النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
(١٠) - بَابُ الْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ الأَوَّلِ، فَالأَوَّلِ - حديث رقم (٤٧٦٦)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ فُرَاتٍ) بن أبي عبد الرحمن التميميّ القزّاز الكوفيّ،
صدوقٌ بَهِم [٧].
رَوَى عن أبي مَعْشر زياد بن کلیب، وابن أبي مليكة، وغيلان بن جرير،
وأبيه فُرات.
وروى عنه ابنه زياد، وابن إدريس، ووكيع، وأبو نعيم، وأبو عاصم،
وغيرهم.
قال ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: منكر الحديث، نقله عنه ابنه في
((مقدمة الجرح والتعديل))، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وليس له عند المصنّف،
وابن ماجه إلا هذا الحديث، وعند الترمذيّ له حديث واحد فقط.
والباقون تقدّموا في الباب، وقبل باب.
[تنبيه]: رواية الحسن بن الفرات، عن أبيه هذه ساقها ابن ماجه تَخّْثهُ في
((سننه))، فقال:
(٢٨٧١) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد الله بن إدريس، عن
حسن بن فُرات، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله وَل: ((إن بني إسرائيل كانت تسوسهم أنبياؤهم، كلما ذَهَب نبيّ خَلَفه
نبيّ، وأنه ليس كائن بعدي نبيّ فيكم))، قالوا: فما يكون يا رسول الله؟ قال:
(تكون خلفاء، فتكثر))، قالوا: فكيف نصنع؟ قال: ((أوفوا ببيعة الأولِ،
فالأولِ، أدُّوا الذي عليكم، فسيسألهم الله رّ عن الذي عليهم)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٦٦] (١٨٤٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ،
وَوَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ
نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ،
(١) ((سنن ابن ماجه)) ٩٥٨/٢.

١٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي
شَيْئَةَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ: ((إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا))، قَالُوا: يَا
رَسُولَ اللهِ كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ؟ قَالَ: ((تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ،
وَتَسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُمْ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة عشر:
١ - (أَبُو الأَخْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم، الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ
صاحب حديث [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٥/٤.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم) المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) أو
بعدها، وقد قارب المائة (مّت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٥/٤.
٣ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ، الكوفيّ، نزل الشام
مرابطاً، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت١٨٧ أو ١٩١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٤ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن
عثمان العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٩) (خ م د س ق)
تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٦/٣٥.
٥ - (زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ) الْجُهنيّ، أبو سليمان الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ جليلٌ [٢]
مات بعد الثمانين، وقيل: (٩٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦٧ / ٣٧٤.
٦ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود بن غافل بن حبيب الْهُذليّ، أبو عبد الرحمن
الصحابيّ الشهير، مات رظُه سنة (٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/ ١١.
والباقون تقدّموا في الأبواب الثلاثة الماضية، و((أبو سعيد الأشجّ)) هو:
عبد الله بن سعيد، و((ابن نُمير)) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، و((أبو معاوية))
هو: محمد بن خازم الضرير، و((إسحاق بن إبراهيم)) هو: ابن راهويه، و((جرير))
هو ابن عبد الحميد.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَخّْثُ، وهو مسلسل بالكوفيين، فكلهم كوفيّون
إلا إسحاق، وابن خشرم فمروزيّان، و((أبو سعيد الأشجّ)) أحد التسعة الذين

١٢٣
(١٠) - بَابُ الْوَفَاءِ بَِيْعَةِ الْخُلَفَاءِ الأَوَّلِ، فَالأَوَّلِ - حديث رقم (٤٧٦٦)
روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه رواية تابعيّ عن
تابعيّ، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﴿ه، أحد السابقين إلى الإسلام،
ومن كبار علماء الصحابة، له مناقب جمّة، وأمّره عمر على الكوفة
شرح الحديث :
(عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) قال في ((الفتح)): للأعمش فيه شيخ آخر، أخرجه
الطبرانيّ في ((الأوسط)) من رواية يحيى بن عيسى الرمليّ، عن الأعمش، عن
أبي حازم، عن أبي هريرة ظُه، مثل رواية زيد بن وهب(١). (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن
مسعود ربه، صرّح به البخاريّ في ((علامات النبوّة)) من رواية الثوريّ، عن
الأعمش(٢). (قَالَ) ابن مسعود (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنَّهَا) هي ضمير القصّة،
وهي كضمير الشأن، إلا أن الفرق بينهما أنه إذا كان بلفظ المذكر يسمّى ضمير
الشأن، وإذا كان بلفظ المؤنّث يسمّى ضمير القصّة. (سَتَكُونُ بَعْدِي)؛ أي: بعد
موتي، (أَثَرَةٌ) تقدّم ضَبْطها؛ أي: الاستئثار في الحظوظ الدنيوية، والاختيار
لنفسه، والاختصاص بها، وقال النوويّ: المراد بها هنا: استئثار الأمراء
بأموال بيت المال. (وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا)))؛ يعني: من أمور الدين، (قَالُوا: بَا
رَسُولَ اللهِ كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ؟)؛ أي: بماذا تأمر من أدرك ذلك منّا؟
(قَالَ) ◌َِّ (تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ)؛ أي: تؤدّون إلى الأمراء الحق الذي
عليكم من بذل المال الواجب في الزكاة، والنفس في الخروج إلى الجهاد، عند
التعيين، ونحو ذلك، ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: ((أدّوا إليهم حقّهم))؛ أي:
حقّهم الذي وجِب لهم المطالبة به، وقبضه، سواء كان يختص بهم، أو يعمّ.
(وَتَسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُمْ)))؛ أي: بأن يلهمهم إنصافكم، أو يُبدلكم خيراً منهم،
وفي رواية البخاريّ: ((وسلوا الله حقّكم))، قال الطيبيّ تَُّ: أي: لا تكافئوا
استئثارهم باستئثاركم، ولا تقاتلوهم لاستيفاء حقّكم، بل وفّوا لهم حقّهم من
السمع والطاعة، وحقوق الدِّين، واسألوا الله تعالى أن يوصل إليكم حقّكم من
(١) ((الفتح)) ٤٣٦/١٦، كتاب ((الفتن)) رقم (٧٠٥٢).
(٢) ((الفتح)) ٤٣٦/١٦، كتاب ((الفتن)) رقم (٧٠٥٢).

١٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
الغنيمة، والفيء، ونحوهما، وكِلُوا إليه أمركم. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): الحديث ظاهره العموم في المخاطبين، ونقل ابن التين
عن الداوديّ أنه خاصّ بالأنصار، ولكن لا يلزم من مخاطبة الأنصار بذلك أن
يختص بهم، فإنه يختص بهم بالنسبة إلى المهاجرين، ويختص ببعض
المهاجرين دون بعض، فالمستأثر من يلي الأمر، ومن عداه هو الذي يستأثر
عليه، ولمّا كان الأمر يختص بقريش، ولا حظ للأنصار فيه خوطب الأنصار
بأنكم ستلقون أثرة، وخوطب الجميع بالنسبة لمن يلي الأمر، فقد ورد ما يدل
على التعميم، ففي حديث يزيد بن سلمة الجعفيّ، عند الطبرانيّ أنه قال: يا
رسول الله إن كان علينا أمراء يأخذون بالحق الذي علينا، ويمنعونا الحق الذي
لنا أنقاتلهم؟ قال: ((لا، عليهم ما حُمِّلوا، وعليكم ما حُمِّلتم)).
وأخرج مسلم، من حديث أم سلمة، مرفوعاً: ((سيكون أمراء، فيعرفون،
وينكرون، فمن كره برىء، ومن أنكر سَلِم، ولكن مَن رَضِي وتابع)»، قالوا:
أفلا نقاتلهم؟ قال: ((لا، ما صَلَّوا)).
ومن حديث عوف بن مالك، رفعه في حديث في هذا المعنى: ((قلنا: يا
رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا، ما أقاموا الصلاة))، وفي رواية له:
((بالسيف))، وزاد: ((وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه، فاكرهوا عمله، ولا
تنزعوا يداً من طاعة)).
وفي حديث عمر في مسنده للإسماعيليّ، من طريق أبي مسلم الْخَوْلانيّ،
عن أبي عُبيدة بن الجرّاح، عن عمر، رفعه: ((قال: أتاني جبريل، فقال: إن
أمتك مُفْتَتَنة من بعدك، فقلت: من أين؟ قال: من قِبَل أمرائهم، وقرّائهم، يَمنع
الأمراء الناس الحقوق، فيطلبون حقوقهم، فيُفتنون، ويتّبع القراء هؤلاء
الأمراء، فيُفتنون، قلت: فكيف يَسلَم من سَلِم منهم؟ قال: بالكف، والصبر،
إن أُعطوا الذي لهم أخذوه، وإن منعوه تركوه))(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥٦٣/٨.
(٢) ((الفتح)) ١٦/ ٤٣٧، كتاب ((الفتن)) رقم (٧٠٥٢).

١٢٥
(١٠) - بَابُ الْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ الأَوَّلِ، فَالأَوَّلِ - حديث رقم (٤٧٦٧)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ظُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧٦٦/١٠] (١٨٤٣)، و(البخاريّ) في
((المناقب)) (٣٦٠٣) و((الفتن)) (٧٠٥٢)، و(الترمذيّ) في ((الفتن)) (٢٢٨٥)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٣٨/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٤/١ و٣٨٦
و٤٢٨ و٤٣٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٩٦/١٠) و((الصغير)) (١٧٨/٢)،
و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٤١٠/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٨٨/٩)،
و(البزّار) في («مسنده)) (١٧٢/٥)، و(الشاشيّ) في ((مسنده)) (١٤٦/٢)،
و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (٦٩/٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب الوفاء ببيعة الأمراء.
٢ - (ومنها): أن هذا من معجزات النبيّ وَّر الباهرة، حيث وقع هذا
الإخبار متكررّاً .
٣ - (ومنها): الحثّ على السمع والطاعة، وإن كان المتولِّي ظالِماً
عَسُوفاً، فيُعْطَى حقّه من الطاعة، ولا يُخْرَج عليه، ولا يُخلَع.
٤ - (ومنها): أن حلّ مشكلة الأمراء لا تكون إلا بالتضرّع إلى الله تعالى
في كشفها، ودَفْع شرّه، وإصلاحه، فإن الله رَت كافٍ من توكّل عليه، ومجيب
من اضطّر، والتجأ إليه، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ الآية
[النمل: ٦٢]، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٦٧] (١٨٤٤) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ
إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ، قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ جَالِسٌ (١) فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ، فَأَتَيْتُهُمْ،
(١) وفي نسخة: ((جالساً)).

١٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ فِي سَفَرٍ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً، فَمِنَّا مَنْ يُصْلِحُ
خِبَاءَهُ، وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ، وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ، إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ وَليهِ :
الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَاجْتَمَعْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَقَالَ: ((إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيِّ قَبْلِي، إِلَّ
كَانَ حَقّاً عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ،
وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا،
وَتَجِي ءُ فِتْنَةٌ، فَيُرَفِّقُ(١) بَعْضُهَا بَعْضاً، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ
مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ، هَذِهِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ
يُزَحْزَعَ عَنِ النَّارِ، وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ، وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ،
وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ، وَمَنْ بَايَعَ إِمَاماً، فَأَعْطَاهُ صَفَّقَةَ يَدِهِ،
وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْبُطِعْهُ إِنِ اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ، فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ))،
فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ لَهُ: أَنْشُدُكَ الله(٢) أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ الهِ ◌ِ؟،
فَأَهْوَى إِلَى أُذُنَيْهِ، وَقَلْبِهِ بِيَدَيْهِ، وَقَالَ: سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، فَقُلْتُ لَهُ: هَذَا
ابْنُ عَمِّكَ مُعَاوِيَةُ يَأْمُرُنَا أَنْ تَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بَيْثَنَا بِالْبَاطِلِ، وَنَقْتُلَ أَنْفُسَنَا، وَاللهُ يَقُولُ:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً
عَن تَرَاضِ مِّنكُمْ وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (®﴾ [النساء]، قال:
فَسَكَتَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: أَطِعْهُ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَاعْصِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ) العائذيّ - بعين مهملة، وتحتانيّة،
وقيل: بالصاد المهملة - الكوفيّ، حديثه في أهل الكوفة، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن ابن مسعود، وعبد الله بن عمرو.
وروى عنه زيد بن وهب، والشعبيّ، وعون بن أبي شداد العقيليّ.
قال العجليّ: تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
(١) وفي نسخة: ((فيرفُق))، وفي أخرى: ((فيدفق))، وفي أخرى: ((فيدقّقْ)).
(٢) وفي نسخة: ((فقلت: أنشدك الله)).

١٢٧
(١٠) - بَابُ الْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ الأَوَّلِ، فَالأَوَّلِ - حديث رقم (٤٧٦٧)
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له عندهم
إلا هذا الحديث.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) بن وائل بن هاشم بن سُعيد بن سَعْد بن
سَهْم السَّهْميّ، أبو محمد، أو أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿هَا، مات
بالطائف سنة (٦٣) على الراجح (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
والباقون تقدّموا في الباب وقبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَُّ، وأنه مسلسل بالكوفيين، غير شیخیه،
فالأول نسائيّ، ثم بغداديّ، والثاني مروزيّ، والصحابيّ مدنيّ، ومصريّ،
وفلسطينيّ، وطائفيّ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: الأعمش،
عن زيد، عن ابن عبد ربّ الكعبة، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﴿ه، من
السابقين إلى الإسلام، ومن العبادلة الأربعة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ) العائذيّ، أو الصائديّ أنه (قَالَ:
دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ)؛ أي: المسجد الحرام، وقوله: (فَإِذَا) هي الفجائيّة؛ أي:
ففاجأني (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) ﴿ّ، وقوله: (جَالِسٌ) مرفوع على أنه خبر
((عبد الله))، وفي بعض النسخ: ((جالساً)) بالنصب، وعليه فيكون الخبر ((إذا))
الفجائيّة؛ لأنها ظرف عند بعضهم، و((جالساً)) منصوب على الحال. (فِي ظِلِّ
الْكَعْبَةِ، وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ) جملة في محلّ نصب على الحال، (فَأَتَيْتُهُمْ)؛
أي: القوم المجتمعين، (فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ)؛ أي: إلى عبد الله بن عمرو ◌ًِّا، (فَقَالَ)
عبد الله رَضُه (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِوَلِ فِي سَفَرٍ) لا يُعرف ذلك السفر(١). (فَنَزَلْنَا
مَنْزِلاً، فَمِنَّا مَنْ يُصْلِحُ) بضمّ أوله، من الإصلاح، (خِبَاءَهُ) بكسر الخاء المعجمة:
ما يُعمَل من وَبَرٍ، أو صوفٍ، وقد يكون من شَعْرٍ، والجمع: أخبيةٌ، بغير همز،
مثلُ كساء وأكسيةٍ، ويكون على عَمُودين، أو ثلاثةٍ، وما فوق ذلك، فهو بيتٌ(٢).
(١) راجع: ((تنبيه المعلم)) ص٣٢٤.
(٢) ((المصباح المنير)) ١/ ١٦٣.

١٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
(وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ)؛ أي: يرمي بالسهام تدرّباً، ومداومةً، والمناضلة: المراماة
بالسهام، قاله القرطبيّ. (وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ) هكذا هو عند مسلم بإضافة
((جشر)) إلى ضمير الغائب، ووقع عند النسائيّ: ((فِي جَشْرَتِهِ)) بإضافة ((جشرة))
إلى ضمير الغائب، وقال السنديّ في ((شرحه)): أي: في إخراج الدوابّ إلى
(١)
المرعى(١) .
قال النوويّ: هو بفتح الجيم والشين: وهي الدّوابِ التي تَرْعَى، وتبيت
(٢)
.
مكانها . انتهى
وقال في ((اللسان)): وجَشَرُوا الخيلَ، وجَشَّرُوها: أرسلوها في الْجَشْر،
والْجَشْرُ: أن يخرجوا بخيلهم، فَيَرْعَوها أمام بيوتهم، وأصبحوا جَشْراً - أي:
بالسكون - وجَشَراً - أي: بفتحتين -: إذا كانوا يبيتون مكانهم، لا يرجعون إلى
أهليهم، وقال أيضاً: وجَشَرنا دوابّنا: أخرجناها إلى المرعى نَجشُرُها جَشْراً -
بالإسكان، قال: وفي حديث عثمان ﴿ه، أنه قال: لا يغُرّنّكم جَشَرُكم من
صلاتكم، فإنما يقصُر الصلاة من كان شاخصاً، أو يحضره عدوّ، قال أبو
عبيد: الجَشَر: القوم يخرجون بدوابهم إلى المرعى، ويبيتون مكانهم، ولا
يأوون إلى البيوت، وربّما رأوه سفراً، فقصروا الصلاة، فنهاهم عن ذلك؛ لأن
المقام في المرعَى، وإن طال فليس بسفر. انتهى المقصود من ((اللسان))
باختصار، وتصرّف(٣).
وقال في (القاموس)): ((الْجَشْرُ))؛ أي: بالسكون: إخراج الدوابّ للرَّعْي،
كالتجشير. قال: وبالتحريك: المال الذي يَرعى في مكانه، لا يرجع إلى أهله
بالليل، والقوم يبيتون مع الإبل. انتهى باختصار (٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أفاد ما ذُكر أن الجشر إذا كان مصدراً
بمعنى إخراج الدواب للرعي يُضبط بسكون الشين، وأما الجشَر بالتحريك، فهي
الإبل التي ترعى في مكانها، والمعنيان مناسبان هنا، والله تعالى أعلم.
(١) ((شرح السنديّ على النسائيّ)) ١٥٢/٧.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٣٣/١٢.
(٤) ((القاموس المحيط)) ص٢١٧.
(٣) (لسان العرب)) ٤/ ١٣٧.

١٢٩
(١٠) - بَابُ الْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ الأَوَّلِ، فَالأَوَّلِ - حديث رقم (٤٧٦٧)
(إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ وَ ﴿) لا يعرف اسمه (١). (الصَّلَاةَ جَامِعَةً) قال
النوويّ تَخْلُهُ: هو بنصب ((الصلاة)) على الإغراء، و((جامعةً)) على الحال.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الجملة تَحْتَمِل أربعة أوجه: رفع
الجزءين على الابتداء والخبر، ونَصْبهما على ما قاله النوويّ، ورَفْعُ الأول،
ونَصْبُ الثاني، على أن الأول مبتدأ، حُذِف خبره؛ أي: الصلاة محضورةٌ،
والثاني منصوب على الحال، ونَصْبُ الأول على الإغراء، ورَفْع الثاني على
تقدير مبتدإ؛ أي: هي جامعةٌ، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: ((الصلاة جامعة)) خبر بمعنى الأمر، كأنه قال:
اجتمعوا للصلاة، وكأنه كان وقت صلاة، فلما جاؤوا صلَّوا معه، وسكت
الراوي عن ذلك، وإلا فمن المحال أن ينادي منادي الصادق بالصلاة، ولا
(٢)
صلاة. انتھی
.
قال الجامع عفا الله عنه: كلام القرطبيّ هذا فيه نظر لا يخفى، بل الذي
يظهر أن ذلك الوقت غير وقت صلاة، وإلا فالصلوات الخمس لا يُنادى لها
بـ((الصلاةُ جامعة))، وإنما يؤذّن لها الأذان المعروف، بل هذه الصلاة عارضة
أراد النبيّ وَّ جَمْعهم بسببها، ثم خُطبتهم بعدها، وهذا واضح، والله تعالى
أعلم.
(فَاجْتَمَعْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَِ، فَقَالَ: ((إِنَّهُ) الضمير للشأن، كما سبق
قريباً، وهو الضمير الذي تفسّره الجملة بعده، وهي هنا قوله: (لَمْ يَكُنْ نَبِيّ
قَبْلِي، إِلَّا كَانَ حَقّاً عَلَيْهِ)؛ أي: واجباً عليه؛ لأن ذلك من طريق النصيحة،
والاجتهاد في التبليغ، والبيان. (أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ) ولفظ
النسائيّ: ((على ما يعلمه خيراً لهم))، قال السنديّ: أي: على شيء يعلم النبيّ
ذلك الشيء خيراً لهم، (وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ
عَافِيَتُهَا)؛ أي: سلامتها، واستقامتها، واجتماع كلمتها (فِي أَوَّلِهَا، وَسَيُصِيبُ
آخِرَهَا بَلَاءٌ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا) قال القرطبيّ ◌َُّ: يعني بأول الأمة: زمانه،
وزمان الخلفاء الثلاثة إلى قَتْل عثمان، فهذه الأزمنة كانت أزمنة اتّفاق هذه
(١) راجع: ((تنبيه المعلم)) ص٣٢٤.
(٢) ((المفهم)) ٤ /٥٠ - ٥١.

١٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
الأمّة، واستقامة أمرها، وعافية دينها، فلمّا قُتل عثمان رَظُّه ماجت الفتن،
كموج البحر، وتتابعت كقطع الليل المظلم، ثم لم تزل، ولا تزال متواليةً إلى
يوم القيامة، وعلى هذا فأول آخر هذه الأمة المعنيّ في هذا الحديث مقتل
عثمان رَُّه، وهو آخرٌ بالنسبة إلى ما قبله، من زمان الاستقامة والعافية، وقد
دلّ على هذا قوله: ((وأمورٌ تنكرونها)»، والخطاب لأصحابه، فدلّ على أن منهم
من يُدرك أوّل ما سمّاه آخراً، وكذلك كان. انتهى كلام القرطبيّ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: كان الأولى للقرطبيّ أن يجعل مقتل عمر
ضُوعَيْه
مبدأ الفتن، كما هو منصوص عليه في حديث حذيفة الذي ذكره حين سأل عمر
عن الفتنة، قال حذيفة ظه: كنا جلوساً عند عمر تظله، فقال: أيكم يحفظ
قول رسول الله وَّهه في الفتنة؟ قلت: أنا، كما قاله، قال: إنك عليه أو عليها
لجريء، قلت: فتنة الرجل في أهله، وماله، وولده، وجاره، تكفّرها الصلاة،
والصوم، والصدقة، والأمر، والنهي، قال: ليس هذا أريد، ولكن الفتنة التي
تموج كما يموج البحر، قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك
وبينها باباً مغلقاً، قال: أيُكسَر أم يُفْتَح؟ قال: يكسر، قال: إذاً لا يُغْلَق
أبداً، ... الحديث.
وقد فسّر البابَ حذيفةُ بأنه عمر ظلبه، فأفاد أن ابتداء الفتن هو موت
عمر ظه، لا موت عثمان رَبه، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ، فَيُرَقِّقُ(٢) بَعْضُهَا بَعْضاً) قال النوويّ دَخَذُ: هذه اللفظة
رُویت على أوجه:
[أحدها]: وهو الذي نقله القاضي عن جمهور الرواة: يُرقّق بضمّ الياء،
وفتح الراء، وبقافين: أن يَصِير بعضها رقيقاً؛ أي: خفيفاً؛ لِعِظَم ما بعده،
فالثاني يجعل الأول رقيقاً. وقيل: معناه: يُشبه بعضها بعضاً، وقيل: يدور
بعضها في بعض، ويذهب، ويجيء، وقيل: معناه: يسوق بعضها إلى بعض
بتحسينها، وتسويلها .
(١) («المفهم)) ٥١/٤.
(٢) وفي نسخة: ((فيرفُق))، وفي أخرى: ((فيدفق))، وفي أخرى: ((فيدقّقْ)).

١٣١
(١٠) - بَابُ الْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ الأَوَّلِ، فَالأَوَّلِ - حديث رقم (٤٧٦٧)
[والوجه الثاني]: فَيَرْفُقُ بفتح الياء، وإسكان الراء، وبعدها فاء مضمومة.
[والثالث]: فيَدْفِقُ بالدال المهملة الساكنة، وبالفاء المسكورة؛ أي:
يدفع، ويصبّ، والدفق: الصبّ. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَُّهُ: قوله: ((فَيَدْفِقُ بعضها بعضاً)): الرواية: ((يَدْفِقِ))
بالتخفيف، وفتح الياء، هذه رواية الطبريّ، عن الفارسيّ، ومعنى: فيدفق:
يدفع، والدَّفْقُ: الدَّفْعُ، ومنه: الماء الدَّافِقِ، ويعني: أنها كموج البحر الذي
يَدْفِقِ بعضه بعضاً، وشُبِّه المؤمنُ في هذه الفتن بالعائِم الغريق بين الأمواج،
فإِذا أقبلت عليه موجة قال: هذه مهلكتي، ثم تروح عنه تلك، فتأتيه أخرى،
فيقول: هذه، هذه إلى أن يَغْرَق بالكلّية، وهذا تشبيه واقع، ورواه أكثر الرُّواة:
(يُرَقِّقُ)) بالراء المفتوحة، والقاف الأولى المكسورة؛ أي: يُسَبِّبُ بعضها بعضاً،
ویشیرُ إليه. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل المعنى: أن المتأخّرة من تلك الفتن
أعظم من المتقدّمة، فتصير المتقدّمة بالنسبة للمتأخّرة هيّنةً خفيفة، أعاذنا الله
تعالى من جميع الفتن، ما ظهر منها وما بطن، إنه رؤوف رحيم.
(وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي) يَحْتَمِل أن يكون بضم الميم،
وكسر اللام، بصيغة اسم الفاعل، وأن يكون بفتح الميم، واللام، ظرفاً؛ أي:
هذه الفتنة محلّ هلاكي، أو زمانه. (ثُمَّ تَنْكَشِفُ)؛ أي: تزول تلك الفتنة،
(وَتَجِي ءُ الْفِتْنَةُ) غير هذه، (فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ، هَذِهِ)؛ أي: هذه مهلكتي، وهذه
مهلكتي، وفي رواية النسائيّ: (ثُمَّ تَجِيءُ، فَيَقُولُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ)»،
(فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: يُنحّى عنها، ويُباعَد
منها (وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ) ببناء الفعل للمفعول أيضاً، ويَحْتَمِل هنا بناءه للفاعل،
(فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ)؛ أي: موته، قال المجد كَُّ: الْمَنَى - أي: بوزن الفَتَى -:
الموت، كالْمَنِيّة. انتهى (٣)، وقوله: (وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) جملة في
محلّ نصب على الحال، ولفظ النسائيّ: ((فلتُدركه منيّته، وهو مؤمن بالله واليوم
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٣٣/١٢.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص١٢٤٥.
(٢) ((المفهم)) ٥١/٤.

١٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
الآخر))، قال الأبيّ كَّهُ: هو إرشاد لعدم التلبّس بالفتنة؛ لأن الإيمان إنما
يحصل بتحصيب خصاله، والتلبّسُ بخصاله مناف للفتنة. انتهى (١). (وَلْيَأْتٍ إِلَى
النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ)؛ أي: ليؤدّ إليهم، ويفعل بهم الشيء الذي يُحِبّ
أن يَفْعَلوه به، وقال القرطبيّ تَخْذُّهُ: أي: يجيء إلى الناس بحقوقهم من النصح،
والنّة الحسنة بمثل الذي يُحب أن يُجاء إليه به، وهذا مثلُ قوله وَله: ((لا يؤمن
أحدكم حتى يُحبّ لأخيه ما يُحبّ لنفسه))، متّفقٌ عليه، والناس هنا: الأئمة،
والأمراء، فيجب عليه لهم من السمع، والطاعة، والنصرة، والنصيحة، مثل ما
لو كان هو الأمير لكان يُحبّ أن يُجاء له به. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((والناس هنا الأئمة إلخ)) فيه نظرٌ لا
يخفى، بل الأولى كونه على عمومه، فالمراد بالناس جميع المسلمين، ومما
يردّ عليه دعوى الخصوص هذا الحديث الذي مثّل هو به، فإنه صريح في
العموم، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(وَمَنْ بَايَعَ إِمَاماً) قال الأبيّ تَُّهُ أي: من بايع إماماً مباشرةً، أو باندراجه
تحت من عَقَدها له من أهل الحلّ والعقد لزمت الجميع، كتب عليٍّ إلى
معاوية : أما بعد فإن بيعتي بالمدينة لزمتك، وأنت بالشام؛ لأنه بايعني
الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن
(٣)
يردّ. انتهى(٣).
(فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ)؛ أي: ضرب يده على يده عند المبايعة، وأصل
الصفقة: الضرب بالكفّ على الكفّ، أو بأصبعين على الكفّ، وهو التصفيق،
وقال ابن الأثير تَخْدَثُهُ: الصفقة: المرّة من التصفيق باليد؛ لأن المتعاهدين يضع
أحدهما يده في يد الآخر، كما يفعل المتبايعان. (وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ)؛ أي: خالص
عهده، أو محبّته بقلبه، قال القرطبيّ تَّتُهُ: هذا يدلّ على أن البيعة لا يُكتَفَى
فيها بمجرّد عقد اللسان فقط، بل لا بدّ من الضرب باليد، كما قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اَللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيِهِمْ﴾ الآية [الفتح: ١٠]،
(١) ((شرح الأبّيّ)) ١٨٩/٥.
(٣) ((شرح الأبّيّ)) ١٨٩/٥.
(٢) ((المفهم)) ٤/ ٥٢.

١٣٣
(١٠) - بَابُ الْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ الأَوَّلِ، فَالأَوَّلِ - حديث رقم (٤٧٦٧)
ولكن ذلك للرجال فقط، على ما يأتي، ولا بُدّ من التزام البيعة بالقلب، وترك
الغشّ والخديعة، فإنها من أعظم العبادات، فلا بدّ فيها من النيّة والنصيحة.
(١)
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((بل لا بدّ من الضرب باليد))، فيه
نظرٌ، لا يخفى، فإن الحديث لا يدلّ على هذا، بل غاية ما فيه إيجاب الطاعة
لمن بايع على هذه الصفة، وهذا لا ينفي جواز البيعة باللسان فقط، دون
الضرب باليد، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
(فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُنَازِعُهُ، فَاضْرِبُوا رَقَبَةَ الْآخَرِ))) قال
النوويّ تَخْلُهُ: معناه: ادفعوا الثاني، فإنه خارجٌ على الإمام، فإن لم يندفع إلا
بحرب، وقتال، فقاتِلُوه، فإن دعت المقاتلة إلى قتله جاز قَتْله، ولا ضمان فیه؛
لأنه ظالم مُعتدٍ في قتاله.
وقال الطيبيّ تَخُّْهُ: الفاء في قوله: ((فأعطاه صفقة يده)) كما هي في قوله
تعالى: ﴿فَقُلُوْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٥٤] إذا كانت التوبة عين القتل؛ إذ
الصفقة الحاصلة بين المتبايعين، وكذلك إعطاء ثمرة القلب التي هي خلاصة
الإنسان ليست إلا عين المبايعة، فإذا اجتمع الظاهر والباطن مع صاحبه،
فوجب أن يقاتل مع من ينازعه، وجَمَع الضمير في ((فاضربوا)) بعدما أفرد في
((فليُطعه)) نظراً إلى لَفْظِه ((مَنْ)) تارةً، ومعناها أخرى، وقوله: ((عنق الآخر))
وُضع موضع عنقه؛ إيذاناً بأن كونه آخراً يستحقّ ضرب العنق تقريراً للمراد،
وتحقيقاً له. انتهى(٢).
قال عبد الرحمن بن عبد ربّ الكعبة: (فَدَنَوْتُ مِنْهُ)؛ أي: قرُبتُ من
عبد الله بن عمرو ﴿يا (فَقُلْتُ لَهُ) هذا الجارّ والمجرور سقط من بعض النسخ،
(أَنْشُدَُ اللهَ)؛ أي: سألتك بالله، قال ابن الأثير تَّتُهُ: يقال: نشدتك الله،
وأنشدك الله، وبالله، وناشدتك الله، وبالله؛ أي: سألتك، وأقسمت عليك.
(١) ((المفهم)) ٤/ ٥٢ - ٥٣.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥٦٦/٨.

