النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
(١٣) - بَابُ وُجُوب مُلَازَمَةٍ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٨٤)
يَقُولُ: ((مَنْ خَلَعَ بَدأَ مِنْ طَاعَةٍ، لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ
وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِينَةً جَاهِلِيَّةً))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) البصريّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان، تقدّم أيضاً قبل باب.
٣ - (عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ زَيْدٍ) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العمريّ
المدنيّ، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٢/٥.
٤ - (زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب، أخو عاصم(١)
الراوي عنه، ثقةٌ [٧] (م س) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٦٧٨/١٥.
٥ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر المدنيّ، تقدّم قريباً.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﴿هَا، تقدّم أيضاً قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف رَُّ، وأنه مسلسل بالمدنيين من عاصم، وفيه
رواية الأخ عن أخيه: عاصم، عن زيد، وفيه عبد الله بن عمر ظها أحد العبادلة
الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثاً.
شرح الحديث:
(عَنْ نَافِعِ) مولى ابن عمر أنه (قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن
ـَّ (إِلَّى عَبْدِ اللهِ بْنِ مُطِيعٍ)(٢) بن الأسود العدويّ المدنيّ، له رؤية،
الخطّاب
(١) فقول الشيخ الهرريّ: عن جدّه زيد بن محمد غلط، فإنه أخوه، وأما جدّه فهو
زيد بن عبد الله بن عمر، لا زيد بن محمد، فليُتنّه.
(٢) عبد الله بن مطيع هذا كان ممن خلع يزيد بن معاوية، وخرج عليه، وكان يوم الحرّة
قائد قريش، كما كان عبد الله بن حنظلة قائد الأنصار، إذ خرج أهل المدينة لقتال
مسلم بن عقبة الْمُرّيّ الذي بعثه يزيد لقتال أهل المدينة، وأخذهم بالبيعة له، فلما
ظفر أهل الشام بأهل المدينة انهزم عبد الله بن مطيع، ولحق بابن الزبير بمكة،
وشهد معه الحصر الأول، وبقي معه إلى أن حَصَر الحجاجُ ابنَ الزبير، فقاتل ابن
مطيع معه يومئذ، وهو يقول:

١٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
وكان رأس قريش يوم الحرّة، وأمّره ابن الزبير على الكوفة، ثم قُتل معه سنة
(٧٣)، وتقدّمت ترجمته في ((الجهاد والسِّيَر) ٤٦١٨/٣١.
(حِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَرَّةِ مَا كَانَ)؛ أي: حين وقع من قصّة وقعة الحرّة
الذي وقع، فـ(ما)) موصولة، و((كان)) تامّة، بمعنى وقع، و((الْحَرّة)) بفتح الحاء
المهملة، وتشديد الراء: أرض ذات حجارة سُود، والجمع حِرَارٌ، مثلُ كَلْبة
وكلابٍ، وقال في ((القاموس)) ما حاصله: والحرّة: موضع بظاهر المدينة،
تحت واقم، وبها كانت وقعة الحرّة أيام يزيد بن معاوية. انتهى(١).
وحاصل ملخّص قصّة وقعة الحرة: هو ما ذكره الحافظ ابن كثير في
((تاريخه)): قال: وكان سببها أن أهل المدينة لَمّا خلعوا يزيد بن معاوية، وولّوا
على قريش عبد الله بن مطيع، وعلى الأنصار عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر،
فلما كان في أول هذه السنة أظهروا ذلك، واجتمعوا عند المنبر، فجعل الرجل
منهم يقول: قد خلعت يزيد كما خلعت عمامتي هذه، ويلقيها عن رأسه، ويقول
الآخر: قد خلعته كما خلعت نعلي هذه، حتى اجتمع شيء كثير من العمائم،
والنعال هناك، ثم اجتمعوا على إخراج عامل يزيد من بين أظهرهم، وهو
عثمان بن محمد بن أبي سفيان ابن عمّ يزيد، وعلى إجلاء بني أمية من
المدينة، فاجتمعت بنو أمية فى دار مروان بن الحكم، وأحاط بهم أهل المدينة
يحاصرونهم، واعتزل الناسَ عليُّ بنُ الحسين زين العابدين، وكذلك عبد الله بن
عمر بن الخطاب، لم يخلعا يزيد، ولا أحدٌ من بيت ابن عمر، وقد قال ابن
عمر لأهله: لا يخلعنّ أحد منكم يزيد، فتكون الفيصل بيني وبينه، وأنكر على
أهل المدينة في مبايعتهم لابن مطيع، وابن حنظلة على الموت، وقال: إنما كنا
نبايع رسول الله ﴿ ﴿ ﴿ على أن لا نَفِرٌ، وكذلك لم يخلع يزيد أحدٌ من بني
عبد المطلب، وقد سئل محمد ابن الحنفية في ذلك، فامتنع من ذلك أشدّ
الامتناع، وناظَرَهم، وجادَلهم في يزيد، وردّ عليهم ما اتهموا يزيد به من شرب
= أَنَا الَّذِي فَرَرْتُ يَوْمَ الْحَرذَهْ
يَا حَبَّذَا الْكَرَّةُ بَعْدَ الْفَرَّةْ
(١) راجع: ((القاموس المحيط)) ص٢٧٧.
وَالْحُرُّ لَا يَفِرُّ إِلَّ مَرَّةْ
لأَجْزِيَنَ فَرَّةٌ بِكَرَّةْ

١٨٣
(١٣) - بَابُ وُجُوب مُلَزَمَةٍ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٨٤)
الخمر، وتَرْكه بعض الصلوات، وكتب بنو أمية إلى يزيد بما هم فيه من
الحصر، والإهانة، والجوع، والعطش، وإنه إن لم يبعث إليهم مَن ينقذهم مما
هم فيه، وإلا استُؤصلوا عن آخرهم، وبعثوا ذلك مع البريد، فلما قَدِم بذلك
على يزيد وجده جالساً على سريره، ورجلاه في ماء، يتبرّد به مما به من
النِّقْرِس(١) في رجليه، فلما قرأ الكتاب انزعج لذلك، وقال: ويلك ما فيهم
ألف رجل؟ قال: بلى، قال: فهل لا قاتلوا ساعةً من نهار، ثم بعث إلى
عمرو بن سعيد بن العاص، فقرأ عليه الكتاب، واستشاره فيمن يبعثه إليهم،
وعَرَض عليه أن يبعثه إليهم، فأبى عليه ذلك، وقال: إن أمير المؤمنين عزلني
عنها، وهي مضبوطة، وأمورها مُحْكَمة، فأما الآن فإنما دماء قريش تراق
بالصعيد، فلا أحب أن أتولى ذلك منهم، ليتولَّ ذلك من هو أبعد منهم مني،
قال: فبعث البريدَ إلى مسلم بن عقبة المزنيّ، وهو شيخ كبير، ضعيف، فانتَدَب
لذلك، وأرسل معه يزيد عشرة آلاف فارس، وقيل: اثنا عشر ألفاً، وخمسة
عشر ألف راجل، وأعطى كل واحد منهم مائة دينار، وقيل: أربعة دنانير، ثم
استعرضهم، وهو على فرس له، قال المدائنيّ: وجعل على أهل دمشق
عبد الله بن مسعدة الفزاريّ، وعلى أهل حمص خُصين بن نُمير السَّكُونيّ،
وعلى أهل الأردنّ حُبيش بن دُلْجة القينيّ، وعلى أهل فلسطين رَوْح بن زِنْباع
الْجُذاميّ، وشَريك الكنانيّ، وعلى أهل قنسرين طريف بن الحسحاس الهلاليّ،
وعليهم جميعاً مسلم بن عقبة المزنيّ، من غَطَفان، وإنما يسميه السلف
مسرف بن عقبة، فقال النعمان بن بشير: يا أمير المؤمنين ولّني عليهم، أَكْفِك،
وكان النعمان أخا عبد الله بن حنظلة لأمه عمرة بنت رواحة، فقال يزيد: لا،
ليس لهم إلا هذا الغشمة(٢)، والله لأقتلنهم بعد إحساني إليهم، وعفوي عنهم
مرّةً بعد مرّة، فقال النعمان: يا أمير المؤمنين أنشدك الله فى عشيرتك، وأنصار
رسول الله وَيقر، وقال عبد الله بن جعفر: أرأيت إن رجعوا إلى طاعتك أتقبل
(١) ((النِّقْرِس)) بكسر النون والراء: ورَمٌ، ووجعٌ في مفاصل الكعبين، وأصابع الرجلين.
انتهى. ((القاموس))، بزيادة يسيرة من ((المصباح)).
(٢) ((الغَشَمَة)): الظالم.

١٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
منهم؟ قال: إن فعلوا فلا سبيل عليهم، وقال يزيد لمسلم بن عقبة: ادع القوم
ثلاثاً، فإن رجعوا إلى الطاعة فاقبل منهم، وكُفَّ عنهم، وإلا فاستعن بالله،
وقاتِلهم، وإذا ظهرت عليهم، فأبح المدينة ثلاثاً، ثم اكفُفْ عن الناس، وانظر
إلى عليّ بن الحسين، فاكفُف عنهَ، واستوص به خيراً، وأَذْنِ مجلسه، فإنه لم
يدخل في شيء مما دخلوا فيه، وأمَره إذا فرغ من المدينة أن يذهب إلى مكة
لحصار ابن الزبير، وقال له: إن حَدَث بك أمر، فعلى الناس حُصين بن نُمير
السَّكُونيّ، وقد كان يزيد كتب إلى عبد الله بن زياد أن يسير إلى ابن الزبير،
فيحاصره بمكة، فأبى عليه، وقال: والله لا أجمعهما للفاسق أبداً، أقتل ابن
بنت رسول الله وَ﴿، وأغزو البيت الحرام؟ وقد كانت أمه مُرْجانة قالت له حين
قَتَل الحسين: ويحك ماذا صنعتَ؟ وماذا رَكِبت؟ وعنّفته تعنيفاً شديداً.
قالوا: وسار مسلم بمن معه من الجيوش إلى المدينة، فلما اقترب منها
اجتهد أهل المدينة في حِصار بني أمية، وقالوا لهم: والله لنقتلنكم عن آخركم،
أو تعطونا موثقاً أن لا تدلُّوا علينا أحداً من هؤلاء الشاميين، ولا تمالئوهم
علينا، فأعطوهم العهود بذلك، فلما وصل الجيش تلقاهم بنو أمية، فجعل
مسلم يسألهم عن الأخبار فلا يخبره أحد، فانحصر لذلك، وجاءه عبد الملك بن
مروان، فقال له: إن كنت تريد النصر فانزل شرقيّ المدينة في الحرّة، فإذا
خرجوا إليك كانت الشمس فى أقفيتكم، وفي وجوههم، فادعهم إلى الطاعة،
فإن أجابوك، وإلا فاستعن بالله وقاتِلهم، فإن الله ناصرك عليهم؛ إذ خالفوا
الإمام، وخرجوا عن الطاعة، فشكره مسلم بن عقبة على ذلك، وامتثل ما أشار
به، فنزل شرقيّ المدينة في الحرّة، ودعا أهلها ثلاثة أيام كلّ ذلك يأبون، إلا
المحارَبة والمقاتلة، فلما مضت الثلاثة قال لهم في اليوم الرابع، وهو يوم
الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين، قال لهم: يا أهل
المدينة مضت الثلاث، وإن أمير المؤمنين قال لي: إنكم أصله وعشيرته، وإنه
يَكره إراقة دمائكم، وإنه أمرني أن أؤجلكم ثلاثاً، فقد مضت، فماذا أنتم
صانعون؟، أتسالمون أم تحاربون؟ فقالوا: بل نحارب، فقال: لا تفعلوا، بل
سالِموا، ونجعل جِدَّنا وقوّتنا على هذا الملحد، يعني: ابن الزبير، فقالوا: يا
عدو الله لو أردت ذلك لَمَا مكّناك منه، أنحن نذركم تذهبون، فتلحدون في

١٨٥
(١٣) - بَابُ وُجُوب مُلَازَمَةٍ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٨٤)
بيت الله الحرام؟ ثم تهيأوا للقتال، وقد كانوا اتخذوا خندقاً بينهم وبين ابن
عقبة، وجعلوا جيشهم أربعة أرباع، على كل رُبْع أمير، وجعلوا أجمل الأرباع
الربع الذي فيه عبد الله بن حنظلة الغسيل، ثم اقتتلوا قتالاً شديداً، ثم انهزم
أهل المدينة إليها، وقد قُتل من الفريقين خلق من السادات، والأعيان، منهم
عبد الله بن مطيع(١)، وبنون له سبعة بين يديه، وعبد الله بن حنظلة الغسيل،
وأخوه لأمه محمد بن ثابت بن شَمّاس، ومحمد بن عمرو بن حزم، وقد مَرَّ به
مروان، وهو مُجندل(٢)، فقال: رحمك الله، فكم من سارية قد رأيتك تطيل
عندها القيام والسجود.
ثم أباح مسلم بن عقبة الذي يقول فيه السلف: مسرف بن عقبة - قبّحه الله
من شيخ سَوْء، ما أجهله - المدينةَ ثلاثة أيام، كما أمَره يزيد، لا جزاه الله
خيراً، وقَتَل خَلْقاً من أشرافها، وقرائها، وانتَهَب أموالاً كثيرة منها، ووقع شرُّ
وفسادٌ عريض على ما ذكره غير واحد، فكان ممن قُتل بين يديه صبراً مَعْقِل بن
سِنَان، وقد كان صديقه قبل ذلك، ولكن أسمعه في يزيد كلاماً غليظاً، فَنَقِم
عليه بسببه، واستَدْعَى بعليّ بن الحسين، فجاء يمشي بين مروان بن الحكم،
وابنه عبد الملك ليأخذ له بهما عنده أماناً، ولم يَشْعُر أن يزيد أوصاه به، فلما
جلس بين يديه استدعى مروان بشراب، وقد كان مسلم بن عقبة حَمَل معه من
الشام ثَلْجاً إلى المدينة، فكان يشاب له بشرابه، فلما جيء بالشراب شَرِب
مروان قليلاً، ثم أعطى الباقي لعليّ بن الحسين ليأخذ له بذلك أماناً، وكان
مروان مُؤَادّاً لعليّ بن الحسين، فلما نظر إليه مسلم بن عقبة قد أخذ الإناء في
يده، قال له: لا تشرب من شرابنا؟ ثم قال له: إنما جئتَ مع هذين لتأمن
بهما، فارتعدت يد عليّ بن الحسين، وجعل لا يضع الإناء من يده، ولا
يشربه، ثم قال له: لولا أن أمير المؤمنين أوصاني بك لضربت عنقك، ثم قال
له: إن شئت أن تشرب فاشرب، وإن شئت دعونا لك بغيرها، فقال: هذا الذي
(١) وقيل: إنه لم يُقتل، بل هرب إلى ابن الزبير بمكة، حتى قُتل معه، كما أسلفنا
قصّته .
(٢) أي: صريع.

١٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
في كفي أريد، فشرب، ثم قال له مسلم بن عقبة: قم إلى ههنا، فاجلس،
فأجلسه معه على السرير، وقال له: إن أمير المؤمنين أوصاني بك، وإن
هؤلاء شغلوني عنك، ثم قال لعليّ بن الحسين: لعل أهلك فَزِعُوا؟ فقال:
إي والله، فأمر بدابته، فأسرجت، ثم حمله عليها، حتى ردّه إلى منزله
مكرماً، ثم استدعى بعمرو بن عثمان بن عفان، ولم يكن خرج مع بني
أمية، فقال له: إنك إن ظهر أهل المدينة قلت: أنا معكم، وإن ظهر أهل
الشام قلت أنا ابن أمير المؤمنين، ثم أَمر به، فنُتفت لحيته بين يديه، وكان
ذا لحية كبيرة.
قال المدائنيّ: وأباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثة أيام، يقتلون من وجدوا
من الناس، ويأخذون الأموال، ووقعوا على النساء، حتى قيل: إنه حبلت ألف
امرأة في تلك الأيام من غير زوج، والله أعلم.
قال المدائنيّ عن أبي قُرّة قال: قال هشام بن حسان: وَلَدت ألف امرأة
من أهل المدينة بعد وقعة الحرّة من غير زوج.
وقد اختفى جماعة من سادات الصحابة، منهم جابر بن عبد الله، وخرج
أبو سعيد الخدريّ، فلجأ إلى غار في جبل، فلحقه رجل من أهل الشام، قال:
فلما رأيته انتضيت سيفي، فقصدني، فلما رآني صَمَّم على قتلي، فَشِمْتُ سيفي،
ثم قلت: ﴿إِنَّ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَّأَ بِثْمِى وَإِنْكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاؤُاْ
الظَّالِمِينَ (٣٩)﴾ [المائدة: ٢٩]، فلما رأى ذلك قال: من أنت؟ قلت: أنا أبو سعيد
الخدريّ، قال صاحب رسول الله وَّر؟ قلت: نعم، فمضى وتركني.
قال المدائنيّ: وجيء إلى مسلم بسعيد بن المسيِّب، فقال له: بايع،
فقال: أبايع على سيرة أبي بكر وعمر، فأمر بضرب عنقه، فشهد رجل أنه
مجنون، فخلى سبيله.
قال المدائنيّ عن شيخ من أهل المدينة قال: سألت الزهريّ: كم كان
القتلى يوم الحرّة؟ قال: سبعمائة من وجوه الناس، من المهاجرين والأنصار،
ووجوه الموالي، وممن لا أعرف من حُرّ وعبد وغيرهم عشرة آلاف، قال:
وكانت الوقعة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وانتهبوا المدينة
ثلاثة أيام، قال الواقديّ وأبو معشر: كانت وقعة الحرّة يوم الأربعاء، لليلتين

١٨٧
(١٣) - بَابُ وُجُوب مُلَازَمَةٍ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٨٤)
بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين(١).
(زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ)؛ أي: وقت خلافته، وذلك سنة ثلاث وستين من
الهجرة .
قال في ((تهذيب التهذيب)): يزيد بن معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن
أمية بن عبد شمس، أبو خالد، وُلد في خلافة عثمان، وعَهِد إليه أبوه بالخلافة،
فبويع سنة ستين، وأبى البيعة عبد الله بن الزبير، ولاذ بمكة، والحسين بن عليّ،
ونَهَض إلى الكوفة، وأرسل ابن عمه مسلم بن عَقِيل بن أبي طالب ليبايع له بها،
فقتله عبيد الله بن زياد، وأرسل الجيوش إلى الحسين، فقُتل سنة إحدى وستين، ثم
خرج أهل المدينة على يزيد، وخلعوه في سنة ثلاث وستين، فأرسل إليهم مسلم بن
عقبة الْمُرّيّ، وأمره أن يستبيح المدينة ثلاثة أيام، وأن يبايعهم على أنهم خَوَل
وعَبيد ليزيد، فإذا فرغ منها نَهَض إلى مكة لحرب ابن الزبير، ففعل بها مسلم
الأفاعيل القبيحة، وقَتَل بها خَلقاً من الصحابة، وأبنائهم، وخيار التابعين، وأفحش
القضية إلى الغاية، ثم توجه إلى مكة، فأخذه الله تعالى قبل وصوله، واستَخْلَف
على الجيش حُصَين بن نُمير السَّكُوني فحاصروا ابن الزبير، ونصبوا على الكعبة
المنجنيق، فأدَّى ذلك إلى وَهْي أركانها، وَوَهْي بنائها، ثم أُحرقت، وفي أثناء
أفعالهم القبيحة، فجأهم الخبر بهلاك يزيد بن معاوية، فرجعوا، وكفى الله المؤمنين
القتال، وكان هلاكه في نصف ربيع الأول سنة أربع وستين، ولم يكمل الأربعين،
وأخباره مستوفاة في ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر، وليس له رواية تُعتمد.
وقال يحيى بن عبد الملك بن أبي غَنِيّة أحد الثقات: ثنا نوفل بن أبي
عَقْرب ثقةٌ، قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز، فذكر رجل يزيد بن معاوية،
فقال: أمير المؤمنين يزيد، فقال عمر: تقول: أمير المؤمنين يزيد؟! وأَمَر به،
فضُرِب عشرين سوطاً .
وليست له رواية في الكتب، إلا في ((مراسيل أبي داود))، كما نبّه عليه
الحافظ خُذْتُهُ(٢).
(١) راجع: ((البداية والنهاية)) لابن كثير ٣٠٧/٨ - ٣١٣.
(٢) راجع: (تهذيب التهذيب)) ٣١٦/١١.

١٨٨
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
(فَقَالَ) عبد الله بن مطيع (اطْرَحُوا لأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كنية عبد الله بن
عمر طّ، (وِسَادَةً) بالكسر؛ أي: مِخَذّة، (فَقَالَ) عبد الله بن عمر (إِنِّي لَمْ آتِكَ
لأَجْلِسَ، أَتَيْئُكَ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثاً سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَّه
يَقُولُ: ((مَنْ) شرطيّة، أو موصولة مبتدأ، (خَلَعَ)؛ أي: نزع (يَدأَ مِنْ طَاعَةٍ)؛ أي:
من طاعة وليّ الأمر الذي بايعه، قال الطيبيّ كَّثُ: قوله: ((من طاعة))؛ أي: أيّ
طاعة كانت، قليلةً، أو كثيرةً، ولَمّا كان وضع اليد كنايةً عن العهد، وإنشاء البيعة
لجري العادة على وضع اليد على اليد حالَ المعاهدة، كَنَى عن النقض بخلع اليد
ونَزْعها، يريد: مَن نَقَضَ العهد، وخلع نفسه عن بيعة الإمام، لقي الله تعالى
آئماً، لا عذر له. انتهى (١). (لَقِيَ) بكسر القاف، (اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ)؛
أي: لا حجة له في فعله، ولا عُذر له ينفعه. (وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ،
مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً))) قال القرطبيّ تَّتُهُ: تحديث ابن عمر ﴿ّ عبدَ الله بنَ مطيع
بهذا الحديث الذي سمعه من النبيّ وَل﴿ إنما كان ليبيّن له أنه لم ينكُث بيعة يزيد،
ولم يخلعها من عنقه مخافة هذا الوعيد الذي تضمّنه هذا الحديث. انتهى(٢).
وقال الأبيّ كَُّ في ((شرحه)): كان مذهب ابن عمر مَنْع القيام على
الإمام وخَلْعه إذا حَدَث فسقه بعد عقد البيعة له، فلذلك ذَكَر له الحديث،
والمنع من القيام هو مذهب الأكثرين، أو هو مذهب الجميع، كما ذكر ابن
مجاهد، واحتَجَّ من أجاز القيام والخروج بقيام الحسين، وابن الزبير بمكة،
وأهل المدينة على بني أميّة، واحتَجّ الأكثر للمنع بأنه ظاهر الأحاديث كما
ترى، وبأن القيام ربّما أثار فتنةً وقتلاً وانتهاك حرمة كما اتّفق ذلك في قضيّة
الحَرّة وغيرها .
وقيل: إن الخلاف كان في الصدر الأول، ثم انعقد الاتفاق على المنع.
[فإن قلت]: الخلاف إنما هو في الإمام العدل إذا حدث فسقه بعد انعقاد
الخلافة له، وأما الفاسق قبل عقدها فاتّفقوا على أنها لا تنعقد له، ويزيد كان
کذلك قبل انعقادها له.
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥٦٤/٨.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥٦٤/٨.

١٨٩
(١٣) - بَابُ وُجُوب مُلَازَمَةٍ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٨٥)
[قلت]: نعم لا يجوز عَقْدها ابتداءً للفاسق، فإن انعقدت، ووقعت
صارت بمنزلة من حَدَث فسقه بعد انعقادها له، فيُمنع القيام عليه، ويدلّ على
ذلك ذِكر ابن عمر الحديث في سياق التغيير والإنكار على عبد الله بن مطيع في
قیامه علی یزید، ویزید کان معلوماً بذلك قبل عقدها له، كما عُلم من حاله عند
ابن عمر وغيره. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر رضي هذا من أفراد
المصنّف رَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧٨٤/١٣ و٤٧٨٥ و٤٧٨٦] (١٨٥١)، و(أحمد)
في ((مسنده)) (٨٣/٢ و١١١ و١٥٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤١٦/٤)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٥٦/٨)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٨٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُكَيْرٍ،
حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ أَتَى ابْنَ مُطِيعٍ، فَذَكَرَ عَنِ النَّيِّ وَِّ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل بابين.
٢ - (يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُكَيْرٍ) القرشيّ المخزوميّ مولاهم، أبو زكريّا
المصريّ الحافظ، وقد يُنسب إلى جدّهَ، ثقةٌ في الليث، وتكلّموا في سماعه من
مالك، من كبار [١٠].
رَوَى عن مالك، والليث، وبكر بن مضر، وحماد بن زيد، وعبد الله بن
سويد المصريّ، وعبد الله بن لَهِيعة، ومغيرة بن عبد الرحمن الحزاميّ،
وغيرهم.
(١) ((شرح الأبيّ)) ٢٠٢/٥.

١٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
وروى عنه البخاريّ، وروى مسلم، وابن ماجه له بواسطة محمد بن
عبد الله، هو الذهليّ، ومحمد بن عبد الله بن نُمير، ومحمد بن إسحاق
الصغانيّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به، وكان يفهم هذا الشأن،
وقال النسائيّ: ضعيف، وقال في موضع آخر: ليس بثقة، وقال أبو داود:
سمعت يحيى بن معين يقول: أبو صالح أكثر كُتُباً، ويحيى بن بكير أحفظ منه،
وقال الساجيّ: قال ابن معين: سمع يحيى بن بكير ((الموطأ)) بعرض حَبِيب
كاتب الليث، وكان شَرَّ عَرْض، كان يقرأ على مالك خطوط الناس، ويصفح
ورقتين ثلاثةً، وقال يحيى: سألني عنه أهل مصر، فقلت: ليس بشيء، وقال
الساجيّ: هو صدوق، رَوَى عن الليث، فأكثر، وقال ابن عديّ: كان جار
الليث بن سعد، وهو أثبت الناس فيه، وعنده عن الليث ما ليس عند أحد،
وقال مسلمة بن قاسم: تُكُلِّم فيه؛ لأن سماعه من مالك إنما كان بعرض
حَبِيب، وقال الخليليّ: كان ثقةً، وتفرّد عن مالك بأحاديث، وقال البخاريّ في
((تاريخه الصغير)): ما روى ابن بكير عن أهل الحجاز في التاريخ، فإني
أنفيه(١)، وقال ابن قانع: مصريّ ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال:
مات في النصف من صفر سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وقال ابن يونس: كان
مولده سنة أربع وخمسين ومائة.
روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة
أحاديث، برقم (١٨٥١) و(٢٧٣٩) و(٢٧٨٥) و(٢٩٤٢).
٣ - (لَيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ الشهير، تقدّم قريباً.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ) المصريّ، أبو بكر الفقيه الكنانيّ، أو
الأمويّ مولاهم، قيل: اسم أبيه يسار، ثقةٌ فقيه عابدٌ [٥] (٢ أو ٤ أو ٥ أو
١٣٦) (ع) تقدّم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٣٠٦/٢٠.
٥ - (بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأَشَجِّ) المدنيّ، ثم المصريّ، تقدّم قريباً أيضاً.
والباقیان ذُكرا قبله.
(١) هكذا نسخة ((التهذيب)): ((أنفيه))، من النفي، ولعله: ((أتّقيه))، من الاتّقاء، فليُحرّر.

١٩١
(١٣) - بَابُ وُجُوب مُلَازَمَةٍ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٨٦)
[تنبيه]: رواية بكير عن نافع هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٨٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٌّ (ح) وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، قَالَا جَمِيعاً: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ
سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّي ◌َّهِ بِمَعْنَى حَدِيثٍ
نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بن بحر بن كَنِیز - بنون، وزاي - مكبّراً، أبو حفص
الفَلّاس الصيرفيّ الباهليّ البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت٢٤٩) تقدم في
((المقدمة)) ٣٨/٦.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ) هو: محمد بن عمرو بن عَبّاد بن جَبَلَة بن
أبي رَوّاد الْعَتَكيّ، أبو جعفر البصريّ، صدوقٌ [١١] (ت٢٣٤) (م د) تقدم في
((الإيمان)) ٣٤٨/٦٣.
٣ - (بِشْرُ بْنُ عُمَرَ) بن الحكم الزهرانيّ الأزديّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ
[٩] (ت ٧ أو ٢٠٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٣.
٤ - (هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ) أبو عبّاد، أو أبو سعد المدنيّ، صدوقٌ له أوهامٌ،
ورُمي بالتشيّع، من كبار [٧] (ت١٦٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان))
٨٧ / ٤٦٣.
٥ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدويّ، مولى عمر، أبو عبد الله، أو أبو أسامة
المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل [٣] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦/ ٢٥٠.
٦ - (أَبُوهُ) أسلم العدويّ، مولى عمر بن الخطاب المدنيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢]
(ت٨٠) وقيل: بعد سنة ستين، وهو ابن (١١٤) (ع) تقدم في ((الهبات)) ٤١٥٦/١.
والباقيان ذُكرا في الباب، و((ابن مهديّ)) هو: عبد الرحمن.
وقوله: (قَالَا جَمِيعاً) ضمير التثنية راجع لابن مهديّ، وبشر بن عمر.
[تنبيه]: رواية زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر طيبًا هذه ساقها أبو
عوانة تَخُّْ في ((مسنده))، فقال:

١٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
(٧١٥٥) - حدّثنا عمار بن رجاء، قال: ثنا أبو عامر الْعَقَديّ، قال: ثنا
هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: دخلت مع ابن عمر على
ابن مطيع، قال: مرحباً بأبي عبد الرحمن، ضَعُوا له وسادةً، فقال ابن عمر:
إنما جئتك لأحدثك حديثاً سمعته من رسول الله وَ له، سمعت رسول الله وعليه
يقول: ((مَن نَزَع يداً من طاعة، فإنه يأتي يوم القيامة، ولا حجة له، ومن مات،
وهو مفارق للجماعة، فإنه يموت ميتةً جاهليّةً)). انتهى(١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١٤) - (بَابُ حُكْم مَنْ فَرَّقَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مُجْتَمِعٌ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٨٧] (١٨٥٢) - (حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ
نَافِعٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، وَقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بَّنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَرْفَجَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ يَقُولُ: ((إِنَّهُ
سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ بُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَهِيَ(٢) جَمِيعٌ،
فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِناً مَنْ كَانَ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع) هو: محمد بن أحمد بن نافع العبديّ البصريّ،
صدوقٌ، من صغار [١٠] ماتَّ بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٨.
٢ - (زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ) - بكسر العين المهملة، وبالقاف - الثعلبيّ، أبو
مالك الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالنصب [٣] (ت١٣٥) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٢٠٨/٢٥.
٣ - (عَرْفَجَةُ) بن شُرَيح، ويقال: ضُريح، ويقال: ابن شَرِيك، ويقال:
ابن شَراحيل الأشجعيّ، صحابيّ، اختلف في اسم أبيه، روى عن النبيّ وَل
حديث الباب، وعن أبي بكر إن كان محفوظاً، وعنه زياد بن عِلاقة،
(١) ((مسند أبي عوانة)) ٤١٦/٤.
(٢) وفي نسخة: ((وهم)).

١٩٣
(١٤) - بَابُ حُكْم مَنْ فَرَّقَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مُجْتَمِعٌ - حديث رقم (٤٧٨٧)
وسليمان بن حازم الأشجعيّ، ووَقْدان أبو يعقوب العبديّ، وقيل: عن أبي عون
الثقفيّ، عن عَرْفجة السلميّ، عن أبي بكر الصديق
قال الحافظ: صحح ابن حبان أنه ابن شُريح، وفرّق ابن أبي خيثمة بين
عرفجة الأشجعيّ، راوي الحديث المذكور، وبين عرفجة الكنديّ، وأما
البخاريّ فجعلهما واحداً، وهو الصواب، وحكى ابن عبد البرّ في اسم أبيه
أيضاً: دُرَيْح، وقال: لا أعلم له غير هذين الحديثين. انتهى، وقد أورد له
العسكريّ في ((الصحابة)) حديثين غيرهما، والله أعلم. انتهى (١).
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا
هذا الحديث، وأعاده بعده.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َُّ، وأنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، وأن
صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا نحو حديثين، أو أربعة، كما تقدّم
آنفاً .
شرح الحديث:
(عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ) بكسر العين المهملة، وتخفيف اللام، وبقاف، أنه
(قَالَ: سَمِعْتُ عَرْفَجَةَ) بفتح العين المهملة، وسكون الراء، بعدها فاء، ابن
شُريح، وقيل غيره، كما أسلفته آنفاً. (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ:
((إِنَّهُ)؛ أي: إن الأمر والشأن، فالضمير للشأن، وقد سبق قريباً، (سَتَكُونُ هَنَاتٌ
وَهَنَاتٌ) وفي رواية النسائيّ: ((إنه سيكون بعدي هنات وهناتٌ)).
و((الهنات)): جمع هَنَة، وتُطلق على كل شيء، والمراد بها هنا الْفِتَن،
والشرور، والأمور الحادثة، والمعنى: أنه سيظهر في الأرض أنواع الفساد
والفتن لطلب الإمارة من كلّ جهة، وإنما الإمام من انعقدت له البيعة أوّلاً(٢).
وقال ابن الأثير ◌َُّ: ((هنات))؛ أي: شرور، وفساد، يقال: في فلان
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٩٠/٣ - ٩١.
(٢) راجع: ((المرقاة)) ٢٥٨/٧ - ٢٥٩.

١٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
هَنَاتٌ؛ أي: خصال شرّ، ولا يقال في الخير، وواحدها هَنَتْ، وقد تُجمع على
هَنَوَات، وقيل: واحدها هَنَةٌ تأنيث هَنٍ، وهو كناية عن كل اسم جنس لا تريد
أن تصرّح به؛ لشناعته. انتهى(١).
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: ((الهنات)): جمع هنة، وهي كناية عن نكرة؛ أيَّ
شيء كان كما تقدَّم، ويعني به: أنَّه سيكون أمور منكرة، وفتن عظيمة، كما قد
ظهر، ووُجد. انتهى(٢).
(فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَهِيَ) وفي بعض النسخ: ((وهم))،
(جَمِيعٌ)؛ أي: مجتمعون على إمام واحد، (فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ)؛ أي: اقتلوه
(كَائِناً مَنْ كَانَ)))؛ أي: أيّ شخص كان، سواء كان ممن يستحقّ الخلافة، أو
ممن لا يستحقّها، شريفاً كان، أو وضيعاً، عالماً كان أو جاهلاً.
وقال القرطبيّ كَّثُ: يعني أنه لا يُحترم لشرفه ونسبه، ولا يهاب لعشيرته
ونَشَبه(٣)، بل يبادَر بقتله قبل شِرَارة شَرِّه، واستحكام فساده، وعَدْوَى عُرِّه(٤).
انتھی(٥) .
وقال الطيبيّ رَّتُهُ: قوله: ((كائناً من كان)) حال فيه معنى الشرط؛ أي:
ادفعوا من خرج على الإمام بالسيف، وإن كان أشرف، وأعلم، وترون أنه أحقّ
وأَولى، قال: هذا المعنى أظهر في لفظة ((ما)) لأنه يجري حينئذ على صفة ذوي
[الشمس: ٧]؛ أي: عظيم
العلم، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّهَا (٣)
القدرة على الشأن. انتهى(٦).
زاد في رواية النسائيّ بعد قوله: ((فاقتلوه)) ما لفظه: ((فإن يد الله على
الجماعة، وإن الشيطان مع من فارق الجماعة يركُض)).
ومعنى ((يركض)): أنه يعدو، ويُسرع، وأصل الركض: تحريك الرِّجْل،
والدفع، واستحثاث الفرس للعدو، والمراد هنا: أنه يتغلغل بينهم، ويحثّهم بأن
يعادي بعضهم بعضاً، ويُسرع في الإفساد بينهم.
(١) ((النهاية في غريب الأثر)) ٢٧٨/٥.
(٣) أي: ماله.
(٢) ((المفهم)) ٤ / ٦٢.
(٤) ((الْعُرّ)): الْجَرَب.
(٥) ((المفهم)) ٤ /٦٣.
(٦) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥٦٦/٨.

١٩٥
(١٤) - بَابُ حُكْمٍ مَنْ فَرَّقَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مُجْتَمِعٌ - حديث رقم (٤٧٨٧)
وقال النوويّ تَّلُهُ: فيه الأمر بقتال مَن خرج على الإمام، أو أراد تفريق
كلمة المسلمين، ونحو ذلك، ويُنْهَى عن ذلك، فإن لم ينته قوتل، وإن لم يندفع
شرّه إلا بقتله، فقُتل كان هدراً، فقوله وَّ ه: ((فاضربوه بالسيف))، وفي الرواية
الأخرى: ((فاقتلوه))؛ معناه: إذا لم يندفع إلا بذلك. انتهى(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عرفجة
◌ُّ هذا من أفراد المصنّف نَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤ / ٤٧٨٧ و٤٧٨٨ و٤٧٨٩] (١٨٥٢)، و(أبو داود)
في ((السُّنّة)) (٤٧٦٢)، و(النسائيّ) في ((تحريم الدم)) (٩٢/٧ - ٩٣) و ((الكبرى)) (٢/
٢٩٢)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (١٢٢٤)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه))
(٢٠٧١٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٠٤/٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/
٢٦١ و٣٤١ و٢٣/٥ - ٢٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤١١/٤ و٤١٢ و٤١٣)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٤٠٦)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣٥٣/١٧ و٣٥٥
و٣٥٦ و٣٥٧ و٣٥٨ و٣٥٩ و٣٦٠ و٣٦٢ و٣٦٣ و٣٦٤) و((الأوسط)) (١١٤/٤
و١٤٢/٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٦٨/٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده(٢):
١ - (منها): بيان حكم من فرّق أمر المسلمين، وهم مجتمعون، وهو
وجوب قتله.
٢ - (ومنها): أن فيه عَلَماً من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ وَلّه بما
سیقع بعده، فوقع كما أخبر به.
٣ - (ومنها): إثبات اليد لله لل، على ما يليق بجلاله.
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٤١/١٢ - ٢٤٢.
(٢) المراد الفوائد التي اشتمل عليها الحديث برواياته المختلفة التي أشرت إليها في
الشرح، لا خصوص سياق المصنّف، فتنبّه.

١٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
٤ - (ومنها): أن فيه فضل الجماعة، وبركتهم، وأن عون الله تعالى،
ونصره لا يفارقهم.
٥ - (ومنها): بيان مضرّة التفرّق، واختلاف الكلمة، وأنه سبب لاستيلاء الشيطان
على المسلمين، فإنه يحبّ ذلك، حيث إن الجماعة، واتفاق الكلمة يصحبها عون الله
تعالى، ونَصْره، فهو يحبّ ضدّ ذلك، فيركُض مع من فارق جماعة المسلمين، ويكون
وليّهم، ﴿وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ، قَرِينًا فَسَآءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨]، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٨٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا حَبَّنُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ
(ح) وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ (ح)
وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ الْخَفْعَمِيُّ، حَدَّثَنَا
إِسْرَائِيلُ (ح) وَحَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ،
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُخْتَارِ، وَرَجُلٌ سَمَّهُ، كُلَّهُمْ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، عَنْ عَرْفَجَةَ،
عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعاً: «فَاقْتُلُوهُ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة عشر:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ) هو: أحمد بن الحسن بن خِرَاش البغداديّ، أبو
جعفر، صدوقٌ [١١] (ت٢٤٢) (م ت) تقدّم في ((الإيمان)) ٢٨٠/٤٢.
٢ - (حَبَّانُ) بن هلال، أبو حبيب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢١٦) (ع)
تقدّم في ((الإيمان)) ٣٢٢/٥٥.
٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضاح بن عبد الله اليشكريّ، تقدّم قريباً.
٤ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان،
وربما نُسب لجدّه، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م ت س ق) تقدّم في
((الإيمان)) ١١٨/٤.
٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام الْعَبْسيّ، أبو محمد الكوفيّ،
ثقةٌ، كان يتشيّع [٩] (ت٢١٣) على الصحيح (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ١١٨/٤.
٦ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ،
ثم الكوفيّ، ثقةٌ، صاحب كتاب [٧] (ت١٦٤) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ١١٨/٤.

١٩٧
(١٤) - بَابُ حُكْم مَنْ فَرَّقَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مُجْتَمِعٌ - حديث رقم (٤٧٨٨)
٧ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٨ - (الْمُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَام الْخَفْعَمِيُّ) مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ،
صدوقٌ له أوهامٌ [٩] (ت٢٠٣) (مَ ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٨/٤٤.
٩ - (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الْهَمْدانيّ، أبو يوسف الكوفيّ،
ثقةٌ، تُكُلّم فيه بلا حجة [٧] (ت ١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٢/ ٥٤٢.
١٠ - (حَجَّاجُ) بن أبي يعقوب يوسف بن حجّاج الثقفيّ البغداديّ المعروف
بابن الشاعر، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٥٩) (مد) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٤٠.
١١ - (عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ) هو: محمد بن الفضل السَّدُوسيّ، أبو النعمان
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ تغيّر بآخره، وعارم لقبه، من صغار [٩] (ت٣ أو ٢٢٤) (ع)
تقدم في ((الحج)) ٣٠١٣/٢٨.
١٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم، تقدّم في الباب الماضي.
١٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُخْتَارِ) البصريّ، ثقةٌ [٧] (م د تم س ق) تقدم في
(المساجد ومواضع الصلاة)) ١٥٠٣/٤٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَرَجُلٌ سَمَّاهُ)؛ أي: وحدّثنا رجلٌ سمّاه حماد بن زيد، ففاعل
سمّى ضمير حمّاد بن زيد؛ أي: قال حماد: حدّثنا عبد الله بن المختار،
وحدثنا رجل آخر، سمّاه حمّاد باسمه، قال صاحب ((التنبيه)): قوله: ((ورجل
سمّاه)) رواه عبد الحميد بن أبي طالب، عن ليث، عن زياد، عن عرفجة، فلعلّ
الرجل ليثٌ، وكذا رأيته بخطّ والدي. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: كون المبهم هنا هو ليث بن أبي سُليم هو
الظاهر، فقد أخرج الحديث الطبرانيّ كَُّ في ((المعجم الأوسط)) (١١٤/٤)
رقم (٣٧٤٩) من طريق حمّاد بن زيد، عن عبد الله بن المختار، وليث بن أبي
سُليم، عن زياد بن علاقة به.
وإنما أبهمه المصنّف؛ لضعفه، كما سبق بيان ترجمته في ((شرح
المقدّمة))، عند قول مسلم)) - عند الكلام على الطبقة الثانية -: ((كعطاء بن
(١) ((تنبيه المعلم)) ص٣٢٤.

١٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم وأضرابهم ... إلخ))، وهذه
عادته في عبد الله بن لَهِيعة، كما هو صنيع البخاريّ، والنسائيّ فيه، فكثيراً ما
کانوا یبهمونه؛ إشارة إلى ضعفه.
ويَحْتَمل أن يكون المبهم هنا هو المفضل بن فَضَالة، فقد أخرجه أيضاً
الطبرانيّ في ((المعجم الكبير)) (١٤٣/١٧) برقم (٣٥٩) من طريق حماد بن زيد،
عن عبد الله بن المختار، وليث بن أبي سُليم، والمفضل بن فَضَالة(١)، عن
زياد بن علاقة به، والأقرب أنه ليث المذكور؛ لأن المصنّف ذكره في
(المقدّمة))، والله تعالى أعلم.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ)؛ أي: كلّ من أبي عوانة، وشيبان
النحويّ، وإسرائيل بن يونس، وعبد الله بن المختار، والرجل المبهم خمستهم
رووه عن زياد بن عِلاقة، عَنْ عَرْفَجَةَ ظُهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِِّ.
وقوله: (بِمِثْلِهِ)؛ أي: لفظ حديثهم مثل لفظ حديث شعبة، عن زياد بن
علاقة، إلا أن في حديثهم وقع لفظ: ((فَاقْتُلُوهُ)) بدل ((فاضربوه بالسيف)).
[تنبيه]: رواية أبي عوانة، عن زياد بن علاقة ساقها البيهقيّ في ((الكبرى))
مقروناً بشعبة، فقال:
(١٦٤٦٦) - أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن فُورك تَّتُهُ، أنبأ
عبد الله بن جعفر الأصبهانيّ، ثنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود، ثنا شعبة،
وأبو عوانة، عن زياد بن عِلاقة، سمع عَرْفجة، سمع النبيّ ◌َّ يقول: ((إنها
ستكون هَنَاتٌ، وهَنَاتٌ، فمن أراد أن يُفَرِّق أمر هذه الأمة، وهم جمیع،
فاضربوا رأسه بالسيف، كائناً من كان)).
قال: أخرجه مسلم في ((الصحيح)) من حديث شعبة، وأبي عوانة. انتهى (٢).
(١) الظاهر أن المفضّل بن فضالة بن أبي أميّة أبو مالك البصريّ، أخو مبارك ضعيف
من الطبقة السابعة؛ لأنه الذي يروي عنه حماد بن زيد، وأما المفضل بن فضالة بن
عبيد القتبانيّ المصريّ الثقة، فإنه متأخّر عن هذا، من الطبقة الثامنة، ولم يُذكر
حماد بن زيد ممن روى عنه، فليُتنبّه.
(٢) ((سنن البيهقي الكبرى)) ١٦٨/٨.

١٩٩
(١٤) - بَابُ حُكْمِ مَنْ فَرَّقَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مُجْتَمِعٌ - حديث رقم (٤٧٨٨)
وأما رواية شيبان، عن زياد بن عِلاقة، فقد ساقها الإمام أحمد نَظّتُهُ في
((مسنده))، فقال :
(١٩٠٢١) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا أبو النضر، ثنا شيبان، عن
زياد بن عِلاقة، عن عرفجة بن شريح الأسلميّ، قال: قال رسول الله وَلته :
((إنها ستكون بعدي هَنَات وهَنات، - ورفع يديه - فمن رأيتموه يُفَرِّق بين أمة
محمد ◌َّيه، وهم جميع، فاقتلوه، كائناً من كان من الناس)). انتهى (١).
وأما رواية إسرائيل بن يونس، عن زياد بن عِلاقة، فقد ساقها
الطبرانيّ تَخْتُهُ في ((الكبير))، فقال:
(٣٥٥) - حدّثنا عثمان بن عمر الضبيّ، ثنا عبد الله بن رجاء، ثنا
إسرائيل، عن زياد بن عِلاقة، عن عَرْفجة، قال: قال رسول الله وَله: ((إنه
سيكون بعدي هَنات وهَناتٌ، فمن رأيتموه يريد أن يُفَرِّق أمة محمد بَّ، وهم
جمیع، فاقتلوه، كائناً من كان)). انتهى(٢).
وأما رواية عبد الله بن المختار، والرجل الذي سمّاه، عن زياد بن
عِلاقة، فقد ساقها الطبرانيّ تَخُّْ في ((الأوسط))، فقال:
(٣٧٤٩) - حدّثنا عليّ بن عبد العزيز، قال: نا عارم أبو النعمان، قال:
نا حمّاد بن زيد، عن عبد الله بن المختار، وليث بن أبي سُليم، عن زياد بن
عِلاقة، عن عَرْفجة، قال: قال رسول الله وَّه: ((ستكون هَنَات وهنات، فمن
رأيتموه يمشي إلى أمة محمد بَّه؛ ليفرِّق جماعتهم، فاقتلوه)).
قال: لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن المختار إلا حماد بن زيد،
تفرد به عارم. انتھی(٣).
وقد ساقها أيضاً في ((الكبير))، وقرن معهما المفضّل بن فَضَالة، فقال:
(٣٥٩) - حدّثنا عبد الله بن الصباح الأصبهانيّ، ومحمد بن يزداد
التوَّزيّ، قالا: ثنا محمد بن سليمان لُوَين، عن حمّاد بن زيد، عن عبد الله بن
المختار، وليث بن أبي سُلَيم، والْمُفَضَّل بن فَضَالة، عن زياد بن عِلاقة، عن
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٤١/٤.
(٢) ((المعجم الكبير)) ١٧/ ١٤٢.
(٣) ((المعجم الأوسط)) ١١٤/٤.

٢٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
عَرْفجة - ورَفَع الحديثَ إلى النبيّ وَهــ: ((إنها ستكون هَنَاتٌ وهَنَاتٌ، فمن
رأيتموه يمشي إلى أمة محمد ◌َّة، وهم جميع؛ ليفرّق بينهم فاقتلوه، كائناً من
كان)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٨٩] (.) - (وَحَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي
يَعْفُورٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَرْفَجَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَنْ أَتَاكُمْ،
وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ،
فَاقْتُلُوهُ)).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (يُونُسُ بْنُ أَبِي يَعْفُورٍ) - بفتح التحتانيّة، وسكون العين المهملة،
وضمّ الفاء -، واسمه وَقْدان، وقيل: واقد العبديّ الكوفيّ، صدوقٌ يُخطىء
كثيراً [٨].
رَوَى عن أبيه، وأخيه عبد الله، والأسود بن قيس، والزهريّ، وعون بن
أبي جُحيفة.
وروى عنه محمد بن سعيد بن الأصبهانيّ، وعثمان بن أبي شيبة،
وسعيد بن منصور، وجعفر بن حميد، ويحيى بن بكير الأرحبيّ، وعباد بن
يعقوب الرَّوَاجِنيّ، وآخرون.
قال الدُّوريّ عن ابن معين: ضعيفٌ، وقال الآجريّ عن أبي داود: ليس لي
به علمٌ، بلغني عن ابن معين أنه قال: ضعيفٌ، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال
ابن عديّ: هو عندي ممن يُكتب حديثه، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وأعاده
في ((الضعفاء))، فقال: يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، وقال
النسائيّ: ضعيفٌ، وقال الساجيّ: فيه ضعفٌ، وكان ممن يُفْرِط في التشيُّع،
وضعّفه أحمد بن حنبل، وقال الدارقطنيّ: ثقةً، وقال العجليّ: لا بأس به.
(١) ((المعجم الكبير)) ١٤٣/١٧.