النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ (٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٣٧) أطاع: إذا انقاد، والمعصية مأخوذة من عَصَى: إذا اشتد، ((وأولو)) واحدهم (ذُو)) على غير قياس، كالنساء، والإبل، والخيل، كلُّ واحد اسم جمع، ولا واحد له من لفظه، وقد قيل في واحد الخيل: خائل، قاله القرطبيّ المفسّر تَخْذَّهُ(١). [تنبيه]: قال في ((الفتح)): والنكتة في إعادة العامل في الرسول، دون أولي الأمر، مع أن المطاع في الحقيقة هو الله تعالى، كون الذي يُعرَف به ما يقع به التكليف هما القرآن والسُّنَّة، فكأن التقدير: أطيعوا الله فيما نَصَّ عليكم في القرآن، وأطيعوا الرسول فيما بَيَّن لكم من القرآن، وما ينصه عليكم من السَّنَّة، أو المعنى: أطيعوا الله فيما يأمركم به من الوحي المتعبَّد بتلاوته، وأطيعوا الرسول فيما يأمركم به من الوحي الذي ليس بقرآن، ومن بديع الجواب قول بعض التابعين لبعض الأمراء من بني أمية لَمّا قال له: أليس الله أمركم أن تطيعونا في قوله: ﴿وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾؟ فقال له: أليس قد نُزِعَت عنكم - يعني: الطاعة - إذا خالفتم الحقّ بقوله: ﴿فَإِن نَزَعْثُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]. وقال الطيبيّ تَّقُ: قوله: ﴿وَأَطِيعُواْ الرَّسُولٌ﴾ عطفٌ على ﴿أَطِيعُواْ اُللَّهُ﴾، وكرّر الفعل في قوله: ﴿وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ إشارةً إلى استقلال الرسول وَّل بالطاعة، ولم يُعِذْه في قوله: ﴿وَأُوْلِ الْأَمَّيِ مِنْكُمْ﴾ إشارةً إلى عدم استقلالهم بالطاعة، بل إنما يطاعون إذا أطاعوا الله تعالى، ورسوله وَيقر، فطاعتهم تابعة لطاعتهما، كما أوضح ذلك بعده بقوله: ﴿فَإِن تَنَزَعْثُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، كأنه قيل: إذا لم يكن أولو الأمر مستقيمين، وشاهدتم منهم خلاف الحقّ، فردّوه إلى الحقّ، وهو الكتاب والسُّنّة، ولا يأخذكم في الله لومة لائم. انتھی بتصرّف(٢). (فِي عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ السَّهْمِيِّ) هو: عبد الله بن حُذافة بن قيس بن عَدِيّ بن سُعيد بن سَعْد بن سَهْم بن عمرو بن هُصَيص (١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٢٦١/٥. (٢) راجع: ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥٧٦/٨. ٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة القرشيّ السهميّ، أبو حُذافة، أسلم قديماً، وهاجر إلى الحبشة، مع أخيه قيس، وقيل: إنه شَهِد بدراً، ونزلت فيه آية ﴿يََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكٌ﴾ الآية، وروى عن النبيّ ◌ََّ، وعنه أبو وائل، ومسعود بن الحكم الزُّرَقيّ. قال أبو القاسم البغويّ: بلغني أنه مات في خلافة عثمان، وقال أبو نعيم الحافظ: تُوُفّي بمصر في خلافة عثمان، قيل: إن مسلماً رَوَى له، وهو وَهَمٌ، وحُكِيَ في ((كتاب الأطراف)). وهو الذي أَسَرَته الروم في زمن عمر بن الخطاب، فأرادوه على الكفر فأبى، فقال له ملك الروم: قَبِّلْ رأسي، وأُطلقك، قال: لا، قال: قَبِّلْ رأسي، وأطلقك ومن معك من المسلمين، فقَبَّل رأسه، ففعل، وأَظْلَق معه ثمانين أسيراً، فَقَدِم بهم على عمر، فقال: حَقٌّ على كل مسلم أن يُقَبِّل رأس عبد الله، وأنا أبدأ، ففعلوا. له في ((الصحيحين)) قصة في سؤاله مَن أَبِي؟ وفيها: لو ألحقني بعبد أسود للحقت به، وفيهما قصته في السريّة التي أمرهم أن يدخلوا في النار، وقال ابن الْبَرْقيّ: حُفِظ عنه ثلاثة أحاديث، ليست بصحيحة الاتصال(١). وقال في ((الإصابة)): ومن مناقب عبد الله بن حُذافة ما أخرجه البيهقيّ من طريق ضِرَار بن عمرو، عن أبي رافع، قال: وَجَّه عمر جيشاً إلى الروم، وفيهم عبد الله بن حُذافة، فأسروه، فقال له ملك الروم: تنصّر أُشْرِكْكَ في مُلكي، فأبى، فأمَر به، فَصُلِب، وأمَر برميه بالسهام، فلم يَجْزَع، فأُنزل، وأَمَر بقِدْرٍ، فصُبّ فيها الماء، وأُغلي عليه، وأَمَر بإلقاء أسير فيها، فإذا عظامه تلوح، فَأَمَر بإلقائه، إن لم يتنصّر، فلما ذهبوا به بكى، قال: رُدُّوه، فقال: لِمَ بكيت؟ قال: تمنّيت أن لي مائةَ نفس، تُلْقَى هكذا في الله، فعَجِب، فقال: قَبِّل رأسي، وأنا أُخْلِي عنك، فقال: وعن جميع أسارى المسلمين؟، قال: نعم، فقَبَّل رأسه، فخَلَّى بينهم، فقَدِمَ بهم على عمر، فقام عمر، فقَبَّل رأسه. وأخرج ابن عساكر لهذه القصّة شاهداً من حديث ابن عباس، موصولاً، وآخر من فوائد هشام بن عثمان، من مرسل الزهريّ. انتهى (٢). (١) ((تهذيب التهذيب)) ١٦٢/٥. (٢) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٥٨/٤. ٤٣ (٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٣٧) وقال ابن يونس: شَهِدَ فتح مصر، وقُبِر في مقبرتها، وحَكَى محمد بن الربيع الْجِيزيّ أنه وَهَمُ (١). (بَعَثَّهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ فِي سَرِيَّةٍ) قال في ((الفتح)): قوله: ((نزلت في عبد الله بن حذافة)) كذا ذكره مختصراً، والمعنى: نزلت في قِصّة عبد الله بن حُذافة؛ أي: المقصود منها في قصته قوله: ﴿فَإِن تَعْثُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية. قال الحافظ: وقد غَفَل الداوديّ عن هذا المراد، فقال: هذا وَهَمُ على ابن عباس، فإن عبد الله بن حُذافة خرج على جيش، فغَضِب، فأوقدوا ناراً، وقال: اقتحموها، فامتنع بعض، وهَمّ بعض أن يفعل، قال: فإن كانت الآية نزلت قبلُ، فكيف يَخصّ عبد الله بن حُذافة بالطاعة دون غيره؟ وإن كانت نزلت بعدُ، فإنما قيل لهم: إنما الطاعة في المعروف، وما قيل لهم: لِمَ لَمْ تطيعوه؟ انتھی . قال الحافظ: وبالحَمْل الذي قدّمته يظهر المراد، وينتفي الإشكال الذي أبداه؛ لأنهم تنازعوا في امتثال ما أمرهم به، وسببه أن الذين هَمُّوا أن يطيعوه، وقفوا عند امتثال الأمر بالطاعة، والذين امتنعوا عارضه عندهم الفرار من النار، فناسب أن يَنْزل في ذلك ما يُرشدهم إلى ما يفعلونه عند التنازع، وهو الردّ إلى الله تعالى، وإلى رسوله و8؛ أي: إن تنازعتم في جواز الشيء وعدم جوازه، فارجعوا إلى الكتاب والسُّنَّة، والله أعلم. وقد رَوَى الطبريّ أن هذه الآية نزلت في قصةٍ جَرَتْ لعمار بن ياسر، مع خالد بن الوليد، وكان خالد أميراً، فأجار عمار رجلاً بغير أَمْره، فتخاصما، فنزلت، فالله أعلم. وقال القرطبيّ تَخُّْ: وقول ابن عباس ظها: ((بعثه رسول الله وضلال في سرية)) كلام غير تامّ، وتتميمه: أن عبد الله بن حُذَافَةَ أمرهم بأمر، فخالف بعضهم، وأَنِفَ على عادة العرب، فإنهم كانوا يأنفون من الطّاعة، قال الشافعيّ: كانت العرب تأنف من الطّاعة للأمراء، فلمَّا أطاعوا رسول الله وَله أمرهم بطاعة الأمراء، وقال أبو العالية: نزلت الآيةُ بسبب عمَّار بن ياسر، (١) (تهذيب التهذيب)) ١٦٢/٥. ٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة خرج في سرية؛ أميرهم خالد بن الوليد، فأجاز عَمَّار رجلاً، فأبى خالد أن يُجِيزَ أمانَهُ، فأخبر بذلك النبيّ وَّرِ فأجاز أمان عَمَّار، ونهى أن يُجار على الأمير. قال القرطبيّ كَّتُ: وقول ابن عباس أشهر، وأصح، وأنسب، وعلى هذا: فأولو الأمرِ في الآية: هم الأمراء، وهو أظهر مِنْ قول من قال: هم العلماء؛ قاله الحسن، ومالك، وله وجه، وهو: أن الأمراء شَرْطهم أن يكونوا آمرين بما يقتضيه العلم، وكذلك كان أمراءُ رسول اللهِ وَّ، وحينئذٍ تجب طاعتهم، فلو أَمروا بما لا يقتضيه العلم حَرُمَتْ طاعتهم، فإذاً الحكم للعلماء، والأمرُ لهم بالأصالة، غير أنهم لهم الفتيا من غير جبر، وللأمير الفتيا والجبر، وهذان القولان أشبه ما قيل في هذه الآية. وقوله: ﴿فَإِن تَعْثُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ وَلَرَّسُولِ﴾ الآية: ﴿نَزَعُْمْ﴾ : اختلفتم، وأصله: التجاذب، والتعاطي، ومنه سُمِّي المستقيان متنازعين؛ لأنهما يتجاذبان الدّلو بالحبل، ولا شك أن المواجَه بهذا الخطاب الصحابة. وعلى هذا فالمراد بقوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾؛ أي: انتظروا أن يُنزل الله فيه قرآناً، أو يبيّن فيه رسول الله ﴿ ﴿﴿ سُنَّة، وقيل: المراد الصحابة وغيرهم، والمعنى: أنَّ المرجع عند التنازع كتاب الله، وسُنَّة رسوله وََّ، قاله قتادة . وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾؛ أي: الردُّ إِلى كتاب الله تعالى وسُنّة رسوله بَّه خير من الردّ إلى التحاكم بالهوى، و﴿خَيْرٌ﴾ للمفاضلة التي على منهاج قولهم: العسل أحلى من الخل، ومنه قوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا [الفرقان: ٢٤]، و﴿خَيْرٌ﴾ هنا بمعنى: الواجب؛ أي: ذلك ٢٤ وَأَحْسَنُ مَقِيلًا الواجب عليكم، و﴿تَأْوِيلًا﴾؛ أى: مالاً، ومرجعاً؛ قاله قتادة وغيره. انتهى (١). وقوله: (أَخْبَرَنِيهِ) هو من قول ابن جريج، (يَعْلَى بْنُ مُسْلِم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿ُهَا، وفيه تقديم المتن على بعض السَّند، وهو جائز على الصحيح، وسيأتي بيانه في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -. (١) ((المفهم)) ٣٤/٤ - ٣٥. ٤٥ (٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٣٧) مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌َّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧٣٧/٨] (١٨٣٤)، و(البخاريّ) في ((التفسير)) (٤٥٨٤)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٢٥٥)، و(الترمذيّ) في ((الجهاد)) (١٦٧٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٢٢/٥ و٣٢٤/٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣٧/١)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٢٦٠/١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٨٣/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٩٨/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٣١/٥)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (١٢٥/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٥٥/٨) و((شعب الإيمان)) (٣/٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قوله في هذا السند: أخبرنيه يعلى ... إلخ فيه تقديم المتن على بعض السند، وفيه خلاف، كما قال السيوطيّ في ((ألفيّة الحدیث»: ثُمَّ يُتِمُّهُ أَجِزْ فَإِنْ يُرَدْ وَسَابِقٌ بِالْمَتْنِ أَوْ بَعْضِ سَنَدْ جَوَازُهُ كَبَعْضِ مَتْنٍ فِي الأَصَحّ حِينَئِذٍ تَقْدِیمُ كُلُّهِ رَجَحْ حَيْثُ مَقَالٌ فَاتَّبِعْ وَلَا تَعَدّ وَابْنُ خُزَيْمَةً يُؤَخِّرُ السَّنَدْ وحاصل معنى الأبيات: أنه روى أحد حديثاً، وقَدَّم المتن أوّلاً، ثمّ ذَكَر إسناده، كأن يقول: ((قال رسول الله وَ ﴿ كذا))، ثم يقول: حدّثنا به فلان، عن فلان ... إلخ، أو أخّر بعض السند، كما وقع عند مسلم هنا، وكأن يروي عن نافع، عن ابن عمر حديثاً، ثم يقول: حدّثنا به فلانٌ إلى أن يصل إلى نافع، فهذا كلّه جائز، وقد وقع كثيراً عند الرواة، وإذا أراد مَن عنده الحديثُ بهذه الصفة أن يسوق الإسناد كلّه أوّلاً قبل المتن، فهو جائز على القول الصحيح، كجواز تقديم بعض المتن على بعض، إذا لم يكن ذلك مؤثّراً على المعنى. وهذا كلّه في غير ((صحيح ابن خزيمة))، فإنه كَّلُ يقدّم الحديث على السند إذا كان في السند من فيه مقال، فيبتدىء به، ثم بعد الفراغ يذكر السند، وقد صرّح هو بأن مَن رواه على غير ذلك الوجه لا يكون في حِلّ منه، فحينئذ ٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة ينبغي أن يُمنع هذا، ولو جوّزنا الرواية بالمعنى. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): سبب سريّة عبد الله بن حُذافة ظُبه هذه: هو ما أخرجه أحمد، وابن ماجه، وصححه ابن حبّان، والحاكم من طريق عمر بن الحكم بن ثوبان، أن أبا سعيد الخدريّ قال: بعث رسول الله وَّر علقمة بن مُجَزِّز الْمُدْلِجِيّ على بَعْث أنا فيهم، فخرجنا، حتى إذا كنا على رأس غَزَاتنا، أو في بعض الطريق استأذنته طائفة، فأَذِن لهم، وأَمَّر عليهم عبد الله بن حُذافة السهميّ، وكان من أصحاب بدر، وكانت فيه دُعَابةٌ، فكنت فيمن رجع معه، فبينا نحن في الطريق، نزلنا منزلاً، وأوقد القوم ناراً، يصطلون بها، أو يصنعون عليها صنيعاً لهم، إذ قال لهم عبد الله بن حذافة: أليس لي عليكم السمع والطاعة؟ قالوا: بلى، قال: فأنا آمركم بشيء ألا فعلتموه؟ قالوا: بلى، قال: فإني أعزم عليكم بحقي، وطاعتي، إلا تواثبتم في هذه النار، قال: فقام ناس حتى إذا ظنّ أنهم واثبون فيها، قال: أمسكوا عليكم أنفسكم، إنما كنت أضحك معكم، فلمّا قَدِمُوا على رسول الله وَّ ذكروا ذلك له، فقال رسول الله قال: ((مَن أمركم بمعصية فلا تطيعوه)). وذكر ابن سعد أن سريّة علقمة بن مُجَزِّز المدلجيّ إلى الحبشة في شهر ربيع الآخر، سنة تسع من مهاجر رسول الله وَي. قالوا: بلغ رسول الله وَلقر أن ناساً من الحبشة، تراياهم أهل جُدّة، فبعث إليهم علقمةَ بن مُجَزِّز في ثلاثمائة، فانتهى إلى جزيرة في البحر، وقد خاض إليهم البحر، فهربوا منه، فلما رجع تعجّل بعض القوم إلى أهلهم، فأَذِن لهم، فتعجّل عبد الله بن حُذافة السهميّ فيهم، فأَمَّره على من تعجل، وكانت فيه دعابة، فنزلوا ببعض الطريق، وأوقدوا ناراً يصطلون عليها، ويصطنعون، فقال: عزمت عليكم إلا تواثبتم في هذه النار، فقام بعض القوم، فاحتجزوا حتى ظنّ أنهم واثبون فيها، فقال: اجلسوا، إنما كنت أضحك معكم، فذكروا ذلك لرسول الله وَله، فقال: ((من أمركم بمعصية فلا تطيعوه)). انتهى(٢)، والله تعالى أعلم. (١) راجع: شرحي المسمّى ((إسعاف ذوي الوطر بشرح ألفيّة الأثر)) ٩٣/٢ - ٩٥. (٢) ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد تذثم ١٦٣/٢. ٤٧ (٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٣٧) (المسألة الخامسة): قال النوويّ تَخَّلُهُ: قال العلماء: المراد بأولي الأمر: مَنْ أوجب الله تعالى طاعته، من الولاة، والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف، من المفسّرين، والفقهاء، وغيرهم، وقيل: هم العلماء، وقيل: الأمراء والعلماء، وأما من قال: هم الصحابة خاصّة فقط فقد أخطأ. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): اختُلِف في المراد بأولي الأمر في الآية، فعن أبي هريرة ظه قال: هم الأمراء، أخرجه الطبريّ بإسناد صحيح، وأخرج عن ميمون بن مِهْران وغيره نحوه، وعن جابر بن عبد الله، قال: هم أهل العلم والخير، وعن مجاهد، وعطاء، والحسن، وأبي العالية: هم العلماء، ومن وجه آخر أصحّ منه عن مجاهد، قال: هم الصحابة ﴿ه، وهذا أخصّ، وعن عكرمة قال: أبو بكر، وعمر، وهذا أخصّ من الذي قبله، ورجّح الشافعيّ الأول، واحتَجّ له بأن قريشاً كانوا لا يعرفون الإمارة، ولا ينقادون إلى أمير، فأُمروا بالطاعة لمن وَلِي الأمر، ولذلك قال ◌َله: ((من أطاع أميري فقد أطاعني))، متّفق عليه، وقال ابن عيينة: سألت زيد بن أسلم عنها، ولم يكن بالمدينة أحد يفسّر القرآن بعد محمد بن كعب مثله، فقال: اقرأ ما قبلها تعرف، فقرأت: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُّكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَىْ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ الآية [النساء: ٥٨]، فقال: هذه في الولاة، واختار الطبريّ حملها على العموم، وإن نزلت في سبب خاصّ، والله أعلم(٢). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما رجّحه الطبريّ كَظْتُ من حَمْل الآية على العموم هو الأرجح؛ لأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، والله تعالى أعلم. وقال أبو عبد الله القرطبيّ المفسّر كَّتُهُ في ((تفسيره)): لَمّا تقدّم إلى الولاة في الآية المتقدمة(٣) وبدأ بهم، فأمَرهم بأداء الأمانات، وأن يحكموا بين الناس (١) (شرح النوويّ)) ٢٢٣/١٢. (٢) ((الفتح)) ٥٥/١٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٥٨٤). (٣) يعني قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُواْ بِلْعَدْلِ﴾ الآية. ٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة بالعدل، تقدّم في هذه الآية إلى الرعية، فأمر بطاعته أوّلاً، وهي امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ثم بطاعة رسوله وَ ل﴿ ثانياً، فيما أَمَر به، ونَهَى عنه، ثم بطاعة الأمراء ثالثاً، على قول الجمهور، وأبي هريرة، وابن عباس، وغيرهم. قال سهل بن عبد الله التستريّ: أطيعوا السلطان في سبعة: ضَرْب الدراهم والدنانير، والمكاييل والأوزان، والأحكام، والحجّ، والجمعة، والعیدین، والجهاد. قال سهل: وإذا نَهَى السلطان العالم أن يفتي فليس له أن يفتي، فإن أفتى فهو عاص، وإن كان أميراً جائراً. وقال ابن خويز منداد: وأما طاعة السلطان فتجب فيما كان الله فيه طاعة، ولا تجب فيما كان لله فيه معصية، ولذلك قلنا: إن وُلاة زماننا لا تجوز طاعتهم ولا معاونتهم، ولا تعظيمهم، ويجب الغزو معهم متى غزوا، والحكم من قبلهم، وتولية الإمامة والحسبة، وإقامة ذلك على وجه الشريعة. وإن صلّوا بنا وكانوا فَسَقَةً من جهة المعاصي جازت الصلاة معهم، وإن كانوا مبتدِعة لم تجز الصلاة معهم إلا أن يُخَافوا، فيصلي معهم تقيّةً، وتعاد الصلاة . ورُوي عن عليّ بن أبي طالب ◌َظُبه أنه قال: حقّ على الإمام أن يحكم بالعدل، ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك وجب على المسلمين أن يطيعوه؛ لأن الله تعالى أمرنا بأداء الأمانة والعدل، ثم أمر بطاعته. وقال جابر بن عبد الله، ومجاهد: ((أولو الأمر)) أهل القرآن والعلم، وهو اختيار مالك تَخْلَثُ، ونحوه قول الضحاك، قال: يعني الفقهاء، والعلماء في الدِّين. وحُكي عن مجاهد أنهم أصحاب محمد وَّ خاصة. وحُكي عن عكرمة أنها إشارة إلى أبي بكر وعمر ظنّ بخاصة. وروى سفيان بن عيينة عن الحكم بن أبان أنه سأل عكرمة عن أمهات الأولاد، فقال: هنّ حرائر، فقلت: بأي شيء؟ قال: بالقرآن، قلت: بأيّ شيء في القرآن؟ قال: قال الله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمَّيِ مِنْكُمْ﴾، وكان عُمَر من أولي الأمر، قال: عَتَقت ولو بِسَقْط. ٤٩ (٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٣٧) وقال ابن كيسان: هم أولو العقل، والرأي الذين يدبِّرون أمر الناس. قال القرطبيّ: وأصح هذه الأقوال الأول والثاني، أما الأول فلأن أصل الأمر منهم، والحكم إليهم. وفي ((الصحيحين)) عن ابن عباس ﴿هَا قال: نزل ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمَِّ مِنْكُمْ﴾ في عبد الله بن حُذافة بن قيس بن عديّ السهميّ؛ إذْ بَعَته النبيّ وَِّ في سريّة. قال أبو عمر: وكان في عبد الله بن حذافة دعابة معروفة، ومن دعابته أن رسول الله ﴿ ﴿ أَمَّره على سريّة فأمرهم أن يجمعوا حطباً، ويوقدوا ناراً، فلما أوقدوها أمرهم بالتقحم فيها، فقال لهم: ألم يأمركم رسول الله وَّر بطاعتي؟! وقال: ((من أطاع أميري فقد أطاعني؟)). فقالوا: ما آمنا بالله، واتبعنا رسوله إلا لننجو من النار! فصَوَّب رسول الله ◌َي﴿ فِعْلهم، وقال: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق))، قال الله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وهو حديث صحيح الإسناد مشهور. وروى محمد بن عمرو بن علقمة، عن عمر بن الحكم بن ثوبان أن أبا سعيد الخدريّ قال: كان عبد الله بن حذافة بن قيس السهميّ من أصحاب بدر، وکانت فيه دعابة. وذكر الزبير قال: حدثني عبد الجبار بن سعيد عن عبد الله بن وهب، عن الليث بن سعد قال: بلغني أنه حَلَّ حِزَام راحلة رسول الله وَّ في بعض أسفاره، حتى كاد رسول الله وَلم يقع، قال ابن وهب: فقلت لليث: ليضحكه؟ قال: نعم كانت فيه دعابة. وقال ميمون بن مهران، ومقاتل، والكلبي: ((أولو الأمر)) أصحاب السرايا . وأما القول الثاني: فيدل على صحته قوله تعالى: ﴿فَإِن نَزَعْتُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، فأمَر تعالى بردّ المتنازَع فيه إلى كتاب الله وسُنَّة نبيّهِ وَّل، وليس لغير العلماء معرفة كيفية الردّ إلى الكتاب والسُّنَّة، ويدلّ هذا على صحة كون سؤال العلماء واجباً، وامتثال فتواهم لازماً، قال سهل بن عبد الله تَخَّلهُ: ٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة لا يزال الناس بخير ما عظّموا السلطان والعلماء، فإذا عظّموا هذين أصلح الله دنياهم وأُخراهم، وإذا استخفّوا بهذين أفسد دنياهم وأخراهم. وأما القول الثالث فخاصّ، وأخصّ منه القول الرابع. وأما الخامس فيأباه ظاهر اللفظ، وإن كان المعنى صحيحاً، فإن العقل لكل فضيلة أُسّ، ولكل أدب ينبوع، وهو الذي جعله الله للدين أصلاً وللدنيا عماداً، فأوجب الله التكليف بكماله، وجعل الدنيا مدبَّرة بأحكامه، والعاقل أقرب إلى ربه تعالى من جميع المجتهدين بغير عقل، وروي هذا المعنى عن ابن عباس. وزعم قوم(١) أن المراد بأولي الأمر عليٍّ والأئمة المعصومون، ولو كان كذلك ما كان لقوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ معنى، بل كان يقول: فردّوه إلى الإمام، وأولي الأمر، فإن قوله عند هؤلاء هو المحكّم على الكتاب والسُّنَّة، وهذا قول مهجورٌ مخالِفٌ لِمَا عليه الجمهور. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: بل مذهب الفرقة الضالّة الرافضة المارقة، وهو مخالف لمذهب أهل السُّنّة والجماعة كافّة، ولِمَا دلّت عليه النصوص الصحيحة الصريحة في معنى الآية، فتأملها بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، فتهلك مع الهالكين، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، ﴿رَبََّا لَا تُخْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا [آل عمران: ٨]، اللهم أرنا الحقّ وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ حقّاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، آمين. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٧٣٨] (١٨٣٥) - (حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َيقول قَالَ: ((مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ يَعْصِنِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي))). (١) هم الرافضة، وقولهم هذا باطل مرفوض؛ لمصادمته النصوص الشرعيّة، فتنبّه، ولا تكن من الغافلين. (٢) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٢٥٩/٥ - ٢٦١. ٥١ (٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٣٨) رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكر بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدّم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٢ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ) المدنيّ، نزيل عسقلان، لقبه قُصيّ، ثقةٌ له غرائب [٧] تقدّم في ((الطهارة)) ٦٥٣/٢٦. ٣ - (أَبُو الزّنَادِ) عبد الله بن ذكوان، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز القرشيّيّ مولاهم، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَبُه تقدّم في ((المقدمة)) ٤/٢. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ◌َلَتُهُ، وهو مسلسلٌ بالمدنيين، غیر شیخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأنه أصحّ أسانيد أبي هريرة رظبه عند بعضهم، وفيه أبو هريرة به أحفظ من روى الحديث في دهره، ورأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهَ (عَنِ النَِّّنَ) أنه (قَالَ: ((مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ) هذه الجملة منتزعة من قوله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اَللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]؛ أي: لأني لا آمر إلا بما أمَر الله به، فمن فعل ما آمره به فإنما أطاع من أمرني أن آمره، ويَحْتَمِل أن يكون المعنى: لأن الله أمر بطاعتي، فمن أطاعني فقد أطاع أمْر الله له بطاعتي، وفي المعصية كذلك، والطاعة هي الإتيان بالمأمور به، والانتهاء عن المنهيّ عنه، والعصيان بخلافه(١). وقال القرطبيّ كَّلُ: هذا منتزعٍ من قوله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾، وذلك أنه وَِّ لَمَّا كان مُبَلِّغاً أمْر الله، وحُكْمَهُ، وأمَر الله بطاعته؛ فمن أطاعه فقد أطاع الله، ونفّذ حكمه(٢). (١) ((الفتح)) ٦٠٨/١٦، كتاب ((الأحكام)) رقم (٧١٣٧). (٢) («المفهم)) ٤/ ٣٥. ٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة (وَمَنْ يَعْصِنِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ) وفي الرواية التالية: ((ومن أطاع أميري فقد أطاعني)) بالإضافة، ويمكّن - قال في ((الفتح)) - ردّ اللفظين لمعنى واحد، فإن كل من يأمر بحقّ، وكان عادلاً فهو أمير الشارع؛ لأنه تولى بأمره، وبشريعته، ويؤيِّده توحيد الجواب في الأمرين، وكأن الحكمة في تخصيص أميره بالذكر أنه المراد وقت الخطاب، ولأنه سبب ورود الحديث، وأما الحكم فالعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. ووقوعه في هذه الرواية بلفظ المضارع، حيث قال: ((ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني)) بصيغة المضارعة، أدْخَلُ في إرادة تعمیم من خوطب، ومن جاء مِن بعد ذلك. (فَقَدْ أَطَاعَنِي)؛ أي: عَمِلَ بما شَرَعته، قال القرطبيّ تَخْذُ: وَوَجْهُ ذلك أنّ أمير رسول الله وَّ﴿ إنما هو مُنَفِذْ أَمْرَهُ، ولا يتصرف إلا بأمره، فمن أطاعه فقد أطاع أمْر رسول الله وَّر، وعلى هذا فكل من أطاع أمير رسول الله وَل فقد أطاع الرسول؛ ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله، فينتج: أنَّ مَنْ أطاع أمير رسول الله وَّ﴾ فقد أطاع الله، وهو حقّ، صحيح، وليس هذا الأمر خاصَّاً بمن باشره رسول الله و الفر بتولية الإمارة، بل هو عام في كل أمير للمسلمين، عدلٍ، ويلزم منه نقيض ذلك في المخالفة والمعصية. انتهى(١). (وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي))) قال الإمام الشافعيّ تَُّهُ: كانت قريش ومن يليها من العرب لا يعرفون الإمارة، فكانوا يمتنعون على الأمراء، فقال هذا القول يحثّهم على طاعة من يُؤَمِّرهم عليهم، والانقياد لهم إذا بعثهم في السرايا، وإذا ولّاهم البلاد، فلا يخرجوا عليهم؛ لئلا تفترق الكلمة. ووقع عند أحمد، وأبي يعلى، والطبرانيّ من حديث ابن عمر ظريًّا قال: كان رسول الله وَ﴿ في نفر من أصحابه، فقال: ((ألستم تعلمون أن من أطاعني فقد أطاع الله، وأن من طاعة الله طاعتي؟))، قالوا: بلى نشهد، قال: ((فإن من طاعتي أن تطيعوا أمراءكم))، وفي لفظ: ((أئمتكم)). (١) ((المفهم)) ٣٦/٤. ٥٣ (٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٣٨) وفي الحديث وجوب طاعة ولاة الأمور، وهي مقيّدة بغير الأمر بالمعصية، كما تقدم بيان ذلك. والحكمة في الأمر بطاعتهم المحافظة على اتفاق الكلمة؛ لِمَا في الافتراق من الفساد(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧٣٨/٨ و٤٧٣٩ و٤٧٤٠ و٤٧٤١ و٤٧٤٢ و٤٧٤٣ و٤٧٤٤] (١٨٣٥)، و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٢٩٥٧) و((الأحكام)) (٧١٣٧)، و(النسائيّ) في ((البيعة)) (١٥٤/٧) و((الكبرى)) (٤٣١/٤ و٤٦٢ و٥/ ٢٢٢)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (٣) و((الجهاد)) (٢٨٥٩)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٦٧٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٤/٢ و٢٧٠ و٣٤٢ و٥١١ و٤/ ١٧١ و٤١٦/٦ و٤١٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢١٢/١٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٤٦/٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٥٥٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٠٩/٢ و٣٩٩/٤ و٤٠٠ و٤٠١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٥٤/١١)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٤٢٦/١)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (٣٩/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٥٥/٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢٤٥١ و٢٤٧٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب طاعة الإمام، وأن طاعته طاعة لله ◌ُعَالَ، وطاعة لرسوله وَل؛ لأنهم ينفّذون أحكام الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن الحكمة في طاعة الأمراء هي المحافظة على اتّفاق الكلمة؛ لِمَا في الافتراق من الفساد، ﴿وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]. ٣ - (ومنها): أن وجوب طاعة الإمام مقيّد بما إذا أمر بغير المعصية، رَؤُه مرفوعاً: ((لا طاعة لمخلوق في وإلا فلا طاعة له؛ لحديث عليّ (١) ((الفتح)) ٦٠٨/١٦ - ٦٠٩، كتاب ((الأحكام)) رقم (٧١٣٧). ٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة معصية الله ريك، رواه أحمد بإسناد صحيح، وأخرجه الشيخان بلفظ: ((لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف))، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٧٣٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: ((وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي))). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: وكلهم ذُكروا في الباب، وقبله. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ ... إلخ) بالبناء للفاعل، وفاعله ضمير سفيان بن عيينة. [تنبيه]: رواية ابن عيينة، عن أبي الزناد هذه ساقها أبو يعلى ◌َُّهُ في ((مسنده)) بسند المصنّف، فقال: (٦٢٧٢) - حدّثنا أبو خيثمة (١)، حدّثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلاقى: ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني)). انتهى(٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كََّفُ أوّل الكتاب قال: [٤٧٤٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَهُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن عبد الله بن حرملة بن عمران التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدّم في ((المقدمة)) ١٤/٣. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ فقيهٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ١٠/٣. (١) هو: زهير بن حرب شيخ مسلم هنا . (٢) ((مسند أبي يعلى)) ١١/ ٥٤ ٥٥ (٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٤١) ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النجاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ١٤/٣. ٤ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [٣] (٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٣. والباقيان ذُكرا في الباب وقبله، والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه مستوفَّى، وكذا بيان مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظْلُ أوّل الكتاب قال: [٤٧٤١] (.) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ زِيَادٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ، بِمِثْلِهِ سَوَاءً). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ ۔ (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون المروزيّ، نزیل بغداد المعروف بالسمين، صدوقٌ فاضلٌ، ربّما وَهِمَ [١٠] (ت٥ أو٢٣٦) (مد) تقدّم في ((الإيمان)) ١٠٤/١. ٢ - (مَكِّيُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن بشير التميمي، أبو السكن الْبَلْخيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢١٥) وله (٩٠) سنةً (ع) تقدّم في ((الصلاة)) ١١٤١/٥١. ٣ - (زِيَادُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثم اليمن، ثقةٌ ثبتٌ، من أثبت أصحاب الزهريّ [٦] (ع) تقدّم في ((الطهارة)) ٦٥٣/٢٦. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية زياد بن سعد، عن ابن شهاب هذه ساقها النسائيّ لَكَّتُ في ((المجتبى))، فقال: (٤١٩٣) - أخبرنا يوسف بن سعيد، قال: حدّثنا حجاج، عن ابن جريج، أن زياد بن سعد، أخبره، أن ابن شهاب أخبره، أن أبا سلمة أخبره، أنه سمع أبا هريرة، يقول: قال رسول الله وَلفيه: ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني)). انتهى(١). (١) ((سنن النسائيّ)) ((المجتبى)) ١٥٤/٧. ٥٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َغَتُ أوّل الكتاب قال: [٤٧٤٢] (.) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ (ح) وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، سَمِعَ أَبَا عَلْقَمَةَ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّّ وَِّ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) فضيل بن حسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت٢٣٧) (خت م « ت س) تقدّم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧. ٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (٥ أو ١٧٦) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٤/٢. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذِ) بن معاذ الْعَنْبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٧) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٧/٣. ٤ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٧/٣. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندر، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت١٩٣) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٧ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد العتكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ الإمام الحافظ الحجة الناقد [٧] (ت١٦٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨١. ٨ - (يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ) العامريّ، أو الليثيّ الطائفيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٢٠) أو بعدها (زم ٤) تقدّم في ((الصلاة)) ٩٣٩/٢١. ٩ - (أَبُو عَلْقَمَةَ) الفارسيّ، المصريّ، مولى بني هاشم، ويقال: حليف الأنصار، وكان قاضي إفريقية، ثقةٌ، من كبار [٣] (زم ٤) تقدّم في ((الصلاة)) ٩٣٩/٢١. ٥٧ (٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٤٣) و((أَبُو هُرَيْرَةَ ﴿ته)) ذُكر قبله. وقوله: (مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ)؛ أي: حدّثني مواجهةً، ومشافهةً، وتلقيناً، والمراد تأكيد سماعه من أبي هريرة ظه بلا واسطة. وقوله: (نَحْوَ حَدِيثِهِمْ)؛ يعني: أن حديث أبي علقمة نحو حديث الأعرج، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وإطلاق ضمير الجمع على الاثنين تقدّم أنه صحيح، فصيح؛ لأن الأصحّ أن أقلّ الجمع اثنان، كما أوضحت ذلك في ((التحفة المرضيّة))، و(شرحها)) (٢٢٩/٣ - ٢٣٣). وأما تغليط بعض الشراح(١) هذا، وأن الصواب ((حديثهما)) فليس مما يُلتفت؛ لأن النسخ كلها متّفقة عليه، وتأويله بما ذكرنا صحيح، فلا داعي للتغليط، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية أبي علقمة، عن أبي هريرة به هذه ساقها أبو عوانة تَظُّهُ في ((مسنده))، فقال: (٧٠٨٧) - حدّثنا يونس بن حبيب، وعمار بن رجاء، قالا: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، قال: حدّثني يعلى بن عطاء، قال: سمعت أبا علقمة يحدّث عن أبي هريرة، أن النبيّ وَّر قال: ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني))(٢). وقال أبو عوانة أيضاً: (٨٠٨٨) - حدّثنا أبو داود الحرّانيّ، قال: ثنا أبو الوليد، عن أبي عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن أبي علقمة الأنصاريّ، قال: حدّثني أبو هريرة، من فيه إلى فيّ، قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير أطاعني، إنما الأمير مِجَنّ، فإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً)). انتهى(٣). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّل الكتاب قال: [٤٧٤٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌ِهِ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ). (١) هو: الشيخ الهرري. انظر: شرحه ٥١/٢٠. (٢) ((مسند أبي عوانة)) ٣٩٩/٤. (٣) ((مسند أبي عوانة)) ٣٩٩/٤. ٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل الأبناويّ، أبو عقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. [تنبيه]: رواية همّام بن منبه، عن أبي هريرة ظُبه هذه ساقها أبو عوانة تَُّ في ((مسنده))، فقال: (٧٠٩٣) - حدّثنا حمدان السلميّ، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، قال: هذا ما ثنا أبو هريرة، عن محمد بنَّليل قال: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة))، وقال رسول الله وَ له: ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعصني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني))، لم يقل: أميري. انتهى (١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٧٤٤] (.) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ حَيْوَةَ، أَنَّ أَبَا يُونُسَ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلـ بِذَلِكَ، وَقَالَ: ((مَنْ أَطَاعَ الأَمِيرَ))، وَلَمْ يَقُلْ: أَمِيرِي، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثٍ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) (م د س ق) تقدّم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٢ - (حَيْوَةُ) بن شُريح بن صفوان التُّجيبيّ، أبو زرعة المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ زاهدٌ [٧] (ت٨ أو ١٥٩) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٣٢٨/٥٧. ٣ - (أَبُو يُونُسَ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ) سُليم بن جُبير الدوسيّ المصريّ، ثقةٌ [٣] (١٢٣) (بخ م د ت) تقدّم في ((الإيمان)) ٢٤٠/٣٤. والباقيان ذُكرا في الباب. (١) ((مسند أبي عوانة)) ٤/ ٤٠٠. ٥٩ (٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٤٥) [تنبيه]: رواية أبي يونس عن أبي هريرة ظبه هذه ساقها أبو نعيم تَخُّْ في ((مسنده))، فقال: (٧٠٩٤) - حدّثنا نصر بن مرزوق أبو الفتح المصريّ، قال: ثنا إدريس بن يحيى الخولانيّ، وحدّثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا وهب الله بن راشد، قالا: ثنا حيوة بن شُريح، أن أبا يونس مولى أبي هريرة حدّثه، قال: سمعت أبا هريرة يقول: إن رسول الله وَ لو قال: ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الخليفة فقد أطاعني، ومن عصى الخليفة فقد عصاني)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّل الكتاب قال: [٤٧٤٥] (١٨٣٦) - (وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يَعْقُوبَ، قَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثْنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((عَلَيْكَّ السَّمْعُ، وَالطَّاعَّةُ، فِي عُسْرِكَ، وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ، وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن شعبة، أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنّفٌ [١٠] (ت (ت٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٣٣٨/٦١. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن جميل بن طريف الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، قيل: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) وله (٩٠) سنةً (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن محمد بن عبد الله بن عبدٍ القاريّ المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حليف بني زُهرة، ثقةٌ [٨] (ت١٨١) (خ م د ت س) تقدّم في ((الإيمان)) ٢٤٥/٣٥. ٤ - (أَبُو حَازِم) سلمة بن دينار التمّار الأعرج القاصّ المدنيّ، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت١٤٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدّم في ((الإيمان) ٣١٣/٥٠. (١) ((مسند أبي عوانة)) ٤٠١/٤ - ٤٠٢. ٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة ٥ - (أَبُو صَالِحِ السَّمَّانُ) ذكوان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت١٠١) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٤/٢. و((أبو هريرة ﴿ته)) ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين غير شيخيه، فالأول خراسانيّ، ثم مكيّ، والثاني بغلانيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ظُه رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((عَلَيْكَ) ((عليك)) اسم فعل أَمْر بمعنى: الْزَمْ، وقوله: (السَّمْعُ، وَالطَّاعَةُ) منصوب بـ((عليك))؛ أي: الزم طاعةَ أميرك في كل ما يأمر به، وإن شَقّ ما لم يكن إثماً، وجَمَع بينهما تأكيداً؛ للاهتمام بالمقام، وقال أبو البقاء: بالرفع على أنه مبتدأ، وما قبله الخبر، وهذا اللفظ لفظُ خبرٍ، ومعناه الأمر؛ أي: اسمع، وأطع على كل حال(١). (فِي عُسْرَِ)؛ أي: ضيقك وشدتك، (وَيُسْرِكَ) بضم السين، وسكونها: نقيض العسر؛ يعني: في حال فقرك، وغناك(٢). (وَمَنْشَطِكَ، وَمَكْرَهِكَ) مصدران ميميّان، أو اسما زمان، أو مكان؛ أي: اسمع، وأطع فيما يوافق طبعك، وما لا يوافقه. (وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ) بفتحات، وبثاء مثلثة، وهو الإيثار؛ يعني: إذا فَضّل وليّ أمرك أحداً عليك بلا استحقاق، ومنعك حقّك فاصبر، ولا تخالفه، وإنما قال: ((وأثرة عليك))، وإن شَمِله ((مكرهك)) إشارةً إلى شدة تلك الحالة(٣). وقال النوويّ كَُّ: الأَثَرَة بفتح الهمزة والثاء، ويقال: بضم الهمزة، وإسكان الثاء، وبكسر الهمزة، وإسكان الثاء، ثلاث لغات، حكاهنّ في ((المشارق))، وغيره، وهي الاستئثار، والاختصاص بأمور الدنيا؛ أي: اسمعوا، وأطيعوا، وإن اختَصّ الأمراء بالدنيا عليكم، ولم يوصلوا إليكم حقّكم مما عندهم. (١) ((فيض القدير)) ٣٢٩/٤. (٣) ((فيض القدير)) ٣٢٩/٤. (٢) ((فيض القدير)) ٣٢٩/٤. .