النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ (٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٤٦) ومعنى الحديث: تجب طاعة ولاة الأمور، فيما يشُقّ، وتكرهه النفوس وغيره، مما ليس بمعصية، فإن كانت لمعصية فلا سمع ولا طاعة، كما صُرِّح به في الأحاديث الباقية، فتُحمل هذه الأحاديث المطلقة لوجوب طاعة ولاة الأمور على موافقة تلك الأحاديث المصرِّحة بأنه لا سمعَ، ولا طاعةً في المعصية . والحديث فيه الحثّ على السمع والطاعة، في جميع الأحوال، وسببها اجتماع كلمة المسلمين، فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظبه هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧٤٦/٨] (١٨٣٦)، و(النسائيّ) في ((البيعة)) (٧/ ١٤٠) و((الكبرى)) (٧٧٧٦)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٨١/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٠٣/٤)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّل الكتاب قال: [٤٧٤٦] (١٨٣٧) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ، وَأُطِيعَ، وَإِنْ كَانَ عَبْداً، مُجَدَّعَ الأَطْرَافِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادِ الأَشْعَرِيُّ) هو: عبد الله بن بَرّاد بن يوسف بن أبي بُرْدة بن أبي موسى، أبو عامر الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م) تقدّم في ((المقدمة)) ٥١/٦. ٢ - (ابْنُ إِدْرِيسَ) هو: عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت١٩٢) له بضع و(٧٠) سنةً (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. ٣ - (أَبُو عِمْرَانَ) عبد الملك بن حبيب الأزديّ، أو الْكِنْدِيّ الْجَوْنيّ ٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة البصريّ، ثقةٌ، من كبار [٤] (ت١٢٨) أو بعدها (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٨٦/ ٤٥٥. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّامِتِ) الْغِفَاريّ البصريّ، ابن أخي أبي ذرّ، ثقةٌ [٣] (خت م ٤) تقدّم في ((الصلاة)) ١١٤٢/٥٢. ٥ - (أَبُو ذَرٍّ) جُندب بن جُنادة على الأصحّ، وقيل غير ذلك في اسمه، واسم أبيه الصحابيّ الشهير، تقدّم إسلامه، وتأخّرت هجرته، فلم يشهد بدراً، مات رَظُه سنة ظُه (٣٢) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٢٢٤/٢٩. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف كَّلُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ الاتّحاد كيفيّة التحمّل والأداء، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، بل هو من رواية الأقران. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغفاريّ ◌َبه أنه (قَالَ: إِنَّ خَلِيلِي)؛ يعني: النبيّ ◌َِّ، والخليل: الصديق، والجمع أخلّاء، (أَوْصَانِي)؛ أي: أمرني، قال الفيّومي كَثْتُ: يقال: أَوْصَيْتُهُ بالصلاة: أمَرْتُه بها، وعليه قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَضَّنَكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِيَّ أَوْلَدِكُمْ﴾ [النساء: ١١]؛ أي: يأمركم، وفي الحديث: ((خَطَبَ رَسُولُ اللهِ وَلَ، فَأَوْصَى بِتَقْوَى اللهِ)): معناه أمَر، فَيَعُمّ الأمر بأيّ لفظ كان، نحو: اتقوا الله، وأطيعوا الله، وكذلك الخبر إذا كان فيه معنى الطلب، نحو: لقد فاز من اتقى، وطُوبى لمن وَسِعَتْه السُّنَّة، ولم تستهوه البدعة، ورحم الله من شَغَله عيبه عن عيوب الناس، ولا يتعيّن في الخطبة: أوصيكم، كيف ولفظ الوصيّة مشترك بين التذكير، والاستعطاف، وبين الأمر، فيتعيّن حَمْله على الأمر، ويقوم مقامه كل لفظ فيه معنى الأمر. انتهى(١). (أَنْ أَسْمَعَ، وَأُطِيعَ)؛ أي: أسمع قول الأمير، وأطيع أمره، فـ((أن)) (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٦٢. ٦٣ (٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٤٦) مصدريّة، والمصدر المؤوّل مجرور بحرف جرّ مقدر؛ لأن ((أَمَر)) يتعدى إلى المفعول الثاني به؛ أي: بالسمع، والطاعة. (وَإِنْ كَانَ عَبْداً) اسم ((كان)) ضمير يعود إلى الأمير المفهوم من المقام؛ أي: وإن كان الأمير عبداً (مُجَدَّعَ الأَطْرَافِ) اسم مفعول من التجديع، وهو التقطيع؛ أي: مقطّع الأطراف، وفي الرواية التالية: ((عبداً حبشيّاً، مجدّع الأطراف))، والمراد: أخسّ العبيد؛ أي: أسمع، وأطيع للأمير، وإن كان دنيء النسب، حتى لو كان عبداً أسود، مقطوع الأطراف، فطاعته واجبة، وتُتصوّر إمارة العبد إذا ولّاه بعض الأئمة، أو إذا تغلّب على البلاد بشوكته وأتباعه، ولا يجوز ابتداء عَقْد الولاية له، مع الاختيار، بل شَرْطها الحريّة، قاله النوويّ(١). وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((وإن كان عبداً حبشيّاً مجدّع الأطراف)) الْجَدْعُ: القطع، وأصله في الأنف، و((الأطراف)): الأصابع، وهذا مبالغة في وَصْف هذا العبد بالضَّعَة والْخِسّة؛ وذلك أن العبد إنما تُقطع أطرافه من كثرة العمل والمشي حانياً، وهذا منه وَّر على جهة الإغياء، على عادة العرب في تمكينهم المعاني وتأكيدها، كما قال النبيّ وَ له: ((من بنى مسجداً لله، ولو كمِفْحَصٍ قطاٍ بنى الله له بيتاً في الجنَّة))(٢)، ومفحص القطاة لا يصلح أن يكون مسجداً، وإنما