النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
(١٣) - بَابُ وُجُوب مُلَازَمَةِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٧٥)
مالك))، وكذا في رواية خالد بن سبيع، عند الطبرانيّ: ((فإن رأيت خليفة
فالزمه، وإن ضرب ظهرك، فإن لم يكن خليفة فالهرب)).
وقال القرطبيّ تَخّْثُهُ: قوله: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم))؛ يعني: أنه
متى اجتمع المسلمون على إمام، فلا يُخرَج عليه، وإنْ جَارَ؛ كما تقدّم، وكما
قال في الرواية الأخرى: ((فاسمع، وأطع))، وعلى هذا فتُشْهَد مع أئمة الْجَوْر
الصلوات، والجمعات، والجهاد، والحج، وتُجْتَنَبُ معاصيهم، ولا يطاعون
فيها(١).
(فَقُلْتُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ، وَلَا إِمَامٌ؟) قال القرطبيّ تَخْتُ: هذا
إشارة إلى مثل الحالة التي اتفقت للناس عند موت معاوية بن يزيد بن معاوية،
فإنه توفي لخمسٍ بقين من ربيع الأول سنة أربع وستين، ولم يَعْهَدْ لأحدٍ، وبَقِي
الناس بعده بقية ربيع الأول، والجمادين، وأياماً من رجب من السَّنة المذكورة،
ولا إمام لهم، حتى بايع الناس بمكة لابن الزبير، وفي الشام لمروان بن
(٢)
الحكم(٢).
(قَالَ: (فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ) بكسر الفاء، وفتح الراء: جمع فِرْقة، بكسر،
فسكون؛ أي: الجماعة.
قال القرطبيّ تَخُّْهُ: هذا أمرٌ بالاعتزال عند الفتن، وهو على جهة
الوجوب؛ لأنه لا يَسْلَمُ الدِّينُ إلَّا بذلك، وهذا الاعتزال عبارة عن ترك الانتماء
إلى من لم تتم إمامته من الفِرَق المختلفة، فلو بايع أهل الحلّ والعقد لواحدٍ
موصوف بشروط الإمامة لانعقدت له الخلافة، وحَرُمت على كل أحدٍ
المخالفة، فلو اختلف أهل الحلّ والعقد، فعقدوا لإمامين، كما اتَّفَق لابن
الزبير ومروان؛ لكان الأول هو الأرجح، كما تقدَّم(٣).
(كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ) بفتح العين المهملة، وتشديد
الضاد المعجمة؛ أي: ولو كان الاعتزال بالعضّ فلا تعدل عنه، و((تَعَضَّ))
بالنصب للجميع، وضَبَطه بعضهم بالرفع، وتُعُقّب بأن جوازه متوقف على أن
(١) ((المفهم)) ٤/ ٥٧.
(٣) ((المفهم)) ٤/ ٥٧ - ٥٨.
(٢) ((المفهم)) ٤/ ٥٧.

١٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
يكون ((أن)) التي تقدمته مخففة من الثقيلة، وهنا لا يجوز ذلك؛ لأنها لا تلي
(لَوْ))، نَبَّه عليه صاحب ((المغني))، وفي رواية عبد الرحمن بن قُرط، عن
حذيفة، عند ابن ماجه: ((فلأن تموت، وأنت عاضّ على جِذْلٍ خير لك من أن
تتبع أحداً منهم))، والْجِذل بكسر الجيم، وسكون المعجمة، بعدها لام: عود
يُنصب لتحتكّ به الإبل(١). (حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ، وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ)))؛ أي:
العضّ، وهو كناية عن لزوم جماعة المسلمين، وطاعة سلاطينهم، ولو عَصَوا،
قال البيضاويّ: المعنى: إذا لم يكن في الأرض خليفة، فعليك بالعزلة، والصبر
على تحمّل شدة الزمان، وعَضّ أصل الشجرة كناية عن مُكابدة المشقة،
كقولهم: فلان يَعَضّ الحجارة من شدة الألم، أو المراد: اللزوم، كقوله في
الحديث الآخر: ((عَضُّوا عليها بالنواجذ))، ويؤيد الأول قوله في الحديث
الآخر: ((فلأن تموت وأنت عاضّ على جِذْل خير لك من أن تتّبع أحداً منهم)).
قال الجامع عفا الله عنه: حَمْل الحديث على ظاهره - كما قال بعضهم -
هو الأَولى، فالمعنى: أن المعتزل إذا لم يجد شيئاً يأكله بسبب عزلته، حتى
اضطرّ إلى أكل أصول الأشجار، فليفعل، ولا يمنعه ذلك من الاعتزال، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حذيفة صوابه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧٧٥/١٣ و٤٧٧٦] (١٨٤٧)، (والبخاريّ) في
(المناقب)) (٣٦٠٦ و٣٦٠٧) و((الفتن)) (٧٠٨٤)، و(ابن ماجه) في ((الفتن))
(٤٠٢٧)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (١٩٧/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٤١٩/٤)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٣٦٤/٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨]
١٥٦ و١٩٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(١) ((الفتح)) ٤٨٥/١٦، كتاب ((الفتن)) رقم (٧٠٨٤).

١٦٣
(١٣) - بَابُ وُجُوب مُلَازَمَةِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٧٥)
١ - (منها): بيان وجوب ملازمة الجماعة عند ظهور الفتن، وتحريم
الخروج على الأمراء، ولو ظلموا، قال النوويّ: وفي حديث حذيفة ظراته هذا
لزوم جماعة المسلمين، وإمامهم، ووجوب طاعته، وإن فسق، وعَمِل
المعاصي، من أخذ الأموال، وغير ذلك، فتجب طاعته في غير معصية.
٢ - (ومنها): أن فيه عَلَماً من أعلام النبوّة، إذ أخبر النبيّ وَّ حذيفة
بأمور مختلفة من الغيب لا يعلمها إلا من أوحي إليه بذلك، من أنبيائه الذين
هم صفوة خلقه، وهذه الأمور التي أخبر بها، قد وقعت كلها، كما أخبر(١).
٣ - (ومنها): ما قاله ابن بطال تَخْذُ: فيه حجة لجماعة الفقهاء في
وجوب لزوم جماعة المسلمين، وتَرْك الخروج على أئمة الجور؛ لأنه وصف
الطائفة الأخيرة بأنهم دعاة على أبواب جهنم، ولم يقل فيهم: تَعْرِف وتُنْكِر،
كما قال في الأولين، وهم لا يكونون كذلك إلا وهم على غير حقّ، وأَمَر مع
ذلك بلزوم الجماعة.
٤ - (ومنها): ما قال الطبريّ ◌َغُّْ: اختُلِف في هذا الأمر، وفي
الجماعة، فقال قوم: هو للوجوب، والجماعة: السواد الأعظم، ثم ساق عن
محمد بن سيرين، عن أبي مسعود به أنه وصى من سأله لَمّا قُتِل عثمان بنظُبه:
عليك بالجماعة، فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد بنّي على ضلالة، وقال
قوم: المراد بالجماعة: الصحابة، دون مَن بعدهم، وقال قوم: المراد بهم:
أهل العلم؛ لأن الله جعلهم حجةً على الخلق، والناس تَبَع لهم في أمر الدِّين،
قال الطبريّ: والصواب أن المراد من الخبر: لزوم الجماعة الذين في طاعة من
اجتَمَعوا على تأميره، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة، قال: وفي الحديث
أنه متى لم يكن للناس إمام، فافترق الناس أحزاباً، فلا يتبع أحداً في الفرقة،
ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك؛ خشيةً من الوقوع في الشرّ، وعلى ذلك يتنزل
ما جاء في سائر الأحاديث، وبه يُجْمَع بين ما ظاهره الاختلاف منها، ويؤيده
رواية عبد الرحمن بن قُرْط: ((فلأن تموت وأنت عاضّ على جذل خير لك من
أن تتّبع أحداً منهم)).
(١) ((التوضيح شرح الجامع الصحيح)) لابن الملقّن كُلَهُ ٣٣٤/٣٢.

١٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
٥ - (ومنها): فيه بيان حكمة الله في عباده، كيف أقام كلّاً منهم فيما
شاء، فحبّب إلى أكثر الصحابة السؤال عن وجوه الخير؛ ليعملوا بها، ويبلّغوها
غيرهم، وحبّب لحذيفة السؤال عن الشر؛ ليجتنبه، ويكون سبباً في دفعه عمن
أراد الله له النجاة.
٦ - (ومنها): أن فيه سعةَ صدر النبيّ بََّ، ومعرفته بوجوه الْحِكَم كلها،
حتى كان يجيب كل من سأله بما يناسبه.
٧ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن كل من حُبِّب إليه شيء، فإنه يفوق فيه
غيره، ومن ثَمّ كان حذيفة ◌َُّه صاحب السرّ الذي لا يعلمه غيره، حتى خُصّ
بمعرفة أسماء المنافقين، وبكثير من الأمور الآتية.
٨ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أيضاً أن من أدب التعليم أن يعلّم التلميذ من
أنواع العلوم ما يراه مائلاً إليه، من العلوم المباحة، فإنه أجدر أن يُسرع إلى
تفهمه، والقيام به.
٩ - (ومنها): أن كل شيء يَهْدي إلى طريق الخير يسمى خيراً، وكذا
بالعكس.
١٠ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أيضاً ذمّ مَن جعل للدِّين أصلاً خلاف
الكتاب والسُّنَّة، وجَعَلَهما فرعاً لذلك الأصل الذي ابتدعوه.
١١ - (ومنها): وجوب ردّ الباطل، وكل ما خالف الهدي النبويّ، ولو
قاله من قاله من رفيع، أو وضيع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٧٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرِ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى
- وَهُوَ ابْنُ حَسَّانَ - حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - يَعْنِي ابْنَ سَلَّام ـ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ سَلَّام، عَنْ
أَبِي سَلَّم، قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: قُلْتُ: يَّا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّاً بِشَرٍّ،
فَجَاءَ اللهُ بِخَيْرٍ، فَتَحْنُ فِيهِ، فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرِّ؟ قَالَ: ((نَعَمْ))، قُلْتُ:
هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: ((نَعَمْ))، قُلْتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٍّ؟ قَالَ:

١٦٥
(١٣) - بَابُ وُجُوبِ مُلَازَمَةِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٧٦)
(نَعَمْ))، قُلْتُ: كَيْفَ؟ قَالَ: ((يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَقُّونَ
بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ، فِى جُثْمَانِ إِنْسٍ))، قَالَ:
قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: ((تَسْمَعُ، وَتُطِيعُ
لِلأَمِيرِ (١)، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ، وَأَطِعْ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرِ التَّمِيمِيُّ) مولاهم، أبو بكر البخاريّ،
نزيل بغداد، ثقةٌ [١١] (ت٢٥١) (م ت س) تقدم في ((الصيام)) ٢٥٣٥/٨.
٢ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) البصريّ، نزيل تِنِّيس، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٨) (خ م د
ت س) تقدم في ((الحيض)) ٧٢٣/٧.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السمرقنديّ، ثقةٌ حافظ
متقنٌّ فاضلٌ [١١] (ت٢٥٥) (م د ت) تقدم في ((المقدمة)) ٢٩/٥.
٤ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّام) - بتشديد اللام - ابن أبي سلّام، أبو سلّام
الدمشقيّ، وكان يسكن حِمْصٍ، ثقةٌ [٧] مات في حدود (١٧٠) (ع) تقدم في
«الإيمان)) ٣٠٩/٤٩.
٥ - (زَيْدُ بْنُ سَلَّام) بن أبي سلّام الحبشيّ الدمشقيّ، ثقةٌ [٦] (بخ م ٤)
تقدم في ((الطهارة)) ١/ ٥٤٠.
٦ - (أَبُو سَلَّام) ممطورٌ الأسود الحبشيّ الدمشقيّ، ثقةٌ يُرسل [٣] (بخ م
٤) تقدم في ((الطهارةً)) ١/ ٥٤٠.
و«حُذيفة)) څته ذُكر قبله.
[تنبيه]: تكلّم الدارقطنيّ ◌َُّ على هذا السند بأن أبا سلّام لم يسمع من
حذيفة ظُه، فهو منقطع، قال كَُّ في ((التتبّع)): وهذا عندي مرسلٌ - أي:
منقطع - أبو سلّام لم يسمع من حذيفة، ولا من نظرائه الذين نزلوا العراق؛
لأن حذيفة تُوُفّي بعد قتل عثمان رَظُه بليال، وقد قال فيه: قال حذيفة، فهذا
يدلّ علی إرساله.
قال الرشيد العطّار لخُّ في ((غرر الفوائد)) بعد نقل كلام الدارقطنيّ
(١) سقط من بعض النسخ قوله: ((للأمير)).

١٦٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
المذكور: وهذا الحديث قد أخرجه مسلم في ((صحيحه)) متّصلاً من وجه آخر،
من حديث بُسْر بن عبد الله الحضرميّ الشاميّ، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن
حذيفة ظه، وهو أتمّ من حديث أبي سلّام، وكذلك أخرجه البخاريّ في
((صحيحه)) أيضاً، فإن ثبت أن أبا سلّام لم يسمع من حذيفة، فقد بيّنّا أن هذا
الحديث متّصلٌ في ((الصحيحين)) من حديث أبي إدريس، عن حذيفة رَظُه،
وبالله التوفيق. انتهى (١).
وقال النوويّ بعد نقل كلام الدارقطنيّ أيضاً: وهو كما قال الدارقطنيّ،
لكن المتن صحيح، متصل بالطريق الأول، وإنما أتى مسلم بهذا متابعةً كما
ترى، وقد قدمنا في الفصول وغيرها أن الحديث المرسل إذا رُوي من طريق
آخر متصلاً تبينًا به صحة المرسل، وجاز الاحتجاج به، ويصير في المسألة
حديثان صحيحان. انتهى (٢).
وقوله: (فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ) الْجُثمان بضمّ الجيم، وسكون الثاء المثلّثة:
الجُثّة؛ يعني: في جسم الإنسان.
وقوله: (وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ، وَأَطِعْ)؛ يعني: أن
ظلمهم لنفسك، وأخذهم لمالك لا يصلح مبرّراً لخروجك عن طاعتهم، وبغيك
علیهم.
[فإن قلت]: صحّ عن النبيّ وَ ر أنه قال: ((من قُتل دون ماله فهو شهيد))،
متّفقٌ عليه، فكيف يوفّق بينه وبين هذا الحديث؟.
[أجيب]: بأن ذلك محمول على غير الأمراء، فيجوز أن يقاتِل الإنسان
دون ماله، أو دون دمه، أو دون حريمه، فإن قُتل كان شهيداً، وأما الأمراء فلا
يقاتلون، بل يجب دفع المال إليهم؛ دفعاً للفتنة؛ وبهذا يُجمع بين الحديثين،
فتنبّه، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الذي قبله، ولله
الحمد والمنّة.
(١) ((غرر الفوائد)) ص٥٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٣٥/١٢ - ٢٣٦.

١٦٧
(١٣) - بَابُ وُجُوب مُلَازَمَةٍ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٧٧)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٧٧] (١٨٤٨) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - يَعْنِي: ابْنَ
حَازِمِ - حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي قَيْسِ بْنِ رِيَاحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ
النَّبِيِّ وَّرِ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَّاعَةَ، فَمَاتَ مَاتَ مِيئَةً
جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ، يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ
يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ(١) جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا،
وَلَا يَتَحَاشَ(٢) مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَلَيْسَ مِنِّي، وَلَسْتُ مِنْهُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِم، ورُمي
بالقدر، قال أبو حاتم: اضطرّ الناس إليه أخيراً، من صغار [٩] (ت٥
أو ٢٣٦)، وله بضع و(٩٠) سنةً (م دس) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٧/١٢.
٢ - (جَرِيرُ بْنُ حَازِمِ) بن زيد الأزديّ، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ إلا في
قتادة [٦] (ت١٧٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٨١/٦.
٣ - (غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ) الْمِعْوليّ الأزديّ البصريّ، ثقةٌ [٥] (ت١٢٩) (ع)
تقدم في ((الطهارة)) ٥٩٨/١٥.
٤ - (أَبُو قَيْسِ (٣) بْنُ رِيَاح) - بكسر أوله، ثم تحتانيّة - زياد بن رِيَاح
ويقال: ابن رَبَاح - بالموحّدة -، البصريّ، ويقال: المدني، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وعنه الحسن البصريّ، وغيلان بن جرير.
(١) وفي نسخة: ((فقِتْلته)).
(٢) وفي نسخة: ((ولا یتحاشى)).
(٣) ذكر بعضهم أنه يكنى أبا رياح، فتعقّبه الحافظ، فقال: لم يذكر أحد ممن ألّف في
الكنى أنه يكنى أبا رباح، وإنما قالوا: كنيته أبو قيس، وقد وقع مَكْنيّاً بها في
(صحيح مسلم)) - يعني: في هذا الحديث - وبذلك كناه البخاريّ، ومسلم، وابن
أبي حاتم، والنسائيّ، وأبو أحمد، والدارقطنيّ، وابن حبان، والخطيب، وابن
ماكولا، وغيرهم، وكل من سمّينا من الأئمة حاشا مسلماً إنما كنى بأبي رياح
زياد بن رياح المذكور بعد هذه الترجمة، وكان هذا سبب وقوع الوهم من ((صاحب
الكمال))، والله أعلم. انتھی.

١٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
قال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في (الثقات)).
أخرجوا له حديث: ((من قاتل تحت راية عمية))، وأخرج له مسلم أيضاً:
((بادروا بالأعمال ستاً ... )) الحديث.
قلت: أخرج له مسلم والنسائي وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان
فقط، هذا برقم (١٨٤٨) وأعاده بعده، وحديث (٢٩٤٧): ((بادروا بالأعمال
ستّاً ... )) الحديث.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َظُبه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَُّ، وأنه مسلسل بالبصريين، غير
الصحابيّ، فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ◌ُله رأس
المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي قَيْسِ بْنِ رِيَاح) قال النوويّ تَخْلُهُ: هو بكسر الراء، وبالمثنّاة،
وهو زياد بن رِيَاح القيسيّ المذكور في الإسناد بعده، وقاله البخاريّ بالمثناة،
وبالموحدة، وقاله الجماهير بالمثنّاة، لا غير. انتهى (١). (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)
(عَنِ النَّبِيِّ نَِّ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ) شرطيّة مبتدأ، خبره قوله: ((مات ميتةً جاهليّة))،
(خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ)؛ أي: من طاعة ولاة الأمور، (وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ)؛ أي:
جماعة المسلمين المجتمعين على إمام واحد، أو إجماع المسلمين على أمر
واحد، ففيه تحريم مخالفة الإجماع. (فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً) بكسر الميم: فِعْلة لبيان
الهيئة، وهي حالة الموت، كما قال في ((الخلاصة)):
وَفَعْلَةٌ لِمَرَّةٍ كَ (جَلْسَهْ)) وَفِعْلَةٌ لِهَيْئَةٍ كَـ(جِلْسَهْ))
(جَاهِلِيَّةً) بالنصب صفة لـ((ميتةً))؛ أي: كميتة أهل الجاهلية، من الضلال
والْفُرْقة، قاله القرطبيّ، وقال النوويّ: أي: على صفة موتهم، من حيث هم
فَوْضَى، لا إمام لهم(٢) .
ويَحْتَمل أن يكون مجروراً بإضافة ((ميتة)) إليه.
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٣٨/١٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٣٧/١٢.

١٦٩
(١٣) - بَابُ وُجُوب مُلَازَمَةٍ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٧٧)
والمعنى: أنه مات على هيئة موت الجاهليّة، فإنهم كانوا لا يطيعون
أميراً، ولا ينضمّون إلى جماعة واحدة، بل كانوا فِرَقاً، وعصائب، يقاتِل
بعضهم بعضاً .
وقال الطيبيّ تَخْذُ: ((قوله: ((ميتةً جاهليّةً)): الْمِيتة، والْقِتلةُ بالكسر: الحالة
التي يكون عليها الإنسان عند الموت، أو القتل، والمعنى: أن من خرج عن
طاعة الإمام، وفارق جماعة المسلمين، وشذّ عنهم، وخالف إجماعهم، ومات
على ذلك، مات على هيئةٍ كان يموت عليها أهل الجاهليّة؛ لأنهم كانوا لا
يرجعون إلى طاعة أمير، ولا يتّبعون هُدى إمام، بل كانوا مستنكفين عنها
مستبدّين في الأمور، لا يجتمعون في شيء، ولا يتفقون على رأي. انتهى(١).
(وَمَنْ قَاتَلَ) ((من)) شرطيّة أيضاً، كسابقها، (تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ) - بضم
العين، وكسرها، لغتان مشهورتان، والميم مكسورة مشدّدة، والياء مشدّدة
أيضاً -، قالوا: هي الأمر الأعمى، لا يستبين وجهه، كذا قاله أحمد بن حنبل،
والجمهور، وقال إسحاق بن راهويه: هذا كتقاتل القوم للعصبية، قاله
النوويّ(٢).
وقال القرطبيّ تَكْثُهُ: قال بعضهم: العمّيّة: الضلالة، وقال أحمد بن
حنبل: هو الأمر الأعمى، كالعصبيّة، لا يستبين ما وجهه؟، وقال إسحاق: هذا
في تهارُج القوم، وقَتْل بعضهم بعضاً، كأنه من التعمية، وهو التلبيس.
انتھی (٣) .
وقال ابن الأثير تَخْذَثُ: العِمِّيّةٌ فِعَيلة، من العَمَاء: الضلالة، كالقتال في
العَصَبيّة والأهواء، وحكى بعضهم فيها ضمّ العين. انتهى(٤).
وقال المجد كَّلُ: الْعَمَاءَةُ، والْعَمَايةُ، والْعَمِيّة، كغَنِيّةٍ، ويُضمّ: الْغَوَايةُ،
واللَّجَاج، والْعُمّيّةُ بالكسر، والضمّ، مشدّدتي الميم والياء: الكِبْر، أو الضلال،
وقُتِلَ عِمِّيّاً، كَرِمِّاً: لم يُدرَ من قتله. انتهى(6) .
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥٦١/٨.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٢/ ٢٣٧.
(٤) ((النهاية) ٣٠٦/٣.
(٣) «المفهم)) ٥٩/٤.
(٥) ((القاموس المحيط)) ص٩١٤.

١٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
وقد وصف في الحديث الراية بالْعمّيّة، والمراد وصفُ من اجتمع
تحتها من الناس، والمعنى: من قاتل تحت راية اجتَمَعَ أهلها على أمر
مجهول، لا يُعرف أهو حقّ، أو باطلٌ، يَدعون إليه، من غير بصيرة فيه،
ولا حجة عليه.
وقال الطيبيّ ◌َخْتُ: (تحت راية عمّيّة)) كناية عن جماعة مجتمعين على أمر
مجهول، لا يُعرف أنه حقّ، أو باطلٌ، فَيَدعون الناس إليه، ويقاتِلون له،
وأصله من التعمية، وهو التلبيس، ومعناه: يقاتل بغير بصيرة وعلم؛ تعصّباً،
كقتال الجاهلية، ولا يُعرف المحقّ من المبطل، وإنما يغضب لعصبيّة، لا
لنصرة الدين، والعصبيّة إعانة قومه على الظلم. انتهى (١).
(يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ) الظاهر أن ((أو)) في الموضعين،
للتنويع، أو هي بمعنى الواو، كما هو في رواية أخرى عند أبي عوانة، وعصبة
الرجل أقاربه من جهة الأب، سُمُّوا بذلك لأنهم يَعصبونه، ويعتصب بهم؛ أي:
يحيطون به، ويشتدّ بهم، والمعنى: يغضب، ويقاتِل، ويدعو غيره، لا لنصر
الدين والحقّ، بل لمحض التعصّب لقومه، ولِهواه، كما يقاتِل أهل الجاهليّة،
فإنهم إنما كانوا يقاتلون لمحض العصبيّة.
وقال الطيبيّ كَّلُ: قوله: ((بغضب لعصبيّة)) حال، إما مؤكّدة إذا ذُهب إلى
أن هذا الأمر في نفسه باطلٌ، أو منتقلةٌ إذا فُرض أنهم على الحقّ، وفيه أن من
قاتل تعصّباً، لا لإظهار دين الله، ولا لإعلاء كلمته، وإن كان المغضوب له
محقّاً كان على الباطل. انتهى(٢).
(أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً) قال النوويّ ◌َخْدَثُ: هذه الألفاظ الثلاثة بالعين، والصاد
المهملتين، هذا هو الصواب المعروف في نسخ بلادنا، وغيرها، وحَکَی
القاضي عن رواية العذريّ بِالْغَين، والضاد المعجمتين في الألفاظ الثلاثة،
ومعناها: أنه يقاتِل لشهوة نفسه، وغَضَبه لها، ويؤيد الرواية الأولى الحديث
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥٦١/٨.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥٦١/٨.

١٧١
(١٣) - بَابُ وُجُوب مُلَازَمَةٍ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٧٧)
المذكور بعدها: ((يَغْضَب للعصبة، ويقاتل للعصبة))، ومعناه: إنما يقاتل عصبيةً
لقومه، وهواه. انتهى(١).
وقال في ((النهاية)): العصبيّة، والتعصّبُ: المحاماة، والمدافعة.
والعَصَبيّ: من يُعين قومه على الظلم، وقال أيضاً: هو الذي يغضب لعَصَبته،
ويُحامي عنهم. انتهى بتصرّف(٢).
وقال القرطبيّ كَّهُ: قوله: ((يغضب لعصبته، أو ينصر عصبته)) هكذا رواية
الجمهور بالعين، والصاد المهملتين، من التعصّب، وقد رواه العذريّ بِالْغَين،
والضاد المعجمتين، من الغضب، والأول أصحّ، وأبْيَن، ويَعضِده تأويل
أحمد بن حنبل المتقدّم، ولرواية العذريّ وجهٌ، وهو أن يريد به الغضب الذي
يَحْمِل عليه التعصّب. انتهى(٣).
(فَقُتِلَ) بالبناء للمفعول، (فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ) وفي بعض النسخ: ((فقِتْلته
جاهليّة))، و((القِتلة)) بكسر القاف، هو مثل قوله: ((فمِيتَةٌ جاهليّة))، فقوله: ((فقتلة))
خبر مبتدأ محذوف؛ أي: فقتلته قتلةٌ جاهليّة، والجملة مع الفاء الرابط جواب
الشرط .
(وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا) بفتح الباء، وتشديد الراء: وهو التقيّ
المجتنب للمناهي، (وَفَاجِرَهَا) بالجيم: وهو المسيء المنبعث في المعاصي،
قال الطيبيّ: قوله: ((برّها وفاجرها)) يشمل المؤمن، والمعاهد، والذميّ. (وَلَا
يَتَحَاشَ مِنْ مُؤْمِنِهَا) وفي بعض النسخ: ((ولا يتحاشى)) بالألف المنقلبة عن
الياء، ومعناه: لا يكترث بما يفعله فيها، ولا يَخاف وباله، وعُقوبته، ووقع في
النسخة التي شرحها القرطبيّ من مختصر مسلم بلفظ: ((ولا ينحاش)) بالنون:
قال القرطبيّ: أي: لا يجانب، يقال: انحاش إلى كذا؛ أي: انضمّ إليه،
ومَالَ، والمعنى أنه لا يترك أحداً من المؤمنين إلا قتله. انتهى(٤).
وقال في ((المشارق)): قوله: ((ولا ينحاش من مؤمنها)): بالنون، ويروى
((يتحاشى)) بالتاء، وآخره ياء؛ أي: لا يتنخَّى، ويتورّع، ولا يبالي، يقال:
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢/ ٢٣٧.
(٣) ((المفهم)) ٥٩/٤.
(٢) ((النهاية)) ٢٤٦/٣.
(٤) ((المفهم)) ٦٠/٤.

١٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
حَشَى الله، وحاشى الله، ومعناه: معاذ الله، وأصله من حاشيت فلاناً، وحشيته؛
أي: نحّيته، قال ابن الأنباريّ: معنى حاش في كلام العرب: أعزل، وأنحى،
قال: ويقال: حاش لفلان، وحاشى فلاناً، وحشى فلانٌ. انتهى(١).
(وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ)؛ أي: لا يوفّي بعهد الذّمّيّين الذين لهم عهد
وأمان من المسلمين، بل ينقضه، ويقتلهم، كما يقتل المسلمين، أو المعنى أنه
لا يوفي بعهد البيعة، والولاية. (فَلَيْسَ مِنِّي، وَلَسْتُ مِنْهُ))) قال القرطبيّ ◌َّتُهُ:
هذا التبرّي ظاهر في أنه ليس بمُسْلِم، وهذا صحيحٌ إن كان معتقداً لحلّيّة ذلك،
وإن كان معتقداً لتحريمه، فهو عاصٍ من العصاة، مرتكب كبيرةً، فأمْره إلى الله
تعالى، ويكون معنى التبرّي على هذا: أي ليست له ذمّة، ولا حرمة، بل إن
ظُفِر به قُتل، أو عُوقب بحسب حاله، وجريمته، ويَحْتَمِل أن يكون معناه: ليس
على طريقتي، ولستُ أرضى طريقته، كما تقدّم أمثالُ هذا.
وهذا الذي ذكره في هذا الحديث هي أحوال المقاتلين على المُلك،
والأغراض الفاسدة، والأهواء الركيكة، وحميّة الجاهليّة، وقد أبعد من قال:
إنهم الخوارج، فإنهم إنما حَمَلهم على الخروج الْغَيْرة للدين، لا شيء من
العصبيّة، والمُلك؛ لكنّهم أخطؤوا التأويل، وحرّفوا التنزيل. انتهى كلام
القرطبيّ ◌َُّهُ(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره القرطبيّ كَّلُ تحقيقٌ نفيسٌ
جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة
من أفراد المصنّف ◌َيَحْذَتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧٧٧/١٣ و٤٧٧٨ و٤٧٧٩ و٤٧٨٠] (١٨٤٨)،
و(النسائيّ) في ((تحريم الدم)) (٤١١٦) وفي ((الكبرى)) (٣٥٧٩)، (وابن ماجه)
(١) ((مشارق الأنوار على صحاح الآثار)) ٤١٩/١.
(٢) ((المفهم)) ٤/ ٦٠.

١٧٣
(١٣) - بَابُ وُجُوب مُلَازَمَةِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٧٧)
في ((الفتن)) (٣٩٤٨)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٣٩/١١)، و(ابن أبي
شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٦٢/٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٩٦/٢ و٣٠٦ و٤٨٨)،
و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (١٩٢/١ و١٩٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٤٥٨٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٢١/٤ و٤٢٢ و٤٢٤)، و(اللالكائيّ) في
((اعتقاد أهل السُّنّة)) (٨٩/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٥٦/٨)، و((شعب
الإيمان)) (٦/ ٦٠) والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب طاعة الإمام، ولزوم جماعة المسلمين.
٢ - (ومنها): بيان التغليظ فيمن قاتل تحت راية عِمّيّة.
٣ - (ومنها): وجوب نصب الإمام.
٤ - (ومنها): تحريم مخالفة إجماع المسلمين، وأنه واجب الاتّباع.
٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَظْلَُّ: ويَستَدِلّ بظاهره من كفّر بخرق
الإجماع مطلقاً، والحقّ التفصيل، فإن كان الإجماع مقطوعاً به، فمخالفته،
وإنكاره كفرٌ، وإن كان الإجماع مظنوناً، فإنكاره، ومخالفته معصيةٌ، وفُسوقٌ.
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التفصيل الذي ذكره القرطبيّ ◌َّهُ
حسنٌ جدّاً، وإلى الاختلاف في تكفير منكر الإجماع أشار السيوطيّ تَظّْتُهُ في
((الكوكب الساطع))، حيث قال:
ضَرُورَةً فِي الدِّينِ لَيْسَ مُسْلِمَا
جَاحِدُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ عُلِمَا
وَالْخُلْفُ فِمَا لَمْ يُنَصَّ الْمُشْتَهِرْ
قَطْعاً وَفِي الأَظْهِّرِ مَنْصُوصٌ شُهِرْ
لَا جَاحِدُ الْخَفِي وَلَوْ مَنْصُوصَا
أَصَحُّهُ تَكْفِيرُهُ خُصُوصَا
٦ - (ومنها): أن من لم يدخل تحت طاعة إمام، فقد شابَه أهل الجاهليّة
في ذلك، فإن مات على تلك الحالة مات على مثل حالتهم، مرتكباً كبيرةً من
الكبائر، ويُخاف عليه بسببها أن لا يموت على الإسلام.
وهذا فيما إذا كانت للمسلمين جماعة، وإمامٌ، وأمكنه الدخول معهم،
(١) ((المفهم)) ٥٩/٤.

١٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
فتركه، فإن لم يكن أمرهم منتظماً، بل كانوا فوضى، فلا شيء عليه، بل يلزم
بيته، ويشتغل بأمر نفسه، ويدع أمر العامّة، فقد فصّل النبيّ وَّ هذا الأمر
تفصيلاً، لم يبق معه التباس، وذلك في سؤالات حذيفة ظته في هذا الأمر،
كما تقدّم في الحديث الماضي، فقد أوضح رسول الله وَّ ر فيه كيف يعيش
المسلم في أيّ زمان، وفي أيّ مكان، ومع أيّ أناس، فما أشمل هذا النصّ،
وأكمله، وأنبله، ﴿وَمَا يَنَطِقُ عَنِ الْمَوَ (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى
[النجم: ٣، ٤].
٤
٧ - (ومنها): أن فيه أن ارتكاب المعاصي والفجور، لا يُخرج عن
الملّة، أيّاً كان نوعه، إلا بالارتداد عن الإسلام صريحاً، أعاذنا الله تعالى من
ذلك، ومن كلّ سوء، بمنّه، وكرمه، إنه جواد كريم، رؤوفٌ رحيم، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٧٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِبِرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ رِبَاحِ الْقَيْسِيِّ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ﴿ِ بِنَحْوِ حَدِيثٍ جَرِيرٍ، وَقَالَ: ((لَا يَتَحَاشَى مِنْ
مُؤْمِنھَا))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ
ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٥) وله (٨٥) سنةً (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧٥/٦.
٢ - (حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم قريباً .
٣ - (أَيُّوبُ) السختيانيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية أيوب السختيانيّ، عن غيلان بن جرير هذه ساقها أبو
عوانة تَّتُهُ في ((مسنده)، فقال:
(٧١٧٠) - حدّثنا أبو داود الحرّانيّ، وإسماعيل بن إسحاق، والحارث بن
أبي أسامة، قالوا: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب،
عن غيلان بن جرير، عن زياد بن رياح، عن أبي هريرة، قال: قال

١٧٥
(١٣) - بَابُ وُجُوب مُلَازَمَةٍ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٧٩ - ٤٧٨٠)
رسول الله وَله: ((من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات فميتة جاهلية،
ومن قُتل تحت راية عمّيّة، يغضب للعصبة، وينصر لعصبة، ويدعو إلى عصبة،
فقُتل، فقتلة جاهلية، ومن خرج على أمتي، يضرب برّها، وفاجرها، لا يتحاش
من مؤمنها، ولا يفي لذي عهدها، فليس من أمتي)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٧٩] (.) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ،
حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُوذٍ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ رِيَاحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاَعَةَ، ثُمَّ مَاتَ مَاتَ
مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ، يَغْضَبُ لِلْعَصَبَةِ، وَيُقَاتِلُ لِلْعَصَبَةِ، فَلَيْسَ
مِنْ أُمَّتِي، وَمَنْ خَرَجَ مِنْ أُمَّتِي عَلَى أُمَّتِي، يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، لَا يَتَحَاشَ(٢)
مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِي بِذِي(٣) عَهْدِهَا، فَلَيْسَ مِنِّي))).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ) تقدّم قبل أربعة أبواب.
٣ - (مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديّ الْمِعْوليّ، أبو يحيى البصريّ، ثقةٌ، من
صغار [٦] (ت١٧٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٧/٤٧.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (لَا يَتَحَاشَ) وفي بعض النسخ: ((ولا يتحاشى)).
وقوله: (بِذِي عَهْدِهَا) وفي بعض النسخ: ((ولا لذي عهدها)) باللام.
والحديث من أفراد المصنّف نَّثُ، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في
الذي قبله، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَظْلَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٨٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
(١) ((مسند أبي عوانة)) ٤٢١/٤.
(٣) وفي نسخة: ((الذي)).
(٢) وفي نسخة: (ولا يتحاشى)).

١٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ غَيْلَانَ بْنٍ جَرِيرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، أَمَّا ابْنُ الْمُثَنَّى
فَلَمْ يَذْكُرِ النَّبِيَّ ◌ََّ فِي الْحَدِيثِ، وَأَمَّا ابْنُ بَشَّارٍ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبله.
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن شعبة هذه لم أجد من ساقها،
فلْيُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٨١] (١٨٤٩) - (حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الْجَعْدِ
أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، يَرْوِبِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِِّ: ((مَنْ رَأَى
مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئاً يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْراً، فَمَاتَ، فَمِيئَةٌ(١) جَاهِلِيَّةٌ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ) البَجَليّ، أبو عليّ الْبُورانيّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٠ أو ٢٢١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
٢ - (الْجَعْدُ أَبو عُثْمَانَ) هو: الجعد بن دينار اليشكريّ الصيرفيّ البصريّ،
ثقةٌ [٤] (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٣٤٥/٦٢.
٣ - (أَبُو رَجَاءٍ) عمران بن مِلْحان، أو ابن تيم، أو ابن عبد الله الْعُطارديّ
البصريّ، مخضرم ثقةٌ معمّرٌ [٢] (ت ١٠٥) وله (١٢٠) سنةً (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٣٤٥/٦٢.
٤ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﴿ّ تقدّم قبل أربعة أبواب.
و «حماد بن زيد)) ذُكر قبل حدیثین.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَثُ، وأنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه،
(١) وفي نسخة: ((فميتته)).

١٧٧
(١٣) - بَابُ وُجُوب مُلَازَمَةٍ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٨١)
فكوفيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وفيه ابن عبّاس ◌ُّ حبر الأمة،
وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثاً،
وهو آخر من مات من الصحابة
بالطائف سنة (٦٨).
شرح الحديث:
ا، وقوله: (يَرْوِبِهِ) جملة حاليّة؛ أي: حال كون ابن
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ)
عبّاس ◌ِّ ينقل هذا الحديث عن النبيّ وَّر، قال في ((الفتح)): هو في معنى
قوله: ((عن النبيّ وَلَ)(١)، ثم أوضح معنى ((يرويه))، بقوله: (قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَنْ) شرطيّة مبتدأ، خبره «فليصبر))، (رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئاً
يَكْرَهُهُ) لمخالفته الشرع، أو لمخالفته ما تحبّه نفسه، (فَلْيَصْبِرْ) على ذلك
المكروه، (فَإِنَّهُ) الفاء للتعليل؛ والهاء ضمير الشأن؛ أي: لأن الأمر والشأن
(مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْراً)؛ أي: مقدار شبر، وَكَنَى به عن الخروج على
السلطان، ولو بأدنى نوع من أنواع الخروج، أو بأقلّ سبب من أسباب الفرقة.
وقال في ((الفتح)): وقوله: ((شبراً)) - بكسر المعجمة، وسكون الموحدة -
وهي كناية عن معصية السلطان ومحاربته، قال ابن أبي جمرة: المراد
بالمفارقة: السعي في حَلّ عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير، ولو بأدنى
شيء، فكنى عنها بمقدار الشبر؛ لأن الأخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء
بغير حقّ (٢).
(فَمَاتَ، فَمِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ) وفي بعض النسخ: ((فميتته جاهليّة))؛ أي: كموتة
أهل الجاهليّة من الضلالة، والفرقة، وفي الرواية التالية: ((فإنه ليس أحدٌ من
الناس يخرج من السلطان شبراً فمات عليه إلا مات ميتةً جاهليّةً))، وفي رواية
للبخاريّ: ((مات ميتةً جاهليّةً))، وفي حديث ابن عمر الآتي عند مسلم، رفعه:
((مَن خَلَعِ يداً من طاعةٍ، لقي الله ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعةٌ،
مات ميتةً جاهليةً)).
وقال الكرمانيّ ◌َُّ عند قوله: ((فإنه من فارق الجماعة شبراً، فمات إلا
(١) ((الفتح)) ٦٢٦/١٦ رقم (٧١٤٣).
(٢) ((الفتح)) ٤٣٨/١٦ رقم (٧٠٥٣).

١٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
مات ميتةً جاهليّةً)) قال: ((من)) للاستفهام الإنكاريّ؛ أي: ما فارق الجماعة أحدٌ
إلا جرى له كذا، أو ((ما)) مُقَدَّرة، قال ابن مالك: جاز ذلك كقوله [من الطويل]:
فَوَ اللهِ مَا نِلْتُمْ وَلَا نِيلَ مِنْكُمُ بِمُعْتَدِلٍ وَفْقٍ وَلَا مُتَقَارِبٍ
أو ((إلا)) زائدة، قال الأصمعيّ: تقع ((إلا)) زائدةً، كقوله [من الطويل]:
عَلَى الْخَسْفِ أَوْ يَرْمِي بِهَا بَداً قَفْرًا(١)
خَرَاجِيجُ مَا تَنْفَكُ إِلَّا مُنَاخَةً.
أو عاطفة على رأي الكوفيين.
والمراد بالميتة الجاهلية - وهي بكسر الميم: حالة الموت؛ أي: كموت
أهل الجاهلية على ضلال وليس له إمام مطاع؛ لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك،
وليس المراد أنه يموت كافراً، بل يموت عاصياً.
ويَحْتَمِل أن يكون التشبيه على ظاهره، ومعناه: أنه يموت مثل موت
الجاهليّ، وإن لم يكن هو جاهليّاً، أو أن ذلك ورد مورد الزجر والتنفير، وظاهره
غير مراد، ويؤيد أن المراد بالجاهلية التشبيه قوله في الحديث الآخر: ((من فارق
الجماعة شبراً، فكأنما خَلَع رِبْقة الإسلام من عنقه))، أخرجه الترمذيّ، وصححه
ابن خزيمة، وابن حبان من حديث الحارث بن الحارث الأشعريّ في أثناء حديث
طويل، وأخرجه البزار، والطبرانيّ في ((الأوسط))، من حديث ابن عباس، وفي
سنده ◌ُخُلَيد بن دعلج، وفيه مقال(٢)، وقال: ((من رأسه)) بدل ((عنقه).
قال ابن بطال كثّثهُ: في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان
ولو جار، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلِّب، والجهاد
معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لِمَا في ذلك من حَقْن الدماء، وتسكين
الدَّهْماء، وحجتهم هذا الخبر، وغيره، مما يساعده، ولم يستثنوا من ذلك إلا
إذا وقع من السلطان الكفر الصريح، فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب
مجاهدته لمن قَدَر عليها، أفاده في ((الفتح))(٣)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(١) ((شرح الكرمانيّ على صحيح البخاريّ)) ١٤٧/٢٤.
(٢) قال عنه في ((التقريب)): ضعيف من السابعة.
(٣) ((الفتح)) ٤٣٨/١٦، كتاب ((الفتن)) رقم (٧٠٥٣).

١٧٩
(١٣) - بَابُ وُجُوب مُلَزَمَةٍ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٨٢)
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌َّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧٨١/١٣ و٤٧٨٢] (١٨٤٩)، و(البخاريّ) في
((الفتن)) (٧٠٥٣ و٧٠٥٤) و((الأحكام)) (٧١٤٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١/
٢٧٥ و٣١٠)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣١٤/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٤٢٣/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٦٠/١٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده))
(٢٣٤/٤)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنّة)) (٥٢٤/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(١٥٧/٨) و((شعب الإيمان)) (٦٠/٦)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٨٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا
الْجَعْدُ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءِ الْعُطَارِدِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ قَالَ: (مَنْ
كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئاً، فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ خَرَجَ (١) مِنَ السُّلْطَانِ
شِبْراً، فَمَاتَ عَلَيْهِ إِلَّ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان العنبريّ البصريّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ)؛ أي: ذلك الشيء الذي كرهه.
وقوله: (فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ ... إلخ) الضمير للشأن، كما سبق قريباً.
وقوله: (خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ)؛ أي: من طاعة السلطان، وفي بعض
النسخ: ((یخرج)).
وقوله: (فَمَاتَ عَلَيْهِ)؛ أي: على ذلك الخروج؛ يعني: أنه لم يتب منه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، في الحديث الماضي، ولله
الحمد والمنّة.
(١) وفي نسخة: ((يخرج)).

١٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٨٣] (١٨٥٠) - (حَدَّثَنَا هُرَيْمُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ:
سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ جُنْدَبٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَحَلِيِّ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ، يَدْعُو عَصَبِيَّةً، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً، فَقِتْلَةٌ
جَاهِلِيَّةٌ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هُرَيْمُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى) بن الفُرات الأسديّ، أبو حمزة البصريّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٣٥) على الصحيح (م) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٤/٥٥، من أفراد المصنّف.
٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يلقّب بالظُّفَيل،
ثقةٌ، من كبار [٩] (ت١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٥/١.
٣ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخان التيميّ، نزل في بني تيم، فنُسب إليهم،
أبو المعتمر البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت١٤٣) وهو ابن (٩٧) سنةً (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٩/٣.
٤ - (أَبُو مِجْلَزِ) لاحق بن حُميد بن سعيد السَّدُوسيّ البصريّ، ثقةٌ، من
كبار [٣] (٦ أو ١٠٩) (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٥٤٧/٥٦.
٥ - (جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيُّ) ثمّ الْعَلَقيّ، أبو عبد الله الصحابيّ
الشهير، مات رظ به بعد الستين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٦/٤٣.
رطُبه هذا من
قال الجامع عفا الله عنه: حديث جندب بن عبد الله البجليّ
أفراد المصنّف نَظّتُهُ، أخرجه هنا [٤٧٨٣/١٣] (١٨٥٠)، وأخرجه (النسائيّ)
في ((البيعة)) (١٢٣/٧) وفي ((الكبرى)) (٣٥٨٠)، وشرحه يُعلم من شرح حديث
أبي هريرة ظُّه الماضي، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٨٤] (١٨٥١) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
عَاصِمٌ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ زَيْدٍ - عَنْ زَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ نَافِعِ، قَالَ: جَاءَ
عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مُطِيعٍ، حِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَرَّةِ مَّا كَانَ، زَمَنَ
يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: اطْرَحُوا لأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وِسَادَةً، فَقَالَ: إِنِّي لَمْ آتَِّكَ
لِأَجْلِسَ، أَتَيْئَكَ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثاً سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِ يَقُولُهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَاهـ