النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
(٣٧) - بَابُ مَا لَقِيَ النَّبِيُّ ◌َّهِ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم (٤٦٤٠)
بحذف الزيادة، وللشاعر إذا اضطر أن يقول: قريشيّ(١).
(ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)؛ أي: دعا عليهم ثلاث مرّات، وكرّره إسرائيل في روايته
لفظاً، لا عدداً. (فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ ذَهَبَ عَنْهُمُ الضِّحُْكُ، وَخَافُوا دَعْوَتَهُ)، وفي
رواية البخاريّ: ((فشقّ عليهم إذ دعا عليهم، قال: وكانوا يَرَون أن الدعوة في
ذلك البلد مستجابة)).
قال في ((الفتح)): وقوله: ((وكانوا يَرون)) بفتح أوله في روايتنا، من
الرأي؛ أي: يعتقدون، وفي غيرها بالضم؛ أي: يَظُنُّون، والمراد بالبلد: مكة،
ووقع في ((مُستَخرج أبي نعيم)) من الوجه الذي أخرجه منه البخاريّ: ((في
الثالثة)) بدل قوله: ((في ذلك البلد))، ويناسبه قوله: ((ثلاث مرّات))، ويمكن أن
يكون ذلك مما بقي عندهم من شريعة إبراهيم فعلا. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ ◌َّتُهُ: وخوفهم من دعوة النبيّ لنَّ دليل على علمهم
بفضله، وبصحة حاله، ومكانته عند الله تعالى، وأنه من الله تعالى بحيث يجيبه
إذا دعاه، ولكن لم ينتفعوا بذلك للحسد، والشِّقْوة الغالبة عليهم. انتهى (٣).
(ثُمَّ قَالَ) وفي رواية البخاريّ: (ثم سَمَّى))؛ أي: فصّل مَن أَجمل،
((اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ) وفي رواية للبخاريّ: ((اللهمّ عليك بعمرو بن
هشام))، وهو اسم أبي جهل، فلعُّلّه سمّاه، وكَنَاه جميعاً. (وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، و)
أخيه (شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ) بن عبد شمس، من بني أميّة بن عبد شمس بن
عبد مناف، (وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ) قال النوويّ كَُّهُ: هكذا هو في جميع نسخ
مسلم: ((والوليد بن عقبة)) بالقاف، واتَّفَق العلماء على أنه غلطٌ، وصوابه:
((والوليد بن عُثْبة)) بالتاء، كما ذكره مسلم في رواية أبي بكر بن أبي شيبة بعد
هذا، وقد ذكره البخاريّ في ((صحيحه))، وغيره، من أئمة الحديث على
الصواب، وقد نَبَّهَ عليه إبراهيم بن سفيان في آخر الحديث، فقال: ((الوليد بن
عقبة)) في هذا الحديث غلطٌ، قال العلماء: والوليد بن عقبة بالقاف، هو ابن
(١) ((لسان العرب)) ٣٥٨/٥ بتصرّف، واختصار، وزيادة من ((المصباح المنير)).
(٢) ((الفتح)) ٥٩٥/١، كتاب ((الوضوء)) رقم (٢٤٠).
(٣) ((المفهم)) ٣/ ٦٥٣.

٣٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
أبي مُعَيط، ولم يكن ذلك الوقت موجوداً، أو كان طفلاً صغيراً جدّاً، فقد أُتي
به النبيّ وَّ﴿ يوم الفتح، وهو قد ناهز الاحتلام؛ ليمسح على رأسه. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((والوليد بن عتبة)) هو ولد عُتبة المذكور بعد أبي
جهل، ولم تَختلف الروايات في أنه بعين مهملة، بعدها مثناة ساكنة، ثم
مُوحّدة، لكن عند مسلم من رواية زكريا بالقاف بدل المثناة، وهو وَهَمٌ قدیم،
نَبَّهَ عليه ابن سفيان الراوي عن مسلم، وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق شيخ
مسلم على الصواب. انتهى(٢).
(وَأُمَيَّةَ بْنٍ خَلَفٍ) كذا في رواية زكريّا بدون شكّ، وفي رواية شعبة
التالية: ((وأميّة بن خلف، أو أُبيّ بن خَلَف))، شعبة الشاّ، قال في (الفتح)):
قوله: ((وأمية بن خلف)) في رواية شعبة: ((أو أُبي بن خلف)) شَكّ شعبة، وقد
ذكر البخاريّ الاختلاف فيه عَقِب رواية الثوريّ في ((الجهاد))، وقال: الصحيح
أمية، لكن وقع عنده هناك أَبَيّ بن خلف، وهو وَهَمٌ منه، أو من شيخه أبي بكر
عبد الله بن أبي شيبة إذا حدثه، فقد رواه شيخه أبو بكر في ((مسنده))، فقال:
((أمية))، وكذا رواه مسلم عن أبي بكر، والإسماعيليّ، وأبو نعيم، من طريق
أبي بكر كذلك، وهو الصواب، وأطبق أصحاب المغازي على أن المقتول ببدر
أمية، وعلى أن أخاه أُبيّاً قُتل بأُحد. انتهى (٣).
(وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ)، واسم أبي مُعَيط أبان بن أبي عمرو، (وَذَكَرَ
السَّابِعَ، وَلَمْ أَحْفَظْهُ)، وقد وقع في رواية البخاريّ تسمية السابع: أنه عُمارة بن
الوليد، وفي رواية البخاريّ: ((وعَدَّ السابع، فلم نحفظه)).
قال في ((الفتح)): قوله: ((وعَدَّ السابع، فلم نحفظه)) وقع في روايتنا
بالنون، وهي للجمع، وفي غيرها بالياء التحتانية، قال الكرمانيّ: فاعل ((عَدَّ))
رسول الله وَ﴾، أو ابن مسعود، وفاعل: ((فلم نحفظه)) ابن مسعود، أو عمرو بن
میمون .
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢/ ١٥٢.
(٢) ((الفتح)) ٥٩٥/١، كتاب ((الوضوء)) رقم (٢٤٠).
(٣) ((الفتح)) ٥٩٥/١، كتاب ((الوضوء)) رقم (٢٤٠).

٣٢٣
(٣٧) - بَابُ مَا لَقِيَ النَِّيُّ ◌َّهِ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم (٤٦٤٠)
قال الحافظ: ولا أدري من أين تهيأ له الجزم بذلك؟ مع أن في رواية
الثوريّ عند مسلم ما يدلّ على أن فاعل: ((فلم نحفظه)) أبو إسحاق، ولفظه:
((قال أبو إسحاق: ونسيت السابع))، وعلى هذا ففاعل ((عَدَّ) عمرو بن ميمون،
على أن أبا إسحاق قد تذكّره مرة أخرى، فسمّاه عُمارة بن الوليد، كذا أخرجه
البخاريّ في ((الصلاة)) من رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، وسماع إسرائيل من
أبي إسحاق في غاية الإتقان؛ للزومه إياه؛ لأنه جدّه، وكان خِصّيصاً به، قال
عبد الرحمن بن مهديّ: ما فاتني الذي فاتني من حديث الثوريّ، عن أبي
إسحاق، إلا اتكالاً على إسرائيل؛ لأنه كان يأتي به أتمّ، وعن إسرائيل قال:
كنت أحفظ حديث أبي إسحاق، كما أحفظ سورة الحمد.
واستَشْكَل بعضهم عَدَّ عُمارة بن الوليد في المذكورين؛ لأنه لم يُقتل
ببدر، بل ذكر أصحاب المغازي أنه مات بأرض الحبشة، وله قِصّة مع
النجاشيّ؛ إذ تَعَرَّض لامرأته، فأمر النجاشيّ ساحراً، فنفخ في إحليل عمارة من
سحره؛ عقوبةً له، فتوحّش، وصار مع البهائم، إلى أن مات في خلافة عمر،
وقصته مشهورة.
والجواب أن كلام ابن مسعود رضيه في أنه رآهم صرعى في القليب،
محمول على الأكثر، ويدلّ عليه أن عقبة بن أبي معيط لم يُطْرَح في القليب،
وإنما قُتل صبراً بعد أن رَحَلوا عن بدر مرحلةً، وأمية بن خلف لم يُظْرح في
القليب كما هو، بل مُقطّعاً. انتهى(١).
وقال في ((العمدة)): وكان عقبة بن أبي معيط من المستهزئين أيضاً، وذكر
محمد بن حبيب أنه من زنادقة قريش، واسم أبي معيط: أبان بن أبي عمرو،
والذي دعا عليهم النبيّ وَله سبعة أنفس كما ذُكروا، وهم: أبو جهل، وعتبة بن
ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي
مُعيط، وعمارة بن الوليد بن المغيرة.
أما أبو جهل فقتله معاذ بن عمرو بن الْجَمُوح، ومعاذ ابن عفراء، ذكره
في ((الصحيح))، ومَرّ عليه ابن مسعود، وهو صريع، واحتزّ رأسه، وأتى به
(١) ((الفتح)) ٥٩٨/١، كتاب ((الوضوء)) رقم (٢٤٠).

٣٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
رسول الله ، فقال: هذا رأس عدو الله، ونَفّله رسول الله وَ ل سيفه، وقال
رسول الله وَّل: ((الحمد لله الذي أخزاك يا عدو الله، هذا كان فرعون هذه
الأمة، ورأس أئمة الكفر))، وفي رواية البيهقيّ: فخَرّ رسول الله و * ساجداً .
وأما عتبة بن ربيعة فقتله حمزة عظته، وقيل: اشترك حمزة وعليّ ◌َ﴿ّا في
قتله .
وأما شيبة بن ربيعة بن عبد شمس أخو عتبة بن ربيعة، فقتله حمزة أيضاً .
وأما الوليد بن عتبة - بالتاء المثناة من فوقُ - فقتله عُبيدة بن الحارث،
وقيل: عليّ، وقيل: حمزة، وقيل: اشتركا في قتله.
وأما أمية بن خلف بن صفوان بن أمية، فقد اختلف أهل السير في قتله،
فذكر موسى بن عقبة أنه قتله رجل من الأنصار، من بني مازن، وقال ابن
إسحاق: إن معاذ ابن عَفْراء، وخارجة بن زيد، وحبيب بن إساف اشتركوا في
قتله، وادَّعى ابن الجوزيّ أنه بَّرِ قتله، وفي ((السِّيَر)) من حديث عبد الرحمن بن
عوف أن بلالاً ظبه خرج إليه، ومعه نفر من الأنصار، فقتلوه، وكان بديناً(١)،
فلما قُتل انتفخ، فألقوا عليه التراب حتى غيَّه، ثم جُرّ إلى القليب، فتقطّع قبل
وصوله إليه، وكان من المستهزئين، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَقِ
[الهمزة: ١]، وهو الذي كان يُعَذّب بلالاً في مكة.
ثُمَزَةِ
وأما عقبة بن أبي معيط فقتله عليّ رَُّّه، وقيل: عاصم بن ثابت،
والأصح أن النبيّ نَّهِ قتله بعِرْق الُبْية.
وأما عُمارة بن الوليد فقد ذكرنا أمره مع النجاشيّ، ومات زمن عمر بن
الخطاب ظُه في أرض الحبشة. انتهى (٢).
قال ابن مسعود ربه: (فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً وَهِ بِالْحَقِّ)، وفي رواية
البخاريّ: ((فوالذي نفسي بيده))، وفي رواية النسائيّ: ((والذي أنزل عليه الكتاب))،
وكأن عبد الله قال كلّ ذلك تأكيداً. (لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّى) أي: سمّاهم
النبيّ وَِّ، (صَرْعَى) جمع صَرِيع، قال الفيوميّ ◌َلُله: والصَّريع من الأغصان ما
(١) وقع في النسخة: ((بينا))، والظاهر أنه تصحيف من ((بدينا))، فتأمل.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٥٩/٣.

(٣٧) - بَابُ مَا لَقِيَ النَّبِيُّ ◌َهِ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم (٤٦٤٠)
٣٢٥
تَهَدَّلَ، وسقط إلى الأرض، ومنه قيل للقتيل: صَريع، والجمع صَرْعَى. انتهى.
(يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ)، وفي رواية إسرائيل عند البخاريّ:
((لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر))، ثم قال
رسول الله وَلقر: ((وأُتبع أصحاب القليب لعنةً)).
قال في ((الفتح)): وهذا يَحْتَمِل أن يكون من تمام الدعاء الماضي، فيكون
فيه عَلَمٌ عظيم من أعلام النبوة، ويَحْتَمِل أن يكون قاله النبيّ وَله بعد أن أُلقوا
في القليب، وزاد شعبة في روايته: ((إلا أمية، فإنه تقطّعت أوصاله))، زاد: ((لأنه
كان بادناً)). انتهى(١).
وقوله: (قَلِيبٍ بَدْرٍ) بجرّ ((قليبٍ)) على البدلّة، و((القليب)) بفتح القاف،
وآخره موحّدة: هي البئر التي لم تُظْوَ، وقيل: هي البئر العاديّة القديمة التي لا
يُعرف صاحبها .
قال العلماء: وإنما وُضِعوا في القليب؛ تحقيراً لهم، ولئلا يتأذى الناس
برائحتهم، وليس هو دفناً؛ لأن الحربيّ لا يجب دفنه، قال النوويّ: قال
أصحابنا: بل يُتْرَك في الصحراء، إلا أن يُتأذى به(٢).
وقال الحافظ: والظاهر أن البئر لم يكن فيها ماءٌ مَعِينٌ(٣).
وقال القاضي عياض: اعتَرَض بعضهم على هذا الحديث في قوله:
((رأيتهم صرعى ببدر))، ومعلوم أن أهل السِّير قالوا: إن عُمارة بن الوليد، وهو
أحد السبعة كان عند النجاشيّ، فاتهمه في حُرْمته، وكان جميلاً وَسِيماً، فنفخ
في إحليله سِحْراً، فهام مع الوحوش في بعض جزائر الحبشة، فهلك.
قال القاضي: وجوابه: أن المراد أنه رأى أكثرهم، بدليل أن عقبة بن أبي
مُعيط منهم، ولم يُقتل ببدر، بل حُمل منها أسيراً، وإنما قتله النبيّ وَّ ه صبراً
بعد انصرافه من بدر، بعِرْق الُبية (٤).
قال النوويّ: ((الظّبية)) بظاء معجمة مضمومة، ثم باء موحدة ساكنة، ثم
(١) ((الفتح)) ٥٩٩/١، كتاب ((الوضوء)) رقم (٢٤٠).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٥٣/١٢.
(٤) ((إكمال المعلم)) ٦/ ١٦٧ - ١٦٨.
(٣) ((الفتح)) ٥٩٩/١.

٣٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
ياء مثناة تحتُ، ثم هاء، هكذا ضبطه الحازميّ في كتابه ((المؤتلف في
الأماكن))، قال: قال الواقديّ: هو من الرَّوْحاء على ثلاثة أميال، مما يلي
المدينة. انتهى(١).
[فائدة]: رَوَى هذا الحديث ابن إسحاق في ((المغازي))، قال: حدّثني
الأجلح، عن أبي إسحاق، فذكر هذا الحديث، وزاد في آخره قصة أبي
الْبَخْتَريّ مع النبيّ ◌َ﴿ في سؤاله إياه عن القصة، وضَرْب أبي البختريّ أبا
جهل، وشجّه إياه، والقصة مشهورة في ((السيرة))، وأخرجها البزار من طريق
أبي إسحاق، وأشار إلى تفرد الأجلح بها، عن أبي إسحاق، قاله في
((الفتح))(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قصّة أبي البختريّ التي أشار إليها في ((الفتح))،
أخرجها أبو بكر البزار نَّثُ في ((مسنده))، فقال:
(١٨٥٣) - حدّثنا إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد، قال: حدّثنا داود بن
عمرو، قال: حدّثنا المثنى بن زرعة أبو راشد، عن محمد بن إسحاق، قال:
حدّثني الأجلح، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأوديّ، عن عبد الله،
قال: بينا رسول الله وَّر في المسجد، وأبو جهل بن هشام، وشيبة، وعتبة، ابنا
ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، وأُميّة بن خلف، قال أبو إسحاق: ورجلان آخران
لا أحفظ أسماءهما كانوا سبعة، وهم في الْحِجْر، ورسول الله وَل يصلي، فلما
سجد أطال السجود، فقال أبو جهل: أيّكم يأتي جَزور بني فلان، فيأتينا
بفرثها، فيلقيه على محمد ◌َّ؟ فانطلق أشقاهم عقبة بن أبي معيط، فأَتَّى به،
فألقاه على كتفيه، ورسول الله * ساجد، قال ابن مسعود: وأنا قائم، لا
أستطيع أن أتكلم، ليس عندي عَشِيرة تمنعني، فأنا أرهب، إذ سَمِعَت فاطمة
بنت رسول الله ﴾، فأقبلت حتى ألقت ذلك عن عاتقه، ثم استقبلت قريشاً،
فسبّتهم، فلم يرجعوا إليها شيئاً، ورفع رسول الله ◌َ لل رأسه، كما كان يرفعه عند
تمام سجوده، فلما قضى رسول الله وَل﴿ل صلاته، قال: ((اللهم عليك بقريش
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢/ ١٥٢.
(٢) ((الفتح)) ٥٩٩/١، كتاب ((الوضوء)) رقم (٢٤٠).

٣٢٧
(٣٧) - بَابُ مَا لَقِيَ النَِّيُّ ◌َهُ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم (٤٦٤٠)
- ثلاثاً - عليك بعتبة، وعقبة، وأبي جهل، وشيبة)). ثم خرج رسول الله وَ ل من
المسجد، فلقيه أبو الْبَخْتَريّ، ومع أبي البختري سوط يتخصر به، فلما رأى
النبيّ وَّرَ أنكر وجهه، فقال: ما لك؟ فقال النبيّ ◌َّ: خَلِّ عني، قال: عَلِم الله
لا أخلي عنك، أو تخبرني ما شأنك؟ فلقد أصابك شيء، فلما علم النبيّ وَّ
أنه غير مُخَلِّ عنه أخبره، فقال: إن أبا جهل أَمَر، فطُرِح عليّ فرتٌ، فقال أبو
البختريّ: هلم إلى المسجد، فأتى النبيّ وَّ وأبو البختري، فدخلا المسجد،
ثم أقبل أبو البختريّ إلى أبي جهل، فقال: يا أبا الحكم، أنت الذي أمرت
بمحمد، فُطُرح عليه الفرث؟ قال: نعم، قال: فرفع السوط، فضرب به رأسه،
قال: فثارت الرجال بعضها إلى بعض، قال: وصاح أبو جهل: ويحكم هي
له، إنما أراد محمد أن يُلقي بيننا العداوة، وينجو هو وأصحابه.
قال البزّار: وهذا الحديث بهذا اللفظ لا نعلم رواه إلا الأجلح، وقد
رواه إسرائيل، وشعبة، وزيد بن أبي أنيسة، وغيرهم، عن أبي إسحاق، عن
عمرو بن ميمون، عن عبد الله. انتهى(١).
وقوله: (قَالَ أبو إِسْحَاقَ) هو: إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوريّ
المتوفّى سنة (٢٥٧هـ) راوي ((صحيح مسلم)) عنه، وقد تقدّمت ترجمته في
((المقدّمة)) ٧٣/٦.
(الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ غَلَطُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ)؛ يعني: أن الصواب هو الوليد بن
عتبة، لا الوليد بن عقبة، كما أسلفنا تحقيقه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن مسعود رَُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٤٠/٣٧ و٤٦٤١ و٤٦٤٢ و٤٦٤٣] (١٧٩٤)،
و(البخاريّ) في ((الوضوء)) (٢٤٠) و((الصلاة)) (٥٢٠) و((الجهاد)) (٢٩٣٤)
(١) ((مسند البزار)) ٤٢٩/٢ - ٤٣٠.

٣٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
و((الجزية والموادعة)) (٣١٨٥) و((مناقب الأنصار)) (٣٨٥٤) و((المغازي))
(٣٩٦٠)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (١٦٢/١) و((الكبرى)) (١٣٠/١ و٥/
٢٠٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٣٢/٧ و٣٥٥)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٣٩٣/١ و٣٩٧ و٤١٧)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٧٨٥)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (٢٨٥/٤ و٢٨٧ و٢٨٨)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٣٢/١)،
و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢١١/٩)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٢٤١/٥ و٢٤٨)،
و(أبو نعيم) في ((دلائل النبوّة)) (٦٤/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧/٩)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما لقيه النبيّ 18َ من أذى قريش له في سبيل الدعوة
إلى الله رت.
٢ - (ومنها): تعظيم الدعاء بمكة عند الكفّار، وما ازداد عند المسلمين
إلا تعظيماً عظيماً.
٣ - (ومنها): معرفة الكفّار بصدق النبيّ وَ﴿؛ لخوفهم من دعائه، ولكن
لأجل شقائهم الأزليّ، حملهم الحسَدُ والعِناد على ترك الانقياد له.
٤ - (ومنها): تحلّمه ◌َ﴿ عمن آذاه، ففي رواية الطيالسيّ، عن شعبة في
هذا الحديث: ((أن ابن مسعود ظُه قال: لم أره دعا عليهم إلا يومئذ))، وإنما
استحقّوا الدعاء حينئذ؛ لِمَا أقدموا عليه من التهكم به حال عبادته لربه ◌ُعَالَ،
قال النوويّ تَخْلَتُهُ: هذه إحدى دعواته سير المجابة.
٥ - (ومنها): استحباب الدعاء ثلاثاً .
٦ - (ومنها): بيان محبّة الله تعالى لنبيّه وَله، وإجابته في مثل هذا الدعاء،
وهو من أدلّة نبوّته، وصحّتها(١).
٧ - (ومنها): جواز الدعاء على الظالم، وقال بعضهم: محلّه ما إذا كان
كافراً، فأما المسلم فيستحب الاستغفار له، والدعاء له بالتوبة.
ولو قيل: لا دلالة فيه على الدعاء على الكفار، لَمَا كان بعيداً؛ لاحتمال
(١) ((المفهم)) ٦٥٤/٣.

٣٢٩
(٣٧) - بَابُ مَا لَقِيَ النَِّّ ◌َهُ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم (٤٦٤٠)
أن يكون ◌َ﴿ عَلِمَ أن المذكورين لا يؤمنون، والأولى أن يُدعى لكل حي
بالهداية .
٨ - (ومنها): أن المباشرة أقوى من السبب وآكد، وذلك؛ لأنه قال في
عقبة بن أبي معيط: ((أشقى القوم)) مع أنه كان فيهم أبو جهل، وهو أشدّ منه
كفراً، ولكن كان عقبة مباشراً على ما مرّ بيانه.
٩ - (ومنها): قُوّة نفس فاطمة ◌َّا من صِغَرها؛ لِشَرَفها في قومها
ونفسها، حيث صرخت بشتمهم، وهم رؤوس قريش، فلم يردّوا عليها .
١٠ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن مَن حَدَث له في صلاته ما يمنع
انعقادها ابتداءً، لا تبطل صلاته، ولو تمادى، فلو كانت نجاسةً، فأزالها في
الحال، ولا أثر لها صحت صلاته اتفاقاً .
١١ - (ومنها): ما قال النوويّ: وفي هذا الحديث إشكالٌ، فإنه يقال:
كيف استمرّ في الصلاة، مع وجود النجاسة على ظهره؟
وأجاب القاضي عياض بأن هذا ليس بنجس، قال: لأن الفرث، ورطوبة
البدن طاهران، والسَّلا من ذلك، وإنما النجس الدم.
قال النوويّ: وهذا الجواب يجيء على مذهب مالك، ومن وافقه أن
روث ما يؤكل لحمه طاهر، ومذهبنا، ومذهب أبي حنيفة، وآخرين نجاسته،
وهذا الجواب الذي ذكره القاضي ضعيفٌ، أو باطلٌ؛ لأن هذا السَّلا يتضمن
النجاسة من حيث إنه لا ينفك من الدم في العادة، ولأنه ذبيحة عبّاد الأوثان،
فهو نجس، وكذلك اللحم، وجميع أجزاء هذا الجزور.
وأما الجواب المرضيُّ أنه وَلِّ لم يَعْلَم ما وُضع على ظهره، فاستمرّ في
سجوده؛ استصحاباً للطهارة، وما ندري هل كانت هذه الصلاة فريضة، فتجبَ
إعادتها على الصحيح عندنا، أم غيرها، فلا تجب؟ فإن وجبت الإعادة فالوقت
موسَّع لها، فإن قيل: يَبْعُد أن لا يُحِسّ بما وقع على ظهره، قلنا: وإن أَحَسّ به
فما يتحقق أنه نجاسة. انتهى كلام النوويّ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: جواب القاضي عياض: هو الصحيح، لا كما
(١) ((شرح النوويّ) ١٢/ ١٥١.

٣٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
قال النوويّ: إنه ضعيف، أو باطل، فالمذهب الصحيح في هذه المسألة هو ما
ذهب إليه من قال بطهارة روث ما يؤكل لحمه، وبوله؛ لأدلّة صحيحة، تقدّم
بيانها في ((كتاب الطهارة))، ومنها هذا الحديث، فتأمل بالإنصاف، ولا تكن
أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٤١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ
لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا
إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ وَهُ
سَاجِدٌ، وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ، إِذْ جَاءَ(١) عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ بِسَلَا جَزُورٍ، فَقَذَفَهُ
عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ، فَأَخَذَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ،
وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ عَلَيْكَ الْمَلأَ مِنْ قُرَيْشٍ: أَبَا جَهْلِ بْنَ
هِشَامِ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، وَشَيْئَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ،
أَوْ أَبِّيَّ بْنَ خَلَفٍ))، شُعْبَةُ الشَُّ، قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَأَلْقُوا فِي بِثْرٍ،
غَيْرَ أَنَّ أُمَيَّةَ، أَوْ أُبَيّاً تَقَطَّعَتْ(٢) أَوْصَالُهُ، فَلَمْ يُلْقَ فِي الْبِثْرِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزِيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) الملقّب ببندار، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الملقّب بغندر، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاح الإمام الشهير، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ وَلِ سَاجِدٌ) قال في ((اللسان)): أَصلُ ((بَيْنا)) بَيْنَ،
فأُشبِعتْ الفتحة، فصارت ألفاً، ويقال: بَيْنا، وبَيْنما، وهما ظرفا زمانٍ، بمعنى
المفاجأة، ويُضافان إلى جملة، من فعلٍ وفاعلٍ، ومبتدٍ وخبر، ويحتاجان إلى
جواب يَتِمُّ به المعنى، قال: والأَفصَحَ في جوابهما أَن لا يكون فيه ((إِذْ))،
(١) ((ونسخة: ((إذ جاءه)).
(٢) وفي نسخة: ((انقطعت)).

٣٣١
(٣٧) - بَابُ مَا لَقِيَ النَِّيُّ ◌َ﴿ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم (٤٦٤١)
و((إذا))، وقد جاءا في الجواب كثيراً، تقول: بَينا زيدٌ جالسٌ دخَل عليه عمرٌو،
وإذ دخَل عليه، وإذا دخل عليه، ومنه قول الحُرَقة بنت النُّعمان [من الطويل]:
فَبَيْنا نَسوسُ الناسَ والأَمرُ أَمْرُنا إذا نحنُ فيهِمْ سُوقةٌ نَتَنَصَّفُ (١).
وقوله: ((اللَّهُمَّ عَلَيْكَ الْمَلأَ)؛ أي: خذهم، وأهلكهم، قال الفيومي:
((الملأ)) - مهموزاً: أشراف القوم، سُمُّوا بذلك؛ لمَلَاءَتهم بما يُلتَمَس عندهم من
المعروف، وجَوْدة الرأي، أو لأنهم يملأون العيون أُبَّهَةً، والصدور هَيْبةً،
والجمع: أمْلاء، مثل سَبَب وأسْبَاب. انتهى.
وقوله: (أَبًا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ ... إلخ) بنصب ((أبا))، وما عُطف عليه على
البدليّة من ((الملأَ)).
وقوله: (وَأُمَّيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، أَوْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ))، شُعْبَةُ الشَّاُّ) تقدّم أن
الصحيح أنه أُميّة بن خلف، لا أخوه أُبيّ بن خلف؛ لأنه لم يُقتل مع هؤلاء
ببدر، وإنما قتله النبيّ وَ ﴿ه بأُحُد، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ أُمَيَّةَ، أَوْ أُبَيّاً) قد عرفت آنفاً أن الصحيح أنه أُميّة، لا
أُبيّ، فلا تنس. وقوله: (تَقَطَّعَتْ)، وفي بعض النسخ: ((انقطعت)).
وقوله: (أَوْصَالُهُ) بفتح الهمزة؛ أي: مفاصله، وقال المجد: الأوصالُ:
المفاصل، أو مُجتَمَعُ العظام، وجمعُ وُصل - بالكسر والضمّ - لكلّ عظم لا
يُكسر، ولا يختلط بغيره. انتهى(٢).
وقوله: (فَلَمْ يُلْقَ فِي الْبِثْرِ) هكذا هو في بعض النسخ: ((فلم يُلْقَ)) بالقاف
فقط، وفي أكثرها: ((فلم يُلْقَى)) بالألف؛ كقول الشاعر [من الطويل]:
وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أَسِيراً يَمَانِيَا
قيل: هو ضرورةٌ، وذكر في ((همع الهوامع)) أنه لغة، وخُرّج عليها قراءة
قُنُبُل: (إنه من يتّقي ويصبِرْ) بإثبات ياء ﴿يَنَّقِى﴾، مع جزم (يصبِرْ) (٣).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان المسائل المتعلّقة به
في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
(١) ((لسان العرب)) ٦٢/١٣.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص١٤٠٢.
(٣) راجع: ((حاشية الخضريّ على شرح ابن عَقِيل)) ٦٧/١.

٣٣٢
البحر المحيط النجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٤٢] (.) - (وَحَدَّثَنَا أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنِ،
أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَزَادَ: وَكَانَ يَسْتَحِبُّ ثَلَاثاً،
يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ)) ثَلَاثاً،
وَذَكَرَ فِيهِمُ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةً، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، وَلَمْ يَشُكَكَ، قَالَ أبو إِسْحَاقَ:
وَنَسِيتُ السَّابِعَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم قبل باب.
٢ - (جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) بن جعفر بن عمرو بن حُريث المخزوميّ، أبو عون
الكوفيّ، صدوقٌ [٩] (ت٦ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٥/٤٦.
٣ - (سُفْيَانُ) الثوريّ، تقدّم قريباً .
و((أبو إسحاق)) هو السبيعيّ، ذُكر قبله.
وقوله: (وَزَادَ) فاعل ((زاد)) ضمير سفيان الثوريّ.
وقوله: (وَكَانَ يَسْتَحِبُّ ثَلَاثاً) قال النوويّ كَُّهُ: هكذا هو في نسخ بلادنا
((يستحبّ)) بالموحّدة في آخره، وذكر القاضي عياض أنه رُوي بالموحّدة،
وبالمثلّثة، قال: وهو الأظهر، ومعناه الإلحاح. انتهى (١).
وقوله: (وَذَكَرَ فِيهِمُ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، وَلَمْ يَشَُكَ) فاعل
(ذَكَر)) أيضاً ضمير ((سفيان))، ثم إنّ ذِكْره الوليد بن عتبة، هو الصواب، كما
تقدّم؛ لأن في رواية زكريّا المتقدّمة ذِكْر الوليد بن عقبة، وقد سبق أنه غلط،
وكذا عدم شكه في أميّة بن خلف، هو الصواب، وقد سبق أن شعبة شكّ في
أميّة بن خلف، أو أبيّ بن خلف، وسبق أن الصواب أنه أميّة بن خلف، فتنبّه.
وقوله: (قَالَ أبو إِسْحَاقَ: وَنَسِيتُ السَّابِعَ) هو موصول بالإسناد المذكور،
قال في ((الفتح)): وكأن أبا إسحاق لَمّا حدّث سفيان الثوريّ بهذا الحديث كان
نسي السابع، وقد ثبت في رواية أن السابع هو عُمارة بن الوليد، أخرجه
(١) ((شرح النوويّ)) ١٥٤/١٢ - ١٥٥.

٣٣٣
(٣٧) - بَابُ مَا لَقِيَ النَّبِيُّ ◌َّهُ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم (٤٦٤٣)
البخاريّ في ((الصلاة)) من ((صحيحه))، من رواية إسرائيل بن يونس، عن أبي
إسحاق السبيعيّ، فتنبّه.
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن أبي إسحاق هذه ساقها البخاريّ ◌َُّهُ
في ((صحيحه)) بسند المصنّف، فقال:
(٢٩٣٤) - حدّثنا عبد الله بن أبي شيبة، حدّثنا جعفر بن عون، حدّثنا
سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله ظ ته قال: كان
النبيّ وَّه يصلي في ظلّ الكعبة، فقال أبو جهل، وناس من قريش، ونُحِرت
جَزُور بناحية مكة، فأرسلوا، فجاؤوا من سَلاها، وطرحوه عليه، فجاءت
فاطمة، فألقته عنه، فقال: ((اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم
عليك بقريش))، لأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة،
والوليد بن عتبة، وأَبَيّ بن خَلَف، وعقبة بن أبي معيط، قال عبد الله: فلقد
رأيتهم في قليب بدر قتلى.
قال أبو إسحاق: ونسيت السابع، وقال يوسف بن إسحاق، عن أبي
إسحاق: ((أمية بن خلف))، وقال شعبة: ((أمية، أو أُبَيّ))، والصحيح: ((أُمية)).
انتھی(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٤٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ،
حَدَّثْنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أبو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: اسْتَقْبَلَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ الْبَيْتَ، فَدَعَا عَلَى سِتَّةِ نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ أبو جَهْلِ، وَأُمَّيَّةُ بْنُ
خَلَفٍ، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَأُقْسِمُ بِاللهِ، لَقَدْ
رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى عَلَى بَدْرٍ، قَدْ غَيَّرَتْهُمُ الشَّمْسُ(٢)، وَكَانَ يَوْماً حَارّاً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) المِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من کبار
[١١] مات سنة بضع و(٢٤٠) (م٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦٠/٦.
(١) ((صحيح البخاريّ)) ١٠٧٢/٣.
(٢) وفي نسخة: ((وقد غيّرتهم)).

٣٣٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين، نُسب لجدّه، أبو
عليّ الْحَرّانيّ، صدوقٌ [٩] (ت٢١٠) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
٣ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُدَيج، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (عَلَى سِتَّةِ نَفَرٍ ... إلخ) تقدّم أنهم سبعة، وسادسهم: عمارة بن
الوليد، وسابعهم: أميّة بن خلف.
وقوله: (فَأَقْسِمُ بِاللهِ) إنما حلف ابن مسعود ظُه على ذلك للمبالغة في
تأکید خبره.
وقوله: (لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى)؛ كقتلى وزناً ومعنّى.
وقوله: (عَلَى بَدْرٍ) متعلّق بـ((رأيتهم))، أو ((على)) بمعنى ((في))؛ أي:
مرمیین في بئر بدر.
وقوله: (قَدْ غَيَّرَتْهُمُ الشَّمْسُ)، وفي بعض النسخ: ((وقد غيّرتهم الشمس))؛
أي: غيّرت ألوانهم إلى السواد، أو غيّرت أجسادهم بالانتفاخ، وقد بيّن سبب
ذلك بقوله: ((وكان يوماً حارّاً)).
وقوله: (وَكَانَ يَوْماً حَارّاً)؛ أي: كان اليومُ يوماً شديد الحرارة، و((الحَرُّ)
بالفتح: خلاف البرد، يقال: حَرّ اليومُ، والطعام يَحَرُّ، من باب تَعِبَ، وحَرَّ
حَرّاً، وحُرُوراً، من بابي ضَرَبَ، وقَعَدَ لغةٌ، والاسم: الحَرَارَةُ، فهو حَارٌّ،
وحَرَّتِ النارُ تَحَرُّ، من باب تَعِبَ: تَوَقَّدت، واسْتَعَرَتْ(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى قبل حديثين، ولله
الحمد والمنة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٤٤] (١٧٩٥) - (وَحَدَّثَنِي أبو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحِ،
وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ - وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ - قَالُوا: حَدَّثَّنَا
ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ
(١) ((المصباح المنير)) ١٢٩/١.

(٣٧) - بَابُ مَا لَقِيَ النَِّيُّ ◌َِّهِ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم (٤٦٤٤)
٣٣٥
عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِّ نَِّ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ نَّهِ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ أَتَّى
عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: ((لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا
لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ؛ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ
يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ، وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بِقَرْنٍ
الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّْنِي، فَتَظَرْتُ، فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ،
فَنَادَانِي، فَقَالَ: إِنَّ اللّهَ رَيْ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ
إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ؛ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، وَسَلَّمَ
عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ
بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ؛ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ؟ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ (١) عَلَيْهِمُ
الأَخْشَبَيْنِ))، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ
يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحِ) المصريّ، ثقة [١٠] (ت٢٥٠)
(م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/ ١٠.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى) التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ،
صدوقٌ [١١] (ت٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٣ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ (٢) الْعَامِرِيُّ) أبو محمد المصريّ، تقدّم قبل باب.
٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، تقدّم
أيضاً قبل باب.
٥ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةُ ثبتٌ، من
كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٦ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام الحجة المشهور، من رؤوس
[٤] (ت١٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨.
(١) ((وفي نسخة: ((أن أطبقتُ)).
(٢) بتشديد الواو.

٣٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
٧ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن الْعَوّامِ الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيهٌ [٣] (ت٩٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٠٧.
٨ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق ◌ًَّا (ت٥٧) (ع) تقدّمت في ((شرح المقدّمة))
جـ١ ص٣١٥.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف كَّلُهُ، وأن نصفه الأول مسلسل بالمصريين،
ويونس، وإن كان أيليّاً، إلا أنه نزل مصر، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية
تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة المجموعين في قول الحافظ
العراقيّ تَّثُ في ((ألفيّة الحديث)):
خَارِجَةُ الْقَاسِمُ ثُمَّ عُرْوَةٌ
وَفِي الْكِبَارِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ
سَعِيدُ وَالسَّابِعُ ذُو اشْتِبَاهِ
ثُمَّ سُلَيْمَانُ عُبَيْدُ اللهِ
أَوْ فَأَبُو بَكْرٍ خِلَافٌ قَائِمُ
إِمَّا أبو سَلَمَةٍ أَوْ سَالِمُ
وفيه عائشة ◌ّا من المكثرين السبعة المجموعين في قولي:
مِنَ الصَّحَابَةِ الأَكَارِمِ الْغُرَرْ
الْمُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الْخَبَرْ
فَأَنَسٌ فَزَوْجَةُ الْهَادِي الأَبَرِّ
أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ
وَبَعْدَهُ الْخُدْرِيُّ فَهْوَ الآخِرُ
ثُمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ يَلِیهِ جَابِرُ
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أنه قال: (حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ
الزُّبَيْرِ) بن العوّام (أَنَّ) خالته (عَائِشَةَ) عَّا (زَوْجَ النَّبِيِّ وَلِ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ
لِرَسُولِ اللهِ وَ﴿ِ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ أَتَّى)؛ أي: مضى، (عَلَيْكَ يَوْمُ كَانَ أَشَدَّ مِنْ
يَوْمِ أُحُدٍ؟)؛ تعني: يوم غزوة أحد التي كانت في سنة ثلاث من الهجرة؛ كأن
عائشة ◌ّا تظنّ أن ما لقيه النبيّ وَل﴿ يوم أُحد أشدّ ما لقيه. (فَقَالَ) وَ ((لَقَدْ
لَقِيتُ) بكسر القاف، (مِنْ قَوْمِك) - بكسر الكاف - خطاباً لعائشة رضيوثّا، والمراد
بقومها: كفّار قريش، ومفعول ((لقِيت)) محذوف: لقيتُ الأذى منهم، ولفظ
البخاريّ: ((لقد لقِيتُ من قومك ما لقيتُ))، (وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ)
ضُبط ((أشدّ)) في مطبوع البخاريّ على النسخة اليونينيّة بالرفع والنصب، كما أشار

٣٣٧
(٣٧) - بَابُ مَا لَقِيَ النَِّيُّ ◌َّهِ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم (٤٦٤٤)
إليه القسطلانيّ، واقتصر ابن الملك على النصب، على أنه خبر ((كان))، واسمها
ضمير عائد على مقدّر، وهو المفعول المحذوف، فيكون المعنى: كان ما لقيتُ
من قومك يوم العقبة أشدَّ ما لقيتُ منهم، و((يوم العقبة)) هو اليوم الذي وقف فيه
النبيّ وَّر عند العقبة التي بمنى، وهي التي تُنْسَب إليها جمرة العقبة، داعياً
الناس إلى الإسلام، فما أجابوه، بل آذوه، وذلك اليوم صار معروفاً .
وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: ((يوم العقبة)): هو اليوم الذي لَقِي فيه ابنَ عبد ياليل بن
عبد كُلال في آخرين، فكَذَّبوه، وسبُّوه، واستهزؤوا به، فرجع عنهم، فلقيه
سُفهاء قريش، فرَمَوه بالحجارة، حتى أدموا رجليه، وآذوه أذّى كثيراً. انتهى(١).
(إِذْ) ظرف لـ(لقِيتُ))، (عَرَضْتُ نَفْسِي)؛ أي: حين عَرَضت نفسي،
و ((عَرَضتُ)) بفتح الراء، مبنيّاً للفاعل، يقال: عَرَضتُ المتاع للبيع، من باب
ضرب: إذا أظهرته لذوي الرغبة؛ ليشتروه(٢)، والمعنى هنا: أنه وَّ أظهر نفسه
لهم؛ ليقبلوا دعوته. (عَلَى ابْنِ عَبْدٍ يَالِيلَ) متعلّق بـ((عَرَضتُ))، و((ياليل))
- بتحتانية، وبعد الألف لام مكسورة، ثم تحتانية ساكنة، ثم لام ــ (ابْنِ
عَبْدِ كُلَالٍ) - بضم الكاف، وتخفيف اللام، وآخره لام - واسمه كِنَانة، والذي
في ((المغازي)) أن الذي كلّمه هو عبد ياليل نفسه، وعند أهل النسب أن عبد كلال
أخوه، لا أبوه، وأنه عبد ياليل بن عمرو بن عُمير بن عوف، ويقال: اسم ابن
عبد ياليل: مسعود، وله أخ أعمى، له ذِكْر في ((السيرة)) في قذف النجوم عند
المبعث النبويّ، وكان ابن عبد ياليل من أكابر أهل الطائف، من ثقيف.
وقد روى عبد بن حميد في ((تفسيره)) من طريق ابن أبي نَجِيح، عن
مجاهد في قوله تعالى: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، قال: نزلت
في عُتبة بن ربيعة، وابن عبد ياليل الثقفيّ، ومن طريق قتادة قال: هما الوليد بن
المغيرة، وعروة بن مسعود، ورواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن مجاهد،
وقال فيه: يعني: كنانة.
وروى الطبريّ من طريق السُّدّيّ قال: هما الوليد بن المغيرة، وكنانة بن
عبد بن عَمرو بن عُمير عظيم أهل الطائف.
(١) ((المفهم)) ٦٥٤/٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٠٣/٢.

٣٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وقد ذكر موسى بن عقبة، وابن إسحاق أن كنانة بن عبد ياليل وَفَدَ مع
وفد الطائف سنة عشر، فأسلموا.
وذكره ابن عبد البرّ في الصحابة لذلك، لكن ذكر المدينيّ أن الوفد
أسلموا إلا كنانة، فخرج إلى الروم، ومات بها بعد ذلك، والله أعلم.
وذكر موسى بن عقبة في (المغازي))، عن ابن شهاب أنه ◌ّ لما مات أبو
طالب، توجه إلى الطائف؛ رَجَاءَ أن يُؤووه، فعمد إلى ثلاثة نفر، من ثقيف،
وهم سادتهم، وهم إخوةٌ: عبد ياليل، وحبيب، ومسعود، بنو عمرو، فعَرَض
عليهم نفسه، وشَكَى إليهم ما انتَهَك منه قومه، فرَدُّوا عليه أقبح ردّ، وكذا ذكره
ابن إسحاق بغير إسناد مُطَوَّلاً، وذكر ابن سعد أن ذلك كان في شوال سنة عشر
من المبعث، وأنه كان بعد موت أبي طالب وخديجة.
(فَلَمْ يُجِبْنِي) بضمّ أوله، من الإجابة، يقال: أجابه إجابةً، وأجاب قوله،
واستجاب له: إذا دعاه إلى شيء، فأطاع(١)، والمعنى: أن ابن عبد ياليل لم
يُطِعني (إِلَى) تحقيق (مَا أَرَدْتُ) بحذف العائد؛ أي: طلبته منه. (فَانْطَلَقْتُ)؛
أي: ذهبت من عنده (وَأَنَا مَهْمُومٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من
الفاعل، (عَلَى وَجْهِي) متعلّق بـ«انطلقتُ))؛ أي: ذهبت هائماً على الجهة
المواجهة لي، لا أدري أين أتوجّه، من شدّة ما استتبعه عدم إجابته، من أقبح
الردود من غيره إلى أن اجترؤوا على الرضخ بالحجارة، (فَلَمْ أَسْتَفِقْ)؛ أي: لم
أرجع مما أنا فيه من الهمّ، والغمّ. والإفاقة، والاستفاقة: رجوع الفهم إلى
الإنسان بعدما شُغل عنه، وقال المجد تَّلهُ: أفاق من مرضه: رجعت الصحّة
إليه، أو رجع إلى الصحّة، كاستفاق. انتهى(٢).
وقال النوويّ: ((لم أستفق))؛ أي: لم أُوَطِّن لنفسي، وأتنبّه لحالي،
وللموضع الذي أنا ذاهب إليه، وفيه، إلا وأنا عند قرن الثعالب؛ لكثرة همّي
الذي كنت فيه(٣) .
وقال الأبيّ: ((لم أستفق))؛ أي: لم أنتبه، وقال السنوسيّ: لم أفطن
(١) ((المصباح المنير)) ١١٣/١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٥٥/١٢.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص١٠١٨.

(٣٧) - بَابُ مَا لَقِيَ النَِّيُّ ◌َهُ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم (٤٦٤٤)
٣٣٩
لنفسي. انتهى (١).
وحاصل المعنى: أنه ﴿ لم يرجع إليه ما غاب من حسّه بسبب تحيّره،
واغتمامه بردّ هذا الرجل عَرْض نفسه عليه إلا وهو بالمكان المسمّى بقرن
الثعالب.
(الَّ بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ)؛ أي: إلا بالمكان المسمّى به، وهو بفتح القاف،
وسكون الراء، و((الثعالب)): جمع الثعلب الحيوان المشهور، وهو موضع بقرب
مكة.
وقال النوويّ: هو ميقات أهل نجد، ويقال له: قرن المنازل - بفتح
الميم - ويقال: هو على مرحلتين من مكة، وأصل القرن: كلُّ جبل صغير
منقطع من جبل كبير.
وقال القاضي عياض: يقال فيه: قرنٌ غير مضاف، على يوم وليلة من
مكة، قال: ورواه بعضهم بفتح الراء، وهو غلط.
وقال القابسيّ: مَن سَكَّن الراءَ أراد الجبل الْمُشرِف على الموضع، ومن
فتحها أراد الطريق الذي يتفرق منه، فإنه موضع فيه طُرُق متفرقة. انتهى (٢).
وفي ((أخبار مكة)) للفاكهيّ: أن قرن الثعالب جبل مشرف على أسفل
منى، بينه وبين مسجد منى ألف وخمسمائة ذراع، وقيل له: قرن الثعالب؛
لكثرة ما كان يأوي إليه من الثعالب.
وأفاد ابن سعد أن مدة إقامته وي ليه بالطائف كانت عشرة أيام(٣).
(فَرَفَعْتُ رَأْسِي) إلى السماء (فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ) ((إذا)) هي الفجائيّة؛ أي:
ففاجأني وجود سحابة، وقوله: (قَدْ أَظَلَّتْنِي) جملة في محلّ جرّ صفة
الـ(سحابة))، (فَظَرْتُ) إلى تلك السحابة (فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ) عَلََّ (فَنَادَانِي، فَقَالَ:
إِنَّ اللهَ رَتْ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ) فيه إثبات صفة السمع الله رَك، وقد أورد
الحديث البخاريّ تَّثُ في ((كتاب التوحيد)) من ((صحيحه)) استدلالاً على إثبات
هذه الصفة. (وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ)؛ أي: أجابوك به، ويَحْتَمِل أن يكون أراد:
(١) ((شرح الأتّي)) ١٣٥/٥.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٤٢/١٥.
(٣) راجع: ((الفتح)) ٧/ ٥٣٠، كتاب ((بدء الخلق)) رقم (٣٢٢٤).

٣٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
ردّهم ما دعاهم إليه من التوحيد بعدم قبولهم له(١). (وَقَدْ بَعَثَ) بالبناء للفاعل؛
أي: أرسل الله تعالى (إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ)؛ أي: الملك الموكّل بالتصرّف في
الجبال، (لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ)؛ أي: من إهلاكهم بإطباقها عليهم. (قَالَ) وَلـ
(فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ
قَوْمِكَ لَكَ)؛ أي: قول قريش لك، حيث ردّت الدعوى، وآذت رسول الله وَ لآه،
ومنعت أن يؤدّي رسالة ربّه ◌ُ﴿، ولذا توجّه إلى الطائف؛ ليبحث عمن يؤويه،
وينصره حتى يؤدّي الرسالة، ويواصل الدعوة، غير أن أهل الطائف أيضاً لم
يُحسنوا، بل أساءوا، فردّوا عليه، فرجع مهموماً أشدّ الهمّ، حتى نسي المكان
الذي هو فيه، فما أفاق إلا وهو بقرن الثعالب. (وَأَنَا مَلَُّكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي
رَبُّكَ إِلَيْكَ؛ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرَِكَ، فَمَا شِئْتَ؟) ((ما)) استفهامية مفعول مقدّم لـ((شئت))؛
أي: أي شيء شئتَ؟، حتى أفعَلَهُ، ويَحْتَمِل أن تكون موصولة مبتدأ، والخبر
محذوف؛ أي: فالذي شئته فعلته.
وفي رواية البخاريّ: ((فقال: ذلك فيما شئت إن شئت)). قال في
(الفتح)): كذا لأبي ذرّ، عن شيخيه، وله عن الكشميهنيّ مثله، إلا أنه قال:
((فما شئت))، وقد رواه الطبرانيّ عن مِقْدام بن داود، عن عبد الله بن يوسف،
شيخ البخاريّ: ((فقال: يا محمد، إن الله بعثني إليك، وأنا ملك الجبال؛
لتأمرني بأمرك فيما شئت، إن شئت)).
وقوله: ((ذلك)) مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره: كما عَلِمتَ، أو كما قال
جبريل، وقوله: ((ما شئت؟)) استفهام، وجزاء الشرط مقدر؛ أي: إن شئت
فعلتُ(٢).
(انْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ) بضمّ حرف المضارعة، من الإطباق؛ أي: أجعلهما
عليهم كالطَّبَقِ، وجواب ((إن)) محذوف؛ أي: فعلتُ، والمعنى: إن شئت أن
أضُمّ الجبلين، وأجعلهما كالطبَق عليهم حتى يهلكوا فعلتُ، ووقع في بعض
النسخ: ((أن أَطْبقتُ)) بصيغة الماضي، والأولى أوضح. (عَلَيْهِمُ الأَخْشَيْنِ) - بفتح
(١) ((الفتح)) بتصرّف يسير ٣٣٠/١٧، كتاب ((التوحيد)) رقم (٧٣٨٩).
(٢) ((الفتح)) ٥٣٠/٧، كتاب ((بدء الخلق)) رقم (٣٢٢٤).