هو تمثيل للتصغير على جهة الإغياء، فكأنَّه قال: أصغر ما يكون من المساجد، وعلى هذا التأويل لا يكون فيه حجة لمن استدلّ به على جواز تأمير العبد فيما دون الإمامة الكبرى، وَهُمْ بعض أهل الظاهر فيما أحسب، فإنه قد اتُّفِقَ على أن الإمام الأعظم، لا بُدَّ أن يكون حرّاً؛ على ما يأتي. ونصَّ أصحاب مالك على أن القاضي لا بُدَّ أن يكون حرّاً. قال القرطبيّ: وأمير الجيش والحرب في معناه، فإنها مناصب دينية يتعلّق بها تنفيذ أحكام شرعية، فلا يصلح لها العبد؛ لأنه ناقصٌ بالرِّقِّ مَحْجُورٌ عليه، لا يَستقلُّ بنفسه، ومسلوبُ أهليةِ الشهادة والتنفيذ، فلا يصلح للقضاء، ولا للإمارة، وأظنّ أنَّ جمهور علماء المسلمين على ذلك، وقد وَرَدَ ذِكْر العبد في (١) ((شرح النوويّ)) ٢٢٣/١٢. (٢) حديث صحيح، رواه ابن حبّان، والبيهقيّ. ٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة هذا الحديث مطلقاً، وقد قيَّده بالحديث الآتي بعد هذا، الذي قال فيه: ((ولو استعمل عليكم عبد يقودهم بكتاب الله)). انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم تحقيق مسألة تولية العبد، وأن الصواب جوازها؛ لحديث الباب، ولأدلّة أخرى، سبق بيانها، في شرح حديث: ((الناس تَع لقريش ... إلخ))، فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ◌ُه هذا من أفراد المصنّف تَُّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧٤٦/٨ و٤٧٤٧ و٤٧٤٨] (١٨٣٧)، وتقدّم في (الصلاة)) برقم [١٤٦٨] (٦٤٨)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٤٣١)، و(الترمذيّ) في ((الصلاة)) (١٣٦)، و(النسائيّ) في ((الصلاة)) (٧٥/٢)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد)) (٢٨٦٢)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (١١٣)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٤٥٢)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٦١/٥ و١٧١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٧١٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٤٢/٢)، و(أبو عوانة) في (مسنده)) (٤١٣/١ و٤٠٢/٤ و٤٠٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨٨/٢ و٨/ ١٥٥) و((شعب الإيمان)) (٤/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٣٩٠ و٣٩١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَخَذَتُ أوّل الكتاب قال: [٤٧٤٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، جَمِيعاً عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَا فِي الْحَدِيثِ: عَبْداً، حَبَشِيّاً، مُجَدَّعَ الأَطْرَافِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) المازنيّ، أبو الحسن البصريّ، نزيل مرو، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠٤) وله (٨٢) سنةً (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٣٩/٦. (١) ((المفهم)) ٣٧/٤ - ٣٨. ٦٥ (٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٤٧) والباقون ذُكروا في الباب، والبابين الماضيين، و((إسحاق)) هو: ابن راهويه . وقوله: (وَقَالَا فِي الْحَدِيثِ) ضمير التثنية لمحمد بن جعفر، والنضر بن شُميل. [تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن شعبة ساقها ابن ماجه تَكَّلُ في ((سننه))، فقال : (٢٨٦٢) - حدّثنا محمد بن بشّار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي عمران الْجَوْنيّ، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذَرّ، أنه انتهى إلى الرَّبَذَة، وقد أقيمت الصلاة، فإذا عبد يؤمّهم، فقيل: هذا أبو ذرّ، فذهب يتأخر، فقال أبو ذرّ: أوصاني خليلي ◌َ﴿ أن أسمع، وأطيع، وإن كان عبداً حبشيّاً، مُجَدَّعَ الأطراف. انتهى(١). وأما رواية النضر بن شُميل، عن شعبة فقد ساقها ابن حبّان ◌َّثُ في ((صحيحه))، فقال: (٥٩٦٤) - أخبرنا عبد الله بن محمد الأزديّ، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا النضر بن شُميل، حدّثنا شعبة، حدّثنا أبو عمران الْجَوْنيّ، سمع عبد الله بن الصامت يقول: قَدِم أبو ذرّ على عثمان من الشام، فقال: يا أمير المؤمنين افتح الباب، حتى يدخل الناس، أتَحْسَبني من قوم يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مُروق السهم من الرَّمِيّة، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم على فُوقه؟ هُمْ شرّ الخلق والخليقة، والذي نفسي بيده لو أمرتني أن أقعد لَمَا قمت، ولو أمرتني أن أكون قائماً لَقُمْت ما أمكنتني رِجلاي، ولو ربَطْتَني على بعير لم أُطلق نفسي حتى تكون أنت الذي تُطلقني، ثم استَأُذَنه أن يأتي الرَّبَذَة، فَأَذِنَ له، فأتاها، فإذا عبد يؤمّهم، فقالوا: أبو ذرّ، فَنَكَصَ العبد، فقيل له: تقدَّم، فقال: أوصاني خليلي ◌َّ بثلاث: أن أسمع، وأطيع، ولو لعبد حبشيّ مُجَدَّع الأطراف، وإذا صنعتَ مرقةً، فأكثر ماءها، ثم انظر جيرانك، فَأَنِلْهم منها بمعروف، وصَلِّ الصلاة لوقتها، فإن أتيت الإمام، (١) ((سنن ابن ماجه)) ٩٥٥/٢. ٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة وقد صلى كنت قد أحرزت صلاتك، وإلا فهي لك