النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
(١٠) - بَابُ الْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ الأَوَّلِ، فَالأَوَّلِ - حديث رقم (٤٧٦٨)
[تنبيه]: رواية وكيع، عن الأعمش هذه ساقها الإمام أحمد تَخْذّتُهُ في
((مسنده))، فقال :
(٦٧٩٣) - حدّثنا عبد الله (١)، حدّثني أبي، ثنا وكيعٌ، ثنا الأعمش، عن
زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، عن عبد الله بن عمرو،
قال: كنت جالساً معه في ظل الكعبة، وهو يحدّث الناس، قال: كنا مع
رسول الله و 38 في سفر، فنزلنا منزلاً، فمنا من يضرب خباءه، ومنّا من هو في
جَشَرَةٍ، ومنا من يَنتضل، إذ نادى منادي رسول الله وَله: ((الصلاة جامعة))،
قال: فانتهيت إليه، وهو يخطب الناس، ويقول: ((أيها الناس إنه لم يكن نبيّ
قبلي، إلا كان حقّاً عليه أن يدُلّ أمته على ما يعلمه خيراً لهم، ويُنذرهم ما
يعلمه شرّاً لهم، ألا وإن عافية هذه الأمة في أولها، وسيصيب آخرها بلاء،
وفِتَنِّ يُرَقِّق بعضها بعضاً، تجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم
تنكشف، ثم تجيء، فيقول: هذه، هذه، ثم تجيء، فيقول: هذه، هذه، ثم
تنكشف، فمن أحبّ أن يُزَحْزَح عن النار، ويُدْخَل الجنةَ، فلتدركه منيّته، وهو
يؤمن بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس ما يُحِبّ أن يؤتى إليه، ومن بايع
إماماً فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع - وقال مرّةً -: ما
استطاع))، فلمّا سمعتها أدخلت رأسي بين رَجُلين، وقلت: فإن ابن عمك
معاوية يأمرنا، فوضع جُمْعَه على جبهته، ثم نكس، ثم رفع رأسه، فقال: أطعه
في طاعة الله، واعصه في معصية الله، قلت له: أنت سمعت هذا من
رسول الله وَز؟ قال: نعم، سمعته أذناي، ووعاه قلبي. انتهى(٢).
وأما رواية أبي معاوية، عن الأعمش، فساقها الإمام أحمد نَّهُ في
((مسنده)) أيضاً، فقال:
(٦٥٠٣) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش،
عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، قال: انتهيت إلى
عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو جالس في ظل الكعبة، فسمعته يقول: بينا
(١) هو: ولد الإمام أحمد، راوي ((المسند)) عنه.
(٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١٩١/٢.

١٤٢
البحر المحيط النجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
نحن مع رسول الله وَلّ في سفر، إذ نزل منزلاً، فمنا من يضرب خباءه،
ومنا من هو في جَشَرَةٍ، ومنا من ينتضل، إذ نادى مناديه: ((الصلاة جامعة))،
قال: فاجتمعنا، قال: فقام رسول الله وَلقه، فخطبنا، فقال: ((إنه لم يكن نبيّ
قبلي، إلا دلّ أمته على ما يعلمه خيراً لهم، ويحذّرهم ما يعلمه شرّاً لهم،
وإن أمتكم هذه جُعلت عافيتها في أولها، وإن آخرها سيصيبهم بلاء شديد،
وأمور تنكرونها، تجيء فتن يُرَقِّق بعضها لبعض، تجيء الفتنة فيقول المؤمن:
هذه مهلكتي، ثم تنكشف، ثم تجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه، ثم
تنكشف، فمن سرّه منكم أن يُزَحْزَحَ عن النار، وأن يُدْخَل الجنةَ، فلتدركه
موتته، وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى
إليه، ومن بايع إماماً، فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه ما استطاع،
فإن جاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق الآخر))، قال: فأدخلت رأسي من بين
الناس، فقلت: أنشدك بالله آنت سمعت هذا من رسول الله وَ لا؟ قال:
فأشار بيده إلى أذنيه، فقال: سمعته أذناي، ووعاه قلبي، قال: فقلت: هذا
ابن عمك معاوية - يعني: يأمرنا بأكل أموالنا بيننا بالباطل، وأن نقتل
أنفسنا، وقد قال الله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ
بَيْنَكُم بِلْبَطِلِ﴾. قال: فجمع يديه، فوضعهما على جبهته، ثم نكس هُنَّةً،
ثم رفع رأسه، فقال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله رَبَّك.
انتھی(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٦٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُنْذِرِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ
عُمَرَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا (٢) عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ،
عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ الرحمُنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ الصَّائِدِيِّ(٣)، قَالَ: رَأَيْتُ جَمَاعَةً
عِنْدَ الْكَغْبَةِ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الأَعْمَشِ).
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١٦١/٢.
(٢) وفي نسخة: ((حدّثني)).
(٣) وفي نسخة: ((العائذيّ)).

