفتح العينّ المهملة، وسكون الراء، في الأصل: الرائحة مطلقاً، ثم
كَثُر استعماله في الرائحة الطيّبة.
والحكمة في كون الدم يأتي يوم القيامة على هيئته أنه يَشْهَد لصاحبه
بفضله، وعلى ظالمه بفعله، وفائدة رائحته الطيبة أن تنتشر في أهل الموقف؛
إظهاراً لفضيلته أيضاً، ومن ثَمّ لم يُشرع غسل الشهيد في المعركة(١).
(وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ فِي يَدِهِ، لَوْلًا أَنْ أَشُقَّ عَلَى
الْمُؤْمِنِينَ) تقدّم بلفظ ((المسلمين))؛ إذ هو بمعناه، فهما كالفقير والمسكين إذا
افترقا اجتمعا، وإذا اجتمعا افترقا، ففي حديث سؤال جبريل النبيّ وَّ عن
الإيمان، والإسلام، افترقا، فقد فسّر له كلّاً منهما بغير ما فسّر به الآخر.
وفي رواية البخاريّ: ((والذي نفسي بيده لولا أن رجالاً من المؤمنين لا
تطيب أنفسهم))، في رواية: (لولا أن أشق على أمتي)).
وفي هذه الرواية تفسير للمراد بالمشقة المذكورة، وهي أن نفوسهم لا
تطيب بالتخلّف، ولا يقدرون على التأهب؛ لعجزهم عن آلة السفر، من مركوب
وغيره، وتعذّر وجوده عند النبيّ وََّ، وصرّح بذلك في قوله: ((ولكن لا أجد
سعةً، فأحملهم، ولا يجدون سعةً، فيتبعوني ... ))، وعند الطبرانيّ من حديث
أبي مالك الأشعريّ: ((ولو خرجت ما بقي أحد فيه خير إلا انطلق معي، وذلك
يشقّ عليّ، وعليهم)).
ثم إن إيراد هذه الجملة - أعني قوله: ((والذي نفسي بيده ... إلخ)) -
عَقِب ما تقدّم إرادة تسلية الخارجين في الجهاد عن مرافقته لهم، وكأنه قال:
(١) ((الفتح)) ١/ ٥٨٧، كتاب ((الوضوء)) رقم (٢٣٧).

٣٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
الوجه الذي يسيرون له فيه من الفضل ما أتمنى لأجله أني أُقتل مرات، فمهما
فاتكم من مرافقتي، والقعود معي من الفضل، يحصل لكم مثله، أو فوقه، من
فضل الجهاد، فراعى خواطر الجميع، وقد خرج النبيّ وَ ◌ّ في بعض المغازي،
وتخلّف عنه المشار إليهم، وكان ذلك حيث رَجَحَت مصلحة خروجه على
مراعاة حالهم، قاله في ((الفتح))(١).
(مَا) نافية، (قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ)؛ أي: بعد خروجها للجهاد، (تَغْزُو
فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً)؛ أي: مالاً أشتري به رواحل يركبونها
(فَأَحْمِلَهُمْ) عليها، (وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً)؛ أي: مالاً يشترون به رواحل،
فيركبونها (فَيَتَّبِعُونِي، وَلَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَقْعُدُوا بَعْدِي)))، أي: بعد
خروجي للغزو.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٥٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ،
عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((لَوْلَا أَنْ أَشُنَّ
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، ما قَعَدْتُ خِلاَفَ سَرِيَّةٍ))، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ، وَبِهَذَا الإِسْنَادِ: ((وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي أَقْتَلُ(٢) فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ أُحْيَى))، بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي
زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم
المكيّ، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا قبل حديث، و((سفيان)) هو: ابن عيينة.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ) هكذا النسخ الموجودة عندنا، بضمير الجماعة،
مع أن مرجعه اثنان، وهما أبو زرعة، وهمّام بن منبه، وله وجه، وهو أنه أعاده
(١) ((الفتح)) ٥٩/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٧٩٨).
(٢) وفي نسخة: ((لوددت أن أقتل)).

٣٧٧
(٢٨) - بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ، وَالْخُرُوجِ فِي سَبِيلِ اللهِ - حديث رقم (٤٨٥٦)
على القول بأن أقلّ الجمع اثنان، وهو القول الراجح، كما حققته في ((التحفة
المَرْضيّة))، و((شرحها)) في الأصول.
وأما ما وقع عند بعض الشرّاح(١) من تغليط ما وقع في النسخ، وإصلاحه
بقوله: ((بمثل حديثهما))، مع أنه لا يوجد على هذا الإصلاح نسخة من نُسخ
الكتاب، فمما لا ينبغي، وهو تصرّف غير مقبول، فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى
سواء السبيل.
وقوله: (لَوَدِدْتُ أَنِّي أَقْتَلُ) قال في ((العمدة)): في الحديث أنه وٍَّ كان
يتمنى من أفعال الخير ما يعلم أنه لا يعطاه؛ حرصاً منه على الوصول إلى أعلى
درجات الشاكرين، وبذلاً لنفسه في مرضاة ربه، وإعلاء كلمة دينه، ورغبته في
الازدياد من ثواب ربه، ولتتأسى به أمته في ذلك، وقد يثاب المرء على نيته.
وفيه إباحة القَسَم بالله على كلّ ما يعتقده المرء بما يحتاج فيه إلى يمين،
وما لا يحتاج، وكذا ما كان يقول في كلامه: ((لا، ومقلُّب القلوب))؛ لأن في
اليمين بالله توحيداً وتعظيماً له تعالى، وإنما يُكره تعمّد الحنْث.
وفيه أن الجهاد ليس بفرض عين على كل أحد، ولو كان عيناً ما تخلف
النبيّ وَّ، ولا أباح لغيره التخلف عنه، ولو شقّ على أمته إذا كانوا يطيقونه،
هذا إذا كان العدوّ لم يفجأ المسلمين في دارهم، ولا ظهر عليهم، وإلا فهو
فرض عَيْن على كل من له قوّة.
وفيه أن الإمام والعالم يجوز لهما ترك فعل الطاعة، إذا لم يُطق أصحابه،
ونصحاؤه على الإتيان بمثل ما يقدر عليه هو منها، إلى وقت قدرة الجميع
عليها، وذلك من كرم الصحبة، وآداب الأخلاق.
وفيه عِظَم فضل الشهادة. انتهى(٢).
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد هذه ساقها أبو عوانة نَظُّهُ
في ((مسنده))، فقال:
(٧٣٠٩) - حدّثنا الترمذيّ، قال: ثنا الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال:
(١) هو: الشيخ الهرريّ، راجع: شرحه ٢٠/ ١٧٥.
(٢) ((عمدة القاري)) ٩٦/١٤.

٣٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
ثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله وَل
يقول: ((لولا أن أشقّ على المؤمنين ما قعدت خلاف سرية، أتخلّف عنها، ليس
عندي ما أحملهم عليه، ويشقّ عليهم أن يتخلفوا بعدي)). انتهى(١).
وأما رواية سفيان التي أشار إليها مسلم بقوله: ((وبهذا الإسناد ... إلخ))،
فقد ساقها الحميديّ كَّثُ في ((مسنده))، فقال:
(١٠٤٠) - حدّثنا الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا أبو الزناد، عن
الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ◌َّ *: ((والذي نفسي بيده،
لوددت أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل))، قال
أبو هريرة: ثلاثاً أشهد لله. انتهى.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٥٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ - يَعْنِي:
الثَّقَفِيَّ - (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ
أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لأَخْبَبْتُ
أَنْ لَا أَتَخَلَّفَ خَلْفَ سَرِيَّةٍ)»، نَحْوَ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) ابن عبد المجيد، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس
لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، ورُمي بالإرجاء، من كبار [٩]
(ت١٩٥) وله (٨٢) سنةً (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
٣ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) بن الحارث بن أسماء الفزاريّ، أبو عبد الله
الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظ، وكان يدلّس أسماء الشيوخ [٨]
(ت١٩٣) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ١٣٨/٨.
(١) ((مسند أبي عوانة)) ٤/ ٤٥٣.

٣٧٩
(٢٨) - بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ، وَالْخُرُوجِ فِي سَبِيلِ اللهِ - حديث رقم (٤٨٥٨)
٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي،
ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت١٤٤) أو بعدها (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٣٦/٦.
٥ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السّمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (١٠١) (ع) تقدّم
في ((المقدمة)) ٤/٢.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ)؛ يعني: أن الثلاثة، وهم:
عبد الوهاب الثقفيّ، وأبو معاوية، ومروان بن معاوية رووا هذا الحديث عن
يحيى بن سعيد الأنصاريّ بسنده المذكور.
وقوله: (نَحْوَ حَدِيثِهِمْ) يعني: أن حديث أبي صالح هنا نحو حديث الثلاثة
المتقدّمين، وهم: أبو زرعة، والأعرج، وهمّام بن منّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد، عن أبي صالح، عن أبي هريرة
ساقها أبو عوانة تَّثُ في ((مسنده))، فقال:
(٧٣١٦) - حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأ ابن وهب، قال:
أخبرني مالك بن أنس، وحدّثنا أبو أمية، قال: ثنا أحمد بن يونس، قئنا زهير،
كلاهما عن يحيى بن سعيد، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، أن
رسول الله وَل﴿ قال: ((لولا أن أشقّ على أمتي لأحببت أن لا أتخلف خلف
سرية، تخرج في سبيل الله، ولكن لا أجد ما أحملهم عليه، ولا يجدون ما
يتحملون عليه، فيخرجوا، ويشقّ عليهم أن يتخلفوا بعدي، فلوددت أني أقاتل
في سبيل الله، فأقتل، ثم أحيى، ثم أقتل، ثم أحيى، ثم أقتل))، ثلاثاً.
انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٥٨] ( .. ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((تَضَمَّنَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ
- إِلَى قَوْلِهِ - مَا تَخَلَّفْتُ خِلاَفَ سَرِيَّةٍ، تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى(٢))).
(١) ((مسند أبي عوانة)) ٤/ ٤٥٥.
(٢) سقط من بعض النسخ لفظة: ((تعالى)).

٣٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح السمّان، أبو يزيد المدنيّ، صدوقٌ تغيّر بآخره
[٦] (ت١٣٨) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦١.
والباقون ذُكروا في الباب، و((جَرِيرٌ)) هو: ابن عبد الحميد.
وقوله: (تَضَمَّنَ اللهُ) معناه: أوجب له ذلك وقضاه (١)، وقال في
((العمدة)): لفظ الضمان، والتكفل، والتوكل، والانتداب الذي وقع في
الأحاديث كلّها بمعنى تحقيق الوعد على وجه الفضل منه، وعبَّرِ وَّر عن الله ◌َالَ
بتفضيله بالثواب بلفظ الضمان، ونحوه بما جرت به العادة بين الناس بما تطمئنّ
به النفوس، وتركن إليه القلوب. انتهى (٢).
[تنبيه]: رواية سهيل بن أبي صالح، عن أبيه هذه ساقها البيهقيّ تَخُّْهُ في
((الكبرى))، فقال:
(١٧٦٦٩) - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنبأ حاجب بن أحمد الطوسيّ،
ثنا عبد الرحيم بن منيب، ثنا جرير بن عبد الحميد (ح) وأخبرنا أبو
عبد الله الحافظ، أنبأ أبو الفضل بن إبراهيم، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا
إسحاق بن إبراهيم، أنبأ جرير، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﴿به،
عن رسول الله وَ ◌ّ قال: ((تضمَّن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا
إيماناً به، وتصديقاً برسوله، أن يدخله الجنة، أو يرجعه إذا رجع إلى منزله
نائلاً ما نال، من أجر، أو غنيمة، والذي نفسي بيده، لولا أن أشقّ على
أمتي، ما تخلّفت خلاف سرية، تغزو في سبيل الله)). انتهى (٣)، والله تعالى
أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) ((مشارق الأنوار)) ٦٠/٢.
(٣) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ٣٩/٩.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٤/ ٨٤.