النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
(٢٣) - بَابُ بَيَانِ سِنِّ الْبُلُوغِ - حديث رقم (٤٨٢٩)
الغلام ثماني عشرة، وقيل: تسع عشرة، وفي الجارية سبع عشرة.
وهذا كلّه إذا لم تظهر أمارات البلوغ، فإن ظهرت فلا عبرة بالسنّ
بالإجماع، وأمارات البلوغ منها ما اتَّفَقَ عليه الفقهاءُ، وهو الإنزال، أو
الإحبال في الغلام، والحيض في الجارية، قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن
الفرائض والأحكام تجب على المحتلم العاقل، وعلى المرأة بظهور الحيض
منها - كما في ((المغني))، ومأخذ ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ
اٌلْحُلُمُ فَلْيَسْتَخْذِنُواْ﴾ [النور: ٥٩]، والحُلُم: الاحتلام، وهو لغة: ما يراه النائم،
والمراد به هنا: خروج المنيّ في نوم، أو يقظة، بجماع أو غيره، وقوله تعالى:
﴿حَّ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦] فإن بلوغ النكاح كناية عن أهليّة الجماع،
وهي بالإنزال، وقال رسول الله وَالى: ((لا يُتْمَ بعد احتلام)) رواه أبو داود(١)،
وقال رَّ لمعاذ ◌َرُه: ((ومن كلّ حالم ديناراً))(٢)، وقال: ((رُفع القلم عن ثلاثة:
عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبيّ حتى يحتلم، وعن المجنون حتى
يعقل)) (٣)، وقال ◌َ له: ((لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار))، صححه
ابن خزيمة .
وأما الأمارات المختلف فيها، فمنها إنبات العانة، فروى ابن القاسم،
وسالم أنه يُستدلّ به على البلوغ، وقاله مالك مرّةً، والشافعيّ في أحد قولین،
وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
واستدلّ هؤلاء بما أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وغيرهما بإسناد
صحيح، عن عطية الْقُرَظِيّ، قال: ((كنت من سبي بني قريظة، فكانوا ينظرون
فمن أنبت الشعر قُتِل، ومن لم يُنبت لم يُقتل، فكنت فيمن لم ينبت)).
ولفظ ابن ماجه: ((عُرضنا على رسول الله وَ* يوم قريظة، فكان من أنبت
قُتل، ومن لم ينبت خُلِّي سبيله، فكنت فيمن لم ينبت، فخُلِّي سبيلي)).
(١) حديث صحيح، وأورده الشيخ الألبانيّ كَّلُ في ((السلسلة الصحيحة)) ولفظه: ((لا
يُتم بعد احتلام، ولا يتم على جارية إذا هي حاضت)).
(٢) حديث صحيح، أخرجه أصحاب ((السنن)).
(٣) حديث صحيح، أخرجه أبو داود.

٣٠٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر من ذِكر الأقوال وأدّتها أن
أرجح الأقوال ما ذهب إليه القائلون: إنّ من بلغ خمس عشرة سنة جرت عليه
أحكام البالغين، سواء كان رجلاً، أو امرأة، إلا أن يحتلم الرجل، أو يُخْبِل
قبل ذلك فيكون ذلك بلوغاً في حقّه، وكذلك المرأة إذا حاضت، أو حَبِلت
قبل ذلك، فيكون ذلك بلوغاً في حقّها، وحجة ذلك حديث ابن عمر ◌ًا
المذكور في الباب، وكذلك من نبت شعر عانته يُعتبر بالغاً؛ لحديث عطيّة
القرظي المذكور، وكذلك الأحاديث الأخرى، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٣٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
إِدْرِيسَ، وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا
عَبْدُ الْوَهَّابِ - يَعْنِي: الثَّقَفِيَّ - جَمِيعاً عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي
حَدِيثِهِمْ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَّةً، فَاسْتَصْغَرَنِي).
رجال هذا الإسناد: ستةٌ :
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِذْرِيسَ) الأوديّ، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٣ - (عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكنانيّ، أو الطائيّ، أبو عليّ الأشلّ
المروزيّ، نزيل الكوفة،َ ثقةٌ له تصانيف، من صغار [٨] (ت١٨٧) (ع) تقدّم
في ((الحيض)) ٢٦/ ٨١٧.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل أربعة أبواب.
٥ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ النَّقَفِيُّ) ابن عبد المجيد بن الصَّلْت، أبو محمد البصريّ،
ثقةٌ [٨] (ت١٩٤) عن نحو (٨٠) سنةً (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ١٧/ ١٧٣.
و((عبيد الله)) بن عمر العمريّ ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية عبد الله بن إدريس، وعبد الرحيم بن سليمان كلاهما عن
عبيد الله العمريّ، ساقها ابن أبي شيبة تَّتُ في ((مصنّفه))، فقال:

٣٠٣
(٢٣) - بَابُ بَيَانِ سِنِّ الْبُلُوغِ - حديث رقم (٤٨٣٠)
(٣٦٨١٨) - حدّثنا عبد الرحيم بن سليمان، وابن إدريس، عن عبيد الله بن
عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: عَرَضني رسول الله وَل﴿ يوم الخندق، وأنا
ابن خمس عشرة، فأجازني، إلا أن ابن إدريس قال: عُرِضْتُ. انتهى(١).
وأخرج رواية عبد الرحيم مفردةً، فقال:
(٣٣٦٩٨) - حدّثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن
نافع، عن ابن عمر، قال: عرضني رسول الله وَّر في القتال، وأنا ابن أربع
عشر سنةً، فاستصغرني، فرَدَّني، ثم عرضني يوم الخندق، وأنا ابن خمس
عشرة، فأجازني، قال نافع: حَدَّثت ذلك عمر بن عبد العزيز، وهو خليفة،
فقال: إن هذا لَحَدٌّ بين الصغير والكبير، فكتب إلى عُمّاله أن من بلغ خمس
عشرة، فافرضوا له في المقاتلة، ومن كان دون ذلك، فافرضوا له في العيال.
(٢)
انتھی(٢).
وأما رواية عبد الوهاب الثقفيّ، فقد ساقها البيهقيّ ◌َّتُهُ في ((الكبرى))،.
فقال :
(١١٠٨٣) - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو الفضل بن إبراهيم، ثنا
أحمد بن سلمة، ثنا محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، قالا: ثنا عبد الوهاب
الثقفيّ، ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: عرضني رسول الله وَليه
يوم أُحد، وأنا ابن أربع عشرة سنةً، فاستصغرني، وردّني مع الغلمان، فلما
كان يوم الخندق عرضني، وأنا ابن خمس عشرة، قال: فأجازني، قال
عبيد الله: وكتب عمر بن عبد العزيز: أن أجيزوا في الفرض ابن خمس عشرة،
قال عبيد الله: لا أرى نافعاً إلا حدّثه بهذا. انتهى(٣).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣٧٨/٧.
(٣) (سنن البيهقي الكبرى)) ٥٥/٦.
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٦/ ٥٤٢.

٣٠٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
(٢٤) - (بَابُ النَّهْي أَنْ يُسَافَرَ بِالْمُصْحَفِ إِلَى أَرْضِ الْكُفَّارِ،
إِذَاَ خِيفَ وُقُوعُهُ بِأَيْدِيهِمْ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٣١] (١٨٦٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِلَّهِ أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى
أَرْضِ الْعَدُوِّ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدم قبل بابين.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف ◌َّهُ؛ كلاحقه، وهو (٣٤٥) من رباعيّات
الكتاب، وأنه أصحّ الأسانيد مطلقاً، نُقل عن البخاريّ تَُّ أنه قال: أصحّ
الأسانيد مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﴿ه، وأخرج الخطيب أنه قال لأبي
زرعة الرازيّ: يا أبا زرعة ليس ذا زعزعة عن زوبعة، إنما تَرفع السِّتر، فتنظر
إلى النبيّ وََّ، وأصحابُهُ بين يديه: ((حدّثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر))،
ويُسمّى هذا السند بسلسلة الذهب(١).
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) ﴿هَا أَنه (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِنَّهِ أَنْ يُسَافَرَ) بالبناء
للمفعول، (بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ)؛ أي: إلى دار الحرب، زاد في الرواية
التالية: ((مخافةَ أن يناله العدوّ))، وفي الرواية الثالثة: ((فإني لا آمن أن يناله العدوّ)).
قال في ((الفتح)) بعد أن أورد رواية البخاريّ بلفظ المصنّف ما نصّه:
(١) راجع: ((الكفاية في علم الرواية)) للخطيب البغداديّ ٣٩٩/١، و((إسعاف ذوي
الوطر في شرح ألفيّة الأثر)) ٣١/١.

٣٠٥
(٢٤) - بَابُ النَّهْيِ أَنْ يُسَافَرَ بِالْمُصْحَفِ إِلَى أَرْضِ الْكُفَّارِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٨٣١)
وأورده ابن ماجه من طريق عبد الرحمن بن مهديّ، عن مالك، وزاد: ((مخافة
أن يناله العدوّ))، رواه ابن وهب، عن مالك، فقال: ((خشيةَ أن يناله العدوّ)»،
وأخرجه أبو داود، عن القعنبيّ، عن مالك، فقال: قال مالك: أراه مخافة،
فذكره، قال أبو عمر: كذا قال يحيى بن يحيى الأندلسيّ، ويحيى بن بكير،
وأكثر الرواة عن مالك جعلوا التعليل من كلامه، ولم يرفعوه، وأشار إلى أن
ابن وهب تفرّد برفعها، قال الحافظ: وليس كذلك لِمَا قدّمته من رواية ابن
ماجه، وهذه الزيادة رفعها ابن إسحاق أيضاً، كما تقدّم، وكذلك أخرجها
مسلم، والنسائيّ، وابن ماجه، من طريق الليث، عن نافع، ومسلم من طريق
أيوب، بلفظ: ((فإني لا آمن أن يناله العدوّ))، فصحّ أنه مرفوع، وليس بمدرَج،
ولعلّ مالكاً كان يجزم به، ثم صار يشكّ في رفعه، فجعله من تفسير نفسه.
(١)
انتھی
وقال ابن حبّان تَخْثُ في ((صحيحه)): في قوله: ((مخافةَ أن يناله العدوّ))
بيان واضح أن العدوّ إذا كان فيهم ضعف، وقلةٌ، والمسلمون فيهم قوّة،
وكثرة، ثم سافر أحدهم بالقرآن، وهو في وسط الجيش، يأمن أن لا يقع ذلك
في أيدي العدوّ، كان استعمال ذلك الفعل مباحاً له، ومتى أيس مما وَصفنا،
لم يَجُز له السفر بالقرآن إلى دار الحرب. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر طها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨٣١/٢٤ و٤٨٣٢ و٤٨٣٣ و٤٨٣٤] (١٨٦٩)،
و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٢٩٩٠)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٦١٠)،
و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٣/٥ و٢٤٣)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد)) (٢٩٠٩
(١) ((الفتح)) ٢٤٣/٧ - ٢٤٤، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٩٩٠).
(٢) ((صحيح ابن حبان)) ١٦/١١.

٣٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
و٢٩١٠)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٤٤٦/٢)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده))
(١٨٥٥)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٩٤١٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))
(٢٧٨/٧)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٦٩٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦/٢ و٧
و١٠ و٥٥ و٦٣ و٧٦)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١٠٦٤)، و(ابن حبّان)
في ((صحيحه)) (٤٧١٥ و٤٧١٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٣٩/٤ و٤٤٠)،
و(ابن أبي داود) في ((المصاحف)) (ص٢٠٥ و٢٠٦ و٢٠٧ و٢٠٨ و٢٠٩)،
و(أبو القاسم البغويّ) في ((مسند عليّ بن الجعد)) (١٢٢٣ و٢٦٨٢)، و(البيهقيّ)
في ((الكبرى)) (١٠٨/٩)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٢٣٣ و١٢٣٤)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه النهيَ عن المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفار؛
للعلة المذكورة في الحديث، وهي خوف أن ينالوه، فينتهكوا حرمته، فإن أُمنت
هذه العلة، بأن يدخل في جيش المسلمين الظاهرين عليهم، فلا كراهة، ولا
مَنْع منه حينئذ؛ لعدم العلة، قال النوويّ كَّثُهُ: هذا هو الصحيح، وبه قال أبو
حنيفة، والبخاريّ، وآخرون، وقال مالك، وجماعة من أصحابنا بالنهي مطلقاً،
وحَكَى ابن المنذر عن أبي حنيفة الجواز مطلقاً، والصحيح عنه ما سبق، وهذه
العلة المذكورة فى الحديث هي من كلام النبيّ وَلّ، وغَلِط بعض المالكية،
فزعم أنها من كلام مالك، واتَّفَقَ العلماء على أنه يجوز أن يَكتب إليهم كتابٌ
فيه آية، أو آيات، والحجة فيه كتاب النبيّ ◌َيّ إلى هرقل، قال القاضي عياض:
وكَرِه مالك وغيره معاملة الكفار بالدراهم والدنانير التي فيها اسم الله تعالى،
وذِكْره ◌َلَ. انتهى كلام النوويّ ◌َّقُ(١).
وقال في ((الفتح)): قال ابن عبد البرّ: أجمع الفقهاء أن لا يسافَر
بالمصحف في السرايا والعسكر الصغير الْمَخُوف عليه، واختلفوا في الكبير
المأمون عليه، فمنَعَ مالك أيضاً مطلقاً، وفضَّل أبو حنيفة، وأدار الشافعية
الكراهة مع الخوف وجوداً وعدماً، وقال بعضهم كالمالكية.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣/١٣.

٣٠٧
(٢٤) - بَابُ النَّهْيِ أَنْ يُسَافَرَ بِالْمُصْحَفِ إِلَى أَرْضِ الْكُفَّارِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٨٣٢)
٢ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على مَنْع بيع المصحف من الكافر؛ لوجود
المعنى المذكور فيه، وهو التمكن من الاستهانة به، ولا خلاف في تحريم ذلك،
وإنما وقع الاختلاف: هل يصحّ لو وقع، ويؤمر بإزالة مُلكه عنه، أم لا؟.
٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به أيضاً على منع تعلم الكافر القرآن، فمَنَع
مالك مطلقاً، وأجاز الحنفية مطلقاً، وعن الشافعيّ قولان، وفَصّل بعض
المالكية بين القليل؛ لأجل مصلحة قيام الحجة عليهم، فأجازه، وبين الكثير
فمَنَعه، ويؤيده قصّة هرقل، حيث كتب إليه النبيّ وَّ بعض الآيات، وقد نقل
النوويّ الاتفاق على جواز الكتابة إليهم بمثل ذلك. انتهى (١)، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٣٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا
اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِّ أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى أَنْ
يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَىَّ أَرْضِ الْعَدُوِّ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم قبل باب.
٢ - (ابْنُ رُمْح) هو: محمد بن رُمْح بن مهاجر التجيبيّ المصريّ، تقدّم قريباً .
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات الكتاب؛ كسابقه، وهو (٣٤٦) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (يَنْهَى) بالبناء للفاعل.
وقوله: (أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ) ببناء الفعل للمفعول.
وقوله: (مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ) بنصب ((مخافةَ))، على أنه مفعول من
أجله، كما قال في ((الخلاصة)):
(١) ((الفتح)) ٢٤٣/٧ - ٢٤٤، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٩٩٩٠).

٣٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
يُنْصَبُ مَفْعُولاً لَهُ الْمَصْدَرُ إِنْ أَبَانَ تَعْلِيلاً كَـ«جُدْ شُكْراً وَدِنْ))
و((مخافةً)) مضاف، و((أن يناله)) في تأويل المصدر مضاف إليه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٣٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَأَبُو كَامِلِ، قَالَا: حَدَّثَنَا
ء
حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُوَّلُ اللهِ وَل ◌ِ: ((لَا
تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ، فَإِنِّي لَا آَمَّنُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ)، قَالَ أَيُوبُ: فَقَدْ نَالَهُ الْعَدُوُّ،
وَخَاصَمُوكُمْ بِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الرَّبِيع الْعَتَكِيُّ) سليمان بن داود الزهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣/ ١٩٠.
٢ - (أَبُو كَامِلٍ) فضيل بن حسين الْجَحْدريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٣٧)، وله أكثر من ثمانين سنةً (خت م « ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
٣ - (حَمَّادُ) بن زيد بن درهم الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيهٌ، من كبار [٨] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
٤ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
حجةٌ فقيهٌ عابدٌ [٥] (ت١٣١) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (قَالَ أَيُوبُ: فَقَدْ نَالَهُ الْعَدُوُّ، وَخَاصَمُوكُمْ بِهِ) ((أيوب)) هو
السختيانيّ، ولعله وقع ذلك في عهده، فأشار إلى ذلك تنبيهاً على أن ما حذّر
به النبيّ وَ﴾ وقع فعلاً بترك امتثال أمره(١)، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه دون قول أيوب المذكور، وقد مضى شرحه، وبيان
مسائله، ولله الحمد والمنّة.
(١) ((تكملة فتح الملهم)) ٣٨٧/٣.

٣٠٩
(٢٤) - بَابُ النَّهْيِ أَنْ يُسَافَرَ بِالْمُصْحَفِ إِلَى أَرْضِ الْكُفَّارِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٨٣٤)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٣٤] ( .. ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ؛ يعني: ابْنَ عُلَيَّةً
(ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، وَالثَّقَفِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ أَيُّوبَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ
رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ، أَخْبَرَنَا الضَّحَُّ - يَعْنِي: ابْنَ عُثْمَانَ - جَمِيعاً عَنْ
نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَالثَّقَفِيِّ: ((فَإِنِّي أَخَافُ))،
وَفِيَ حَدِيثٍ سُفْيَانَ، وَحَدِيثِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ: ((مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ)).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةً) هو: ابن إبراهيم بن مقسم الأسديّ مولاهم،
أبو بشر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٨] (ت١٩٣)، وهو ابن (٨٣) سنةً (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ٣/٢.
٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى الْعَدنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ، صنّف
((المسند))، ولازم ابن عيينة [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٤ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قريباً.
٥ - (الثَّقَفِيُّ) عبد الوهّاب بن عبد المجيد الثقفيّ، تقدّم في الباب
الماضي.
٦ - (ابْنُ رَافِع) هو: محمد النيسابوريّ، تقدّم قريباً.
٧ - (ابْنُ أَبِيَّ قُدَيْك) محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الدِّيليّ
مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت٢٠٠) على
الصحيح (ع) تقدم في ((الحيض)) ١٦/ ٧٧٥.
٨ - (الضَّحَُّ بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد الله بن خالد بن حِزَام الأسديّ الْحِزَاميّ،
أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٧] (م ٤) تقدم في ((الحيض)) ١٦ / ٧٧٤.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية إسماعيل ابن عليّة، عن أيوب السختيانيّ، ساقها الإمام
أحمد تَخْتُهُ في ((مسنده))، فقال:

٣١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
(٤٥٠٧) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا إسماعيل، ثنا أيوب، عن
نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَ له: ((لا تسافروا بالقرآن، فإني
أخاف أن يناله العدو)). انتهى (١).
وأما رواية سفيان بن عيينة، عن أيوب فلم أجد من ساقها باللفظ الذي
أشار إليه، مسلم، وإنما ساقها الإمام أحمد تَخْشُ في ((مسنده)) بلفظ ابن عليّة
المذكور، حيث قال:
(٤٥٧٦) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا سفيان، عن أيوب، عن
نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله وَ ﴿ل قال: ((لا تسافروا بالقرآن، فإني أخاف
أن یناله العدو)). انتهى(٢).
وأما رواية الثقفيّ، والضحّاك بن عثمان، فلم أجد من ساقهما، فليُنظر،
والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ نَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾.
(٢٥) - (بَابُ الْمُسَابَقَةِ بَيْنَ الْخَيْلِ، وَتَضْمِيرِهَا)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌ََّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٣٥] (١٨٧٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى
مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ سَابَقَ بِالْخَيْلِ(٣) الَّتِي قَدْ
أُضْمِرَتْ مِنَ الْحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ
تُضْمَرْ (٤) مِنَ الثَِّيَّةِ إِلَى مَسْجِدٍ بَنِي زُرَيْقٍ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٦/٢.
(٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢/ ١٠.
(٣) وفي نسخة: ((بين الخيل)).
(٤) وفي نسخة: ((لم تُضَمَّرْ)) بتشديد الميم، من التضمير.

٣١١
(٢٥) - بَابُ الْمُسَابَقَةِ بَيْنَ الْخَيْلِ، وَتَضْمِيرِهَا - حديث رقم (٤٨٣٥)
وقد تقدّموا في أول الباب الماضي، وهو من رباعيّات المصنّف ◌َظُّهُ،
وهو (٣٤٦) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﴿يَا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ سَابَقَ)؛ أي: أمر بالسباق، أو
أباحه، قال القرطبيّ تَخّْتُهُ: المسابقة: مفاعلة، ولا تكون إلا من اثنين، وذلك
أن المتسابقين إذا جَعَلا غاية، وقصدا نحوها، فإن خيل كل واحد منهما يسابق
صاحبه إليها. انتهى(١).
(بِالْخَيْلِ) وفي بعض النسخ: ((بين الخيل))، (الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ) بالبناء
للمفعول، من الإضمار، ويجوز أيضاً أن يكون ضُمِّرت ((من التضمير، يقال:
ضَمَرَ الفَرَسُ ضُمُوراً، من باب قَعَد، وضَمُر ضُمْراً، مثلُ قَرُبَ قُرْباً: دَقَّ، وقَلَّ
لحمه، وضَمّرته، وأضمرته: أعددته للسِّبَاقِ، وهو أن تَعْلِفه قُوتاً بعد السِّمَنِ،
فهو ضامرٌ، وخيلٌ ضامرةٌ، وضوامر، والْمِضمار: الموضع الذي تُضمر فيه
الخيل، قاله الفيّوميّ(٢).
وقال القرطبيّ: إضمار الخيل هو أن تُسَمَّن، وتصان، ثم يُقَلّل عَلَفها، ثم
يُجرى على التدريج، وتُجَلَّل؛ ليجفّ عرقها، فتتصلب بفعل ذلك بها، حتى
يذهب لحمها، وتبقى فيها القوّة، والموضع الذي تضمّر فيه يسمى مضماراً.
(٣)
انتھی"
٠
وقال في ((الفتح)): المراد بالإضمار: أن تُعْلَف الخيل حتى تَسْمَن،
وتَقْوَى، ثم يُقَلَّل علفها بقدر القوت، وتُدخَل بيتاً، وتُغشَى بالجلال، حتى
تَحْمَى، فَتَعْرَق، فإذا جَفَّ عرقها خَفّ لحمها، وقَوِيَت على الْجَرْىٍ. انتهى (٤).
(مِنَ الْحَفْيَاءِ) - بفتح الحاء المهملة، وسكون الفاء، ممدوداً، وزان
حَمْراء، ويُقصَر -: موضع بظاهر المدينة، ويقال: بتقديم الياء على الفاء(٥).
(١) ((المفهم)) ٧٠٠/٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٦٤/٢.
(٣) ((المفهم)) ٣/ ٧٠٠.
(٤) ((الفتح)) ١٤٧/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٨٧٠).
(٥) راجع: ((المصباح)) ١٤٣/١، و((القاموس)) ص٣٠٦.

٣١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((من الحفياء إلى ثنية الوداع)): هي بحاء
مهملة، وفاء ساكنة، وبالمد والقصر، حكاهما القاضي، وآخرون، والقصر
أشهر، والحاء مفتوحة بلا خلاف، وقال صاحب ((المطالع)): وضَبَطه بعضهم
بضمها، قال: وهو خطأ، قال الحازميّ في ((المؤتلف)): ويقال فيها أيضاً:
الحيفاء بتقديم الياء على الفاء، والمشهور المعروف في كتب الحديث وغيرها :
الحفياء، قال سفيان بن عيينة: بين ثنية الوداع والحفياء خمسة أميال، أو ستة،
وقال موسى بن عقبة: ستة، أو سبعة، وأما ثنية الوداع: فهي عند المدينة،
سُمِّيت بذلك؛ لأن الخارج من المدينة يَمشي معه المودِّعون إليها. انتهى(١).
(وَكَانَ أَمَدُهَا)؛ أي: غايتها (َنِيَّةَ الْوَدَاعِ) ((الثنيّة)) لغةً: الطريق إلى العقبة،
قال القرطبيّ: وبين الحفياء وثنية الوداع خمسة أميال، أو ستة، على ما قاله
سفيان، وقال ابن عقبة: ستة أميال، أو سبعة، وسمّيت ثنيةُ الوداع بذلك؛ لأن
الخارج منها يُؤَدِّعُ مُشَيِّعهُ عندها، وهي التي قالت فيها نساء الأنصار، فيما
یخگی:
طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعِ
يَعْنُون بذلك النبيّ وَّ﴾، وبين الثنية ومسجد بني زُرَيق ميل واحد.
(٢)
انتھی
(وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ) تقدّم أنه من الإضمار، أو التضمير،
(مِنَ الثَِّيَّة) ((أل)) فيه عهديّة؛ أي: ثنّة الوداع المذكورة (إِلَى مَسْجِدٍ بَنِي زُرَيْقٍ) .
بضمّ الزاي، وفتح الراء آخره قاف - بصيغة التصغير، وبنو زُريق بطن من
الأنصار، من الخزرج، وهو زُريق بن عامر بن زُريق بن عبد حارثة بن مالك بن
غضب بن جُشَم بن الْخَزْرَج(٣).
(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) ﴿َّا (فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا)؛ أي: بالخيل التي لم تُضمر،
وفي رواية حمّاد، وابن عليّة التالية: ((قال عبد الله: فجئت سابقاً، فطفّف بي
الفرس المسجد))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) (شرح النوويّ)) ١٤/١٣.
(٣) ((اللباب)) ٦٥/٢، و((الأنساب)) ١٤٦/٣ - ١٤٧.
(٢) ((المفهم)) ٢٣/٣.

٣١٣
(٢٥) - بَابُ الْمُسَابَقَةِ بَيْنَ الْخَيْلِ، وَتَضْمِيرِهَا - حديث رقم (٤٨٣٥)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﴿ها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨٣٥/٢٥ و٤٨٣٦] (١٨٧٠)، و(البخاريّ) في
((الصلاة)) (٤٢٠) و((الجهاد)) (٢٨٦٨ و٢٨٦٩ و٢٨٧٠)، و(أبو داود) في
((الجهاد)) (٢٥٧٧)، و(الترمذيّ) في ((الجهاد)) (١٦٩٩)، و(النسائيّ) في ((الخيل))
(٢٢٦/٦) و((الكبرى)) (٤١/٣)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد)) (٢٨٧٧)، و(مالك)
في ((الموطأ)) (٤٦٧/٢ - ٤٦٨)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٩٦٩٥)،
و(أحمد) في («مسنده)) (٥/٢ و١١ و٥٦)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢١٢/٢)،
و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٤٦٨٦ و٤٦٨٧)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير))
(١٣٤٥٩)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (٣٩٤/٢)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (٤٤٠/٤ و٤٤١ و٤٤٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٠٩/١٠)،
و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢٩٩/٤ - ٣٠٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٠/
١٩)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٦٥٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز المسابقة بين الخيل، وهو مجمع عليه، وذلك مما
خُصّ، وخَرَج من باب القمار بالسُّنَّة الواردة فيه، وكذلك هو خارج من باب
تعذيب البهائم؛ لأن الحاجة إليها تدعو إلى تأديبها، وتدريبها .
وقال في ((الفتح)): في الحديث مشروعية المسابقة، وأنه ليس من العبث،
بل من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو، والانتفاع
بها عند الحاجة، وهي دائرة بين الاستحباب والإباحة، بحسب الباعث على
ذلك.
قال القرطبيّ: لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من
الدواب، وعلى الأقدام، وكذا الترامي بالسهام، واستعمال الأسلحة؛ لِمَا في
ذلك من التدريب على الحرب. انتهى (١).
(١) ((الفتح)) ١٤٧/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٨٧٠).

٣١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
وقال النوويّ: اختلف العلماء في أن المسابقة بينهما مباحة، أم مستحبة؟
ومذهب أصحابنا أنها مستحبة؛ لِمَا ذكرناه، وأجمع العلماء على جواز المسابقة
بغير عوض، بين جميع أنواع الخيل: قويِّها مع ضعيفها، وسابقها مع غيره،
سواء كان معها ثالث أم لا، فأما المسابقة بعِوَض فجائزة بالإجماع، لكن
يشترط أن يكون العوض من غير المتسابقين، أو يكون بينهما، ويكون معهما
محلِّل، وهو ثالثٌ على فرس مكافئ لفرسيهما، ولا يُخرج المحلِّل من عنده
شيئاً؛ لِيَخْرج هذا العقد عن صورة القمار، وليس في هذا الحديث ذِکر عِوَض
في المسابقة. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): وقد أجمع العلماء كما تقدّم على جواز المسابقة بغير
عوض، لكن قَصَرها مالك، والشافعيّ على الخفّ، والحافر، والنصل، وخصّه
بعض العلماء بالخيل، وأجازه عطاء في كل شيء، واتفقوا على جوازها بِعِوَض
بشرط أن يكون من غير المتسابقين؛ كالإمام، حيث لا يكون له معهم فرس،
وجوّز الجمهور أن يكون من أحد الجانبين من المتسابقين، وكذا إذا كان معهما
ثالث محلل بشرط أن لا يُخرج من عنده شيئاً؛ ليخرج العقد عن صورة القمار،
وهو أن يُخرج كل منهما سَبَقاً، فمن غلب أخذ السبقين، فاتفقوا على منعه،
ومنهم من شرط في المحلّل أن يكون لا يتحقق السبق في مجلس السبق.
انتھی .
٢ - (ومنها): بيان أن المسابقة بين الخيل يجب أن يكون أمدها معلوماً،
وأن تكون الخيل متساوية الأحوال، أو متقاربة، وأن لا يُسابَق بالمضمَّر مع غير
المضمَّر.
٣ - (ومنها): جواز تضمير الخيل، وهو مجمع عليه أيضاً؛ للمصلحة في
ذلك، وتدريب الخيل، ورياضتها، وتمرّنها على الجري، وإعدادها لذلك؛
لينتفع بها عند الحاجة في القتال كرَّاً وفَرّاً .
قال في ((الفتح)): ولا يخفى اختصاص استحبابه بالخيل المعدّة للغزو.
انتھی .
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤/١٣.

٣١٥
(٢٥) - بَابُ الْمُسَابَقَةِ بَيْنَ الْخَيْلِ، وَتَضْمِيرِهَا - حديث رقم (٤٨٣٦)
٤ - (ومنها): بيان مشروعية الإعلام بالابتداء والانتهاء عند المسابقة.
٥ - (ومنها): أن فيه نسبةَ الفعل إلى الآمر به؛ لأن قوله: ((سابق))؛ أي:
أمر، أو أباح.
٦ - (ومنها): أن فيه أن المراد بالمسابقة بالخيل كونها مركوبةً، لا مجرد
إرسال الفرسين بغير راكب؛ لقوله في الحديث: ((وأن عبد الله بن عمر كان
فيمن سابق بها))، قال الحافظ: كذا استدلّ به بعضهم، وفيه نظرٌ؛ لأن الذي لا
يشترط الركوب لا يمنع صورة الركوب، وإنما احتجّ الجمهور بأن الخيل لا
تهتدي بأنفسها لقصد الغاية بغير راكب، وربما نَفَرت، وفيه نظر؛ لأن الاهتداء
لا يختص بالركوب، فلو أن السائس كان ماهراً في الجري، بحيث لو كان مع
كل فرس ساع يَهديها إلى الغاية لأمكن.
٧ - (ومنها): بيان جواز إضافة المسجد إلى قوم مخصوصين، وقد ترجم
له البخاريّ بذلك في ((كتاب الصلاة))، فقال: ((باب هل يقال: مسجد بني
فلان؟))، ثم أورد حديث الباب، قال في ((الفتح)): ويلتحق به جواز إضافة
أعمال البرّ على أربابها، قال: والجمهور على الجواز، والمخالف في ذلك
إبراهيم النخعيّ، فيما رواه ابن أبي شيبة عنه أنه كان يكره أن يقول: مسجد بني
فلان، ويقول: مصلَّى بني فلان؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]،
وجوابه أن الإضافة في مثل هذا إضافة تمييز، لا إضافة ملك. انتهى (١).
٨ - (ومنها): أن فيه جوازَ معاملة البهائم عند الحاجة بما يكون تعذيباً لها
في غير الحاجة؛ كالإجاعة، والإجراء.
٩ - (ومنها): أن فيه تنزيلَ الخَلق منازلهم؛ لأنه وَل و غاير بين منزلة
المضمَّر وغير المضمَّر، ولو خَلَطَهما لأتعب غير المضمر(٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٣٦] (.) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ
سَعِيدٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ،
(١) ((الفتح)) ٧٧/٢، كتاب ((الصلاة)).
(٢) ((الفتح)) ١٤٧/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٨٧٠).

٣١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ - عَنْ أَيُّوبَ (ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا
أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى،
وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْنَى - وَهُوَ الْقَطَّانُ - جَمِيعاً عَنْ عُبَيْدِ الله (ح)
وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،
عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَمَيَّةَ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
ابْنُ جُرَيْجِ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا هَاَرُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيَّلِيُّ، حَدَّثَنَا
ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ - يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ - كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ،
بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، وَزَادَ فِي حَدِيثٍ أَيُّوبَ، مِنْ رِوَّايَةِ حَمَّادٍ، وَابْنِ
عُلَيَّةَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَجِئْتُ سَابِّقاً، فَطَفَّفَ بِي الْفَرَسُ الْمَسْجِدَ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة وثلاثون:
١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَام) بن ثعلب البزّار المقرىء البغداديّ، ثقةٌ، له
اختيارات في القراءة [١٠] (ت٢٢٩) (مد) تقدّم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ
ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠١) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٥١/٦.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بن يحيى اليشكريّ، أبو قُدامة السّرخسيّ، نزيل
نيسابور، ثقةٌ مأمون سنّيّ [١٠] (ت٢٤١) (خ م س) تقدّم في ((المقدمة)) ٣٩/٦.
٤ - (يَحْيَى الْقَطَّانُ) بن سعيد التميميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ
حافظٌ إمام قدوةٌ، من كبار [٩] (ت١٩٨) وله (٧٨) سنةً (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة) ج١ ص٣٨٥.
٥ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ) الضبيّ، تقدّم قريباً.
٦ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ) بن عمرو بن سعيد بن العاص الأمويّ المكيّ،
ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت١٤٤) أو قبلها (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣٢.
٧ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحِمْيريّ، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ

٣١٧
(٢٥) - بَابُ الْمُسَابَقَةِ بَيْنَ الْخَيْلِ، وَتَضْمِيرِهَا - حديث رقم (٤٨٣٦)
حافظٌ مصنّفٌ شهيرٌ، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١) وله
(٨٥) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٨ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكيّ، تقدّم
قريباً .
٩ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم، المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ،
إمام في المغازي [٥] (ت١٤١)، أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١.
١٠ - (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) الليثيّ مولاهم، أبو زيد المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٧]
(١٧٣)، وهو ابن بضع و(٧٠) (خت م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٨٥/٤٢.
والباقون تقدّموا في الباب، والأبواب الأربعة الماضية.
[تنبيه]: قوله: (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عن
نافع، عن ابن عمر) قال الحافظ أبو عليّ الْغسّانيّ رَّتُهُ: هكذا هو في الكتاب
من جميع الطرق التي رويناه بها، وذكره أبو مسعود الدمشقيّ عن مسلم، عن
زُهير بن حرب، عن إسماعيل ابن عُليّة، عن أيوب، عن ابن نافع، عن نافع،
عن ابن عمر، بمثل حديث مالك، فزاد في الإسناد: ((ابن نافع))، قال: والذي
قاله أبو مسعود محفوظ عن جماعة، من أصحاب ابن عليّة.
قال الدارقطنيّ في ((كتاب العلل)) - وذَكَر هذا الحديث -: يرويه أحمد بن
حنبل، وعليّ ابن المدينيّ، وداود بن رُشيد، عن ابن عُليّة، عن أيوب، عن ابن
نافع، عن نافع، عن ابن عمر.
وهذا شاهد لِمَا ذكره أبو مسعود عن مسلم، عن زُهير، عن ابن عُليّة.
قال الدارقطنيّ: وخالفهم مسدّد، وزياد بن أيوب، روياه عن ابن عُليّة،
عن أيوب، عن نافع، لم يذكرا بينهما أحداً، قال: وكذلك رواه حاتم بن
وَرْدان، عن أيوب، عن نافع.
قال الجيّانيّ: حدّثنا أحمد بن عُمر الْعُذريّ، نا أبو ذرّ الْهَرَويّ، قال: نا
أبو الحسن الدارقطنيّ، قال: نا عبد الله بن محمد الْبَغَويّ، قال: نا داود بن
رُشيد، نا إسماعيل بن إبراهيم، قال: نا أيوب، عن ابن نافع، عن نافع، عن
ابن عُمر، قال: (سَبّق رسول الله وَل بين الخيل ... )) الحديث. انتهى كلام

٣١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
الجيّانيّ ◌َثُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن كلا الطريقين محفوظان،
طريق ابن عليّة، عن أيوب، عن ابن نافع، عن نافع، وطريقه أيضاً عن أيوب،
عن نافع، فيحتمل أن يكون أيوب رواه عن ابن نافع، ثم سمعه عن نافع، أو
سمعه عن نافع، فثبّته ابن نافع؛ وذلك لأن الذين أدخلوا ابن نافع، وإن كانوا
أكثر؛ إلا أن الذين أسقطوه أيضاً جماعة، وهم: مسدّد، وزياد بن أيوب،
وهما حافظان مشهوران، وتابع ابن علّية على ذلك حاتمُ بن وَرْدان.
وبالجملة فالحديث مشهور عن أيوب، عن نافع من رواية ابن عليّة هذه،
ومن رواية حمّاد بن زيد، كما أخرجه مسلم قبلها، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِع ... إلخ) أشار به إلى الستة الذين هم:
الليث بن سعد، وأيوب السختيانيّ وعبيد الله العمريّ، وإسماعيل بن أُميّة،
وموسى بن عقبة، وأسامة بن زيد الليثيّ، ستّتهم رووا هذا الحديث عن نافع،
عن ابن عمر رضيها بمعنى حديث مالك بن أنس المذكور قبله.
[تنبيه]: إسناد الليث بن سعد من رباعيّات المصنّف، وهو (٣٤٧) من
رباعيّات الكتاب، وباقي الأسانيد من خماسيّاته، إلا إسناد موسى بن عقبة،
فمن سداسيّاته.
وقوله: (فَطَفَّفَ بِي الْفَرَسُ الْمَسْجِدَ)؛ أي: جاوز بي المسجد الذي كان
هو الغاية، وأصل التطفيف مجاوزة الحدّ، قاله في (الفتح))(٢).
وقال النوويّ: قوله: ((فطفّف بي الفرسُ المسجدَ))؛ أي: علا، ووثَبَ إلى
المسجد، وكان جداره قصيراً، وهذا بَعْد مجاوزته الغاية؛ لأن الغاية هي هذا
المسجد، وهو مسجد بني زُريق، قاله النوويّ(٣).
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((فطفّف بي الفرسُ))؛ أي: زاد على الغاية
المفروضة، وأصل التطفيف: العلوّ، ومجاوزة الحدّ، ومنه قالوا: طفّف كذا؛
(١) ((تقييد المهمل)) ٨٨٦/٣ - ٨٨٧.
(٢) ((الفتح)) ١٤٧/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٨٧٠).
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٦/١٣.

٣١٩
(٢٥) - بَابُ الْمُسَابَقَةِ بَيْنَ الْخَيْلِ، وَتَضْمِيرِهَا - حديث رقم (٤٨٣٦)
أي: علا، وإناءٌ طفّانٌ؛ أي: علا ما فيه، ومنه التطفيف في الكيل، فإنه إذا
أخذ لنفسه، فقد علا على الحقّ، وإذا نقص غيره، فقد أعلى حقّه على حقّه.
(١)
انتھی(١).
[تنبيه]: رواية الليث بن سعد، عن نافع ساقها البخاريّ تَظّتُهُ في
((صحيحه))، فقال:
(٢٧١٤) - حدّثنا أحمد بن يونس، حدّثنا الليث، عن نافع، عن
عبد الله تَظُبه أن رسول الله وَل سابق بين الخيل التي لم تضمر، وكان أمدها
من الثنية إلى مسجد بني زريق، وأن عبد الله بن عمر كان سابق بها. انتهى(٢).
ورواية حمّاد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، ساقها البيهقيّ دَّثُهُ في
((الكبرى))، فقال:
(١٩٥٥٢) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر بن إسحاق إملاءً،
أنبأ أبو مسلم، ثنا سليمان بن حرب (ح) قال: وأنبأ محمد بن أيوب، أنبأ
سليمان العتكيّ، قالا: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن
عمر رضيها أن رسول الله وَّهِ سَبَّق بين الخيل، فجعل غاية المضمرات من الحفيا
إلى ثنية الوداع، وما لم يضمر من الثنية إلى مسجد بني زُريق، قال ابن
عمر لطّها: جئت سابقاً، فطَفَّف بي الفرسُ المسجدُ. لفظ حديث ابن حرب،
رواه مسلم في ((الصحيح)) عن سليمان العتكيّ. انتهى(٣).
وأما رواية إسماعيل ابن عليّة، عن أيوب، عن نافع، فقد ساقها الإمام
أحمد تَخْتُ في ((مسنده))، فقال:
(٤٤٨٧) - حدّثنا عبد الله (٤)، حدّثني أبي، ثنا إسماعيل، أنا أيوب، عن
نافع، عن ابن عمر، قال: سَبَّق رسول الله وَّه بين الخيل، فأرسل ما ضُمِّر
منها من الحفياء، أو الحيفاء إلى ثنية الوداع، وأرسل ما لم يُضَمَّر منها من ثنية
الوداع إلى مسجد بني زريق، قال عبد الله: فكنت فارساً يومئذ، فسَبَقت
(١) «المفهم)) ٧٠٢/٣ - ٧٠٣.
(٣) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ١٩/١٠.
(٤) هو: ولد الإمام أحمد، راوي ((المسند)) عنه.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ٣/ ١٠٥٣.

٣٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
الناس، طَفَّف بي الفرسُ مسجدَ بني زريق. انتهى(١).
وأما رواية عبد الله بن نُمير، عن عبيد الله العمريّ، عن نافع، فقد ساقها
ابن ماجه تَخْلَتُ في ((سننه))، فقال:
(٢٨٧٧) - حدّثنا عليّ بن محمد، ثنا عبد الله بن نمير، عن عبيد الله،
عن نافع، عن ابن عمر، قال: ضَمَّر رسول الله وَّ ر الخيل، فكان يرسل التي
ضُمِّرت من الحفياء إلى ثنية الوداع، والتي لم تُضَمَّر من ثنية الوداع إلى مسجد
بني زريق. انتهى (٢).
وأما رواية أبي أسامة، عن عبيد الله العمريّ، عن نافع، فقد ساقها أبو
عوانة دخْثُ في ((مسنده))، فقال:
(٧٢٤٧) - حدّثنا الحسن بن عفّان، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنا
عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله وَّ﴾ٍ ضَمَّر الخيلَ،
فأرسلها من الحفياء، وما كان غير مُضَمَّر أرسله من الثنية إلى مسجد بني
(٣)
زُريق. انتهى(٣).
وأما رواية يحيى القطّان، عن عبيد الله العمريّ، عن نافع، فقد ساقها
الدار قطنيّ تَكْثُ في ((سننه))، فقال:
(٣) - حدّثنا عليّ بن عبد الله بن مبشر، نا أحمد بن سنان القطان،
حدّثني يحيى بن سعيد (ح) ونا عليّ بن عبد الله بن مبشر، ويعقوب بن محمد بن
عبد الوهاب، قالا: نا حفص بن عمرو (ح) ونا أبو بكر يعقوب بن إبراهيم
البزاز، نا عُمَر بن شَبَّة، قالا: نا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر،
أخبرني نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله وَّ ﴿ سابق بين الخيل المضمّرة منها
من الحفياء إلى ثنية الوداع، والتي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني
زريق. انتهى (٤).
وأما رواية سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أميّة، عن نافع، فقد ساقها
الإمام أحمد تَكْتُ في ((مسنده))، فقال:
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٥/٢.
(٣) ((مسند أبي عوانة)) ٤٤١/٤.
(٢) ((سنن ابن ماجه)) ٢ / ٩٦٠.
(٤) ((سنن الدارقطنيّ)) ٢٩٩/٤.