١٤٣
(١٠) - بَابُ الْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ الأَوَّلِ، فَالأَوَّلِ - حديث رقم (٤٧٦٩)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) النيسابوريّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو الْمُنْذِرِ إِسْمَّاعِيلُ بْنُ عُمَرَ) الواسطيّ، نزيل بغداد، ثقة [٩].
رَوَى عن مالك بن أنس، ومالك بن مِغْوَل، والمسعوديّ، وعيسى بن
طَهْمان، والثوريّ، وورقاء، ويونس بن أبي إسحاق، وداود بن قيس الفرّاء،
وغيرهم.
ورَوَى عنه محمد بن سعد، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل،
ومحمد بن رافع، وأبو خيثمة، والحسن بن الصباح، وأحمد بن الوليد الفَحّام،
وغيرهم.
قال أحمد بن منصور: قلت لأحمد: عمن أكتُبُ من المشيخة؟ قال: أبو
المنذر إسماعيل بن عمر، قال: وكان عابداً، ووثّقه ابن المدينيّ، وقال ابن
معين: من تُجّار أهل واسط، ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال أبو
بكر الخطيب: كان ثقةً، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات بعد
المائتين.
أخرج له البخاريّ في ((خلق أفعال العباد)»، والمصنّف، وأبو داود،
والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٨٤٤)، وحديث
(١٩٣٥): ((بعث رسول الله وَ ﴿ سريّة ثلاثمائة، وأمّر عليهم أبا عبيدة بن
الجرّاح ... )) الحديث.
٣ - (يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ عمرو بن عبد الله الْهَمْدَانِيُّ) السَّبِيعيّ، أبو
إسرائيل الكوفيّ، صدوقٌ يَهِم قليلاً [٥].
رَوَى عن أبيه، وأنس، وأبي بردة، وأبي بكر ابني أبي موسى الأشعريّ،
وأبي السفر سعيد بن يُحْمِد، ويزيد بن أبي مريم، وإبراهيم بن محمد بن سعد،
وغيرهم.
وروى عنه ابنه عيسى، والثوريّ، وابن المبارك، وابن مهديّ، والقطان،
ووكيع، وأبو إسحاق الفزاريّ، والفضل بن موسى، وأبو المنذر إسماعيل بن
عمر، وغيرهم.
قال عمرو بن عليّ، عن ابن مهديّ: لم يكن به بأس، قال: وحدّث عنه

١٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
يحيى، وعبد الرحمن، وقال صالح بن أحمد، عن عليّ ابن المدينيّ: سمعت
يحيى، وذكر يونس بن أبي إسحاق، فقال: كانت فيه غفلة شديدة، وقال الأثر:
سمعت أحمد يضعّف حديث يونس، عن أبيه، وقال: حديث إسرائيل أحب إليّ
منه، وقال أبو طالب عن أحمد: في حديثه زيادة على حديث الناس، وقال
عبد الله بن أحمد عن أبيه: حديثه مضطربٌ، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن
معين: ثقةٌ، قلت: فيونس، أو إسرائيل من أحب إليك؟ قال: كلٌّ ثقة، وقال
إسحاق بن منصور وغيره، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: كان صدوقاً،
إلا أنه لا يُحتجّ بحديثه، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال ابن عديّ: له
أحاديث حسان، وروى عنه الناس، وحديث أهل الكوفة عامته تدور على ذلك
البيت، وقال ابن سعد: كانت له سُنَنٌ عاليةٌ، ورَوَى عن عامة رجال أبيه، وكان
ثقةً إن شاء الله تعالى، وقال الساجيّ: صدوقٌ، كان يُقَدِّم عثمان على عليّ،
وضعّفه بعضهم، وقال أبو أحمد الحاكم: ربما وَهِم في روايته، وقال العجليّ:
جائز الحديث، وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال ابن معين: ليس به بأس،
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات سنة تسع وخمسين ومائة، وكذا
قال ابن سعد، وغيره في تاريخ وفاته، وقال ابن المدينيّ: مات سنة اثنتين،
ويقال: سنة تسع، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة ثمان وخمسين ومائة.
أخرج له البخاريّ في ((جزء القراءة))، والمصنّف، والأربعة، وليس له في
هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ) - بفتح الفاء - واسمه سعيد بن يُحْمِد،
ويقال: أحمد الْهَمْدانيّ الثوريّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن أبيه، وأبي بردة بن أبي موسى، وعامر الشعبيّ، ومصعب بن
شيبة، وأرقم بن شُرَحْبيل.
وروى عنه شعبة، وعُمر بن أبي زائدة، ويونس بن أبي إسحاق،
وعيسى بن يونس، والثوريّ، وشريك، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: مات في خلافة
مروان بن محمد، قال: وكان ثقةً، وليس بكثير الحديث، وقال العجليّ: كوفيّ
ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).

١٤٥
(١٠) - بَابُ الْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ الأَوَّلِ، فَالأَوَّلِ - حديث رقم (٤٧٦٩)
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله
في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (١٨٤٤) وحديث (١٩٢٩)
و(٢٦٩٣) و(٢٧١١).
٥ - (عَامِرُ) بن شَرَاحيل الشَّعْبيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ، فاضلٌ
[٣] مات بعد المائة، وله نحوٌ من ثمانين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
و((عبد الرحمن بن عبد ربّ الكعبة)) ذُكر قبله.
وقوله: (الصَّائِدِيِّ) قال النوويّ تَخَذَتُهُ: هكذا هو في جميع النسخ بالصاد،
والدال المهملة، وكذا نقله القاضي عياض عن جميع النسخ، قال: وهو غلط،
وصوابه ((العائذي)) بالعين، والذال المعجمة، قاله ابن الحباب، والنسابة، هذا
كلام القاضي، وقد ذكره البخاريّ في ((تاريخه))، والسمعانيّ في ((الأنساب))،
فقالا: هو الصائديّ، ولم يذكرا غير ذلك، فقد اجتمع مسلم، والبخاريّ،
والسمعانيّ على ((الصائدي))، قال السمعانيّ: هو منسوب إلى صائدٍ بطنٍ من
هَمْدان، قال: وصائد اسم كعب بن شُرَحْبيل بن شراحيل بن عَمْرو بن جُشَم بن
حاشد بن جُشَم بن خيوان بن نوف بن همدان بن مالك بن زيد بن كهلان بن
سلمة بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ. انتهى(١).
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الأَعْمَشِ) فاعل ((ذَكَرَ)) الظاهر أنه ضمير
عبد الله بن أبي السفر.
[تنبيه]: رواية عامر الشعبيّ، عن عبد الرحمن بن عبد ربّ الكعبة هذه
ساقها أبو عوانة تَخْتُ في ((مسنده))، فقال:
(٧١٤٩) - حدّثنا أبو فروة الرهاويّ، قال: ثنا أبو الجوّاب، قال: ثنا
يونس بن أبي إسحاق الهمدانيّ، قال: حدّثني عبد الله بن أبي السَّفَر، عن عامر
الشعبيّ، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، قال: رأيت جماعةً عند الكعبة،
فأقبلت، فإذا شيخ يحدِّثهم، وإذا هو عبد الله بن عمرو بن العاص، قال:
خرجنا مع رسول الله (18 في سفر، فنزل الناس، فنزلنا، فمنا من يبني خباءه،
ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جَشَرةٍ، إذ نادى منادي رسول الله وَالو:
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٣٥/١٢، و(الأنساب)) للسمعانيّ ٥٢٥/٣.

١٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
((الصلاة جامعة))، فانتهيت إلى النبيّ وَله، وهو يقول: ((إنه لم يكن نبيّ قبلي،
إلا حقّ على الله أن ينصر (١) أمته ما يعلم أنه خير لهم، ويحذّرهم، أو ينذرهم
ما يرى أنه شرّ لهم، ألا وإن أمتكم جُعلت عافيتها في أولها، ألا وتكون فتن،
وأمور يرمق بعضها بعضاً، فتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم
تنكشف، وتجيء الأخرى، فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، فمن سرّه أن يُزَحْزَح
من النار، ويُدْخَل الجنةَ، فلتدركه منيّته، وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت
إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه، ومن أعطى إماماً صفقة يمينه، وثمرة قلبه،
فليطعه ما استطاع، فإن خالف عليه رجل، فاجلدوا رأسه))، قال: ففرجت بين
رجلين، فقلت: أنت سمعت هذا من رسول الله وَل﴾؟، قال: نعم، سمعته
أذناي، ووعاه قلبي، قال: فقلت: كيف يأمرنا هذا ابن عمك معاوية؟ فذكر
مثله، فوضع يده على جبهته، ثم قال: اذهبوا، فأطيعوه ما أطاع الله، واعصوه
إذا عصى الله. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١١) - (بَابُ الأَمْرِ بِالصَّبْرِ عِنْدَ ظُلْمِ الْوُلَاةِ، وَاسْتِثْتَارِهِمْ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٧٠] (١٨٤٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكِ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ خُضَيْرٍ، أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ خَلَا بِرَسُولِ اللهِوَهِ، فَقَالَ:
أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي، كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلَاناً؟ فَقَالَ: ((إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا
حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قَتَادَةُ) بن دعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ،
(١) هكذا النسخة، والظاهر أنه مصحف من ((أن يُخْبِر ... إلخ))، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
(٢) ((مسند أبي عوانة)) ٤١٤/٤.

١٤٧
(١١) - بَابُ الأَمْرِ بِالصَّبْرِ عِنْدَ ظُلْمِ الْوُلَاةِ، وَاسْتِثَارِهِمْ - حديث رقم (٤٧٧٠)
يُدلّس، من رؤوس الطبقة [٤] (ت ٧ أو١١٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
٢ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الخادم الشهير،
مات رض اته سنة (٢ أو٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في (المقدمة)) ٣/٢.
٣ - (أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ) بن سِماك بن عَتيك الأنصاريّ الأشهليّ، أبو يحيى
الصحابيّ الجليل، مات ◌َظُه سنة (٢٠ أو٢١) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٣/ ٧٠٠.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َذَلُهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، وبالتحديث
والسماع من أوله إلى آخره، فقد صرّح قتادة بالسمع في السند التالي، وله فيه
شيخان قَرَنَ بينهما؛ لاتّحاد كفيّة التحمّل والأداء، وهما من التسعة الذين اتّفق
الجماعة على الرواية عنهم بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه رواية
صحابيّ عن صحابيّ، وفيه أنس ظُه الخادم الشهير خَدَمَ رسول الله وَّ عشر
سنين، فنال بركة دعوته، فطال عمره، وكثر أولاده، وأمواله، وهو من
المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً، وهو آخر من مات من الصحابة
بالبصرة، وأن أُسيد بن حضير به من أفاضل الصحابة، وممن شهد العقبة
الثانية، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) ظُه، صرّح قتادة بالسماع عنه في الرواية التالية،
(عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ) بتصغير الاسمين، قال في ((الفتح)): هو من رواية صحابيّ
عن صحابيّ، وقد رواه يحيى بن سعيد، وهشام بن زيد، عن أنس بدون ذكر
أُسيد بن حُضير، لكن باختصار القصة التي هنا، وذكر كل منهما قصةً أخرى
غير هذه، قال: ووقع لهذا الحديث قصة أخرى من وجه آخر فأخرج الشافعي
من رواية محمد بن إبراهيم التيميّ إلى أُسيد بن حُضير: ((طَلَب من النبيّ وَلـ
لأهل بيتين من الأنصار، فأَمَر لكل بيت بوسق من تمر، وشطر من شعير، فقال
أسيد: يا رسول الله جزاك الله عنا خيراً، فقال: وأنتم فجزاكم الله خيراً يا
معشر الأنصار، وإنكم لأَعِفّة صُبْرٌ، وإنكم ستلقون بعدي أثرةً ... )) الحديث،

١٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
وقوله: ((إنكم لأَعِفّة صُبْرٌ))، أخرجه الترمذيّ، والحاكم، من وجه آخر، عن
أنس، عن أبي طلحة، وسنده ضعيف(١).
(أَنَّ رَجُلاً) لم يُعرف اسمه(٢). (مِنَ الأَنْصَارِ خَلَا بِرَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ:
أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي)؛ أي: تجعلني عاملاً على الصدقة، أو على بلد، قال
الأبّيّ ◌َُّهُ: لعله قبل النهي عن سؤال الإمارة، أو بعده، ولم يبلغه، والظاهر
أنه لم يُسعفه، وقد قال: ((إنا لا نولّي عملنا من سأله)»، ولم ينكر عليه سؤاله
الإمارة كما أنكر على غيره، كما تقدّم، فلعله رأى أن الحامل له على السؤال
إنما هو عدم الصبر على الأثرة. انتهى(٣).
(كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلَاناً؟» لم يُعرف اسمه أيضاً، (فَقَالَ) وَ («إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ
بَعْدِي أَثَرَةً) - بفتح الهمزة، والمثلثة، أو بضم الهمزة، وسكون المثلثة - وأشار
بذلك إلى أن الأمر يصير في غيرهم، فيختصون دونهم بالأموال، وكان الأمر كما
وصف ◌َ ، وهو معدود فيما أخبر به وَ ﴿ من الأمور الآتية، فوقع كما قال(٤).
والسر في جوابه وَّلله عن طلب الولاية بقوله: ((سترون بعدي أثرة)) إرادة
نفي ظنِّه أنه آثر الذي ولَاه عليه، فَبَيَّن له أن ذلك لا يقع في زمانه بَّز، وإنه لم
يخصه بذلك لذاته، بل لعموم مصلحة المسلمين، وأن الاستئثار للحظ الدنيويّ
إنما يقع بعده، وأَمَرهم عند وقوع ذلك بالصبر(٥)، فقال: (فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي
عَلَى الْخَوْضِ) فيه بشارة للأنصار أنهم سَيَرِدُون حوضه وَلِ(٦).
وقال السنديّ تَخْتُهُ قوله: ((إنكم ستلقون بعدي أثرة): اسم من الإيثار؛
أي: إن الأمراء بعدي يُفَضِّلون عليكم غيركم، يريد: أنك ظننت هذا القدر أثرة،
(١) ((الفتح)) ٤٩٣/٨ - ٤٩٤، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٧٩٢).
(٢) ذكر الحافظ في ((الفتح)) (٤٩٤/٨): أنه ذَكَر في ((المقدمة)) أن السائل أسيد بن
حضير، والمستعمَل عمرو بن العاص، قال: ولا أدري الآن من أين نقلته؟ انتهى.
(٣) ((شرح الأتّيّ)) ١٩١/٥.
(٤) (الفتح)) ٤٩٣/٨ - ٤٩٤، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٧٩٢).
(٥) ((الفتح)) ١٦/ ٤٤١، كتاب ((الفتن)) رقم (٧٠٥٧).
(٦) ((المفهم)) ٤/ ٥٤.

١٤٩
(١١) - بَابُ الأَمْرِ بِالصَّبْرِ عِنْدَ ظَلْمِ الْوُلَّةِ، وَاسْتِثْتَارِهِمْ - حديث رقم (٤٧٧١)
وليس كذلك، ولكن الأثرة ما يكون بعدي، والمطلوب فيه منكم الصبر، فكيف
تصبر إذا لم تقدر أن تصبر على هذا القدر؟ فعليك بالصبر به، حتى تقدر على
الصبر فيما بعدُ، والحاصل: رآه مستعجلاً، فأرشده إلى الصبر على الإطلاق
بألطف وجه. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أُسيد بن حضير ◌َّ ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٤٧٧٠ و٤٧٧١ و٤٧٧٢] (١٨٤٥)،
و(البخاريّ) في ((مناقب الأنصار)) (٣٧٩٣) و((الفتن)) (٧٠٥٧)، و(النسائيّ) في
((آداب القضاء)) (٥٣٨٥) و(«الكبرى)) (٤٦٤/٣ و٩١/٥)، و(الترمذيّ) في ((الفتن))
(٢٢٨٤)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٦٥/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))
(٣٠٦/٦ و٤٧٦/٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٥١/٤ و٣٥٢)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (٤١٥/٤)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنّة)) (٢/ ٣٥٠)، و(البيهقيّ)
في ((الكبرى)) (١٥٩/٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الأمر بالصبر عند ظلم الولاة، واستئثارهم.
٢ - (ومنها): بيان معجزة النبيّ وَل حيث أخبر بما سيكون بعده، فوقع
طِبْق ما أخبر به.
٣ - (ومنها): بيان منقبة الأنصار، حيث مَدَحهم النبيّ بَّر كما سبق في
رواية الشافعيّ: ((يا معشر الأنصار إنكم لَأَعِقَةٌ صُبْرٌ))، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٧١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي يَحْتَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - بَعْنِي:
ابْنَ الْحَارِثِ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَساً يُحَدِّثُ
عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ خَلَا بِرَسُولِ اللهِ وَِّ، بِمِثْلِهِ).
(١) ((حاشية السنديّ على النسائيّ)) ٢٢٥/٨.

١٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) أو بعدها
(م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٥/١٤.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية خالد بن الحارث، عن شعبة، ساقها النسائيّ ◌َّتُهُ في
((المجتبى))، فقال:
(٥٣٨٥) - أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا خالد، قال: حدّثنا
شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أنساً يُحَدِّث عن أُسيد بن حُضير، أن رجلاً من
الأنصار جاء رسول الله وَله، فقال: ألا تستعملني، كما استعملت فلاناً؟ قال:
((إنكم ستلقون بعدي أثرةً، فاصبروا، حتى تلقوني على الحوض)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٧٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِيٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَقُلْ: خَلَا بِرَسُولِ اللهِ وَِّ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو عمرو البصريّ،
ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنَّى البصريّ
القاضي، ثقةٌ متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
و(شعبة)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ، عن شعبة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر،
والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(١) ((سنن النسائيّ)) ((المجتبى)) ٢٢٤/٨.

١٥١
(١٢) - بابٌ فِي طَاعَةِ الأُمَرَاءِ، وَإِنْ مَنَعُوا الْحُقُوقَ - حديث رقم (٤٧٧٣)
(١٢) - (بابٌ فِي طَاعَةِ الأُمَرَاءِ، وَإِنْ مَنَعُوا الْحُقُوقَ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٧٣] (١٨٤٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ
الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللهِ وَلِ، فَقَالَ: يَا
نَبِيَّ اللّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ، يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ، وَيَمْتَعُونَا حَقَّنَا، فَمَا تَأْمُرُّنَا؟
فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ
الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: ((اسْمَعُوا، وَأَطِيعُوا، فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا، وَعَلَيْكُمْ مَا
حُمِّلْتُمْ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ) بن أوس بن خالد الذَّهْليّ، أبو المغيرة الكوفيّ،
صدوقٌ، وروايته عن عكرمة خاصّةً مضطربةٌ، وقد تغيّر بآخره، فكان ربّما تلقّن
[٤] (ت١٢٣) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤.
٢ - (عَلْقَمَةُ بْنُ وَائِلِ الْحَضْرَمِيُّ) الكوفيّ، صدوقٌ [٣] (ي م ٤) تقدم
في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤.
٣ - (أَبُوهُ) وائل بن حُجْر بن سعد بن مرزوق الحضرميّ الصحابيّ
الجليل، كان من ملوك اليمن، ثم سكن الكوفة، ومات في خلافة معاوية
(ر م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َخَّتُهُ، وأن نصفه الأول مسلسل بالبصريين،
والثاني بالكوفيين، وأن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا
واسطة، كما سبق قبل حديثين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن
أبيه .

١٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
شرح الحديث:
(عَنْ عَلْقَمَةَ بْنٍ وَائِلِ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ) والصحيح أن علقمة سمع من
أبيه، (قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُّ بَزِيدَ الْجُعْفِيُّ) قال في ((تهذيب التهذيب)): سلمة بن
يزيد بن مشجعة بن المجمع بن مالك بن كعب بن سعد بن عوف بن خريم بن
جُعْفيّ الجعفيّ، ويقال: يزيد بن سلمة، والأول أصحّ، صحابيّ نزل الكوفة،
وكان وفد على النبيّ ◌َّهِ وحدّث عنه، وروى عنه علقمة بن قيس، وعلقمة بن
وائل بن حُجْر، ويزيد بن مُرّة الجهنيّ، له ذكر في ((صحيح مسلم)) في هذا
الحديث فقط، وروى له أبو داود في ((القدر))، والنسائيّ حديثاً واحداً: ((قلنا :
يا رسول الله إن أمنا مُليكة كانت تصل الرحم ... )) الحديث، وهو مما ألزم
الدارقطنيّ الشيخين إخراجه؛ لصحّة الطريق إليه، صحّحه جماعة، وقال
المرزبانيّ: وفد هو وأخوه لأمه قيس بن سلمة بن شراحيل، فأسلما، واستَعْمل
النبيّ وَيُ قيساً على بني مروان، وكتب له كتاباً. انتهى بزيادة من ((الإصابة))(١).
(رَسُولَ اللهِ وَّ﴾ بالنصب على المفعوليّة لـ((سأل))، (فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللّهِ
أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ، يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ، وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا) هكذا في أكثر
النسخ: ((يسألونا))، و((يمنعونا)) بنون واحدة، على حذف نون الوقاية، وهو جائز
في مثل هذا الفعل، وبعضهم يرى أن المحذوف نون الرفع، والأرجح أنها نون
الوقاية؛ لأنها منشأ الثقل، ووقع في بعض النسخ بنونين، وهو ظاهر، ومعنى:
((يسألونا حقّهم))؛ أي: يطلبون منا أن نوفّيهم الحقّ الذي وجب لهم، من
السمع والطاعة، ونحو ذلك، و((يمنعونا حقّنا))؛ أي: من العدل، وإعطاء
الغنيمة، ونحو ذلك. (فَمَا تَأْمُؤُنَا؟)؛ أي: أيّ شيء تأمرنا به أن نفعله تجاههم؟
(فَأَعْرَضَ عَنْهُ)؛ أي: ترك النبيّ وَّه إجابة سؤاله، قيل: يَحْتمل أن يكون هذا
الإعراض انتظاراً للوحي، ويَحْتَمِل أن يكون النبيّ وَّ تلمّس من لهجة السائل،
وكيفيّة سؤاله أنه يريد الاستئذان في الخروج على مثل هؤلاء الأئمة، فكان
الإعراض إنكاراً على ذلك، ولا يقال: إن فيه تأخيرَ البيان عن وقت الحاجة؛
(١) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ٨٠/٢، و((الإصابة)) ١٣١/٣ - ١٣٢.

(١٢) - بابٌ فِي طَاعَةِ الأُمَرَاءِ، وَإِنْ مَنَعُوا الْحُقُوقَ - حديث رقم (٤٧٧٣)
١٥٣
لأنه ◌َ﴿ أجاب عنه في نفس المجلس(١)، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: سكوتُ النبيُّ وَّه عن السائل حتى كرّر السؤال
ثلاثاً، يَحْتَمِل أن يكون لأنه كان ينتظر الوحي، أو لأنه كان يستخرج من
السائل حرصه على مسألته، واحتياجه إليها، أو لأنه كَرِه تلك المسألة؛ لأنها
لا تصدر في الغالب إلا من قلب فيه تشوّف لمخالفة الأمراء، والخروج عليهم.
انتھی(٢).
(ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ
الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ) بن معدي كرب الْكِنديّ، أبو محمد الصحابيّ، نزل الكوفة،
ومات سنة (٤٠ أو ٤١ أو ٤٦) تقدّم في ((الإيمان)) ٣٦٢/٦٤.
والمعنى: أنه لَمّا رأى الأشعث ◌َُّه إعراض النبيّ وَّ عن الجواب عن
سؤاله جذبه إلى نفسه؛ ليمنعه عن الاستمرار على السؤال؛ مخافة أن يسخط
النبيّ وَّه، ولكنه وَل﴾ أجاب عن سؤاله (وَقَالَ: ((اسْمَعُوا) قولهم، (وَأَطِيعُوا)
أمْرهم، أو اسمعوا ظاهراً، وأطيعوا باطناً، (فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا) - بتشديد
الميم مبنيّاً للمفعول -؛ أي: ما كُلِّفُوا به من العدل، وإعطاء الرعية حقّهم،
(وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ) بضبط ما قبله؛ أي: كُلّفتم به، قال الطيبيّ: قدَّم الجارّ
والمجرور على عامله؛ للاختصاص؛ أي ليس على الأمراء إلا ما حمّلهم الله،
وكَلَّفهم به من العدل والتسوية، فإذا لم يقوموا بذلك فعليهم الوزر والوبال،
وأما أنتم فعليكم ما كُلُّفتم به من السمع والطاعة، وأداء الحقوق، فإذا قمتم بما
علیکم فالله تعالی یتفضل علیکم، ویثییکم به.
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: يعني: أن الله تعالى كلَّف الولاة العدل، وحسن
الرعاية، وكلّف المُوَلَّى عليهم الطاعة، وحسن النصيحة، فأراد أنه إن عصى
الأمراءُ اللهَ فيكم، ولم يقوموا بحقوقكم، فلا تعصوا الله أنتم فيهم، وقوموا
بحقوقهم، فإن الله مُجازٍ كل واحدٍ من الفريقين بما عَمِلَ. انتهى (٣).
وقال المباركفويّ كَّلُ في ((شرح الترمذيّ)): ((وإنما عليكم ما حُمِّلتم))؛
(١) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٣٤١/٣.
(٢) ((المفهم)) ٤/ ٥٥.
(٣) ((المفهم)) ٥٥/٤.

١٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
أي: من الطاعة، والصبر على البلية، وكأن الحديث مقتبس من قوله تعالى:
﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولُ فَإِنِ تَوَلَّوْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُرِّ وَإِن
[النور: ٥٤] انتهى (١).
٥٤
تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَغُ الْمُبِيثُ
وحاصله أنه يجب على كلّ أحد أداء ما كُلِّف به، ولا يجوز أن يتعدّ
حدوده، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
ـّه هذا من أفراد
(المسألة الأولى): حديث وائل بن حُجْر الحضرميّ
المصنّف نَخْدَتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧٧٣/١٢ و٤٧٧٤] (١٨٤٦)، و(الترمذيّ) في
((الفتن)) (٢٢٩٥)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (١٣٧/١)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (٤٦٧/٧)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٤٠/٧ و١٦/١٢ و٢٤٢)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (٤١٥/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٥٨/٨) و((شعب
الإيمان)) (٦١/٦)، وفوائده تقدّمت، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٧٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ، وَقَالَ: فَجَذَبَهُ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِن ◌َّهِ: ((اسْمَعُوا، وَأَطِيعُوا، فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا، وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (شَبَابَةُ) بن سَوَّار المدائنيّ، تقدّم قبل بابين.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية شبابة بن سَوّار، عن شعبة هذه ساقها أبو عوانة تَخّْثُهُ في
((مسنده))، فقال:
(١) ((تحفة الأحوذيّ)) ٣٦٨/٦.

١٥٥
(١٣) - بَابُ وُجُوب مُلَازَمَةِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ، ... إلخ- حديث رقم (٤٧٧٥)
(٧١٥٢) - حدّثنا عباس الدُّوريّ، قئنا شبابة بن سوّار، قال: ثنا شعبة،
عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن أبيه ظُته، قال: سأل يزيد بن سلمة
الأشجعيّ رسول الله وَله، فقال: أرأيت إن قامت علينا أمراء، يسألونا حقّهم،
ويمنعونا حقّنا، فأعرض عنه النبيّ وَلّ، ثم سأله، فأعرض عنه، ثم سأل،
فجذبه الأشعث بن قيس، فقال رسول الله وَله: ((اسمعوا، فإنما عليهم ما
حُمِّلوا، وعليكم ما حُمِّلتم)). انتهى(١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(١٣) - (بَابُ وُجُوب مُلَازَمَةٍ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ،
وَفِي كُلِّ حَالٍ، وَتَحْرِيمِ الْخُرُوجِ مِنَ الطَّاعَةِ، وَمُفَارَقَةِ الْجَمَاعَةِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقََّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٧٥] (١٨٤٧) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم،
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الْحَضْرَمِيُّ، أَنَّهُ
سَمِعَ أَبًا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ
يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ؛ مَخَافَةً أَنْ يُدْرِكَنِي،
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ
هَذَا الْخَيْرِ شَرِّ؟، قَالَ: ((نَعَمْ))، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: ((نَعَمْ،
وَفِيهِ دَخَنٌ))، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: ((قَوْمٌ يَسْتَقُّونَ بِغَيْرٍ سُنَّتِي، وَيَهْدُونَ بِغَيْرٍ
هَدْبِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ))، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرِّ؟ قَالَ: ((نَعَمْ،
دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابٍ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَغُوهُ فِيهَا))، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ
صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: ((نَعَمْ، قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا))، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ،
فَمَا تَرَى(٢) إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: ((تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِمَامَهُمْ))، فَقُلْتُ:
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ، وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ
(١) ((مسند أبي عوانة)) ٤١٥/٤.
(٢) وفي نسخة: ((فما تأمرني)).

١٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ، حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ، وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ))).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، لكنه
كثير التدليس والتسوية [٨]°(ت٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٤/١٠.
٣ - (عَبْدُ الرحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ) الأزديّ، أبو عُتبة الشاميّ الدارانيّ،
ثقة [٧] مات سنة بضع و(١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤٨/١٠.
٤ - (بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الْحَضْرَمِيُّ) الشاميّ، ثقةٌ حافظٌ [٤] (ع) تقدم في
((الصلاة)) ١٠٠١/٣١.
٥ - (أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ) عائذ الله بن عبد الله، ثقةٌ [٢] (ت٨٠) (ع)
تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٩/٦.
٦ - (حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ) اسم أبيه حُسيل - مصغّراً - أو حِسْل الْعَبْسيّ،
حليف الأنصار الصحابيّ الجليل، وأبوه أيضاً صحابيّ ضًا، مات سنة (٣٦)
(ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٥٧.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َظْلَتُهُ، وهو سند البخاريّ في ((صحیحه))، فقد
أخرجه عن شيخه، وهو مسلسلٌ بالشاميين، غير شيخه، فبصريّ، والصحابي
مدائنيّ، ومسلسلٌ أيضاً بالتحديث والسماع، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ
مخضرم، وفيه حذيفة ◌ُه ابن صحابيّ، ومن أكابر الصحابة
ـيّة، ومن
السابقين إلى الإسلام، وصحّ في ((صحيح مسلم)) أنه وَلّر أعلمه بما كان وما
يكون إلى أن تقوم الساعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ الْحَضْرَمِيِّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ) عائذ الله بن
عبد الله، وُلد في حياة النبيّ وَّه يوم حنين، وسمع من كبار الصحابة، قال
سعيد بن عبد العزيز: كان عالم الشام بعد أبي الدرداء ◌َُّه. (يَقُولُ: سَمِعْتُ
حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ) ﴿يَا (يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ لَّهِ. عَنِ الْخَيْرِ،
وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ) قال القرطبيّ تَُّهُ: يعني: أنه كان أكثر مسائل الناس

١٥٧
(١٣) - بَابُ وُجُوب مُلَازَمَةٍ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٧٥)
عن الخير، وكانت أكثر مسائله عن الشر، وإلّا فقد سأل غيره رسول الله وَله
عن كثير من الشر، وقد كان حذيفة أيضاً يسأل رسول الله وَ لفر عن كثير من
الخير، والخير والشر المعْنِيّان في هذا الحديث إنما هما استقامة أمر دِين هذه
الأمة، والفتن الطارئة عليها؛ بدليل باقي الحديث، وجواب النبيّ ◌َّ له بذلك.
انتھی(١).
(مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي) وفي رواية نصر بن عاصم، عن حذيفة، عند ابن أبي
شيبة: ((وعَرَفت أن الخير لن يسبقني)).
وقال القرطبيّ تَخْذَتُهُ: قوله: ((مخافة أن يدركني)) يدلّ على حزم
حذيفة ظه، وأخذه بالحذر، وذلك: أنه كان يتوقع موت النبيّ وَّ، فيتغير
الحال، وتظهر الفتن، كما اتفق، وفيه دليل: على فرض المسائل، والكلام
عليها قبل وقوعها، إذا خيف مَوْتُ العالم. انتهى(٢) .
(فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرِّ) يشير إلى ما كان قبل
الإسلام، من الكفر، وقَتْل بعضهم بعضاً، ونَهْب بعضهم بعضاً، وإتيان
الفواحش، (فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذَا الْخَيْرِ)؛ يعني: الإيمان، والأمن، وصلاح الحال،
واجتناب الفواحش، وفي رواية أبي سلّام، عن حذيفة التالية: ((فجاء الله بخير،
فنحن فيه))، (فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرِّ؟، قَالَ: ((نَعَمْ))) في رواية نصر بن عاصم:
(فتنة))، وفي رواية سبيع بن خالد، عن حذيفة، عند ابن أبي شيبة: ((فما
العصمة منه؟ قال: السيف، قال: فهل بعد السيف من تَفِيَّة؟ قال: نعم، هُدْنة))،
والمراد بالشرّ: ما يقع من الفتن من بعد قتل عثمان، وهَلُمّ جَرّا، أو ما يترتب
على ذلك من عقوبات الآخرة(٣).
وقال القرطبيّ كلُّ: يعني به: الطارئة بعد انقراض زمان الخليفتين،
(٤)
٠
كما تقدم
والصدر من زمان عثمان
(فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرِ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ))) - بفتح
(١) «المفهم)) ٤/ ٥٥.
(٢) ((المفهم)) ٥٥/٤.
(٣) ((الفتح)) ٤٨٥/١٦، كتاب ((الفتن)) رقم (٧٠٨٤).
(٤) ((المفهم)) ٤/ ٥٥.

١٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
الدال المهملة، ثم الخاء المعجمة، بعدها نون - وهو الحقد، وقيل: الدَّغَلُ،
وقيل: فساد في القلب، ومعنى الثلاثة متقارب، يشير إلى أن الخير الذي يجيء
بعد الشرّ لا يكون خيراً خالصاً، بل فيه كَدَرٌ، وقيل: المراد بالدَّخَن: الدُّخان،
ويشير بذلك إلى كدر الحال، وقيل: الدخن كل أمر مكروه، وقال أبو عبيد:
يفسر المراد بهذا الحديث الحديثُ الآخر: ((لا ترجع قلوب قوم على ما كانت
عليه))، وأصله أن يكون في لون الدابة كُدُورةٌ، فكأن المعنى: أن قلوبهم لا
يصفو بعضها لبعض، ولا يزول خبثها، ولا ترجع إلى ما كانت عليه من
الصفا (١)
.
وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((فهل بعد ذلك الشرّ من خير؟ قال: نعم،
وفيه دخن)) بفتح الدال، والخاء لا غير، وهو عبارةٌ عن الكدر، ومنه قولهم:
هُدْنَةٌ على دخنٍ، حَكَى معناه أبو عبيد، وقيل: هي لغة في الدُّخان، ومنه
الحديث، وذكر فتنة فقال: ((دَخَنُهَا من تحت قدمِي، رجلٌ من أهل
بيتي ... ))(٢) .
وقيل: إنَّ خبر حذيفة هذا إشارةٌ إلى مُدَّة عمر بن عبد العزيز، قال
القرطبيّ: وفيه بُعْدٌ، بل الأَولى أن الإشارة بذلك إلى مُدّة خلافة معاوية، فإنها
كانت تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر، وهي مدّة الهدنة التي كان فيها الدَّخن؛ لأنه
لمّا بايع الحسنُ معاويةَ، واجتمع الناس عليه كره ذلك كثير من الناس بقلوبهم،
وبقيت الكراهة فيهم، ولم تُمكِنُهم المخالفة في مدة معاوية، ولا إظهارها إلى
زمن يزيد بن معاوية، فأظهرها كثير من الناس، ومدة خلافة معاوية كان الشرّ
فيها قليلاً، والخير غالباً، فعليهم يصدق قوله وَّفيه: (تَعْرِف منهم، وتُنْكِر))، وأمَّا
خلافة ابنه فهي أول الشرِّ الثالث، ويزيد، وأكثر ولاته، ومَن بعده من خلفاء
بني أميةَ هم الذين يَصْدُق عليهم أنّهم: ((دُعَاةٌ على أبواب جهنم، من أجابهم
إليها قذفوه فيها))، فإنهم لم يسيروا بالسَّواء، ولا عدلوا في القضاء؛ يدلّ على
ذلك تَصَفَّحُ أخبارهم، ومطالعة سِيَرهم، ولا يُعْتَرِضُ على هذا بمدة خلافة
(١) ((الفتح)) ٤٨٥/١٦، كتاب ((الفتن)) رقم (٧٠٨٤).
(٢) رواه أحمد ١٣٣/٢، و((أبو داود)) (٤٢٤٢).

١٥٩
(١٣) - بَابُ وُجُوب مُلَازَمَةٍ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٧٥)
عمر بن عبد العزيز، بأنها كانت خلافةً عدلٍ؛ لِقِصَرها، ونُدُورها في بني أمية،
فقد كانت سنتين وخمسة أشهر، فكأنَّ هذا الحديث لم يتعرض لها، والله
(١)
أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن مدة خلافة معاوية ظُه محلّ نظر، بل
الأَولى حمله على مدّة خلافة عمر بن العزيز كَُّهُ، كما لا يخفى على من تتبّع
سِيَرهم، وسِيَر أهل زمانهم، والله تعالى أعلم.
(قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: ((قَوْمٌ يَسْتَقُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي، وَيَهْدُونَ) بفتح أوله
(بِغَيْرِ هَذْبِي) بياء الإضافة بعد الياء للأكثر، وبياء واحدة مع التنوين
للكشميهنيّ، والهدي: الهيئة، والسيرة، والطريقة، وفي رواية أبي سلّام التالية:
(يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي))، (تَعْرِفُ) بفتح أوله،
وكسر ثالثه، من المعرفة. (مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإنكار؛
يعني: تعرف بعض أعمالهم، وتُنكر بعضها، وفي حديث أم سلمة ﴿ا الآتي:
((ستكون أمراء، فتَعرفون، وتُنكرون، فمن كره برىء، ومن أنكَر سَلِم، لكن من
رضي، وتابع)). (فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرِّ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، دُعَاةٌ) بضمّ
الدال المهملة: جمع داع، كقاضٍ وقُضاة؛ أي: يدعون الناس إلى غير الحقّ،
(عَلَى أَبْوَابٍ جَهَنَّمَ) أَظْلَق عليهم ذلك باعتبار ما يؤول إليه حالهم، كما يقال
لمن أمر بفعل مُحَرَّم: وَقَفَ على شفير جهنم، وحاصل المعنى: أنهم دعاة إلى
الشرّ والفساد المؤدّي بصاحبه إلى دخول جهنّم، فالكلام تمثيل لتسويلهم،
وتزيينهم للناس الأعمال التي تستوجب العذاب، فكأنهم إذ يدعون إلى تلك
الأعمال وقوفٌ على أبواب جهنّم يدعون الناس إلى الدخول فيها، والله تعالى
أعلم.
(مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا)))؛ أي: رَمَوه في نار جهنّم، يعني بذلك مَن
وافقهم على آرائهم، واتّبعهم على أهوائهم كانوا قائديه إلى النار. (فَقُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللهِ صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: ((نَعَمْ، قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا)؛ أي: من أنفسنا، وعشيرتنا،
وقيل: معناه: من أهل ملّتنا، وقيل: من أبناء جنسنا، وفيه إشارة إلى أنهم من
(١) ((المفهم)) ٥٦/٤.

١٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
العرب، وقال الداوديّ: أي: من بني آدم، وقال القابسيّ: معناه أنهم في
الظاهر على ملتنا، وفي الباطن مخالفون، وجِلْدَة الشيء ظاهره، وهي في
الأصل غشاء البدن، قيل: ويؤيد إرادة العرب أن السُّمْرة غالبة عليهم، واللون
إنما يظهر في الجلد، ووقع في رواية أبي سلّام التالية: ((فيهم رجال قلوبهم
قلوب الشياطين، في جثمان إنس))، وقوله: ((جُثمان)) بضم الجيم، وسكون
المثلثة: هو الجسد، ويُطلق على الشخص.
قال القاضي عياض تَّلهُ: المراد بالشر الأول: الفتن التي وقعت بعد
عثمان، والمراد بالخير الذي بعده: ما وقع في خلافة عمر بن عبد العزيز،
والمراد بالذين تَعْرِف منهم وتُنكِر: الأمراء بعده، فكان فيهم من يتمسك بالسُّنَّة
والعدل، وفيهم من يدعو إلى البدعة، ويعمل بالْجَوْر.
قال الحافظ تَخْدَّقُ: والذي يظهر أن المراد بالشر الأول: ما أشار إليه من
الفتن الأولى، وبالخير: ما وقع من الاجتماع مع عليّ ومعاوية، وبالدَّخَن: ما
كان في زمنهما من بعض الأمراء، كزياد بالعراق، وخلاف من خالف عليه من
الخوارج، وبالدعاة على أبواب جهنم: من قام في طلب الملك، من الخوارج
وغيرهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله: ((الزَمْ جماعة المسلمين، وإمامهم))؛ يعني:
ولو جار، ويوضح ذلك رواية أبي سلّام: ((ولو ضَرَب ظهرك، وأخذ مالك))،
وكان مثل ذلك كثيراً في إمارة الحجاج ونحوه (١). (وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا)))؛ أي:
بالعربيّة، وفيه إشارة إلى أنهم من العرب، وقيل: معناه: يتكلّمون بلسان
الشريعة، مما قال الله تعالى ورسوله وَيه، وليس في قلوبهم شيء من الخير.
وقال القرطبيّ: يعني أنهم ينتمون إلى نَسَبِهِ، فإنهم من قريشٍ، ويتكلمون
بكلام العرب، وكذلك كانت أحوال بني أُميَّة(٢).
(قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا تَرَى) وفي بعض النسخ: ((فما تأمرني)) (إِنْ
أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: (تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِمَامَهُمْ))) بكسر الهمزة؛ أي:
أميرهم، زاد في رواية أبي سلّام: ((تسمع، وتطيع وإن ضَرَب ظهرك، وأخذ
(١) ((الفتح)) ٤٨٥/١٦، كتاب ((الفتن)) رقم (٧٠٨٤).
(٢) ((المفهم)) ٤/ ٥٧.