النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
(٤١) - بَابُ غَزْوَةِ خَيْبَرَ - حديث رقم (٤٦٥٦)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): استحباب التغليس بصلاة الصبح في السفر.
٢ - (ومنها): استحباب التبكير بالصلاة أوّل الوقت.
٣ - (ومنها): أنه لا يُكره تسمية صلاة الصبح غداةً، فيكون ردّاً على من
قال: إنه مكروه.
٤ - (ومنها): جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة.
٥ - (ومنها): أن إجراء الفرس، والإغارة، ليس بنقص، ولا هادم
للمروءة، بل هو سُنَّةٌ، وفضيلة؛ إذ هو من مقاصد القتال.
٦ - (ومنها): جواز الإغارة على العدوّ، ولكن هذا فيمن بلغتهم الدعوة،
وأما قبلها فلا يجوز.
٧ - (ومنها): استحباب التكبير عند ملاقاة العدوّ؛ امتثالاً لقوله تعالى:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ
[الأنفال: ٤٥].
٤٥
نُفْلِحُونَ
وقال النوويّ تَخْتُ: فيه استحباب التكبير عند اللقاء، قال القاضي
عياضٌ: قيل: تفاءل بخرابها بما رآه في أيديهم من آلات الخراب، من
الفؤوس، والمساحي، وغيرها، وقيل: أخذه من اسمها، والأصح أنه أعلمه الله
تعالى بذلك. انتهى(١).
٨ - (ومنها): أنه استدلّ بهذا الحديث أصحاب مالك، ومن وافقهم على
أن الفخذ ليست بعورة من الرجل، قال النوويّ كَّتُهُ: ومذهبنا، ومذهب
آخرين: أنها عورةٌ، وقد جاءت بكونها عورة أحاديث كثيرةٌ، مشهورةٌ، وتأوّل
أصحابنا حديث أنس به هذا على أنه انحسر بغير اختياره؛ لضرورة الإغارة،
والإجراء، وليس فيه أنه استدام كشف الفخذ مع إمكان الستر، وأما قول أنس:
فإني لأرى بياض فخذه وََّ، فمحمول على أنه وقع بصره عليه فَجْأةً، لا أنه
تعمّده، وأما رواية البخاريّ عن أنس ◌َظُه أن النبيّ وَلِّ حَسَر الإزار، فمحمولة
على أنه انحسر، كما في رواية مسلم.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦٤/١٢.

٤٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وأجاب بعض أصحاب مالك عن هذا، فقال: هو نَّ أكرم على الله
تعالى من أن يبتليه بانكشاف عورته، وأصحابنا يجيبون عن هذا بأنه إذا كان
بغير اختيار الإنسان فلا نقص عليه فيه، ولا يمتنع مثله. انتهى كلام النوويّ (١).
وقال في ((الفتح)): قال النوويّ: ذهب أكثر العلماء إلى أن الفخذ عورة،
وعن أحمد، ومالك في رواية: العورة: القُبُل والدُّبُر فقط، وبه قال أهل
الظاهر، وابن جرير، والإصطخريّ.
قال الحافظ: في ثبوت ذلك عن ابن جرير نظرٌ؛ فقد ذكر المسألة في
(تهذيبه))، ورَدّ على من زعم أن الفخذ ليست بعورة.
ومما احتجوا به قولُ أنس ◌ُه في هذا الحديث: ((وإن ركبتي لَتَمَسّ فخذ
نبيّ الله وَّ))؛ إذ ظاهره أن المس كان بدون الحائل، ومس العورة بدون حائل
لا يجوز، وعلى رواية مسلم، ومن تابعه في أن الإزار لم ينكشف بقصد منه وله
يمكن الاستدلال على أن الفخذ ليست بعورة من جهة استمراره على ذلك؛ لأنه
وإن جاز وقوعه من غير قصد، لكن لو كانت عورة لم يُقَرّ على ذلك؛ لمكان
عصمته وَ ل ، ولو فُرِض أن ذلك وقع لبيان التشريع لغير المختار، لكان ممكناً.
لكن فيه نظر من جهة أنه كان يتعين حينئذ البيان عقبه، كما في قضية
السهو في الصلاة، وسياقه عند أبي عوانة، والجوزقيّ، من طريق عبد الوارث،
عن عبد العزيز ظاهر في استمرار ذلك، ولفظه: ((فأجرى رسول الله وَّر في
زقاق خيبر، وإن ركبتي لتمس فخذ نبيّ الله ◌َّر، وإني لأرى بياض فخذيه)).
انتھی.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن استدلال القائلين بعدم كون
الفخذ عورةً بحديث أنس ◌ُه المذكور في الباب قويّ، إلا أن القول بأنها
عورةٌ أحوط، كما قال البخاريّ تَُّ في ((صحيحه)): ((وحديث أنس أسند،
وحديث جرهد أحوط، حتى يُخرج من اختلافهم)). انتهى.
وحديث جرهد هو ما أخرجه مالك في ((الموطأ))، وأبو داود، والترمذيّ،
وحسّنه، وابن حبّان، وصححه، وضعّفه البخاريّ في ((التاريخ))؛ للاضطراب في
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦٣/١٢ - ١٦٤.

٤٢٣
(٤١) - بَابُ غَزْوَةِ خَيْبَرَ - حديث رقم (٤٦٥٦)
إسناده، عن زُرْعة بن عبد الرحمن بن جَرْهد، عن أبيه، قال: كان جرهد هذا
من أصحاب الصفة، قال: جلس رسول الله 18 عندنا، وفخذي منكشفة،
فقال: ((أما علمت أن الفخذ عورة؟)).
والحاصل أن كون الفخذ من العورة هو الأحوط؛ فتنبّه، والله تعالى
أعلم.
٩ - (ومنها): جواز الاستشهاد في مثل هذا السياق بالقرآن في الأمور
المحققة، فقد قال ◌َ *: ((إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين))، وقد
جاء لهذا نظائر كثيرة كما سبق قريباً في فتح مكة أنه وَ ه جَعَل يطعن في
الأصنام، ويقول: ﴿َّءَ الْحَىُّ وَمَا يُبْدِىُّ الْبَطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾، ﴿جَ اُلْحَقُّ وَزَهَقَ
الْبَطِلُ﴾، قال العلماء: يُكره من ذلك ما كان على ضرب الأمثال في
المحاورات، والمزاح، ولغو الحديث، فيُكره في كل ذلك؛ تعظيماً لكتاب الله
تعالى، قاله النوويّ(١).
١٠ - (ومنها): (أن قوله: ((وأصبناها عَنْوة))) ظاهره أنها كلَّها فُتحت
عنوة، وقد رَوى مالك، عن ابن شهاب: أن بعضها فتح عَنوةً، وبعضها
صلحاً، قال المازريّ: وقد يُشكل ما رُوي في ((سنن أبي داود)): أنه وَلِّ قسمها
نصفين: نصفاً لنوائبه، وحاجته، ونصفاً للمسلمين.
قال: وجوابه ما قال بعضهم: إنه كان حولها ضَيَاعِ، وقُرَى أُجلي عنها
أهلها، فكانت خالصةً للنبيّ وَّر، وما سواها للغانمين، فكان قَدْر الذي أُجلي
عنه أهله النصف، فلهذا قُسم نصفين. انتهى(٢).
١١ - (ومنها): ما قال القاضي عياض نَّثُهُ: في هذا الحديث أن الإغارة
على العدوّ يُستحب كونها أول النهار عند الصبح؛ لأنه وقت غِرّتهم، وغفلة
أكثرهم، ثم يضيء لهم النهار لما يحتاج إليه، بخلاف مُلاقاة الجيوش،
ومصاففتهم، ومناصبة الحصون، فإن هذا يُستحب كونه بعد الزوال؛ ليدوم
النشاط ببرد الوقت، بخلاف ضده. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦٤/١٢.
(٣) ((إكمال المعلم)) ١٧٩/٦.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٦/ ١٨٠.

٤٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٥٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا
حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ أَبِي طَلْحَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ،
وَقَدَمِي تَمَسُّ قَدَمَ رَسُولِ اللهِ وَهِ قَالَ: فَأَتَيْنَاهُمْ حِينَ بَزَغَتِ الشَّمْسُ، وَقَدْ أَخْرَجُوا
مَوَاشِيَهُمْ، وَخَرَجُوا بِفُتُوسِهِمْ، وَمَكَاتِلِهِمْ، وَمُرُورِهِمْ، فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسَ،
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةٍ قَوْمٍ، فَسَاءَ صَبَاحُ
الْمُنْذَرِينَ))، قَالَ: فَهَزَمَهُمُ اللهُ رَقَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم قريباً.
٢ - (عَفَّانُ) بن مسلم الصفّار، تقدّم قريباً.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنانيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
و ((أَنَسِ)) هُبه ذُكر قبله.
وقوله: (حِينَ بَزَغَتِ الشَّمْسُ)؛ أي: طلعت، يقال: بزغت الشمس بَزْغاً،
وبُزوغاً، كنصر، وقعد: طلعت، أو البزوغ ابتداء الطلوع.
وقوله: (مَوَاشِيَهُمْ) جمع ماشية: المال، من الإبل، والغنم، قاله ابن
السِّكِّيت، وجماعة، وبعضهم يَجعل البقر من الماشية، قاله الفيّوميّ (١).
وقوله: (بِفُتُوسِهِمْ) بالهمزة جمع: فأس بالهمزة، كرأس ورؤوس، وهي
آلة يُشقّ بها الحطبُ، ونحوه، وللبخاريّ: ((بمساحيهم)) - بمهملتين: جمع
مِسْحاة، وهي من آلات الحرث.
وقوله: (وَمَكَاتِلِهِمْ) جمع: مِكْتَلٍ - بكسر الميم - وهو الْقُفّة، يقال له:
مِكْتَل، وقُفّة، وزَبِيلٌ، وزِنْبِلٌ، وزِنْبِيلَ، وعَرَقٌ، وسَفِيفة - بالسين المهملة،
(٢)
وبفاءین(٢) .
وقال في ((الفتح)): الْمَكاتل: جمع مِكْتَل، وهو القُفّة الكبيرة التي يُحَوَّل
(١) ((المصباح المنير)) ٥٧٤/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦٥/١٢.

٤٢٥
(٤١) - بَابُ غَزْوَةِ خَيْبَرَ - حديث رقم (٤٦٥٨)
فيها التراب وغيره، وعند أحمد، من حديث أبي طلحة في نحو هذه القصّة:
((حتى إذا كان عند السحر، وذهب ذو الزرع إلى زرعه، وذو الضرع إلى
ضرعه، أغار عليهم))(١) .
وقوله: (وَمُرُورِهِمْ) جمعُ: مَرّ - بفتح الميم - وهي المساحي؛ أي:
المجارف من الحديد، قال القاضي عياض: قيل: هي حِبَالهم التي يَصعدون
بها إلى النخل. انتهى (٢).
وقوله: (خَرِبَتْ خَيْبَرُ)، وفي رواية للبخاريّ في ((الجهاد)): ((فرفع یدیه،
وقال: الله أكبر، خربت خيبر))، وزيادة التكبير في معظم الطرق عن أنس، وعن
حميد. قال السهيليّ: يؤخذ من هذا الحديث التفاؤل؛ لأنه ◌َ* لَمّا رأى آلات
الهدم - مع أن لفظ المسحاة من سَحَوْت: إذا قَشَرت - أخذ منه أن مدينتهم
ستخرب. انتهى.
ويَحْتَمِل أن يكون قال: ((خربت خيبر)) بطريق الوحي، ويؤيده قوله بعد
ذلك: ((إنا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المنذرين)). انتهى(٣).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى ما يتعلّق به من المسائل في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٥٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَا:
أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: لَمَّا
أَتَّى رَسُولُ اللهِ نَّهِ خَيْبَرَ، قَالَ: ((إنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةٍ قَوْمِ، فَسَاءَ صَبَاحُ
الْمُنْذَرِينَ))).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
(١) ((الفتح)) ٣٠١/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٩٧).
(٢) ((إكمال العلم)) ١٧٩/٦.
(٣) ((الفتح)) ٣٠٢/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٩٧).

٤٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرام الْكَوْسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ،
ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٢ /١٥٦.
٣ - (الَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) المازنيّ، أبو الحسن النحويّ البصريّ، نزيل مرو،
ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠٤)، وله (٨٢) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٩/٦.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السدوسيّ، تقدّم قريباً.
و ((أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) قُ ذُكر قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله
الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٥٩] (١٨٠٢) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ - وَاللَّفْظُ
لِاِبْنِ عَبَّادٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ - عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ
مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَْوَعِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلـ
إِلَى خَيْبَرَ، فَتَسَيَّرْنَا لَيْلاً، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمَ لِعَامِرِ بْنِ الأَكْوَعِ: أَلَا تُسْمِعُنَا مِنْ
هُنَيْهَاتِكَ، وَكَانَ عَامِرٌ رَجُلاً شَاعِراً، فَنَزَلَ يَحْدُوَ بِالْقَوْمِ، يَقُولُ (من الرجز]:
وَلَا تَصَدَّقْنَا، وَلَا صَلَّيْنَا
اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا
وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
فَاغْفِرْ فِدَاءَ لَكَ مَا اقْتَفَيْنَا
إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا
وَأَلْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا
وَبِالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَنْ هَذَاَ السَّائِقُ؟))، قَالُوا: عَامِرٌ، قَالَ: (يَرْحَمُهُ اللهُ)،
فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: وَجَبَتْ يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْلَا أَمْتَعْتَنَا بِهِ، قَالَ: فَأَتَيْنَا خَيْبَرَ،
فَحَصَرْنَاهُمْ، حَتَى أَصَابَتْنَا مَخْمَصَةٌ شَدِيدَةٌ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ فَتَحَهَا عَلَيْكُمْ(١))،
قَالَ: فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ مَسَاءَ الْيَوْمِ الَّذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ، أَوْقَدُوا نِيرَاناً كَثِيرَةً،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَا هَذِهِ النِّيرَانُ؟ عَلَى أَبِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟))، فَقَالُوا: عَلَى
(١) وفي نسخة: ((فتحها عليهم)).

٤٢٧
(٤١) - بَابُ غَزْوَةِ خَيْبَرَ - حديث رقم (٤٦٥٩)
لَحْم، قَالَ: ((أُّ لَحْم؟))، قَالُوا: لَحْمُ حُمُرِ الإِنْسِيَّةِ (١)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ:
((أَهْرِ يقُوهَا، وَاْسِرُوهَاً)، فَقَالَ رَجُلٌ: أَوْ يُهْرِيقُوهَا، وَيَغْسِلُوهَا؟ فَقَالَ: ((أَوْ ذَاكَ)).
قَالَ: فَلَمَّا تَصَافَّ الْقَوْمُ، كَانَ سَيْفُ عَامِرٍ فِيهِ قِصَرٌ، فَتَنَاوَلَ بِهِ سَاقَ بَهُودِيٍّ
لِيَضْرِبَهُ، وَيَرْجِعُ ذُبَابُ سَيْفِهِ، فَأَصَابَ رُكْبَةَ عَامِرٍ، فَمَاتَ مِنْهُ، قَالَ: فَلَمَّا قَفَلُوا،
قَالَ سَلَمَةُ، وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي، قَالَ: فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللهِنَّهِ سَاكِناً، قَالَ: ((مَا
لَكَ؟))، قُلْتُ لَهُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، زَعَمُوا أَنَّ عَامِراً حَبِطَ عَمَلُهُ، قَالَ: ((مَنْ
قَالَهُ؟))، قُلْتُ: فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرِ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: ((كَذَبَ مَنْ قَالَهُ،
إِنَّ لَهُ لأَجْرَيْنِ))، وَجَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ، ((إِنَّهُ لَجَاهِدٌ، مُجَاهِدٌ، قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا
مِثْلَهُ)). وَخَالَفَ قُتَيْبَةُ مُحَمَّداً فِي الْحَدِيثِ (٢) فِي حَرْفَيْنٍ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّادٍ:
وَأَلْقِ سَكِينَةً عَلَيْنَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريباً .
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرِقان المكّيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠]
(ت٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤.
٣ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوقٌ
يَهِمُ، صحيح الكتاب [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٨٦/٤٢.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) الأسلميّ المدنيّ، ثقةٌ
[٤] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١١٤٠/٥١.
٥ - (سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَع) هو: سلمة بن عمرو بن الأكوع، نُسب لجدّه
الأسلميّ، أبو مسلم، أو أبَو إياس الصحابيّ الشهير، شَهِد بيعة الرضوان،
ومات بالمدينة سنة (٦٤) (ع) تقدم في ((الإيمان) ٢٨٨/٤٤.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَُّ، وهو (٣٢٣) من رباعيّات الكتاب، وأنه
(١) وفي نسخة: ((حمرٍ إنسيّة)).
(٢) وفي نسخة: ((من الحديث)).

٤٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
مسلسل بالمدنيين، سوى شيخيه، فالأول بَغْلانيّ، نسبة لقرية من قُرى بَلْخَ،
والثاني مكيّ، ثمّ بغداديّ.
شرح الحديث:
(عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) تَظُهُ أنه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الهِ نَّ إِلَى
خَيْبَرَ)؛ أي: إلى غزوتها، (فَتَّسَيَّرْنَا لَيْلاً)؛ أي: ذهبنا، وهو مبالغة في ((سار))،
ولفظ البخاريّ: ((فسِرْنا ليلاً))، أو معنى ((تسيّرنا)): سِرْنا سَيْراً بعد سَيْر، أو
جماعةً بعد جماعة، (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْم) قال الحافظ تَُّ: لم أقف على
اسمه صريحاً، وعند ابن إسحاق من حديثُ نصر بن دهر الأسلميّ، أنه سمع
رسول الله وَالله يقول في مسيره إلى خيبر لعامر بن الأكوع، وهو عَمّ سلمة بن
الأكوع، واسم الأكوع: سنان -: ((انزِلْ يا ابن الأكوع، فاحْدُ لنا من هُنیاتك))،
ففي هذا أن النبيّ وَّ﴿ هو الذي أمره بذلك. انتهى (١). (لِعَامِرٍ بْنِ الأَْوَعِ) هو:
عامر بن سنان بن عبد الله بن قُشير الأسلميّ المعروف بابن الأكوع، عمّ
سلمة بن عمرو بن الأكوع، واسم الأكوع: سنان، ويقال: أخوه، ففي بعض
الروايات يقول سلمة: ((فقاتل أخي عامر قتالاً شديداً)، وفي بعضها يقول:
((وخرج عمي عامر إلى خيبر))، ويمكن التوفيق بينهما بأن يكون أخاه من أمّه،
على ما كانت الجاهليّة تفعله، أو من الرضاعة، أفاده في ((الإصابة))(٢).
(أَلَا) أداة تحضيض، (تُسْمِعُنَا مِنْ هُنَيْهَاتِكَ) جمع هُنَيهة؛ أي: أراجيزك،
وفي بعض النسخ: ((من هُنَيّاتك)) - بتشديد الياء، آخر الحروف، بعد النون -
قال الكرمانيّ: ((الْهُنَيّاتُ)): جمع الْهُنيَّة مُصَغَّر الهَنَة، إذْ أصلها هَنَوٌّ، وهي
الشيء الصغير، والمراد بها هنا: الأراجيز.
وقال الجوهريّ: هَنٌّ على وزن أَخ: كلمةُ كناية، ومعناها: شيءٌ، وأصله
هَنَوٌ، وتقول للمرأة: هَنَةٌ، وتصغيرها هُّنَيّة، تَرُدُّها إلى الأصل، وتأتي بالهاء،
وقد تُبدل من الياء الثانية هاء، فنقول: هُنَيهة.
(١) ((الفتح)) ٢٩٦/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٩٦).
(٢) راجع: ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٤٧١/٣ - ٤٧٢.

٤٢٩
(٤١) - بَابُ غَزْوَةِ خَيْبَرَ - حديث رقم (٤٦٥٩)
وقال ابن الأثير: ((من هناتك))؛ أي: من كلماتك، أو من أراجيزك، وفي
رواية: ((من هُنَيّاتك)) على التصغير، وفي أخرى: ((من هُنيهاتك)) على قلب الياء
(١)
هاء. انتهى(١).
وقال الفيّوميّ تَُّ: ((الهَنُ)) خَفِيفُ النون: كناية عن كلّ اسم جنس،
والأنثى: هَنَةٌ، ولامها محذوفة، ففي لغة هي هاء، فيُصَغَّر على هُنَيْهَةٍ، ومنه
يقال: مَكَثَ هُنَيْهَةً؛ أي: ساعةً لطيفةً، وفي لغة هي واو، فَيُصَغَّر في المؤنث
على هُنَيَّةٍ، والهمز خطأٌ؛ إذ لا وجه له، وجمعها: هَنَوَاتٌ، وربما جُمِعت:
هَنَاتٍ، على لفظها، مثل عِدَاتٍ، وفي المذكَّر: هُنَيٍّ، وبه سُمِّي، ومنه هُنَيُّ
مولى عمر ◌ُه، وكُنِي بهذا الاسم عن الفَرْج، ويُعْرَب بالحروف، فيقال:
هَنُوهَا، وهَنَاهَا، وهَنِيهَا، مثلُ أخوها، وأخاها، وأخيها، وقيل: المحذوف
نون، والأصل: هَنٌّ، بالتّثقيل، فَيُصَغَّرُ على هُنَيْنٍ. انتهى(٢).
ووقع عند البخاريّ في ((الدعوات)) من وجه آخر، عن يزيد بن أبي عبيد:
((لو أسمعتنا من هَنَاتك)) بغير تصغير.
(وَكَانَ عَامِرٌ)؛ أي: ابن الأكوع، (رَجُلاً شَاعِراً) قيل: هذا يدلّ على أن
الرجز من أقسام الشعر؛ لأن الذي قاله عامر حينئذ من الرجز. (فَنَزَّلَ يَحْدُو
بِالْقَوْم)؛ أي: يحثّ رواحلهم على السير، يقال: حَدَوتُ بالإبل أَحْدُو حَدْواً:
حَثَثْتُهَا على السير بِالْحُداء، مثلُ غُرابٍ، وهو الْغِنَاءُ لها، وحَدَوتُهُ على كذا:
بَعَثُهُ عليه(٣)، وقوله: (يَقُولُ) بيان لمعنى ((يحدو))، (اللَّهُمَّ) قال النوويّ ◌َُّهُ:
كذا الرواية، قالوا: وصوابه في الوزن: ((لاهمّ))، أو ((تا الله))، أو ((والله لولا
أنت))، كما في الحديث الآخر: ((والله لولا الله)). انتهى (٤).
وقال في ((الفتح)): في هذا القسم زِحَافُ الخزم - بمعجمتين - وهو زيادة
سَبَبٍ خَفِيف في أوله، وأكثرها أربعة أحرف، وقد تقدّم في الجهاد من حديث
البراء بن عازب ﴿ًا، وأنه من شِعْر عبد الله بن رواحة، فَيَحْتَمِلُ أن يكون هو
وعامر تواردا على ما تواردا منه، بدليل ما وقع لكل منهما، مما ليس عند
(١) ((عمدة القاري)) ١٨٤/٢٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ١٢٥/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٤١/٢ - ٦٤٢.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٦٦/١٢.

٤٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
الآخر، أو استعان عامر ببعض ما سبقه إليه ابن رواحة. انتهى(١).
(لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا)؛ أي: لولا نعمتك علينا بالهداية لَمَا حصل لنا
الاهتداء، (وَلَا تَصَدَّقْنَا، وَلَا صَلَّيْنَا، فَاغْفِرْ فِدَاءَ لَكَ) قال القاضي ◌َُّ: ((فداء)»
بالمدّ، والقصر، والفاء مكسورة، حكاه الأصمعيّ وغيره، فأما في المصدر
فالمدّ لا غير، قال: وحَكَى الفراء: ((فَدّى لك)) مفتوحاً، مقصوراً، قال:
ورَوَيناه هنا: ((فِداءٌ لك)) بالرفع، على أنه مبتدأ وخبره؛ أي: لك نفسي فداءٌ،
أو نفسي فداءٌ لك، وبالنصب على المصدر. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فِداء)) - بكسر الفاء، وبالمدّ - وحَكَى ابن التين
فتح أوله، مع القصر، وزعم أنه هنا بالكسر، مع القصر؛ لضرورة الوزن، ولم
يُصِبْ في ذلك، فإنه لا يَتَّزِن إلا بالمدّ.
[تنبيه]: قد استُشكِل هذا الكلام؛ لأنه لا يقال في حق الله تعالى؛ إذ
معنى فداء لك: نَفْدِيك بأنفسنا، وحُذِف متعلق الفداء؛ للشهرة، وإنما يُتَصَوَّر
الفداء لمن يجوز عليه الفناء.
وأجيب عن ذلك بأنها كلمة لا يراد بها ظاهرها، بل المراد بها المحبة،
والتعظيم، مع قطع النظر عن ظاهر اللفظ.
وقيل: المخاطب بهذا الشِّعر النبيّ وَّ ر، والمعنى: لا تؤاخذنا بتقصيرنا
في حقّك، ونصرك، وعلى هذا، فقوله: ((اللهم)) لم يقصد بها الدعاء، وإنما
افْتَتَحَ بها الكلام، والمخاطب بقول الشاعر: لولا أنت .... إلخ النبيّ الَّو.
ويَعْكُر عليه قوله بعد ذلك:
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
فإنه دعا الله تعالى، ويَحْتَمِلُ أن يكون المعنى: فَاسْأل ربك أن يُنزل،
ويُثَبِّت، والله أعلم. انتهى.
وقال النوويّ: قال المازريّ: هذه اللفظة مشكلة، فإنه لا يقال: فِدى
الباري لا، ولا يقال له ◌ُّل: فديتك؛ لأن ذلك إنما يُستعمل في مكروه،
(١) ((الفتح)) ٢٩٦/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٩٦).
(٢) ((إكمال المعلم)) ٦/ ١٨٢.

٤٣١
(٤١) - بَابُ غَزْوَةِ خَيْبَرَ - حديث رقم (٤٦٥٩)
يتوقع حلوله بالشخص، فيختار شخص آخر أن يَحْلّ ذلك به، ويفديه منه،
قال: ولعل هذا وقع من غير قصد إلى حقيقة معناه، كما يقال: قاتله الله، ولا
يراد بذلك حقيقة الدعاء عليه، وكقوله {وَله: (تَرِبَت يداكٍ))، و((تَرِبت يمينك))،
و((ويلُ أمه))، وفيه كله ضَرْب من الاستعارة؛ لأن الفادي مبالغ في طلب رضى
المفديّ حين بذل نفسه عن نفسه للمكروه، فكأن مراد الشاعر أني أبذل نفسي
في رضاك، وعلى كل حال فإن المعنى، وإن أمكن صرفه إلى جهة صحيحة،
فإطلاق اللفظ، واستعارته، والتجوّز به يفتقر إلى ورود الشرع بالإذن فيه، قال:
وقد يكون المراد بقوله: ((فِداءً لك)) رجلاً يخاطبه، وفَصَل بين الكلام، فكأنه
قال: فاغفر، ثم دعا إلى رجل ينبّهه، فقال: فداءً لك، ثم عاد إلى تمام الكلام
الأول، فقال: ما اقتفينا، قال: وهذا تأويل يصح معه اللفظ والمعنى، لولا أن
فيه تعسفاً اضطَرَّنا إليه تصحيح الكلام، وقد يقع في كلام العرب من الفصل بين
الْجُمَل المعلق بعضها ببعض ما يُسَهِّل هذا التأويل. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى ما في هذه التأويلات كلّها من التكلّف
والتعسّف، والصواب عندي أن قوله: ((فِداءً لك)) هنا مما أُريدَ به تعظيم شأن
المولى ◌ّل، وإظهار محبّته، فكما أن الإنسان إذا رفع شأن إنسان، وأراد
إظهار محبّته له فداه بنفسه، وأبيه، وأمه، فكذلك قول العبد: فداء لك رب
اغفر لي، وارحمني لا يريد به إلا ذلك، ولا يستلزم ذلك أن يلحق بالله تعال
مكروه، أو مَخُوف، وإنما هو مجرّد تعظيم، وإظهار محبّة، فتأمله بالإمعان،
والإنصاف، والله تعالى وليّ التوفيق.
(مَا اقْتَفَيْنَا) - بقاف ساكنة، ومثّاة مفتوحة تحتانيّة ساكنة؛ أي: اتَّبَعْنا
واكتسبنا من الخطايا، من قَفَوْتُ الأثرَ: إذا اتَّبَعته، وهي - كما قال الحافظ -
أشهر الروايات في هذا الرجز، وقع في بعض النسخ: ((ما أبقينا)»؛ أي: ما
خلّفنا وراءنا من الآثام.
ووقع في بعض روايات البخاريّ بلفظ: ((ما اتَّقَينا)) فقال في ((الفتح)):
هو: بتشديد المثناة، بعدها قاف، كذا للأكثر، ومعناه: ما تركنا من الأوامر،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦٦/١٢.

٤٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
و((ما)) ظرفيّة، وللأصيليّ، والنسفيّ بهمزة قطع، ثم موحّدة ساكنة؛ أي: ما
خَلَّفنا وراءنا، مما اكتسبنا من الآثام، أو ما أبقيناه وراءنا من الذنوب، فلم
نتب منه، وللقابسيّ: ((ما لَقِينا)) - باللام، وكسر القاف ـ والمعنى: ما وجدنا
من المناهي. انتهى(١).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((ما اقتفينا))؛ أي: اتّبعنا أمره، ومادته قاف،
وفاء، وفي ((المغازي)): ((ما أبقينا))، من الإبقاء، ومادته باء وقاف؛ أي: اقْدِنا
من عقابك فِداء ما أبقينا من الذنوب؛ أي: ما تركناه مكتوباً علينا، ورُوي: ((ما
اتَّقَينا)) من الاتقاء، و((ما اقتنينا))، من الاقتناء، ويُروَى ((ما أتينا)) من الإتيان.
(٢)
انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((افدنا من عقابك ... إلخ)) هذا بناء على
التأول المتقدّم لقوله: ((فداءً لك))، وقد عرفت ما فيه آنفاً، فتنبّه.
(وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا) بفتح القاف؛ أي: واجَهْنا العدوّ، (وَأَلْقِيَنْ
سَكِينَةً عَلَيْنَا إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا) بمثناة؛ أي: جئنا إذا دُعينا إلى القتال، أو
إلى الحقّ، قال الحافظ: ورُوي بالموحّدة، كذا رأيت في رواية النسفيّ، فإن
كانت ثابتة، فالمعنى: إذا دُعينا إلى غير الحقّ امتنعنا.
وقال النوويّ كَُّ: قوله: ((إذا صيح بنا أتينا)): هكذا هو في نسخ
بلادنا: ((أتينا)) بالمثناة في أوله، وذكر القاضي عياض أنه رُوي بالمثناة،
وبالموحّدة، فمعنى المثناة: إذا صيح بنا للقتال ونحوه من المكارم أتينا، ومعنى
الموحّدة: أَبَيْنا الفرار والامتناع. انتهى.
(وَبِالصِّيَاحِ) بكسر الصاد المهملة: مصدر صاح بالشيء يَصِيحُ به صيحَةٌ:
إذا صَرَخ. (عَوَّلُوا عَلَيْنَا)؛ أي: حَمَلوا علينا بالصِّيَاح، لا بالشجاعة، قاله في
((العمدة»(٣)
وقال النوويّ تَخْتُ: قوله: ((عَوّلوا علينا)): استغاثوا بنا، واستفزعونا
للقتال، قيل: هي من التعويل على الشيء، وهو الاعتماد عليه، وقيل: من
(١) ((الفتح)) ٢٩٦/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٩٦).
(٢) ((عمدة القاري)) ١٨٤/٢٢.
(٣) ((عمدة القاري)) ١٨٤/٢٢.

٤٣٣
(٤١) - بَابُ غَزْوَةِ خَيْبَرَ - حديث رقم (٤٦٥٩)
العويل، وهو الصوت. انتهى (١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((وبالصِّياح عَوَّلوا علينا))؛ أي: قصدونا بالدعاء
بالصوت العالي، واستغاثوا علينا، تقول: عَوَّلتُ على فلان، وعَوَّلتُ بفلان:
بمعنی استغثت به.
وقال الخطابيّ: المعنى: أْلَبوا علينا بالصوت، وهو من العويل.
وتعقبه ابن التين بأنّ عَوَّلوا بالتثقيل، من التعويل، ولو كان من العويل
لكان: أعولوا .
ووقع في رواية إياس بن سلمة، عن أبيه، عند أحمد في هذا الرجز من
الزيادة :
إِنَّ الَّذِينَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
وَنَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا(٢)
وقال الكرمانيّ: قد تقدّم أنه و ﴿ كان يقولها في حفر الخندق، وأنها من
أراجيز ابن رواحة، ثم أجاب بأنه لا منافاة في وقوع الأمرين، ولا محذور أن
يَحْدُوَ الشخص بشِعر غيره(٣).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ هَذَا السَّائِقُ؟»)، وفي رواية أحمد: ((فجَعَل
عامر يرتجز، ويسوق الركاب))، وهذه كانت عادتهم، إذا أرادوا تنشيط الإبل
في السَّير، ينزل بعضهم، فيسوقها، ويَحْدُو في تلك الحال.
(قَالُوا)؛ أي: الصحابة الحاضرون للسؤال، (عَامِرٌ)؛ أي: هو عامرُ بن
الأكوع. (قَالَ) ◌ِ ((يَرْحَمُهُ اللهُ)) وفي رواية إياس بن سلمة: ((قال: غفر لك
ربُّك، قال: وما استغفر رسول الله وَّةٍ؛ لأنسان يخصه إلا استُشْهِد))، وبهذه
الزيادة يظهر السرّ في قول الرجل: ((لولا أمتعتنا به)).
(فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْم) هو عمر بن الخطّاب ◌َظُه، كما سيأتي في رواية
إياس بن سلمة، عن أبيه، ولفظه: ((فنادى عمر بن الخطاب، وهو على جمل
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢/ ١٦٧.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٢٩٧/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٩٦).
(٣) ((عمدة القاري)) ١٨٤/٢٢.

٤٣٤
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
له، يا نبي الله، لولا ما متعتنا بعامر))، وفي حديث نصر بن دهر، عند ابن
إسحاق: ((فقال عمر: وجبت يا رسول الله)).
(وَجَبَتْ)؛ أي: الشهادة (يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْلًا)؛ أي: هلّا (أَمْتَعْتَنَا بِهِ)؛
أي: أمتعتنا ببقائه؛ أي: أبقيته لنا لنتمتع به؛ أي: بشجاعته، والتمتع: الترقُّه
إلى مدّة، ومنه: أمتعني الله ببقائك(١).
وقال النوويّ دَّثُ: معنى ((وجبت))؛ أي: ثبتت له الشهادة، وسيقع
قريباً، وكان هذا معلوماً عندهم أن من دعا له النبيّ وَّ ر هذا الدعاء في هذا
الموطن استُشْهِد، فقالوا: هلّ أمتعتنا به؛ أي: وَدِدْنا أنك لو أخرت الدعاء له
بهذا إلى وقت آخر؛ لنتمتع بمصاحبته، ورؤيته مدةً. انتهى(٢).
(قَالَ) سلمة
(فَأَتَيْنَا خَيْبَرَ، فَحَصَرْنَاهُمْ) من باب نصر؛ أي: أحطنا
بهم، ومنعناهم من المضيّ لحوائجهم، يقال: حصره العدوّ في منزله: إذا
حبسه، وأحصره المرض بالألف: إذا منعه من السفر، قال الفرّاء: هذا هو
كلام العرب، وعليه أهل اللغة، وقال ابن القُوطيّة، وأبو عمرو الشيبانيّ: حَصَره
العدوّ والمرض، وأحصره كلاهما بمعنى حبسه، ذكره الفيّومي(٣)، وقوله:
(حَتَّى أَصَابَتْنَا) غاية لمقدّر؛ أي: وطال الحصار حتى أصابتنا (مَخْمَصَةٌ شَدِيدَةٌ)
- بفتح الميمين، بينهما خاء معجمة ساكنة -؛ أي: مجاعة، يقال: خَمُصَ
الشخص خُمْصاً، فهو خَمِيصٌ: مثلُ قَرُبَ قَرْباً، فهو قَرِيبٌ: إذا جاع(٤).
(ثُمَّ قَالَ) ◌َِّ ((إِنَّ اللهَ فَتَحَهَا)؛ أي: خيبر (عَلَيْكُمْ))) أيها المحاصرون
لها، والمنتظرون لفتحها، والظاهر أن هذا منه وَل# بالوحي، ووقع في بعض
النسخ: ((إن الله فتحها عليهم)) بضمير الغيبة. (قَالَ) سلمة رَؤُهُ (فَلَمَّا أَمْسَى
النَّاسُ)؛ أي: دخلوا في المساء، (مَسَاءَ الْيَوْمِ الَّذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ) ببناء الفعل
للمفعول، (أَوْقَدُوا نِيرَاناً كَثِيرَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَا هَذِهِ النِّيرَانُ؟ عَلَى أَّ
شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟))، فَقَالُوا: عَلَى لَحْمِ، قَالَ) بَرِ (أَيُّ لَحْم؟))، قَالُوا: لَحْمُ حُمُرٍ
(١) ((الفتح)) ٩/ ٢٩٧ - ٢٩٨.
(٣) ((المصباح المنير)) ١٣٨/١.
(٤) ((المصباح المنير)) ١/ ١٨٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٢/ ١٦٧.

٤٣٥
(٤١) - بَابُ غَزْوَةِ خَيْبَرَ - حديث رقم (٤٦٥٩)
الإِنْسِيَّةِ(١))، وفي بعض النسخ: ((حُمُر إنسيّةٍ)) بالتنكير، و((الحُمُرُ)) بضمّتين:
جمع حِمَار، و((الإنسيّة)) - بكسر الهمزة، وسكون النون، وبفتحهما - وهو من
باب إضافة الموصوف إلى صفته(٢).
وقال النوويّ كَّلُ: قوله ((لحم حُمُر الإنسية)): هكذا هو ((حُمُر الإنسية))
بإضافة (حُمُر))، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته، وسبق بيانه مرّات، فعلى
قول الكوفيين هو على ظاهره، وعند البصريين تقديره: حُمُر الحيوانات الإنسية،
وأما ((الأنسية)): ففيها لغتان، وروايتان، حكاهما القاضي عياض، وآخرون،
أشهرهما كسر الهمزة، وإسكان النون، قال القاضي: هذه رواية أكثر الشيوخ،
والثانية: فتحهما جميعاً، وهما جميعاً نسبة إلى الإنس، وهم الناس؛
لاختلاطها بالناس، بخلاف حُمُر الوحش. انتهى(٣).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: ((أَهْرِيقُوهَا) فعل من أهرق، وأصله: أراق، قال
الفيّوميّ كَثُ: رَاقَ الماءُ، والدمُ وغيره، رَيْقاً، من باب باع: انصَبّ، ويتعدى
بالهمزة، فيقال: أَرَاقَهُ صاحبه، والفاعل مُرِيقٌ، والمفعول مُرَاقٌ، وتُبدل الهمزة
هاءً، فيقال: هَرَاقَهُ، والأصل هَرْيَقَهُ، وزانُ دَحْرَجَهُ، ولهذا تُفْتَحُ الهاءُ من
المضارع، فيقال: يُهَرِيقُهُ، كما تُفْتَح الدال من يُدَخْرِجُهُ، وتُفتح من الفاعل،
والمفعول أيضاً، فيقال: مُهَرِيقٌ، ومُهَرَاقٌ، قال امرؤ القيس [من الطويل]:
وَإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَةٌ فَهَلْ عِنْدَ رَسْمِ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلٍ
والأمر: هَرِقْ ماءَكَ، والأصل: هَرْيِقْ، وزانُ دَخْرِجْ، وقد يُجْمَعُ بين
الهاء والهمزة، فيقال: أَهْرَاقَهُ يُهْرِيقُهُ، ساكنُ الهاء؛ تشبيهاً له بأَسْطاع يُسْطِيع؛
كأن الهمزة زِيدت عوضاً عن حركة الياء في الأصل، ولهذا لا يصير الفعل بهذه
الزيادة خماسيّاً، و((دَعَا بِذَنُوبٍ، فَأَهْرِقَ))، ساكنُ الهاء، وفي ((التهذيب)): مَن
قال: أَهْرَقْتُ، فهو خَطَأْ في القياس، ومنهم من يَجعل الهاء كأنها أصلٌ،
ويقول: هَرَقْتُهُ هَرْقاً، من باب نَفَعَ، وفي الحديث: ((أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهْرَاقُ
الدِّمَاءَ»، بالبناء للمفعول، و(الدماءَ)) نصب على التمييز، ويجوز الرفع على
(١) وفي نسخة: ((حمرٍ إنسيّة)).
(٣) (شرح النوويّ)) ١٦٧/١٢ - ١٦٨.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٨٤/٢٢.

٤٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
إسناد الفعل إليها، والأصلُ: تُهْرَاقُ دماؤها، لكن جُعِلت الألفُ واللامُ بدلاً عن
الإضافة؛ كقوله تعالى: ﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]؛ أي: نكاحها. انتهى(١).
(وَاكْسِرُوهَا)))؛ أي: اكسروا القُدُور التي تُطبخ بها، قال النوويّ رَّتُهُ:
هذا يدلّ على نجاسة لحوم الحمر الأهلية، وهو مذهبنا، ومذهب الجمهور،
وقد سبق بيان هذا الحديث وشرحه مع بيان هذه المسألة في ((كتاب النكاح))،
ومختصر الأمر بإراقته أن السبب الصحيح فيه أنه أمر بإراقتها؛ لأنها نجسة
محرّمة، والثاني: أنه نَهَى للحاجة إليها، والثالث: لأنها أخذوها قبل القسمة،
وهذان التأويلان هما لأصحاب مالك القائلين بإباحة لحومها، والصواب ما
(٢)
قدمناه. انتهى
.
(فَقَالَ رَجُلٌ) لم يُعرف اسمه، وأما قول صاحب ((التنبيه))(٣) نقلاً عن
شيخه: يَحْتَمِل أن يكون عُمَر، فلم يذكر له مستنداً، والله تعالى أعلم.
(أوْ يُهْرِ يقُوهَا، وَيَغْسِلُوهَا؟)؛ يعني: أنهم يكتفون بالإهراق، والغسل؛
أي: بدلاً من الكسر.
[تنبيه]: قوله: ((أو يهريقوها ... إلخ)) هكذا رواية المصنّف بالجزم؛ أي:
أو ليُهريقوها، ويغسلوها، فالفعل مجزوم بلام الأمر المحذوفة عند القائلين
بجواز حذفها مطرداً في نحو قوله: قل له يفعل؛ أي: ليفعل، وقولِ الشاعر [من
الوافر]:
إِذَا مَا خِفْتَ مِنْ أَمْرِ تَبَالَا
مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ
أي: لِتَقْد، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿قُل لِّعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلَوَّةَ
وَيُنفِقُواْ﴾ [إبراهيم: ٣١]، وجعل ابن هشام حذف لام الأمر مختصّاً بالشعر؛
کالبیت المذكور.
ويَحْتَمل أن يكون مجزوماً؛ لوقوعه في جواب أمر محذوف، تقديره: أو قل
لهم: أهريقوها، واغسلوها يهريقوها، ويغسلوها، ويَحْتَمِل أن يكون جواب شرط
محذوف؛ أي: إن تقل لهم: أهريقوها يهريقوها ... إلخ(٤)، والله تعالى أعلم.
(١) ((المصباح المنير)) ٢٤٨/١.
(٣) راجع: ((تنبيه المعلم)) ص٣١٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦٨/١٢.
(٤) راجع: ((مغني اللبيب)) ٤٢٢/٢.

٤٣٧
(٤١) - بَابُ غَزْوَةِ خَيْبَرَ - حديث رقم (٤٦٥٩)
(فَقَالَ) وَ ((أَوْ ذَاَكَ)))؛ أي: أوْ تفعلون ذاك؛ أي: الإهراق، والغسل،
قال النوويّ كََّثُهُ: هذا محمول على أنه وَجراجتَهَد في ذلك، فرأى كسرها، ثم
تغيّر اجتهاده، أو أُوحي إليه بغسلها. انتهى (١).
(قَالَ) سلمة: (فَلَمَّا تَصَافَّ الْقَوْمُ)؛ أي: المسلمون والكفّار؛ يعني: أنهم
وقفوا مصطفِّين للقتال، (كَانَ سَيْفُ عَامِرٍ)؛ أي: ابن الأكوع، (فِيهِ قِصَرٌ) - بكسر
القاف، وفتح الصاد المهملة، آخره راء -؛ أي: ليس طويلاً، يقال: قَصُرَ
الشيءُ بالضمّ قِصَراً وِزانُ عِنَبٍ: خلاف طال، فهو قَصِيرٌ، والجمعُ قِصَارٌ،
ويتعدّى بالتضعيف، فيقال: قَصَّرتُهُ، وعليه قوله تعالى: ﴿مُعِلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ
وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، وفي لغة: قَصَرْتُهُ، من باب قَتَلَ (٢). (فَتَنَاوَلَ)؛ أي: أراد
أن يُصيب (بِهِ)؛ أي: بذلك السيف القصير، (سَاقَ يَهُودِيٌّ) هو مَرْحِب رئيس
أهل خيبر، (لِيَضْرِبَهُ)، وفي رواية البخاريّ: ((وكان سيف عامر قصيراً، فتناول
به ساق يهوديّ ليضربه))، وفي رواية إياس بن سلمة الآتية: «فلما قَدِمنا خيبر
خرج ملكهم مَرْحِب يَخْطِر بسيفه(٣)، يقول [من الرجز]:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
قال: فبرز إليه عامرٌ، فقال:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُغَامِرُ
فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في تُرْس عامرَ، فصار عامر يَسْفُل
له؛ أي: يضربه من أسفلُ، فرجع سيفه - أي: سيف عامر - على نفسه)).
(وَيَرْجِعُ) الواو عاطفة، و((يرجع)) بمعنى (رجَعَ))، كما وقع في بعض
النسخ، وكما هو لفظ رواية البخاريّ، وإنما عَدَل هنا إلى صيغة المضارع؛
قصداً إلى حكاية الحال؛ كأنه تخيّل ما وقع في الزمن الماضي من رجوع ذُباب
السيف يقع في الحال، فعبّر عنه بلفظ المضارع، ويصحّ أن تكون الواو حاليّةً،
وحينئذ تكون داخلةً على محذوف، تقديره: وذباب سيفه يرجع؛ لأنه يمتنع
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦٨/١٢.
(٣) أي: يرفعه مرّةً، ويضعه أخرى.
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٠٥/٢.

٤٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
دخول الواو الحاليّة على المضارع المثبت، كما قال في ((الخلاصة)):
حَوَتْ ضَمِيراً وَمِنَ الْوَاوِ خَلَتْ
وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ ثَبَتْ
لَهُ الْمُضَارِعَ اجْعَلَنَّ مُسْنَدَا
وَذَاتُ وَاوٍ بَعْدَهَا انْوٍ مُبْتَدَا
فتكون الجملة اسميّةً حالاً من ضمير ((فتناول))، ويكون من الأحوال
المقدّرة، نظير قول الله تعالى: ﴿فَدْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَهَا﴾ [النحل: ٢٩]؛
أي: فتناول ساق يهوديّ؛ ليضربه حال رجوع ذباب سيفه، وإصابته ركبته، والله
تعالى أعلم.
(ذُبَابُ سَيْفِهِ) - بضمّ الذال المعجمة، وتخفيف الموحّدتين، بينهما ألف _؛
أي: طَرَفه الأعلى، وقيل: حدّه. (فَأَصَابَ رُكْبَةَ عَامِرٍ)، ولفظ البخاريّ:
((فأصاب عينَ ركبة عامر))؛ أي: طرف ركبته الأعلى، (فَمَاتَ مِنْهُ)؛ أي: من
ذلك الضرب، وفي رواية يحيى القطان: ((فأصيب عامر بسيف نفسه، فمات))،
وفي رواية إياس بن سلمة الآتية عند مسلم: ((فقَطَعَ أَكْحَلَه، فكانت فيها نفسه))،
وفي رواية ابن إسحاق: ((فَكَلَمَهُ كَلْماً شديداً، فمات منه)). (قَالَ: فَلَمَّا قَفَلُوا)؛
أي: رجع المسلمون من خيبر.
قال الجامع عفا الله عنه: رواية مسلم في هذا المحلّ فيها غموضٌ،
وأوضح منها رواية البخاريّ، ولفظه: ((قال: فلما قفلوا، قال سلمة: رآني
رسول الله وَ﴿، وهو آخذ بيدي، قال: ما لك؟ .... إلخ))، فجواب ((لَمّا))
قوله: ((قال سلمة: رآني ... إلخ))، وقوله: ((وهو آخذ بيدي)) جملة حالية من
(رسول الله وَلآت).
ولعلّ المعنى على رواية المصنّف أن ((قال سلمة)) مؤكّد لـ((قال)) في قوله:
(قال: فلما قفلوا))، وجواب ((لَمّا)) محذوف؛ أي: تكلّم الناس في شأن عامر،
فقال بعضهم: حَبِطَ عمله، فحَزِنت لذلك.
وقوله: ((وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي)) من كلام يزيد بن أبي عبيد الراوي عن سلمة؛
أي: قال سلمة لي، والحال أنه آخذ بيدي، والله تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ)؛ أي: سلمة، (فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللهِ وَلِ سَاكِتاً)؛ أي: لا
أتكلّم من شدّة حزني.
وفي رواية قُتيبة عند البخاريّ: رآني رسول الله وَّر شَاحِباً، بمعجمة، ثم

٤٣٩
(٤١) - بَابُ غَزْوَةِ خَيْبَرَ - حديث رقم (٤٦٥٩)
مهملة، وموحّدة؛ أي: متغيّر اللون، وفي رواية إياس عنده: ((فأتيت النبيّ
وأنا أبكي)).
(قَالَ) ◌َِّ ((مَا لَكَ؟)))؛ أي: أي شيء أسكتك؟ (قُلْتُ لَهُ) وَِّ (فِدَاكَ أَبِي
وَأُمِّي) مبتدأ وخبره، (زَعَمُوا)؛ أي: قالوا قولاً لا برهان له، (أَنَّ عَامِراً حَبِطَّ
عَمَلُهُ) - بكسر الموحّدة، وتُفْتَح، مبنيًّ للفاعل -، يقال: حَبِطَ العملُ حَبَطاً، من
باب تَعِبَ، وحُبُوطاً: فَسَدَ، وَهَدَرَ، وحَبَطَ يَحْبِطُ، من باب ضَرَبَ لغةٌ، وَقُرىء
بهما في الشواذٌ.
وفي رواية إياس: ((بطل عمل عامر، قَتَل نفسه))، وعند ابن إسحاق:
((فكان المسلمون شَكُوا فيه، وقالوا: إنما قتله سلاحه)).
(قَالَ) وَةِ ((مَنْ قَالَهُ؟))، قُلْتُ: فُلَانٌ، وَفُلَانٌ) قال صاحب ((التنبيه)): لا
أعرفهما، (وَأُسَيْدُ بْنُ خُضَيْرِ الأَنْصَارِيُّ) - بتصغير الاسمين - الأشهليّ، أبو
يحيى الصحابيّ الشهير، مات ظُه سنة عشرين، أو بعدها (ع) تقدّمت ترجمته
في ((الحيض)) ٣/ ٧٠٠. (فَقَالَ) وَ («كَذَبَ)؛ أي: أخطأ (مَنْ قَالَهُ)؛ أي: قال
هذا الكلام، وهو أن عامراً حَبِطِ عمله، (إِنَّ) بكسر الهمزة، (لَهُ)؛ أي:
العامر ظه (لأَجْرَيْنٍ)))، ووقع في بعض النسخ: ((إن له لأجران))، قال
النوويّ كَّلهُ: هكذا هو في معظم النسخ: ((لأجران)» بالألف، وفي بعضها
(لأجرين)) بالياء، وهما صحيحان، لكن الثاني هو الأشهر الأفصح، والأول
لغة أربع قبائل من العرب، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَحِرَنِ﴾ [طه: ٦٣]،
وقد سبق بيانها مرات.
ويَحْتَمِل أن الأجرين ثبتا له؛ لأنه جاهدٌ مجاهدٌ، كما سنوضحه في
شرحه، فله أجر بكونه جاهداً؛ أي: مجتهداً في طاعة الله تعالى، شديد
الاعتناء بها، وله أجر آخر بكونه مجاهداً في سبيل الله، فلمّا قام بوصفين، كان
له أجران. انتهى.
وفي رواية ابن إسحاق: ((إنه لشهيد، وصلّى عليه)).
(وَجَمَعَ) وََّ (بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ) إشارة إلى تأكيد الأجرين، ((إِنَّهُ لَجَاهِدٌ،
مُجَاهِدٌ) قال النوويّ تَخْلُهُ: هكذا رواه الجمهور من المتقدمين والمتأخرين:
(لَجَاهِدٌ)) بكسر الهاء، وتنوين الدال، ((مجاهد)) بضم الميم، وتنوين الدال

٤٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
أيضاً، وفسّروا الجاهد بالجادّ في علمه وعمله؛ أي: إنه لجادّ في طاعة الله،
والمجاهد في سبيل الله، وهو الغازي.
وقال القاضي عياض: فيه وجه آخر، وهو أنه جمع اللفظين توكيداً، قال
ابن الأنباريّ: العرب إذا بالغت في تعظيم شيء اشتَقَّت له من لفظه لفظاً آخر
على غير بنائه، زيادةً في التوكيد، وأعربوه بإعرابه، فيقولون: جادٌّ مُجِدّ، وليلٌ
لائلٌ، وشِعْرٌ شاعرٌ، ونحو ذلك، قال القاضي: ورواه بعض رواة البخاريّ،
وبعض رواة مسلم: (لَجَاهَدَ)) بفتح الهاء، والدال، على أنه فعل ماض، مَجَاهِدَ
بفتح الميم، ونصب الدال، بلا تنوين، قال: والأول هو الصواب، والله أعلم.
انتھی.
وقال في ((العمدة)): قوله: ((إن له لأجرين))، وهما أجر الجهد في
الطاعة، وأجر المجاهدة في سبيل الله، وقيل: أحدُ الأجرين موته في سبيل الله،
والآخر لِمَا كان يحدو به القومَ من شعره، ويدعو الله في ثباتهم عند لقاء
عدوهم.
وقوله: ((لجاهِدٌ، مُجَاهِدٌ)) كلاهما بلفظ اسم الفاعل، الأول من الثلاثيّ،
والثاني من المزيد فيه، والمعنى: لَجاهدٌ في الأجر، ومجاهد للمبالغة فيه؛
يعني: مبالغ في سبيل الله، ويروى بلفظ الماضي في الأول، ويلفظ جمع
الْمَجْهَدة في الثاني. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((إنه لجاهد مجاهد)) كذا للأكثر باسم الفاعل
فيهما، وكسر الهاء، والتنوين، والأول مرفوع على الخبر، والثاني تابعٌ للتأكيد،
كما قالوا: جَادِّ مُجِدٌّ، ووقع لأبي ذَرَ عن الحمويّ، والمستملي: بفتح الهاء،
والدال، وكذا ضبطه الباجيّ، قال عياض: والأول هو الوجه، قال الحافظ:
يؤيده رواية أبي داود من وجه آخر، عن سلمة: ((مات جاهِداً مُجاهداً))، قال
ابن دريد: رجلٌ جاهِدٌ؛ أي: جادًّ في أموره، وقال ابن التين: الجاهد مَن
يرتكب المشقّة، ومجاهدٌ؛ أي: لأعداء الله تعالى. انتهى(٢).
(١) ((عمدة القاري)) ١٨٤/٢٢.
(٢) ((الفتح)) ٢٩٩/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٩٦).