نافلة. انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٧٤٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِيٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، كَمَا قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: عَبْداً، مُجَدَّعَ الأَطْرَافِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: وكلّهم ذُكروا في الباب، و((ابن إدريس)) هو: عبد الله الأوديّ. [تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ، عن شعبة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تََّثُ أوّل الكتاب قال: [٤٧٤٩] (١٨٣٨) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَدَّتِي تُحَدِّثُ، أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ◌َهِ يَخْطُبُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهُوَ يَقُولُ: ((وَلَوِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللهِ، فَاسْمَعُوا لَهُ(٢)، وَأَطِيعُوا))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عُبيد الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِن، أبو موسى البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٢ - (يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ) الأسلميّ، ثقةٌ [٤] (م د س ق) تقدّم في ((الحج)) ٣١٣٩/٤٨. ٣ - (جَدَّتُهُ) أمّ الْحُصين بنت إسحاق الأحمسيّة صحابيّة، شَهِدَت حجة الوداع (م ٤) تقدّمت في ((الحج)) ٣١٣٩/٤٨. والباقيان ذُكرا في الباب. قال الجامع عفا الله عنه: حديث أمّ الحصين ﴿ّ هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ، وقد تقدّم في ((كتاب الحجّ)) مطوّلاً برقم [٣١٣٩/٤٨] (١٢٩٨) واستوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (١) ((صحيح ابن حبان)) ٣٠١/١٣ - ٣٠٢. (٢) وفي نسخة: ((فاستمعوا له)). ٦٧ (٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٥٠ - ٤٧٥١) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال: [٤٧٥٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: عَبْدَأَ حَبَشِيّاً). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بن حسّان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ، عارفٌ بالرجال والحديث [٩] (ت١٩٨) وهو ابن (٧٣) سنةُ (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٨. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن شعبة هذه ساقها اللالكائيّ ◌َظَلُهُ في ((اعتقاد أهل السنّة))، فقال: (٢٢٩٣) - أخبرنا أحمد بن عبيد، أنا عليّ بن عبد الله بن مبشر، قال: نا أحمد بن سنان، قال: نا عبد الرحمن بن مهديّ، قال: نا شعبة، عن يحيى بن خُصَين، قال: سمعت جدتي تُحَدِّث أنها سمعت رسول الله وَلّم يوماً، وهو يقول: ((إن استُعْمِل عليكم عبد حبشيّ، يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له، وأطيعوا)). انتهى (١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٧٥١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: ((عَبْدَأَ حَبَشِيّاً، مُجَدَّعاً))). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: وكلّهم ذُكروا في الباب، والباب الماضي. [تنبيه]: رواية وكيع بن الْجَرّاح، عن شعبة هذه ساقها الإمام أحمد دَّتُهُ في ((مسنده))، فقال: (٢٧٣١١) - حدّثنا عبد الله، حدّثنا أبي، ثنا وكيع، قال: قال شعبة: أتيت يحيى بن الحصين، فسألته، فقال: حدّثتني جدّتي، قالت: سمعت النبيّ وَّ يقول، وهو واقف بعرفة: ((إن أُمِّر عليكم عبدٌ حبشيّ، فاسمعوا له، (١) ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) ١٢٢٤/٧. ٦٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة وأطيعوا، ما قادكم بكتاب الله تعالى)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّل الكتاب قال: [٤٧٥٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: ((حَبَشِيّاً، مُجَدَّعاً))، وَزَادَ: أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ وَلول بِمِنِّى(٢)، أَوْ بِعَرَفَاتٍ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ) بن الحكم الْعَبْديّ، أبو محمد النيسابوريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٦٠) أو بعدها (خ م دق) تقدّم في ((المقدمة)) ٩٩/٦. ٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ١١٢/٣. و((شُعبة)) ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية بهز بن أسد، عن شعبة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٧٥٣] (١٢٩٨) - (وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ زَيْدِ بْنٍ أَبِي أَنَيْسَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ الْحُصَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُهَا تَقُولُ: حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ قَوْلاً كَثِيراً، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ - حَسِبْتُهَا قَالَتْ - أَسْوَدُ، يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللهِ، فَاسْمَعُوا لَهُ، وَأَطِيعُوا))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار [١١] مات سنة بضع و(٢٤٠) (م ٤) تقدّم في ((المقدمة)) ٦٠/٦. (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٦/ ٤٠٣. (٢) وفي نسخة: ((يقول بمنّى)). ٦٩ (٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٥٤) ٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين، أبو عليّ الْحَرّانيّ، صدوقٌ [٩] (ت٢١٠) (خ م س) تقدّم في ((الإيمان)) ١١٩/٤. ٣ - (مَعْقِلُ) بن عبيد الله الْجَزَريّ، أبو عبد الله الْعَبْسيّ مولاهم، صدوقٌ يُخطىء [٨] (ت١٦٦) (م د س) تقدّم في ((الإيمان)) ١١٩/٤. ٤ - (زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ) واسمه زيد أيضاً، أبو أُسامة الْجَزَريّ، كوفيّ الأصل، ثم سكن الرُّها، ثقةٌ [٦] (ت١١٩ أو ١٢٤) وله (٣٦) سنةً (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ٦/ ٩٦. والباقيان ذُكرا قبله، والحديث من أفراد المصنّف، وقد تقدّم في ((كتاب الحجّ)) برقم [٣١٣٩/٤٨] (١٢٩٨) ومضى شرحه، وبيان ما يتعلّق به من المسائل هناك، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّثُ أوّل الكتاب قال: [٤٧٥٤] (١٨٣٩) - (حَدَّثَنَا قُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ وَِّ أَنَّهُ قَالَ: ((عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، فِيمَاً أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَنْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ) ذُكر في الباب. ٢ - (لَيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، الإمام الحجة الثبت الفقيه المشهور [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٢. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب الْعُمَريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. [تنبيه]: كون عبيد الله المذكور في هذا السند هو ابن عمر الْعُمريّ هو الذي نصّ عليه الحافظ أبو الحجّاج المزيّ دَّثُ في ((تحفته)) (١٦٤/٦، ١٦٥)، والحافظ في ((الفتح)) (٦٢٦/١٦) ((كتاب الأحكام))، وقد أخرج الحديث النسائيّ في ((سننه)) رقم (٤٢٠٨) عن قتيبة، عن الليث، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن ٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة نافع عن ابن عمر رضيها، وقد بيّنه الحافظ المزيّ في ((تحفته)) أيضاً (١٢٠/٦) فكلا الطريقين ثابت صحيح، وإنما نبّهت عليه لئلا يقع في اللَّبس من رأى اختلاف الإسنادين عند الشيخين والنسائيّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٤ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت١١٧) أو بعدها (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. ٥ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله الْعدويّ، أبو عبد الرحمن ظ﴿ ◌ًّا مات سنة (٧٣) أو بعدها (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٢. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه، فبغلانيّ، وليث فمصريّ، وفيه ابن عمر ﴿ها أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وأشدّ الناس اتّباعاً للأثر. شرح الحديث : (عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ) (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) جارّ ومجرور خبر مقدّم لقوله: (السَّمْعُ)؛ أي: سماع كلام الأميرَ، (وَالطَّاعَةُ) فيما أَمَرِه به، (فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ)؛ أي: في الشيء الذي أحبه المرء، أو كرهه، (إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ) ببناء الفعل للمفعول، وهذا يُقَيِّد ما أُطلق في الأحاديث الأخرى، من الأمر بالسمع والطاعة ولو لحبشيّ، ومن الصبر على ما يقع من الأمير مما يُكرَه، والوعيد على مفارقة الجماعة، فكلّ ذلك مقيّد بأن لم يأمر الأمير بمعصية، وإلا فلا سمع، ولا طاعة، كما نصّ عليه بقوله: (فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةً))) بالبناء على الفتح فيهما؛ لأن ((لا)) لنفي الجنس، والمراد: نفي الحقيقة الشرعية، لا الوجودية. والمعنى: أن سماع كلام الحاكم، وطاعته واجب على كلّ مسلم، سواء أَمَره بما يوافق طَبْعه، أو لم يوافقه، بشرط أن لا يأمره بمعصية، فإنْ أَمَره بها فلا تجوز طاعته، ومع ذلك لا تجوز له محاربته، ولا الخروج عليه. انتهى(١). (١) راجع: ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥٥٩/٨. ٧١ (٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٥٤) وقال في ((الفتح)): قوله: ((فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة))؛ أي لا يجب ذلك، بل يحرم على من كان قادراً على الامتناع، وفي حديث معاذ نظـ عند أحمد: ((لا طاعة لمن لم يُطِعِ اللّهَ))، وعنده، وعند البزار، في حديث عمران بن حصين، والحكم بن عمرو الغِفَاريّ: ((لا طاعة في معصية الله))، وسنده قويّ، وفي حديث عبادة بن الصامت، عند أحمد، والطبرانيّ: ((لا طاعة لمن عصى الله تعالى))، وفي حديث عبادة ربه الآتي في الباب: ((وأن لا ننازع الأمر أهله))، قال: ((إلا أن تَرَوا كفراً بَوَاحاً عندكم من الله فيه برهان)»، وفيه دليلٌ على أنه ينعزل بالكفر، وهو إجماعٌ، فيجب على كل مسلم القيام في ذلك، فمن قَوِيَ على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عَجَز وَجَبَتْ عليه الهجرة من تلك