١٣٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
انتهى(١). (انْتَ) بمدّ الهمزة، أصله: أأنت بهمزتين الأُولى همزة الاستفهام،
فقُلبت الثانية مَدّة، (سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ وَل ◌َ؟) قال القرطبيّ تَخْتُهُ:
واستحلاف عبد الرحمن زيادةٌ في الاستيثاق، لا أنه كذّبه، ولا اتّهمه، (فَأَهْوَى
إِلَى أُذُنَيْهِ، وَقَلْبِهِ بِيَدَيْهِ)؛ أي: مدّ يديه مشيراً بهما إلى أذنيه وقلبه ليؤكّد قوله:
((سمعته أذناي، ووعاه قلبي))، قال ابن الأثير تَّتُهُ: (فأهوى بيده إليه))؛ أي:
مدّها نحوه، وأمالها إليه، يقال: أهوى يده، وبيده إلى الشيء ليأخذه.
(٢)
انتھی
.
وقال الفيّوميّ تَّهُ: أهوى إلى سيفه بالألف: تناوله بيده، وأهوى إلى
الشيء بيده: مدّها ليأخذه إذا كان عن قُرب، فإن كان عن بُعْد قيل: هَوَى إليه
بغير ألف، وأهويتُ بالشيء بالألف: أومأت به. انتهى (٣).
(وَقَالَ) عبد الله بن عمرو ﴿ها: (سَمِعَتْهُ)؛ أي: هذا الكلام من النبيّ ◌َِّ،
(أُذُنَايَ) مرفوع على الفاعليّة بالألف؛ لأنه مثنّى مضاف إلى ياء المتكلّم، وهي
مبنيّة على الفتح، كما قال في ((الخلاصة)):
لَمْ يَكُ مُعْتَلاً كَـ«رَامِ)) و((قَذَا))
آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا اكْسِرْ إِذَا
جَمِيعُهَا الْيَا بَعْدُ فَتْحُهَا احْتُذِي
أَوْ يَكُ كَـ((ابْنَيْنٍ)) و((زَيْدِينَ)) فَذِي
مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ فَاكْسِرْهُ يَهُنْ
وَتُدْغَمُ الْيَا فِيهِ وَالْوَاوُ وَإِنْ
هُذَيْلِ انْقِلَابُهَا يَاءً حَسَنْ
وَأَلِفاً سَلِّمْ وَفِي الْقْصُورِ عَنْ
(وَوَعَاهُ)؛ أي: حفظه (قَلْبِي، فَقُلْتُ لَهُ: هَذَا ابْنُ عَمِّكَ مُعَاوِيَةُ) بن أبي
سفيان ◌ِ﴿ًّا، (يَأْمُرُنَا أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ)؛ أي: بإنفاقها في مقاتلة
بعض المسلمين بعضهم، (وَتَقْتُلَ أَنْفُسَنَا)؛ أي: يقتل بعضنا بعضاً.
وقال القاضي عياض كَثُّهُ: إنما قال ذلك حين رآه ذَكَر الحديث في حرمة
منازعة الخليفة، وقَتْل منازعه، واعتقد أن ذلك في معاوية؛ لِتَقَدُّم بيعة عليّ،
(١) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٥٣/٥.
(٢) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٢٨٥/٥.
(٣) ((المصباح المنير)) ٦٤٣/٢ - ٦٤٤.

١٣٥
(١٠) - بَابُ الْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ الأَوَّلِ، فَالأَوَّلِ - حديث رقم (٤٧٦٧)
ورأى أن ما ينفق معاوية على الجند في منازعة عليّ من أكل المال بالباطل،
وقتل النفس. انتهى (١).
(وَاللهُ يَقُولُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم
بِاَلْبَطِلِ﴾)؛ أي: بما لم تُبحه الشريعة، من نحو السرقة، والخيانة، والقمار،
وعقود الربا، (﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةَ﴾) قُرىء برفع ﴿تِحَرَةً﴾؛ أي: إلا أن تقع
تجارةٌ، وبنصبها؛ أي: إلا أن تكون الأموال أموالَ تجارة.
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِرَةً عَن تَرَاضِ
مِّنْكُمْ﴾ هذا استثناء منقطع؛ أي: ولكن تجارة عن تراض.
والتجارة هي البيع والشراء، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَأَحَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ
الرِّبَواْ﴾ [البقرة:
وقرئ ﴿تِجَرَةَ﴾، بالرفع؛ أي: إلا أن تقع تجارةٌ، وعليه أنشد سيبويه
[من الطويل]:
فِدَى لِبَنِي ذُهْلٍ بْنِ شَيْبَانَ نَاقَتِي إِذَا كَانَ يَوْمٌ ذُو كَوَاكِبَ أَشْهَبُ
وتسمى هذه ((كان)) التامة؛ لأنها تمّت بفاعلها، ولم تحتج إلى مفعول.
وقُرئ ﴿تِجَرَةً﴾ بالنصب، فتكون ((كان)) ناقصة؛ لأنها لا تتم بالاسم
دون الخبر، فاسمها مُضْمَر فيها، وإن شئت قدّرته؛ أي: إلا أن تكون الأموالُ
أموالَ تجارة، فحُذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ومنه قوله تعالى:
﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَقِ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
قال: والتجارة في اللغة عبارة عن المعاوضة، ومنه الأجر الذي يعطيه
البارئ لج العبد عوضاً عن الأعمال الصالحة التي هي بعضٌ من فعله، قال الله
تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَذْكُمْ عَلَى ◌ِزَوْ شُِكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمِ
[الصف: ١٠]،
وقال تعالى: ﴿يَرْجُونَ نِحَرَةً لَّنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُمْ﴾ الآية
[التوبة: ١١١].
فسمى ذلك كله بيعاً وشراءً على وجه المجاز، تشبيهاً بعقود الأشرية
(١) (شرح الأبيّ) ١٩٠/٥.

١٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
والبِياعات التي تحصل بها الأغراض، وهي نوعان: تقلَّب في الحضر من غير
نُقْلة ولا سفر، وهذا تربصٌّ واحتكارٌ قد رَغِب عنه أولو الأقدار، وزَهِد فيه ذوو
الأخطار.
والثاني: تقلّب المال بالأسفار ونقله إلى الأمصار، فهذا أليق بأهل
المروءة، وأعم جدوى ومنفعة، غير أنه أكثر خطراً وأعظم غَرَراً.
قال: واعلم أن كل معاوضة تجارةٌ على أيّ وجه كان العوض، إلا أن
قوله: ﴿بَلْبَطِلِ﴾ أخرج منها كلَّ عِوَض لا يجوز شرعاً من رباً، أو جهالة، أو
تقدیر عوض فاسد، كالخمر، والخنزير، وغير ذلك.
وخرج منها أيضاً كل عقد جائز لا عوض فيه، كالقرض، والصدقة،
والهبة، لا للثواب.
وجازت عقود التبرعات بأدلة أخرى مذكورة في مواضعها، فهذان طرفان
متفق عليهما. انتهى(١).
وقوله: ﴿عَنْ تَاضٍ مِّنْكُمْ﴾ صفة لـ«تجارة))؛ أي: تجارة صادرةً عن
تراض، أو: ولكن كونُ تجارة عن تراض غيرُ منهيّ عنه، قال القرطبيّ كَُّهُ:
قوله تعالى: ﴿عَن ◌َرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾؛ أي: عن رِضَى، إلا أنها جاءت من المفاعلة؛
إذ التجارة من اثنين.
واختلف العلماء في التراضي، فقالت طائفة: تمامه وجزمه بافتراق
الأبدان بعد عقدة البيع، أو بأن يقول أحدهما لصاحبه: اختر، فيقول: قد
اخترت، وذلك بعد العقدة أيضاً فينجزم أيضاً وإن لم يتفرقا، قاله جماعة من
الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعيّ، والثوريّ، والأوزاعيّ، والليث، وابن
عيينة، وإسحاق، وغيرهم(٢). وقد تقدّم تمام البحث في هذا في ((كتاب
البيوع))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وقال النسفيّ كَّثُ: وخصّ التجارة بالذكر؛ لأن أسباب الرزق أكثرها
متعلّق بها .
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) للقرطبيّ تَخَلّمُ ١٥٠/٥ - ١٥٢.
(٢) ((الجامع لأحكام القرآن)) للقرطبيّ تخلفه ١٥٢/٥.

١٣٧
(١٠) - بَابُ الْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ الأَوَّلِ، فَالأَوَّلِ - حديث رقم (٤٧٦٧)
(﴿وَلَا نَقْتُلُوَأْ أَنفُسَكُمْ﴾)؛ أي: مَن كان من جنسكم من المؤمنين؛ لأن
ج
المؤمنين كنفس واحدة، أو: ولا يقتل الشخص نفسه، كما يفعله بعض الجهلة،
أو معنى القتل: أكلُ الأموال بالباطل، فظالم غيره كمهلك نفسه، أو: لا تتبعوا
أهواءها، فتقتلوها، أو ترتكبوا ما يوجب قتلها، ثم لَفْظُها يتناول أن يقتل
الرجل نفسه بقصد منه للقتل في الحرص على الدنيا، وطلب المال(١).
وقال أبو عبد الله القرطبيّ المفسّر تَّتُهُ: قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ
أَنْفُسَكُمْ﴾: قرأ الحسن: (تُقَتِّلوا) على التكثير.
وأجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية: النهي أن يقتل بعضُ
الناس بعضاً، بأن يَحْمِلِ نفسه على الغرر المؤذِّي إلى التلف، ويَحْتَمل أن
يقال: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ في حال ضجر، أو غضب، فهذا كله يتناول
النهي، وقد احتَجَّ عمرو بن العاص بهذه الآية حين امتنع من الاغتسال بالماء
البارد حين أجنب في غزوة ذات السلاسل؛ خوفاً على نفسه منه، فقرّر النبيّ وَيه
احتجاجه، وضحك عنده، ولم يقل شيئاً. حديث صحيحٌ، أخرجه أبو داود(٢).
(﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾)؛ أي: ولرحمته بكم نبّهكم على ما فيه صيانة
أموالكم، وبقاء أبدانكم، وقيل: معناه أنه أمر بني إسرائيل بقتلهم أنفسهم؛
ليكون توبةً لهم، وتمحيصاً لخطاياهم، وكان بكم يا أمّة محمد وَل﴿ رحيماً،
حيث لم يكلّفكم تلك التكاليف الصعبة(٣).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ كََّثُهُ: ما ذكره عبد الرحمن عن معاوية
إغياء في الكلام على حسب ظنّه، وتأويله، وإلا فمعاوية ظُ لم يُعرف من
حاله، ولا من سيرته شيء مما قال له، وإنما هذا كما قالت طائفة من
الأعراب: إن ناساً من المصدّقين يظلموننا، فسَمَّوا أخذ الصدقة ظلماً؛ حسب
ما وقع لهم. انتهى (٤).
وقال النوويّ تَخْلُ: المقصود بهذا الكلام: أن هذا القائل لَمّا سمع كلام
(١) (تفسير النسفيّ)) ٢٢١/١.
(٢) ((الجامع لأحكام القرآن)) للقرطبيّ تخافهُ ١٥٢/٥ - ١٥٣.
(٣) ((تفسير النسفيّ)) ٢٢١/١.
(٤) ((المفهم)) ٤/ ٥٤.

١٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
عبد الله بن عمرو بن العاص ظها، وذكر الحديث في تحريم منازعة الخليفة
الأول، وأن الثاني يُقتل، فاعتقد هذا القائل هذا الوصف في معاوية؛ لمنازعته
عليّاً ظُها، وكانت قد سبقت بيعة عليّ به، فرأى هذا أن نفقة معاوية على
أجناده، وأتباعه في حرب عليّ، ومنازعته، ومقاتلته إياه، من أَكْل المال
بالباطل، ومن قَتْل النفس؛ لأنه قتال بغير حقّ، فلا يستحقّ أحد مالاً في
مقاتلته. انتھی(١).
(قَالَ) ابن عبد ربّ الكعبة (فَسَكَتَ) عبد الله بن عمرو (سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ:
أَطِعْهُ)؛ أي: معاوية رَبِهِ، (فِي طَاعَةِ اللهِ)؛ أي: فيما إذا أمرك بطاعة الله،
(وَاعْصِهِ)؛ أي: خالف أمره (فِي مَعْصِيَةِ اللهِ)؛ أي: فيما إذا أمرك بمعصية الله،
قول عبد الله بن عمرو طه هذا هو معنى ما سبق من قوله وَليقول: ((على المرء
المسلم السمع والطاعة فيما أحبّ وكَرِه، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أُمر
بمعصية، فلا سمع، ولا طاعة))، متّفقٌ عليه.
وقال النوويّ نَّهُ: هذا فيه دليل على وجوب طاعة المتولّين للإمامة
بالقهر(٢)، من غير إجماع، ولا عهد. انتهى (٣).
وقال الأبّيّ تَّثُهُ: يريد: لزوم طاعتهم بعد استقلالهم، وذهاب الأول؛
لحرمة المخالفة عليهم حينئذٍ؛ لانعقادها في حقّهم على ما تقدّم، وأما في حال
قيامهم فلا طاعة لهم؛ لأنهم يقاتلون، فكيف تكون لهم طاعة؟ وعلى هذا
فيُشكل قول عبد الله: ((أطعه في طاعة الله))؛ لأنه لا طاعة له مع وجود
عليّ ◌َُّه، وانعقاد الخلافة له بأهل الحلّ والعقد من المهاجرين والأنصار.
قال الجامع عفا الله عنه: الجواب السديد عن معاوية ومن معه
في
هذا أن يقال: إنهم متأوّلون، مجتهدون، والمجتهد المخطىء يُعذر باجتهاده،
ونسأل الله تعالى أن يطهّر قلوبنا وألستنا عن الخوض فيما لا يعنينا، ﴿رَبَّنَا لَا
(١) (شرح النوويّ)) ٢٣٤/١٢.
(٢) قال الجامع: استدلال النوويّ على ما ذكره بالحديث المذكور محلّ بحث،
فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٢٣٤/١٢.

١٣٩
(١٠) - بَابُ الْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ الأَوَّلِ، فَالأَوَّلِ - حديث رقم (٤٧٦٧)
والله تعالى
تُغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ها هذا من أفراد
المصنّف رَكَالُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧٦٧/١٠ و٤٧٦٨ و٤٧٦٩] (١٨٤٤)، و(أبو
داود) في ((الفتن)) (٤٢٤٨)، و(النسائيّ) في ((البيعة)) (١٥٢/٧) و((الكبرى)) (٤/
٤٣١)، و(ابن ماجه) في ((الفتن)) (٣٩٥٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٧)
٤٤٦)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٦١/٢ و١٩١ و١٩٢ و١٩٣)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (٤١٤/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٩٦١)، و(الطبرانيّ) في
((مسند الشاميين)) (٣٥٣/١)، و(الطبريّ) في ((تهذيب الآثار)) (٩٢١/٢)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٦٩/٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه معجزةً للنبيّ وَ ر حيث أخبر بما سيكون في أمته
بعده، فوقع طبق ما قال.
٢ - (ومنها): أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ناصحون لأممهم،
يعلّمونهم خير ما يعلمون، ويُحذّرونهم من شرّ ما يعلمون، وهذا فضل من الله
عظيم على خلقه حيث لم يتركهم سُدّى، بل بعث إليهم رسلاً مبشّرين ومنذرين،
فله الحمد في الأولى والآخرة وهو الحكيم الخبير.
٣ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ◌َل08 من الأسوة بمن قبله من الأنبياء،
- عليهم الصلاة والسلام - في بيان الخير والشر لأمته، فلم يبق شيء منهما إلا
بيّنه لها، ومن ذلك ما ذكره في هذا الحديث، مما سيحدث بعده من الفتن
المتتابعة، والبلايا المتناسقة، بحيث تدع الحليم حيران، والعاقل سكران.
٤ - (ومنها): بيان أن أول هذه الأمة قد فضّلها الله تعالى بما أمدّها من

١٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
اجتماع الكلمة، وعدم التفرّق، وإنما أتى البلاء في آخرها، فقد اقتتلوا،
وتفرّقوا، واختلفوا، فإنا لله، وإنا إليه راجعون.
٥ - (ومنها): بيان توالي الفتن على المؤمن بحيث يُنسيه آخرها أولها،
وكلما جاءت فتنة يرى أنها ستهلكه، ثم يرحمه الله تعالى، فيكشفها عنه ﴿فَضْلًا
مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةٌ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
[الحجرات].
٦ - (ومنها): بيان أن من مات يؤمن بالله واليوم الآخر، ويعامل الناس
بما يحب أن يعاملوه به، دخل الجنّة.
٧ - (ومنها): أن قوله وَله: (وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه))
من جوامع كلمه وَّ، وبديع حِكَمه، وهذه قاعدة مهمّة ينبغي الاعتناء بها، وأنه
يلزم الإنسان أن لا يفعل مع الناس إلا ما يُحبّ أن يفعلوه معه.
٨ - (ومنها): أنّ الآية الكريمة تدلّ على تحريم أكل الأموال بالباطل،
كالربا، والرشوة، والسرقة، والغصب، ونحو ذلك، وعلى تحريم قتل النفس
بغير حقّ، وكلّ هذا من تمام رحمة الله بعباده، ورأفته بهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ
لَرَّهُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]، والله تعالى أعلم.
٩ - (ومنها): أن الآية الكريمة أيضاً تردّ قول من يُنكر طلب الأقوات
بالتجارات، والصناعات، من المتصوفة الجهلة؛ لأن الله تعالى حرّم أكلها
بالباطل، وأحلّها بالتجارة، وهذا بَيِّنٌ، قاله القرطبيّ(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٦٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ
الأَشَجُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا (٢) أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كِلَاهُمَا
عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وکلّهم ذُكروا في الباب.
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) للقرطبيّ كتذثم ١٥٦/٥.
(٢) وفي نسخة: ((وحدّثناه)).