الأرض(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ◌ًا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧٥٤/٨ و٤٧٥٥] (١٨٣٩)، و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٢٩٥٥) و((الأحكام)) (٧١٤٤)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٦٢٦)، و(الترمذيّ) في ((الجهاد)) (١٧٠٧)، و(النسائيّ) في ((البيعة)) (١٦٠/٧) و((الكبرى)) (٨٧٢٠)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد)) (٢٨٦٤)، و(أحمد) في (مسنده)) (١٧/٢ و١٤٢)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٢٦٠/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٠٤/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٢٧/٣ و١٥٥/٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب الطاعة على المسلم لأولياء الأمور، سواء أَمَره بما وافق هواه، أو بما يُخالف. (١) راجع: ((الفتح)) ٦٢٧/١٦، كتاب ((الأحكام)) رقم (٧١٤٤). ٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة ٢ - (ومنها): عدم جواز طاعة أحد فيما يُخالف شرع الله تعالى؛ إذ لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق. ٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخُّْ: قوله: ((على المرء المسلم السَّمع والطاعة)) ظاهرٌ في وجوب السمع والطّاعة للأئمة، والأمراء، والقضاة، ولا خلاف فيه إذا لم يأمر بمعصية، فإن أَمَر بمعصية فلا تجوز طاعته في تلك المعصية قولاً واحداً، ثم إن كانت تلك المعصية كفراً وَجَبَ خَلْعُه على المسلمين كلهم، وكذلك لو ترك إقامة قاعدة من قواعد الدين؛ كإقام الصلاة، وصوم رمضان، وإقامة الحدود، ومَنَع من ذلك، وكذلك لو أباح شرب الخمر، والزنا، ولم يمنع منهما، لا يختلف في وجوب خَلْعِهِ، فأمَّا لو ابتدع بدعة، ودعا النَّاس إليها؛ فالجمهور على أنه يُخْلَع. وذهب البصريون إلى أنه لا يُخْلَع، تمسُّكاً بظاهر قوله وَله: ((إلا أن تروا كفراً بَوَاحاً عندكم من الله فيه برهان))، وهذا يدلّ على استدامة ولاية المتأوّل، وإن كان مبتدعاً، فأمَّا لو أمر بمعصية مثل أخذ مال بغير حقّ، أو قَتْل، أو ضَرْب بغير حقّ، فلا يطاع في ذلك، ولا ينفّذ أمره، ولو أفضى ذلك إلى ضرب ظهر المأمور، وأخذ ماله؛ إذ ليس دم أحدهما، ولا ماله بأولى من دم الآخر، ولا ماله، وكلاهما يحرم شرعاً؛ إذ هما مسلمان، ولا يجوز الإقدام على واحد منهما، لا للآمر، ولا للمأمور؛ لقوله: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق))، كما ذكره الطبريّ، ولقوله هنا: ((فإن أمر بمعصية فلا سمع، ولا طاعة))، فأمَّا قوله في حديث حذيفة: ((اسمع، وأطع، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك))، فهذا أمْر للمفعول به ذلك للاستسلام، والانقياد، وترك الخروج عليه؛ مخافة أن يتفاقم الأمر إلى ما هو أعظم من ذلك. ويَحْتَمِل أن يكون ذلك خطاباً لمن يُفعل به ذلك بتأويل، يسوّغ للأمير بوجهٍ يَظهر له، ولا يظهر ذلك للمفعول به، وعلى هذا يرتفع التعارض بين الأحاديث، ويصحّ الجمع. انتهى كلام القرطبيّ تَّشُ(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (١) ((المفهم)) ٣٨/٤ - ٣٩. ٧٣ (٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٥٥) وقال في ((العمدة)): وذكر عياض أنه أجمع العلماء على وجوب طاعة الإمام في غير معصية، وتحريمها في المعصية. وقال ابن بطال: احتَجّ بهذا الحديث الخوارج، فرأوا الخروج على أئمة الجَوْر، والقيام عليهم عند ظهور جورهم، والذي عليه الجمهور أنه لا يجب القيام عليهم عند ظهور جورهم، ولا خلعهم إلا بكفرهم بعد إيمانهم، أو تركهم إقامة الصلوات، وأما دون ذلك من الجور فلا يجوز الخروج عليهم، إذا استوطن أمْرهم، وأمْر الناس معهم؛ لأن في ترك الخروج عليهم تحصين الفروج والأموال، وحقن الدماء، وفي القيام عليهم تفرّق الكلمة، ولذلك لا يجوز القتال معهم لمن خرج عليهم عن ظلم ظَهَر منهم. وقال ابن التين: فأما ما يأمر به السلطان من العقوبات، فهل يسع المأمور به أن يفعل ذلك من غير ثَبَتٍ، أو عِلم يكون عنده بوجوبها؟ قال مالك: إذا كان الإمام عدلاً، كعمر بن الخطاب، أو عمر بن العزيز ظًا لم تَسَعْ مخالفته، وإن لم يكن كذلك، وثبت عنده الفعل جاز، وقال أبو حنيفة وصاحباه: ما أمر به الولاة من ذلك غيرهم يسعهم أن يفعلوه، فيما كان ولايتهم إليه، وفي رواية عن محمد: لا يسع المأمور أن يفعله، حتى يكون الآمر عدلاً، وحتى يشهد بذلك عنده عدل سواه، إلا في الزنا فلا بدّ من ثلاثة سواه، وروي نحو الأول عن الشعبيّ كَظُّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما ذهب إليه الإمام مالك تَظُّهُ في تفصيله المتقدّم أرجح. وحاصله أنه إن كان الإمام عدلاً لم تَسَع مخالفته، وإلا فإن ثبت عند المأمور ذلك الأمر وَسِعه، وإلا فلا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّل الكتاب قال: [٤٧٥٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ). (١) ((عمدة القاري)) ٢٢١/١٤. ٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْبَيَ الْقَطَّانُ) هو: يحيى بن سعيد بن فرّوخ التميميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقنُ حافظٌ إمام قدوةٌ، من كبار [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٥. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. [تنبيه]: رواية يحيى القطّان، عن عبيد الله ساقها البخاريّ تَخْشُهُ في ((صحيحه))، فقال: (٦٧٢٥) - حدّثنا مسدّد، حدّثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، حدّثني نافع، عن عبد الله ظُه، عن النبيّ وَلفي قال: ((السمع والطاعة على المرء المسلم، فيما أحبّ، وكَرِه، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية، فلا سمع، ولا طاعة)). انتهى. وأما رواية عبد الله بن نمير، عن عبيد الله، فساقها البيهقيّ دَّثُ في ((الكبرى))، فقال: (٥١١٧) - أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق الصغانيّ، ثنا ابن نمير، ثنا أبي، ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله وَ الله قال: ((السمع والطاعة على المرء المسلم، فيما أحبّ، وكَرِه، إلا أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّهُ أوّل الكتاب قال: [٤٧٥٦] (١٨٤٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِهِ بَعَثَ جَيْشاً، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلاً، فَأَوْقَدَ نَاراً، وَقَالَ: ادْخُلُوهَا، فَأَرَادَ نَاسٌ أَنْ يَدْخُلُوهَا، وَقَالَ (١) ((سنن البيهقي الكبرى)) ١٢٧/٣. ٧٥ (٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٥٦) الآخَرُونَ: إِنَّا(١) قَدْ فَرَرْنَا مِنْهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا: ((لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا، إِلَى يَوْم الْقِيَامَةِ))، وَقَالَ لِلآخَرِينَ قَوْلاً حَسَناً، وَقَالَ: ((لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (ُزُبَيْدُ) بن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب الياميّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٦] (ت١٢٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٨/٣٠. ٢ - (سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ) السَّلَميّ، أبو حمزة الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات في ولاية عمر بن هُبيرة على العراق (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٠/٥. ٣ - (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بن حبيب بن رُبيِّعة السُّلَميّ الكوفيّ المقرىء، ثقةٌ ثبتٌ [٢] مات بعد السبعين (ع) تقدم في ((الرضاع)) ٣٥٨١/٣. ٤ - (عَلِيُّ) بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ الخليفة الرابع، اسْتُشْهِد ◌َتُه في رمضان سنة (٤٠) وله (٦٣) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن راويه صحابيّ ظُه، أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وصهر رسول الله وَّله، وابن عمّه، وأول من آمن به من الصبيان، ومات شهيداً في رمضان، وهو يومئذ أفضل أهل الأرض من بني آدم بالإجماع شرح الحديث: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ بَعَثَ جَيْشاً، وَأَمَّرَ) بتشديد الميم، من (عَنْ عَلِيٍّ) التأمير، (عَلَيْهِمْ رَجُلاً) قال النوويّ تَخْلَقُ: هذا الذي فعله هذا الأمير قيل: أراد امتحانهم، وقيل: كان مازحاً، قيل: إن هذا الرجل عبد الله بن حُذافة السهميّ، وهذا ضعيفٌ؛ لأنه قال في الرواية الأخرى: ((إنه رجل من الأنصار))، فدلّ على أنه غيره. انتهى (٢). (١) وفي نسخة: ((إنما)). (٢) ((شرح النوويّ)) ٢٢٧/١٢. ٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة وقال أبو العبّاس القرطبيّ تَخْذَتُهُ: قوله: ((رجلاً من الأنصار)) ظاهرٌ في أنه ليس عبد الله بن حذافة، فإنه مهاجريّ، وذلك أنصاريّ، فافترقا، وقضيّة عبد الله بن حُذافة هي التي ذكر منها ابن عبّاس ﴿ًّا طرفاً، كما تقدّم، فلا معنى لقول من قال: إن هذا الذي حكى عنه عليّ بن أبي طالب نَظُه هو عبد الله بن حُذافة، وكذلك لا معنى لقول من قال: إن ذلك الأمير إنما أمرهم بدخول النار ليختبر طاعتهم له، وقد قال في هذه الرواية: إنهم أغضبوه، وقال: وسكن غضبه عليهم، فأراد عقوبتهم بذلك، وهذه نصوصٌ في أنه إنما حَمَله على ذلك غضبه عليهم. انتهى كلام القرطبيّ كَّتُهُ(١). واستظهر الحافظ تَّثُ في ((الفتح)) تعدّد القصّة، وقال ما حاصله: إن التعدّد هو الذي يظهر لي؛ لاختلاف سياقهما، واسم أميرهما، والسبب في أمره بدخولهم النار، قال: ويَحْتَمِل الجمع بينهما بضرب من التأويل، ويُبعده وصف عبد الله بن حُذافة السهميّ القرشيّ المهاجريّ بكونه أنصاريّاً، قال: ويَحْتَمِل الحمل على المعنى الأعمّ، أي: أنه نصر رسول الله وَّر في الجملة. وإلى التعدّد جنح ابن القيّم تَظُّْ، وأما ابن الجوزيّ دَّثُهُ، فقال: قوله: ((من الأنصار)) وَهَمٍّ من بعض الرواة، وإنما هو سهميّ. قال الحافظ: ويؤيّده حديث ابن عباس ﴿ عند أحمد في قوله تعالى: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ الآية [النساء: ٥٩] نزلت في عبد الله بن حُذافة بن قيس بن عديّ، بعثه رسول الله وَّ في سريّة. انتھی(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اتّضح بما ذُكر كلّه أن الأرجح تعدد الواقعة، وأن الرجل المبهم في حديث عليّ ظُّه المذكور في الباب ليس هو عبد الله بن حُذافة، وإنما هو رجلٌ آخر من الأنصار ﴿ه لم يُعرف اسمه، والله تعالى أعلم. (فَأَوْقَدَ نَاراً، وَقَالَ: ادْخُلُوهَا) وفي الرواية التالية: ((بعث رسول الله وَّل (١) ((المفهم)) ٣٩/٤ - ٤٠. (٢) (الفتح)) ٤٧٣/٩ - ٤٧٤، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٤٠). ٧٧ (٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٥٦) سَريّة، واستعمل عليهم رجلاً من الأنصار، وأمرهم أن يُطيعوه، فأغضبوه في شيء، فغضب عليهم، فقال: اجمعوا لي حطباً، فجمعوا له، ثمّ قال: أوقدوا ناراً، فأوقدوا، ثمّ قال: ألم يأمركم رسول الله وَ﴿ أن تسمعوا لي، وتُطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها)) الحديث، وفي رواية للبخاري: ((فقال: عزمت عليكم لَمَا جمعتم حطباً، وأوقدتم ناراً، ثم دخلتم)). وهذا يخالف حديث أبي سعيد الخدريّ رَظُه، فإن فيه: ((فأوقد القوم ناراً؛ ليصنعوا عليها صنيعاً لهم، أو يصطلون، فقال لهم: أليس عليكم السمع والطاعة؟ قالوا: بلى، قال: أعزم عليكم بحقّي، وطاعتي لَمَا تواثبتم في هذه النار))، ويُجمع بتعدّد القصّة، كما سبق ترجيحه، فتنبّه. (فَأَرَادَ نَاسٌ أَنْ يَدْخُلُوهَا) وفي رواية البخاريّ: ((فهمّوا، وجعل بعضهم يُمسك بعضاً))، وفي رواية: «فلمّا همّوا بالدخول فيها، فقاموا ينظر بعضهم إلى بعض))، وفي رواية عند ابن جرير: ((فقال لهم شابّ منهم: لا تعجلوا بدخولها)»، (وَقَالَ الآخَرُونَ: إِنَّا قَدْ فَرَرْنَا مِنْهَا) وفي بعض النسخ)): ((إنما فررنا منها))؛ أي: من النار بالإيمان، فكيف ندخلها؟، وزاد في الرواية الآتية: ((فكانوا كذلك، وسكن غضبه، وطُفئت النار))، وفي رواية البخاريّ: ((فما زالوا حتى خَمَدت النار، فسكن غضبه))، وفي رواية: ((فبينما هم كذلك إذ خمدت النار)). و(خَمَد)) بفتح الميم(١)، وحَكَى المطرّزيّ كسرها؛ أي: طَفِىء لهبها. وقوله: ((وسكن غضبه)) هذا أيضاً يخالف حديث أبي سعيد الخدريّ ◌َظُه، (٢) فإن فيه: ((أنه كانت به دُعَابة، وفيه أنهم تحجّزوا حتى ظنّ (١) قال في ((القاموس)): خَمِدت النار، كنصَرَ، وسَمِعَ خَمْداً، وخُمُوداً: سَكَن لَهَبُها، ولم يُطفأ جمرها. انتهى. (٢) حديث أبي سعيد الخدريّ ﴿ه: هو ما أخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) ٦٧/٣ وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم من طريق عُمَر بن الحكم بن ثوبان، أن أبا سعيد الخدريّ قال: بعث رسول الله ﴿ علقمة بن مُحَرِّز على بعث أنا فيهم، حتى انتهينا إلى رأس غزاتنا، أو كنا ببعض الطريق أَذِنَ لطائفة من الجيش، وأمَّر عليهم عبد الله بن حُذافة بن قيس السهميّ، وكان من أصحاب بدر، وكانت فيه دُعابة - يعني: مِزاحاً - وكنت ممن رجع معه، فنزلنا ببعض الطريق، قال : = ٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة أنهم واثبون فيها، فقال: احبسوا أنفسكم، فإنما كنت أضحك معكم))، وهذا كلّه يؤيّد تعدد الواقعة، والله تعالى أعلم. (فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ وَلَّ) وفي الرواية التالية: ((فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبيّ نَّه)) (فَقَالَ) وَهِ (لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا: ((لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ))) قال النوويّ كَُّ: هذا مما عَلِمِهِ وَّ بالوحي، وهذا التقييد بيوم القيامة مبيّن للرواية المطلقة بأنهم لا يخرجون منها لو دخلوها . وقال الحافظ ◌َُّ: يَعْنِي أَنَّ الدُّخُولِ فِيهَا مَعْصِيَة، وَالْعَاصِي يَسْتَحِقّ النَّار، وَيَحْتمِلِ أَنْ يَكُون الْمُرَادِ: لَوْ دَخَلُوهَا مُسْتَحِلِّينَ، لَمَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَداً، وَعَلَى هَذَا فَفِي الْعِبَارَةِ نَوْعِ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ، وَهُوَ الاِسْتِخْدَامِ؛ لِأَنَّ الضَّمِير فِي قَوْله: (لَوْ دَخَلُوهَا)) لِلنَّارِ الَّتِي أَوْقَدُوهَا، وَالضَّمِيرِ فِي قَوْله: ((مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدَا)) لِنَارِ الْآخِرَة؛ لِأَنَّهُمْ ارْتَكَبُوا مَا نُهُوا عَنْهُ مِنْ قَتْلِ أَنْفُسِهِمْ. وَيَحْتَمِل - وَهُوَ الظَّاهِر - أَنَّ الضَّمِيرِ لِلنَّارِ الَّتِي أُوقِدَتْ لَهُمْ؛ أَيْ: ظَنُّوا أَنَّهُمْ إِذَا دَخَلُوا بِسَبَبٍ طَاعَة أَمِيرهمْ، لَا تَضُرّهُمْ، فَأَخْبَرَ النَّبِيّ ◌َّهِ، أَنَّهُمْ لَوْ دَخَلُوا فِيهَا لَاحْتَرَقُوا فَمَاتُوا، فَلَمْ يَخْرُجُوا. انتهى(١). وقال في ((الفتح)) أيضاً في ((كتاب الأحكام)): قوله: ((لو دخلوها ما خرجوا منها)) قَالَ الدَّاوُدِيُّ: يُرِيد تِلْكَ النَّار؛ لِأَنَّهُمْ يَمُوتُون بِتَحْرِيقِهَا، فَلَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا أَحْيَاء، قَالَ: وَلَيْسَ الْمُرَاد بِالنَّارِ نَارِ جَهَنَّم، وَلَا أَنَّهُمْ مُخَلَّدُونَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيث الشَّفَاعَة: ((يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّ مِنْ إِيمَان))، قَالَ: وَهَذَا مِنْ الْمَعَارِيضِ الَّتِي فِيهَا مَنْدُوحَة. = وأوقد القوم ناراً ليصنعوا عليها صنيعاً لهم، أو يصطلون، قال: فقال لهم: أليس لي عليكم السمع والطاعة؟ قالوا: بلى، قال: فما أنا بآمركم بشيء إن صنعتموه؟ قالوا: بلى، قال: أعزم عليكم بحقي وطاعتي لَما تواثبتم في هذه النار، فقام ناس، فتحجّزوا حتى إذا ظنّ أنهم واثبون قال: احبسوا أنفسكم، فإنما كنت أضحك معكم، فذكروا ذلك للنبيّ ﴿ بعد أن قَدِموا، فقال النبيّ ◌َّ ر: ((من أمركم منهم بمعصية فلا تطيعوه)). انتهى. (١) ((الفتح)) ٩/ ٤٧٥، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٤٠). ٧٩ (٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٥٦) يُرِيد أَنَّهُ سِيقَ مَسَاق الزَّجْرِ وَالتَّحْوِيف؛ لِيَفْهَمَ السَّامِعِ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ خُلِّدَ فِي النَّارِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَاداً، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الزَّجْرِ وَالتَّخْرِيف. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ دُخُولِهِمْ النَّارِ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا أَشَارَ لَهُمْ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ طَاعَة الْأَمِيرِ وَاجِبَة، وَمَنْ تَرَكَ الْوَاجِب دَخَلَ النَّارِ، فَإِذَا شَقَّ عَلَيْكُمْ دُخُول هَذِهِ النَّارِ، فَكَيْف بِالنَّارِ الْكُبْرَى؟ وَكَأَنَّ قَصْده أَنَّهُ لَوْ رَأَى مِنْهُمْ الْجِدّ فِي وُلُوجهَا لَمَنَعَهُمْ. انتهى(١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أحسن التأويلات عندي ما استظهره الحافظ فيما سبق، من أنه ﴿ إنما أخبرهم بأنهم لو دخلوها ظانّين بأن طاعة أميرهم يُنجيهم منها، وأنها لا تضرّهم، لَمَا نفعهم ذلك، بل يحترقون، ويموتون، فلا يرجعون إلى الدنيا إلى يوم القيامة، فهذا الوجه أقرب الأوجه، فتأمّله بالإمعان، والله تعالى أعلم. (وَقَالَ) بَّهِ (لِلآخَرِينَ قَوْلاً حَسَناً)؛ أي: أثنى وَّر على الذين قالوا: إنما فررنا منها، حيث إنهم أصابوا الحقّ، (وَقَالَ) بَليهِ مبيّناً للقاعدة العامّة التي يجب معرفتها، والسير على ضوئها ((لَا طَاعَةً) لأيّ أحد (فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ))) وفي حديث أبي سعيد حَظُه: (مَنْ أَمَركم منهم بمعصية، فلا تطيعوه)) . قال أبو العباس القرطبيّ كَخّلُهُ: ((إنما)) هذه للتحقيق والحصر، فكأنه قال: لا تكون الطاعة إلا في المعروف، ويعني بالمعروف هنا ما ليس بمنكر، ولا معصية، فيدخل فيها الطاعة الواجبة، والمندوب إليها، والأمور الجائزة شرعاً، فلو أمر بجائز لصارت طاعته واجبةً، ولَمَا حلّت مخالفته، فلو أَمَر بما زجر الشرع عنه زجر تنزيه، لا تحريم، فهذا مشكلٌ، والأظهر جواز المخالفة؛ تمسّكاً بقوله: ((إنما الطاعة في المعروف))، وهذا ليس بمعروف، إلا بأن يخاف على نفسه منه، فله أن يمتثل، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((فهذا مشكل)) فيه نظرٌ لا يخفى؛ إذ (١) ((الفتح)) ٦٢٧/١٦ - ٦٢٨، كتاب ((الأحكام)) رقم (٧١٤٥). (٢) («المفهم)) ٤ /٤١. ٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة هو منكرٌ شرعاً؛ لأن الشارع لا يزجر إلا عن منكر، فكيف يُشكل هذا؟، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ رَبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧٥٦/٨ و٤٧٥٧ و ٤٧٥٨] (١٨٤٠)، و(البخاريّ) في ((المغازي)) (٤٣٤٠) و((الأحكام)) (٧١٤٥) و((أخبار الآحاد)) (٧٢٥٧)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٦٢٥)، و(النسائيّ) في ((البيعة)) (٧) ١٠٩) و(«الكبرى» (٤٣٤/٤ و٢٢١/٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٦/ ٥٤٣)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٥/١ و١٧)، و(ابن المبارك) في ((مسنده)) (١٦٣/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٨٢/١ و١٢٤)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٢/ ٢٠٦)، و(ابن حبّان في ((صحيحه)) (٤٥٦٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤/ ٤٠٥ - ٤٠٦)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (٣٠٩/١ و٤٥٤)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (١٤٠/١)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٣٨/٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٥٦/٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب طاعة الأمراء في غير معصية الله تعالى. ٢ - (ومنها): بيان أَنَّ حُكْم الأمير فِي حَال الْغَضَب يَنْفُذ مِنْهُ مَا لَا يُخَالِفِ الشَّرْعِ. ٣ - (ومنها): أَنَّ الْغَضَب يُغَطِّي عَلَى ذَوِي الْعُقُول عقولهم. ٤ - (ومنها): أَنَّ الْإِيمَان بِاللهِ يُنَجِّي مِنَ النَّار لِقَوْلِهِمْ: ((إِنَّمَا فَرَرْنَا إِلَى النَّبِّ نَّهِ مِنَ النَّار)). ٥ - (ومنها): أن الْفِرَار إِلَى النَّبِيّ وَّهِ، فِرَارٍ إِلَى الله، وَالْفِرَار إِلَى الله، يُظْلَق عَلَى الْإِيمَانِ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَفِرّوَاْ إِلَى اَللَّهِ إِ لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُِّينٌ ۵٠ [الذاريات: ٥٠]. ٦ - (ومنها): ما قال القرطبيّ ◌َُّهُ: قوله: ((لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا،