النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
(٣٥) - بَابُ غَزْوَةِ أُحُدٍ - حديث رقم (٤٦٣٦)
قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ﴾؛ أي: ليس لك من الحكم شيء في عبادي،
إلا ما أمرتك به فيهم، ثم ذكر بقية الأقسام، فقال: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل
عمران: ١٢٨]؛ أي: مما هم فيه من الكفر، فيهديهم بعد الضلالة، ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾
[آل عمران: ١٢٨]؛ أي: في الدنيا والآخرة على كفرهم، وذنوبهم، ولهذا قال:
﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]؛ أي: يستحقون ذلك. انتهى (١).
وقال إمام المفسّرين ابن جرير الطبريّ كَُّ في تأويل هذه الآية: ليس إليك
يا محمد مِن أمر خَلْقي إلا أن تُنَفِّذ فيهم أمري، وتنتهي فيهم إلى طاعتي، وإنما
أمرهم إليّ، والقضاء فيهم بيدي، دون غيري، أقضي فيهم، وأحكم بالذي أشاء،
من التوبة على من كفر بي، وعصاني، وخالف أمري، أو العذاب، إما في عاجل
الدنيا، بالقتل، والنِّقَم الْمُبِيرة، وإما في آجل الآخرة، بما أعددت لأهل الكفر بي.
ثم أخرج بسنده عن ابن إسحاق قال: ثم قال لمحمد وَّةٍ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ
أَوْ يَتُوبَ عَلَهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ (٣)﴾؛ أي: ليس لك من الْحُكْم في شيء في
عبادي، إلا ما أمرتك به فيهم، أو أتوبَ عليهم برحمتي، فإن شئت فعلت، أو
أعذبهم بذنوبهم، فإنهم ظالمون؛ أي: قد استحقّوا ذلك بمعصيتهم إياي.
وذكر أن الله مت إنما أنزل هذه الآية على نبيّه محمد وَلّ؛ لأنه لما
أصابه بأُحد ما أصابه من المشركين قال كالآيس لهم من الهدى، أو من الإنابة
إلى الحقّ: ((كيف يُفلح قوم فعلوا هذا بنبيّهم)).
قال: قال الربيع بن أنس: أُنزلت هذه الآية على رسول الله وَل 9 يوم
أُحد، وقد شُجّ رسول الله وَله في وجهه، وأصيبت رباعيته، فَهَمّ رسول الله وَّ
أن يدعو عليهم، فقال: ((كيف يفلح قوم أَدْمَوا وجه نبيّهم، وهو يدعوهم
إلى الله، وهم يدعونه إلى الشيطان، ويدعوهم إلى الهدى، ويدعونه إلى
الضلالة، ويدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار، فَهَمّ أن يدعو عليهم،
فأنزل الله رَّ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيَّهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ
، فكَفّ رسول الله وَير عن الدعاء عليهم. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم
٢٨
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((تفسير ابن كثير)) ٤٠٣/١.
(٢) ((تفسير الطبريّ)) ٨٦/٤ - ٨٧.

٣٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ظُه هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ، وعلّقه
البخاريّ في ((المغازي)).
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٣٦/٣٥] (١٧٩١)، و(الترمذيّ) في ((التفسير))
(٣٠٠٢ و٣٠٠٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣١٤/٩)، و(ابن ماجه) في
((الفِتَن)) (٤٠٢٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٣٣/٧)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٩٩/٣ و١٧٨ و٢٠١ و٢٠٦ و٢٥٣ و٢٨٨)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٦٥٧٤ و٦٥٧٥)، و(الطبريّ) في ((التفسير)) (٧٨٠٥ و٧٨٠٦
و٧٨٠٧)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٣٢٧/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٦/
٥٥ و٣٩١)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (٣٦٢/١)، و(الطحاويّ) في ((شرح
معاني الآثار)) (٥٠٢/١)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٧٤٨)، و(البيهقيّ) في
((دلائل النبوّة)) (٢٦٢/٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما أصاب النبيّ وَل من أذى المشركين في الجهاد في
سبيل الله تعالى.
٢ - (ومنها): بيان سبب نزول آية ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ﴾، وقد ورد لها
سبب آخر، وهو فيما أخرجه البخاريّ من حديث ابن عمر ﴿ًا أنه سمع
النبيّ ◌َ﴿ إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر يقول: ((اللهم
الْعَنْ فلاناً وفلاناً))، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ
ظَلِمُونَ﴾.
قال في ((الفتح)): وطريق الجمع بينهما أنه رَ طير دعا على المذكورين بعد
ذلك في صلاته، فنزلت الآية في الأمرين معاً فيما وقع له من الأمر المذكور،
وفيما نشأ عنه من الدعاء عليهم، وذلك كله في أَحُد، بخلاف قصّة رِعْل
وذكوان، فإنها أجنبية(١).
(١) أشار به إلى ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة
قال: كان رسول الله عليه يقول =

٣٠٣
(٣٥) - بَابُ غَزْوَةٍ أُحُدٍ - حديث رقم (٤٦٣٧)
قال: ويَحْتَمِل أن يقال: إن قصّتهم كانت عقب ذلك، وتأخر نزول الآية
عن سببها قليلاً، ثم نزلت في جميع ذلك، والله أعلم. انتهى(١).
٣ - (ومنها): أن الأمر كلّه لله ◌َلَ يفعل ما يشاء، وليس للعبد إلا القيام
بما أُمر به، لا المنازعة في حكم الله رَك.
٤ - (ومنها): أنه قد تبيّن، واتّضح بعدُ حكمةُ نهي الله تعالى نبيّه وَل ◌ِ عن
أن يدعو على هؤلاء المشركين الذين ألحقوا به الضرر، وذلك أن كثيراً منهم
أسلم، وكان قائد جيش الإسلام، بعد أن كان في تلك المعركة قائد جيش
الكفر والطغيان، وفتح الله على يديه في معارك كثيرة، كخالد بن الوليد الذي
كان سبب انهزام المسلمين في أحد، حيث دخل من وراء الجيش من محلّ
الرماة، فوقع ما وقع من الابتلاء والامتحان، ثم هداه الله تعالى للإسلام،
ففتح الله على يديه كثيراً من البلدان، فقد فتح الله له في غزوة مؤتة، وغيرها،
وكذلك أبو سفيان، ورئيس المشركين في معركة أحد، وولده معاوية، وغيرهم،
من رؤساء قريس، فقد هداهم الله تعالى، وأبلوا في الإسلام بلاء عظيماً، ﴿اللَّهِ
اُلْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ﴾ [الروم: ٤]، فلك الحمد لا إله إلا أنت سبحانك، لا
نُحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيث على نفسك، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٣٧] (١٧٩٢) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ،
حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلـ
حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة، ويكبّر، ويرفع رأسه: ((سمع الله لمن
=
حمده، ربنا ولك الحمد))، ثم يقول، وهو قائم: ((اللهم أنج الوليد بن الوليد،
وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد
وطأتك على مُضَر، واجعلها عليهم كَسِنِي يوسف، اللهم العن لِحيان، ورِعْلاً،
وذكوان، وعُصيّة عصت الله ورسوله))، ثم بلغنا أنه ترك ذلك لمّا أنزل: ﴿لَيْسَ لَكَ
مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيَّهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (٣)﴾ [آل عمران: ١٢٨].
(١) ((الفتح)) ١١/١٠ - ١٢، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٥٥٩).

٣٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
يَحْكِي نَبِيّأْ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ(١):
(رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي، فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم أيضاً قبل بابين.
٣ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم أيضاً قبل بابين.
٤ - (شَقِيقُ) بن سلمة، أبو وائل، تقدّم أيضاً قبل بابين.
٥ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود ◌ُه، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَقْذَثُ، وأنه مسلسل بالكوفيين، من أوله إلى
آخره، وأن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه عبد الله بن مسعود من مشاهير
الصحابة ﴿، ومن أفقههم، وأقرئهم لكتاب الله ثَلاً.
شرح الحديث:
(عَنْ شَقِيقٍ) هو ابن سلمة المعروف بأبي وائل، (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن
مسعود نظره، أنه (قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ الهِ بِهِ يَحْكِي نَبِيّاً مِنَ الأَنْبِيَاءِ)
قال الحافظ تَّتُهُ: لم أقف على اسم هذا النبيّ صريحاً، ويَحْتَمِل أن يكون هو
نوح ظلّلا، فقد ذكر ابن إسحاق في ((المبتدأ))، وأخرجه ابن أبي حاتم في
((تفسير الشعراء)) من طريق ابن إسحاق، قال: حدّثني من لا أَتَّهِم، عن عُبيد بن
عُمير الليثيّ، أنه بلغه أن قوم نوح، كانوا يبطشون به، فيخنُقُونه، حتى يُغْشَى
عليه، فإذا أفاق قال: ((اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون))(٢).
(١) وفي نسخة: ((وهو يقول)).
(٢) وذكر في ((الفتح)) في، كتاب ((استتابة المرتدّين)) ١٦٣/١٦ عند شرح حديث ابن
مسعود به المذكور هنا ما حاصله: أخرج ابن عساكر في ترجمة نوح عظللا من
(تاريخ دمشق)) من رواية يعقوب بن عبد الله الأشعريّ، عن الأعمش، عن مجاهد،
عن عُبيد بن عُمير قال: إِنْ كان نوعٌ لَيَضربه قومه، حتى يُغْمَى عليه، ثم يُفيق، =

٣٠٥
(٣٥) - بَابُ غَزْوَةٍ أُحُدٍ - حديث رقم (٤٦٣٧)
قال الحافظ: وإن صحّ ذلك، فكأن ذلك كان في ابتداء الأمر، ثم لما
يئس منهم قال: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِنَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، وقد ذكر
مسلم بعد تخريج هذا الحديث حديث: أنه و ل﴿ قال في قصة أُحُد: ((كيف يُفلح
قومٌ دَمَّوا وجه نبيّهم؟))، فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ اٌلْأَمْرِ شَىْءٌ﴾)).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((وقد ذكر مسلم بعد تخريج هذا الحديث))
فيه نظر، فإن الحديث عند مسلم قبله، لا بعده، إلا أن يكون قد وقعت له
نسخة على ما ذكره، فتنبّه.
قال: ومن ثَمّ قال القرطبيّ: إن النبيّ وَّ هو الحاكي والمحكيّ(١)، وأما
النوويّ: فقال: هذا النبيّ الذي جرى له ما حكاه النبيّ وَطّر من المتقدمين، وقد
جرى لنبيّنا وَل﴿ نحو ذلك يوم أحد (٢). انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله النوويّ تَُّ هو الأظهر عندي، وعليه
يدلّ صنيع الإمام البخاريّ، حيث أورد الحديث خلال أحاديث الأنبياء،
فالأحاديث التي قبله، والتي بعده كلّها في الأنبياء الأنبياء السابقين، وأممهم،
فتأمل، والله تعالى أعلم.
(ضَرَبَهُ قَوْمُهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ) قال في ((الفتح)): يَحْتَمِل أنّ
ذلك لمّا وقع للنبيّ وَّهَ ذَكَر لأصحابه أنه وقع لنبيّ آخر قبله، وذلك فيما وقع
له يوم أُحد لَمّا شج وجهه، وجرى الدم منه، فاستَحْضَر في تلك الحالة قصّة
ذلك النبيّ الذي كان قبله، فذكر قصّته لأصحابه ؛ تطبيباً لقلوبهم.
وأغرب القرطبيّ، فقال: إن النبيّ ◌َل ◌ّ هو الحاكي، وهو المحكي عنه،
قال: وكأنه أُوحى إليه بذلك قبل وقوع القصّة، ولم يُسَمَّ ذلك النبيّ، فلمّا وقع
له ذلك تَعَيَّن أنه هو المعنيّ بذلك.
= فيقول: اهد قومي، فإنهم لا يعلمون. وبه عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله،
فذکر نحو حديث الباب. انتهى.
(١) ((المفهم)) ٦٥١/٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٥٠/١٢.
(٣) ((الفتح)) ١٣٤/٨ - ١٣٥، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٧٧).

٣٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
قال الحافظ: ويَعْكُر عليه أن الترجمة لبني إسرائيل، فيتعيّن الحمل على
بعض أنبيائهم.
وفي ((صحيح ابن حبان)) من حديث سهل بن سعد حظًّا أن النبيّ وَّ قال:
((اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون))، قال ابن حبان: معنى هذا الدعاء الذي
قال يوم أُحد لَمّا شُجّ وجهه؛ أي: اغفر لهم ذنبهم في شَجّ وجهي، لا أنه أراد
الدعاء لهم بالمغفرة مطلقاً؛ إذ لو كان كذلك لأجيب، ولو أجيب لأسلموا
کلُّهم.
قال الحافظ: كذا قال، وكأنه بناه على أنه لا يجوز أن يتخلف بعض
دعائه على بعض، أو عن بعض، وفيه نظرٌ؛ لثبوت: ((أعطاني اثنتين، ومنعني
واحدة»(١).
قال: ثم وجدت في ((مسند أحمد)) من طريق عاصم، عن أبي وائل ما
يمنع تأويل القرطبيّ، ويُعَيِّن الغزوة التي قال فيها رسول الله وَّ ذلك، ولفظه:
((قسم رسول وَّر غنائم حُنين بالجعرانة، قال: فازدحموا عليه، فقال: إن عبداً
من عباد الله بعثه الله إلى قومه، فكذّبوه، وشَجُّوه، فجعل يمسح الدم عن
جبينه، ويقول: رب اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون، قال عبد الله: فكأني أنظر
إلى رسول الله وَلقر يمسح جبهته، يحكي الرجل)).
قال الحافظ: ولا يلزم من هذا الذي قاله عبد الله أن يكون النبيّ وله
مسح أيضاً، بل الظاهر أنه حَكَى صفة مسح جبهته خاصّة، كما مسحها ذلك
النبيّ، وظهر بذلك فساد ما زعمه القرطبيّ. انتهى ما قاله الحافظ ◌َُّ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره الحافظ تَّتُهُ في معنى حديث
عبد الله بن مسعود نظبه تحقيق نفيسٌ جدّاً.
(١) هو ما أخرجه الطبرانيّ، عن عليّ ◌ُه مرفوعاً: ((سألت ربي ثلاث خصال، أعطاني
اثنتين، ومنعني واحدة، قلت: يا رب لا تهلك أمتي جوعاً، قال: هذه لك، قلت:
يا رب لا تسلط عليهم عدوّاً من غيرهم - يعني: أهل الشرك ـ فيجتاحهم، قال:
هذه لك، قلت: يا رب لا تجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها)). انتهى.
(٢) ((الفتح)) ١٣٥/٨، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٧٧).

٣٠٧
(٣٥) - بَابُ غَزْوَةٍ أُحُدٍ - حديث رقم (٤٦٣٨)
والحاصل أن المحكيّ عنه غير النبيّ رَّ من الأنبياء السابقين، لا هو،
كما تبيّن ذلك من رواية أحمد المذكورة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(وَيَقُولُ(١): (رَبِّ) بحذف حرف النداء؛ أي: يا ربّ، قال الحريريّ تَخْذُّ
في «ملحته)):
وَحَذْفُ (يَا)) يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ كَقَوْلِهِمْ ((ربِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي))
(اغْفِرْ لِقَوْمِي، فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)))؛ أي: لأنهم لا يعلمون حقّيّة ما
أدعوهم إليه، وإلا لَمَا تمرّدوا، بل استجابوا، أو إنهم لا يعلمون ما يأتي من
العذاب في الدنيا والآخرة بتمرّدهم، وعنادهم.
قال النوويّ نَّلُهُ: فيه ما كان عليه الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم -
من الحلم، والتصبر، والعفو، والشفقة على قومهم، ودعائهم لهم بالهداية،
والغفران، وعذرهم في جنايتهم على أنفسهم بأنهم لا يعلمون. انتهى(٢).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود وته هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٣٧/٣٥ و٤٦٣٨] (١٧٩٢)، و(البخاريّ) في
(الأنبياء)) (٣٤٧٧) و((استتابة المرتدّين)) (٦٩٢٩)، و(ابن ماجه) في ((الْفِتَن))
(٤٠٢٥)، و(أحمد) في (مسنده)) (٤٢٧/١ و٤٥٣ و٤٥٦ - ٤٥٧)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٦٥٧٦)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٩٩٢ و٥٠٧٢ و ٥٢٠٥ و٥٢١٦)،
و(الطبريّ) في «تفسيره)) (١٠٢/٢٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٢٩/٤)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٧٤٩)، وفوائده تقدّمت قبله، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كََّتُهُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٣٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ
بِشْرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَهُوَ يَنْضِحُ(٣) الدَّمَ عَنْ جَبِينِ).
(١) وفي نسخة: ((وهو يقول)).
(٣) وفي نسخة: ((وهو ينضح)).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٥٠/١٢.

٣٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ) العَبْديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت
٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٧.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية وكيع، عن الأعمش، ساقها الإمام أحمد تَخَّتُهُ في ((مسنده))
مقروناً بأبي معاوية، فقال:
(٤١٠٧) - حدّثنا عبد الله (١)، حدّثني أبي، ثنا وكيع، وأبو معاوية، قالا:
ثنا الأعمش، عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: كأني أنظر إلى رسول الله وَل،
وهو يحكي نبيّاً من الأنبياء، ضربه قومه، فهو ينضح الدم، قال أبو معاوية:
يمسح الدم عن جبينه، ويقول: ((رب اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون)). انتهى(٢).
ورواية محمد بن بشر، عن الأعمش، ساقها أبو عوانة تَّهُ في ((مسنده))،
مقروناً بأبي معاوية أيضاً، فقال:
(٦٨٦٩) - حدّثنا عليّ بن حرب، قال: ثنا محمد بن بِشْر، وأبو معاوية،
قالا: ثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله، قال: كأني أنظر إلى رسول الله وَلهم
يَحكي نبيّاً ضربه قومه، يمسح الدم عن وجهه، ويقول: ((رب اغفر لقومي،
فإنهم لا يعلمون)). انتهى(٣).
(٣٦) - (بَابُ اشْتِدَادِ غَضَبِ اللهِ تَعَالَى عَلَى مَنْ قَتَلَهُ
رَسُولُ اللهِ وَلِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٣٩] (١٧٩٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أبوِّ هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِصَلِّ،
(١) هو عبد الله بن أحمد، ولد الإمام وراوي ((المسند)) عنه.
(٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١/ ٤٣٢.
(٣) ((مسند أبي عوانة)) ٣٢٩/٤.

٣٠٩
(٣٦) - بَابُ اشْتِدَادِ غَضَبِ اللهِ تَعَالَى عَلَى مَنْ قَتَلَهُ رَسُولُ اللهِ لّـ حديث رقم (٤٦٣٩)
فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ فَعَلُوا هَذَا
بِرَسُولِ اللهِ وٍَّ(١))، وَهُوَ حِينَئِذٍ يُشِيرُ إِلَى رَبَاعِيَتِهِ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((اشْتَدَّ
غَضَبُ اللهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللهِ فِي سَبِيلِ اللّهِ رَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل الأبناويّ، أبو عقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤]
(ت١٣٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَظُه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وأنه مسلسل باليمنيين، غير شيخه،
وقد دخل اليمن، وفيه أبو هريرة ظبه، أحفظ من روى الحديث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبٍِّ) أنه (قَالَ: هَذَا)؛ أي: الحديث الآتي، فاسم الإشارة
مبتدأ، وقوله: (مَا) اسم موصول خبر عن ((هذا))، (حَدَّثَنَا أبو هُرَيْرَةَ) ◌َُّبُهُ (عَنْ
رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَذَكَرَ) همّام (أَحَادِيثَ)، وقد تقدّم أن المراد بهذا هي
الأحاديث المذكورة في ((صحيفة همّام بن منبه))، وهي (١٣٨) حديثاً، وهذا
الحديث هو الحديث المائة منها، وقوله: (مِنْهَا) جارّ ومجرور خبر مقدّم،
وقوله: (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ ﴿) مبتدأ مؤخّر، محكيّ؛ لِقَصْد لفظه، («اشْتَدَّ
غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْم فَعَلُوا هَذَا)؛ أي: كَسْر رباعيتهِ وَِّ، كما فسّره بَعْدُ،
وسقط من بعض النَّسخ لفظ: ((هذا))، ولا بدّ من تقديره، والله تعالى أعلم
(١) في بعض النسخ: ((فعلوا برسول الله وَّيه))، كلمة ((هذا)) ساقطة، فيقدّر المفعول؛
أي: فعلوا هذا الفعل.

٣١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
(بِرَسُولِ اللهِ بَيَ(١))))، وفي حديث ابن عبّاس ظ﴿ه: ((اشتدّ غضب الله على قوم
دَمَّوْا وجهَ نبيّ الله ◌ِّ)، رواه البخاريّ، (وَهُوَ) وَّرِ (حِينَئِذٍ)؛ أي: حين قال
هذا الكلام، (يُشِيرُ) بقوله: ((هذا)) (إِلَى رَبَاعِيَتِهِ)؛ أي: إلى كسر رباعيته وَّل،
وهو بفتح الراء، وتخفيف الموحّدة: السنّ التي بين الثنيّة والناب.
وقال القرطبيّ ◌َّلهُ: قوله: ((اشتد غضب الله على قوم كسروا رباعية
نبيّهم)): يعني بذلك المباشِرَ لكسرها، ولشجّه، وهو: عمرو بن قَمِئة، فإنه لم
يُسلم، ومات كافراً، فهذا عموم، والمراد به الخصوص، وإلا فقد أسلم
جماعة ممن شَهِدَ أُحُداً كافراً، ثم أسلموا، وحَسُن إسلامهم. انتهى(٢).
(وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى رَجُلِ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللهِ) زاد
سعيد بن منصور من مرسل عكرمة: ((يقتله رسول الله بيده))، ولابن عائذ من
طريق الأوزاعيّ: ((بلغنا أنه لمّا جُرح رسول الله وَليل يوم أُحد أخذ شيئاً، فجعل
يُنَشِّف به دمه، وقال: لو وقع منه شيء على الأرض، لنزل عليكم العذاب من
السماء، ثم قال: اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون))(٣).
وقال القرطبيّ كَّلُ: قوله: (اشتد غضب الله على رجل قتله رسول الله (وَ لات))
هذا خصوص، والمراد به العموم في كل كافر قتله نبيّ من الأنبياء على الكفر،
فيستوي في هذا الأنبياء كلهم، وقد جاء هذا نصّاً فيما ذكره البزار، عن ابن
مسعود ظه، مرفوعاً: ((أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة مَن قتل نبيّاً، أو قتله
نبيّ، أو إمام ضلالة))(٤).
[تنبيه]: الذي قتله النبيّ وَلهو بيده هو أبيّ بن خلف، الجمحيّ، ولم يقتل
(١) في بعض النسخ: ((فعلوا برسول الله وَ ل*))، كلمة ((هذا)) ساقطة، فيقدّر المفعول؛
أي: فعلوا هذا الفعل.
(٢) ((المفهم)) ٦٥١/٣.
(٣) ((الفتح)) ١٥١/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٧٣).
(٤) نقل المناوي في ((فيض القدير)) ٥١٧/١: وروى أحمد، والبزار من حديث ابن
مسعود موقوفاً: ((أشد الناس عذاباً يوم القيامة من قتل نبياً، أو قتله نبيّ، وإمام
جائر))، قال زين الدين الحفاظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)): إسناده صحيح.
وقد حسّنه الشيخ الألباني في ((صحيح الترغيب والترهيب)).

٣١١
(٣٦) - بَابُ اشْتِدَادِ غَضَبِ اللهِ تَعَالَى عَلَى مَنْ قَتَلَهُ رَسُولُ اللهِوَلاءِ - حديث رقم (٤٦٣٩)
بيده غيره، وقد ذكر ابن هشام نَّثُ في ((السيرة)) قصّة قتله، فقال: فلما أُسند
رسول الله وَّ في الشّعب أدركه أُبَيَ بن خَلَف، وهو يقول: أي محمدُ لا
نجوتُ إن نجوتَ، فقال القوم: يا رسول الله أيَعْطِف عليه رجل منا؟ فقال
رسول الله وَّل: (دعوه))، فلما دنا، تناول رسول الله هلهو الحربة من الحارث بن
الصِّمّة، يقول بعض القوم فيما ذُكِر لي: فلما أخذها رسول الله وَ ﴿ منه انتفض
بها انتفاضة، تطايرنا عنه تطاير الشعراء عن ظهر البعير، إذا انتفض بها - قال
ابن هشام: الشعراء: ذباب له لَدْغٌ - ثم استقبله، فطعنه في عنقه طعنةً تدأدا
منها عن فرسه مراراً - قال ابن هشام: تدأدأ: يقول: تَقَلّب عن فرسه - فجعل
يتدحرج، قال ابن إسحاق: وكان أُبَيّ بن خلف، كما حدّثني صالح بن
إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، يلقى رسول الله وسلم بمكة، فيقول: يا محمد
إن عندي الْعَوْذَ فرساً أعلفه كلَّ يومٍ فَرَقاً من ذُرَةٍ، أقتلك عليه، فيقول
رسول الله وَج: ((بل أنا أقتلك إن شاء الله))، فلما رجع إلى قريش، وقد خَدَشه
في عنقه خَدْشاً غير كبير، فاحتقن الدم، قال: قتلني والله محمد، قالوا له:
ذهب والله فؤادك، والله إن بك من بأس، قال: إنه قد كان قال لي بمكة: أنا
أقتلك، فوالله لو بَصَقَ عليّ لقتلني، فمات عدو الله بسَرِف، وهم قافلون به إلى
مكة .
قال ابن إسحاق: فقال حسان بن ثابت رَبُّ في ذلك [من الوافر]:
أُبَيّ يَوْمَ بَارَزَهُ الرّسُولُ
لَقَدْ وَرِثَ الضّلَالَةَ عَنْ أَبِيهِ
وَتُوعِدُهُ وَأَنْتَ بِهِ جَهُولُ
أَتَيْتَ إلَيْهِ تَحْمِلُ رِمٌ عَظْم
أُمَيّةَ إِذْ يُغَوّثُ يَا عَقِيلُ
وَقَدْ قَتَلَتْ بَنُو النّجّارِ مِنْكُمَّ
أَبَا جَهْلِ لِأُمّهِمَا الْهَبُول
وَتَبّ ابْنَا رَبِيعَةَ إِذْ أَطَاعًا
بِأَسْرِ الْقَّوْمِ أُسْرَتُهُ فَلَيْلُ
وَأَقْلَتْ حَارِثٌ لَمّا شَغَلْنَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أُسْرَتُهُ قَبِيلَتُهُ. وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتَ ◌َُهِ أَيْضاً فِي ذَلِكَ
[من الوافر أيضاً]:
لَقَدْ أُلْقِيْتَ فِي سُحْقِ السّعِيرِ
أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ عَنّي أُبَيّا
وَتُقْسِمُ أَنْ قَدَرْت مَعَ النّذُورِ
تَمَنّى بِالضّلَالَةِ مِنْ بَعِيدٍ
وَقَوْلُ الْكُفْرِ يَرْجِعُ فِي غُرُورِ
تَمَنّيك الْأَمَانِيّ مِنْ بَعِيدٍ

٣١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
كَرِيمِ الْبَيْتِ لَيْسَ بِذِي فُجُورِ
فَقَدْ لَاقَتْكِ طَعْنَةُ ذِي حِفَاظِ
إِذَا نَابَتْ مُلِمّاتُ الْأُمُورِ (١)
لَهُ فَضْلٌ عَلَى الْأَحْيَاءِ طُرًا
وقوله: (فِي سَبِيلِ اللهِ وَك))) احتراز ممن يقتله في حدّ، أو قصاص؛ لأن
من يقتله في سبيل الله كان قاصداً قتل النبيّ وَ ﴿، قاله النوويّ كَُّ(٢).
[تنبيه]: حديث أبي هريرة څہ المذکور هنا، وكذا حديث ابن عباس
الذي أخرجه البخاريّ، وقد أشرت إليه آنفاً من مراسيل الصحابة، فإنهما لم
يشهدا الوقعة، فكأنهما حملاها عمن شهدها، أو سمعاها من النبيّ نَّهِ بعد
ذلك، أفاده في ((الفتح))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٣٩/٣٦] (١٧٩٣)، و(البخاريّ) في
((المغازي)) (٤٠٧٣)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣١٧/٢ و٤٩٢)، و(إسحاق بن
راهويه) في («مسنده)) (٤٣٣/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٣٠/٤)، والله
تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ نَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٣٧) - (بَابُ مَا لَقِيَ النَّبِّ وَهِ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ (٣)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٤٠] (١٧٩٤) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ
الْجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيم - يَعْنِي: ابْنَ سُلَيْمَانَ - عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ أَبِي
إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ وَهُ
(١) ((سيرة ابن هشام)) ٢/ ٨٤.
(٢) (شرح النوويّ)) ١٥٠/١٢.
(٣) زاد الشرّاح هنا: ((والمنافقين))، ولا حاجة إليه؛ لأنه لا ذِكر للمنافقين هنا، بل
الباب التالي معقود لهم، ولذا أسقطته، فتنبّه.

٣١٣
(٣٧) - بَابُ مَا لَقِيَ النَِّيُّ ◌َ﴿ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم (٤٦٤٠)
يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ، وَأَبُو جَهْل وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالأَمْسِ،
فَقَالَ أبو جَهْلِ: أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلَا جَزُورٍ بَنِي فُلَانٍ، فَيَأْخُذُهُ، فَيَضَعُهُ فِي كَتِفَيْ
مُحَمَّدٍ، إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ، فَأَخَذَهُ، فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ وَّهِ وَضَعَهُ بَيْنَ
كَتِفَيْهِ، قَالَ: فَاسْتَضْحَكُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ، وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ، لَوْ
كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ، طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ هِ، وَالنَّبِيُّ وَ ﴿ِ سَاجِدٌ، مَا يَرْفَعُ
رَأْسَهُ، حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ، فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ، فَجَاءَتْ، وَهِيَ جُوَيْرِيَةُ، فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ، ثُمَّ
أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَشْتِمُهُمْ (١)، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ◌َهِ صَلَاتَهُ، رَفَعَ صَوْتَهُ، ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ،
وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثاً، وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثاً، ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ))،
ثَلَاثَ مَزَّاتٍ، فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ ذَهَبَ عَنْهُمُ الضِّحُْكَ، وَخَافُوا دَعْوَتَهُ، ثُمَّ قَالَّ:
((اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْئَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ
عُقْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِّ أَبِي مُعَيْطٍ)، وَذَكَرَ السَّابِعَ، وَلَمْ أَحْفَظْهُ، فَوَالَّذِي
بَعَثَ مُحَمَّداً وَّهِ بِالْحَقِّ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى
الْقَلِیبِ، قَلِيبٍ بَدٍْ .
قَالَ أبو إِسْحَاقَ: الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ غَلَطْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ أَبَانَ الْجُعْفِيُّ(٢)) الأمويّ مولاهم،
أبو عبد الرحمن الكوفيّ الملقّب مُشْكُدانه(٣)، صدوقٌ فيه تشيّع [١٠] (ت٢٣٩)
(م د س) تقدم في ((الاستسقاء)) ٢٠٨٨/٥.
٢ - (عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكِنَانيّ، أو الطائيّ، أبو عليّ الأشلّ
المروزيّ، نزيل الكوفة،َ ثقةٌ، له تصانيف، من صغار [٨] (١٨٧) (ع) تقدم في
((الحيض)) ٢٦/ ٨١٧.
(١) وفي نسخة: ((تسبّهم)).
(٢) في ((التقريب)): يقال له: الْجُعفيّ نسبة إلى خاله عليّ بن الحسين. اهـ.
(٣) بضم الميم، والكاف، بينهما شين معجمة ساكنة، وبعد الألف نون، ومعناه
بالفارسية: وعاء المسك.

٣١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
٣ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٤ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبِيعيّ، تقدّم أيضاً قبل أربعة أبواب.
٥ - (عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ الأَوْدِيُّ) أبو عبد الله، أو أبو يحيى اليمنيّ، نزيل
الكوفة، مخضرٌ ثقةٌ، عابدٌ، مشهورٌ [٢] (ت٧٤) أو بعدها (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٥٢/١١.
٦ - (ابْنُ مَسْعُودٍ) عبد الله به المذكور قبل حديث.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى
آخره، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ زَكَرِيَّاءَ) بن أبي زائدة خالد، وقيل غيره، (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن
عبد الله السَّبيعيّ، (عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ) وفي رواية للبخاريّ من طريق
إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق، قال: ((حدّثني عمرو بن ميمون،
أن عبد الله بن مسعود حدّثه))، فصرّح كلّ من أبي إسحاق، وعمرو بن ميمون
بالتحديث فانتفت تهمة التدليس عن أبي إسحاق؛ لأنه مدلّس، وعمرو بن
ميمون الأوديّ، تابعيّ، كبير، مخضرم، أسلم في عهد النبيّ ◌َّ، ولم يره، ثم
نزل الكوفة، وهو غير عمرو بن ميمون الجزريّ.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): هذا الحديث لا يروى عن النبيّ وَّ إلا بإسناد
أبي إسحاق هذا، وقد رواه الشيخان من طريق الثوريّ، والبخاريُّ أيضاً من
طريق إسرائيل، وزهيرٍ، ومسلم من رواية زكريا بن أبي زائدة، وكلهم عن أبي
إسحاق، وسنذكر ما في اختلاف رواياتهم من الفوائد، مبيّناً إن شاء الله تعالى.
انتهى(١).
(عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) رَبِهِ، أنه (قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ وَهِ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ)
الحرام، و((البيت)) عَلَم بالغلبة للكعبة الشريفة، كما قال في ((الخلاصة)):
(١) ((الفتح)) ٥٩٥/١، كتاب ((الوضوء)) رقم (٢٤٠).

٣١٥
(٣٧) - بَابُ مَا لَقِيَ النَِّيُّ ◌َهِ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم (٤٦٤٠)
مَضَافٌ اوْ مَصْحُوبُ ((أَنْ)) كَالْعَقَبَهْ
وَقَدْ يَصِيرُ عَلَماً بِالْغَلَبَهْ
(وَأَبُو جَهْلٍ) هو عمرو بن هشام بن المغيرة المخزوميّ، فرعون هذه
الأمة، وأبو جهل لقب له بصورة الكنية، وكانت قريش تكنّيه بأبي الحاكم،
فكنّاه رسول الله ◌َ﴿ أبا جهل، ولهذا قال الشاعر [من الكامل]:
النَّاسُ كَنَّوْهُ أَبَا حَكَم وَاللهُ كَنَّاهُ أَبَا جَهْلِ
ويقال: كان يُكْنَى أبا الوليد، وكان يُعْرَف بابن الحنظلية، وکان أحول،
وفي ((الوشاح)) لابن دريد: هو أول من حُزّ رأسه، ولما رآهُ وَُّ قال: ((هذا
فرعون هذه الأمة))(١).
(وَأَصْحَابٌ لَهُ) هم السبعة المدعوّ عليهم بعدُ، بيّنه البزّار من طريق
الأجلح، عن أبي إسحاق. (جُلُوسٌ) جمع جالس، فقوله: ((وأبو جهل)) مبتدأ،
و ((أصحاب له)) عطف عليه، و((جلوس)) مرفوع على الخبريّة، ويجوز أن يكون
((جلوس)) خبراً لـ((وأصحابٌ له))، وخبر ((وأبو جهل)) محذوف؛ لدلالة ما بعده
عليه، على حدّ قول الشاعر:
نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا عِنْدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُ
والتقدير: ونحن راضون.
وجملة ((وأبو جهل ... إلخ)) في محلّ نصب على الحال، وكذا قوله:
(وَقَدْ نُحِرَتْ) بالبناء للمفعول، يقال: نحَرَه، كمَنَعَه نَحْراً، وتِنْحَاراً: إذا أصاب
نَحْرَه، وهو أعلى الصدر، ونَحَر البَعِير: طَعَنه حيث يبدو الْحُلْقُومُ على الصدر،
أفاده المجد (٢). (جَزُورٌ) - بفتح الجيم -: ما يُنحرُ من الإبل، يُطلق على الذكر
والأنثى.
وقال المجد تَخْدَّثُهُ: ((الْجَزُورُ)): البعير، أو خاصّ بالناقة المَجْزورة، جَمْعه
(١) راجع: ((عمدة القاري) ٢٥٨/٣. وحديث: ((هذا فرعون هذه الأمة)) أخرجه البيهقيّ
پئه ،
في ((الكبرى))، وفي سنده انقطاع؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه ابن مسعود
وبعض أهل العلم يصحّح رواية أبي عبيدة عن أبيه؛ لأنه يرويها عن أكابر أصحابه؛
كعلقمة، وعَبِيدة، والأسود، ونحوهم.
(٢) راجع: ((القاموس المحيط)) ص١٢٦٧.

٣١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
جزائرُ، وجُزُرٌ، وجُزُرات، وما يُذبح من الشاء، واحدتها: جَزْرَة. انتهى(١).
وقال الفيّومِيّ كَّتُهُ: ((الجَزُورُ)) من الإبل خاصّةً، يقع على الذكر والأنثى،
والجمع: جُزُرٌ، مثلُ رَسُول ورُسُل، ويجمع أيضاً على جُزُرَاتٍ، ثم على
جَزَائِرَ، ولفظ الجزور أُنثى، يقال: رَعَتِ الجَزُورُ، قاله ابن الأنباريّ، وزاد
الصغانيّ: وقيل: الجَزُورُ: الناقة التي تُنْحَر، وجَزَرْتُ الجَزُورَ وغيرها، من باب
قَتَلَ: نَحَرتُها، والفاعل: جَزَّارٌ، والْحِرْفة: الجِزَارَةُ بالكسر، والمَجْزَرُ: موضع
الْجَزْر، مثلُ جعفر، وربما دخلته الهاء، فقيل: مَجْزَرَةٌ. انتهى(٢).
وقوله: (بِالأَمْسِ) اسمٌ عَلَمٌ على اليوم الذي قبل يومك، ويُستعمَل فيما
قبله مجازاً، وهو مبنيّ على الكسر، وبنو تميم تُعْربه إعراب ما لا ينصرف،
فتقول: ذَهَبَ أَمْسُ بما فيه، بالرفع، قال الشاعر [من الرجز]:
لَقَدْ رَأَيْتُ عَجَباً مُذْ أَمْسَا
عَجَائِزَا مَثْلَ السَّعَالِي خَمْساً
لَا تَرَكَ اللهُ لَهُنَّ ضِرْسَا(٣)
يَأْكُلْنَ مَا فِي رَحْلِهِنَّ هَمْسَا
(فَقَالَ أبو جَهْلِ: أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلَا جَزُورٍ بَنِي فُلَانٍ) هو: بنو جُمَح (٤)،
و((السَّلَى)) - بفتح السين المهملة مقصوراً - وزانُ الْحَصَى: هي الجلدة التي
يكون فيها الولد، يقال لها ذلك من البهائم، وأما من الآدميات فالْمَشِيمة،
وحَكَى صاحب ((المحكم)) أنه يقال فيهنّ أيضاً: سَلَى، وجمعه أسلاءٌ، مثلُ
سَبَبٍ وأسباب(٥).
(فَيَأْخُذُهُ، فَيَضَعُهُ فِي كَتِفَيْ مُحَمَّدٍ) بَّهِ (إِذَا سَجَدَ)، وفي رواية للبخاريّ
من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق: ((فَيَعْمِدُ إلى فَرْئها، ودمها، وسلاها، ثم
يمهله، حتى يسجد)). (فَانْبَعَثَ)؛ أي: أسرع، وهو مطاوع بَعَثَه؛ أي: أرسله،
فانبعث(٦). (أَشْقَى الْقَوْم)؛ أي: أشدّ القوم شَقَاوةً، هو: عقبة بن أبي معيط،
(١) راجع: ((القاموس المحيط)) ص٢١٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ٩٨/١.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢٢/١.
(٤) ((تنبيه المعلم)) ص٣١١.
(٥) راجع: ((الفتح)) ٥٩٥/١، و((المصباح المنير)) ٢٨٧/١.
(٦) ((عمدة القاري)) ٢٥٦/٣.

٣١٧
(٣٧) - بَابُ مَا لَقِيَ النَّبِيُّ ◌َهُ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم (٤٦٤٠)
كما بيّنه شعبة في الرواية التالية، وأبو مُعَيط - بعين وطاء مهملتين، مصغّراً -
وقيل: المنبعثُ هو أبو جهل، والأول هو الصحيح.
وإنما كان أشقاهم، مع أن فيهم أبا جهل، وهو أشدّهم كفراً، وأذىّ
لرسول الله وَله؛ لكون عقبة باشر العملَ، فالشَّقَاء هنا بالنسبة إلى هذه القضية،
فإنهم اشتركوا في الأمر والرِّضى، ولكن انفرد عقبةُ بالمباشرة، فكان أشقى،
ولهذا قُتُلُوا في الحرب، وقُتل هو صبراً، أفاده في ((الفتح)).
(فَأَخَذَهُ)؛ أي: ذلك السَّلَى، (فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ ونَ﴿ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ) إَِِّ،
وفي رواية: ((فذهب به، ثمّ أمهله، فلَمّا خرّ ساجداً، وضعه على ظهره)).
(قَالَ) ابن مسعود ◌َّه (فَاسْتَضْحَكُوا) بالبناء للفاعل، هذا هو الظاهر،
وضبطه القرطبيّ بالبناء للمفعول، وهو محلّ نظر، فتأمله، والمعنى: أنهم
حَمَلوا أنفسهم على الضحك والسُّخريّة، ثم أخذ منهم الضحك جدّاً، (وَجَعَلَ)؛
أي: شَرَع (بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ) من كثرة الضحك، قاتلهم الله تعالى،
وقوله: ((يميل ... إلخ)) كذا هو عند المصنّف، وكذا هو في رواية عند
البخاريّ، وفي رواية له: ((ويُحيل بعضهم على بعض))، قال في ((الفتح)): كذا
هنا بالمهملة، من الإحالة، والمراد أن بعضهم يَنْسب فعل ذلك إلى بعض
بالإشارة؛ تَهَكّماً، ويَحْتَمِل أن يكون من حال يَحِيل، بالفتح: إذا وَثَبَ على
ظهر دابته؛ أي: يثب بعضهم على بعض من الْمَرَح، والْبَطَر. انتهى (١).
وقوله: (وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ) جملة حالية؛ أي: قال ابن مسعود ظُه: فعلوا
هذا، والحال أني أنظر إلى ما يفعلون، (لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَة) قال النوويّ:
((الْمَنَعَة) - بفتح النون -: الْقُوّة، قال: وحُكِي الإسكانُ، وهو ضعيف، وجزم
القرطبي بسكون النون، قال: ويجوز الفتح على أنه جمعُ مانع ككاتب وكَتَبَة،
وقد رَجَّح القزاز، والهروي الإسكان في المفرد، وعكس ذلك صاحب ((إصلاح
المنطق))، وهو مُعتمد النوويّ، قال: وإنما قال ذلك؛ لأنه لم يكن له بمكة
عشيرة؛ لكونه هُذَليّاً، حَلِيفاً، وكان حلفاؤه إذ ذاك كُفّاراً، وفي رواية البزار:
(«فأنا أرهب))؛ أي: أخاف منهم، وقوله: (طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرٍ رَسُولِ اللهِ﴾)
(١) ((الفتح)) ٥٩٦/١، كتاب «الوضوء)) رقم (٢٤٠).

٣١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
جواب ((لو))، وقوله: (وَالنَّبِيُّ ◌َِهِ سَاجِدٌ) جملة حاليّة، (مَا) نافية؛ أي: لا
(يَرْفَعُ رَأْسَهُ) من السجود، (حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ) قيل: لعله ابن مسعود (١). (فَأَخْبَرَ
فَاطِمَةَ) بنت رسول الله وَّة، أنكحها عليّ بن أبي طالب بعد وقعة أُحد(٢)،
وسنُّها يومئذ خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصفاً، رُوي لها عن رسول الله
ثمانية عشر حديثاً، وفي ((الصحيحين)) لها حديث واحد، روت عنها عائشة أم
المؤمنين رضينا، توفيت بعد رسول الله وَله بستة أشهر بالمدينة، وقيل بمائة يوم،
وقيل غير ذلك، والأول أصحّ، وغسلها عليّ رُبه، وصلى عليها، ودفنت ليلاً،
وفضائلها لا تحصى، وكفى لها شرفاً كونها بضعة من رسول الله والإ (٣).
قال عبد الرزاق، عن ابن جريج: قال لي غير واحد: كانت فاطمة
أصغرهنّ - أي: أصغر بناته وَّه ــ وأحبهنّ إلى رسول الله وَّل، وقال ابن
عبد البرّ: اضطرب مصعب بن الزبير في بنات رسول الله وَلفر أيتهن أكبر وأصغر
اضطراباً يوجب أن لا يُلْتَفت إليه في ذلك، والذي تَسكن إليه النفس من ذلك
أن الأُولى: زينب، ثم رُقَية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ويقال: إنَّ عليّاً تزوجها
بعد أن ابتنى النبيّ وَله بعائشة بأربعة ونصف، وذلك في سنة اثنتين من الهجرة،
وكان سنها يوم تزوجها خمس عشرة سنة، وخمسة أشهر ونصفاً، ولم يتزوج
عليها حتى ماتت.
وقد قال رسول الله وَعليه: ((فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة))، وفي لفظ:
(سيدة نساء المؤمنين))، وفي لفظ: ((سيدة نساء هذه الأمة))، متّفقٌ عليه.
(فَجَاءَتْ، وَهِيَ جُوَيْرِيَةُ) تصغير جارية، وهي الْفَتِيّةُ من النساء، وجمعها
جوارٍ (٤). (فَطَرَحَتْهُ)؛ أي: ذلك السلى (عَنْهُ)؛ أي: ظَهْرَهُ وَ، (ثُمَّ أَقْبَلَتْ)
فاطمة ﴿ّا (عَلَيْهِمْ)؛ أي: جماعة قريش الذين فعلوا الفعل القبيح بأشرف
الأنبياء والمرسلين، وسيّد ولد آدم أجمعين، قبّحهم الله تعالى، وشانهم إلى يوم
الدين، وقوله: (تَشْتِمُهُمْ) جملة حالية من الفاعل، وفي بعض النسخ: ((تسبّهم))،
(١) ((تنبيه المعلم)) ص٣١١.
(٢) وقيل: تزوّجها عليّ رَظ ◌ُه بعدما ابتنى النبيّ وَهُ بعائشة ﴿ّا بأربعة أشهر ونصف.
(٤) ((القاموس)) ص٢١٢.
(٣) راجع: ((عمدة القاري)) ٢٥٨/٣.

٣١٩
(٣٧) - بَابُ مَا لَقِيَ النَّبِيُّ ◌َهِ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم (٤٦٤٠)
وزاد البزّار: ((فلم يُرُدّوا عليها شيئاً)). (فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ نَّهِ صَلَاتَهُ)؛ أي: فرغ
من صلاته، وخرجٍ منها بالتسليم، (رَفَعَ صَوْتَهُ ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ) وفي البزّار من
طريق زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق: ((فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
أما بعد، اللهم))، قال البزّار: تفرّد بقوله: ((أما بعد)) زيدٌ، وفي رواية الأجلح،
عند البزار: ((فرفع رأسه، كما كان يرفعه عند تمام سجوده، فلما قَضَی صلاته،
قال: اللهم)). قال الحافظ: والظاهر منه أن الدعاء المذكور وقع خارج
الصلاة، لكن وقع، وهو مستقبل الكعبة، كما ثبت من رواية زُهير، عن أبي
إسحاق عند الشیخین(١).
(وَكَانَ) فَرِ (إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثاً)؛ أي: ثلاث مرّات، (وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثاً)
قال النوويّ تَخُّْ: السؤال هنا هو الدعاء، وإنما عَطَفه؛ لاختلاف اللفظ
توكيداً، (ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ) أصله: يا ألله، حُذف منه حرف النداء، وعُوِّض عنه
الميم المشدّدة، ولا يُسْتَعْمَل إلا في نداء لفظ الجلالة، ولا يُجْمَع بين ((يا)»
والميم إلا في الضرورة الشعرية؛ كقوله:
أَقُولُ ياَ اللَّهُمَّ، يَا اللَّهُمَّا
إِنِّي إِذَا مَا حَدَتْ أَلَمَّا
قال في ((الخلاصة)):
وَشَذَّ ياَ اللَّهُمَّ فِي قَرِيضِ
وَأْلأكْثَرُ اللَّهُمَّ بالتَّعْويضِ
(عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ)))؛ أي: ألحق نقمتك بهم، وأهلكهم، والمراد: الكفّار
منهم، أو مَن سَمَّى منهم، فهو عامّ أُريد به الخصوص.
[فائدة]: ((عليك)): اسم فعل بمعنى الْزَمْ، وزيداً مفعوله، وقد يتعدى إليه
بالباء كـ((عليك بذات الدين))، فيكون بمعنى استمسك مثلاً، وقد صَرّح الرضيُّ
بأنها زائدة؛ لأنها تُزاد كثيراً في مفعول اسم الفعل؛ لِضَعف عمله.
وأما الكاف فهي ضمير عند الجمهور، لا حرف خطاب؛ لأن الجار لا
يُستعمل بدونها، ولأن الياء والهاء في قولهم: ((عَلَيَّ))، و((علیه))، ضميران
اتّفاقاً، وهل هي فاعل باسم الفعل؟ أو مفعوله، والفاعل مستتر؟ أي: أَلْزِم أنت
نفسك زيداً، و((إليك))، بمعنى: نَحِّ نفسك، وكذا الباقي؟ أو مجرورةٌ بالحرف
(١) ((الفتح)) ٥٩٦/١، كتاب ((الوضوء)) رقم (٢٤٠).

٣٢٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
في نحو ((عليك؟)) وبالإضافة في نحو ((دونك))، نظراً للأصل قبل النقل،
والفاعل مستتر، أقوال: أصحها ثالثها، فإذا قلت: عليكم كُلَّكُمْ زيداً، جاز
رفع ((كلّ)) توكيداً للمستكنّ، وجرّه توكيداً للمجرور.
وبهذا يُعْلَم أن اسم الفعل هو الجارّ فقط، وفاعله مستتر فيه، والكاف
كلمة مستقلة، وقولهم: منقول من جار ومجرور فيه تسامح، ولم تجعل
الكاف مجرورة بإضافته بعد النقل؛ لأن اسم الفعل لا يَعْمَل الجرَّ، ولا
يُضاف، فتدبّر، قاله الخضريّ تَّتُهُ في ((حاشيته على شرح ابن عَقِيل على
الخلاصة))(١).
وقوله أيضاً: (عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ))) - بصيغة التصغير - القبيلة المعروفة، وهو
النضر بن كنانة، ومن لم يلده فليس من قريش، وقيل: قريش هو فهر بن
مالك، ومن لم يلده فليس من قريش، نقله السهيلي، وغيره، والثاني أصح،
وإن كان الأول قول الأكثرين، كما قال الحافظ العراقي في ((ألفية السيرة»:
جَمَّاعُهَا والأكْثَرُونَ النَّصْرُ
أمَّا قُرَيْشٌ فَالأَصَحُّ فِهْرُ
وأصل الْقَرْش: الجمع، وتَقَرّشوا: إذا اجتمعوا، وبذلك سمّيت قريش؛
لتجمّعهم إلى مكة من حواليها بعد تفرقها في البلاد حين غلب عليها قصي بن
كلاب، وبه سُمِّي قصي: مُجَمّعاً، وقيل: قريش دابة في البحر، لا تَدَعُ دابة إلا
أكلتها، فجميع الدواب تخافها، ومنه اشتق قريش، قال الشاعر:
وَقُرَيْشُ الَّتِي تَسْكِّنُ الْبَحْــرَ بِهَا سُمّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا
وقيل: سُمِّيت بقريش بن مخلد بن غالب بن فهر، كان صاحب عيرهم،
فكانوا يقولون: قدمت عير قريش، وخرجت عير قريش، وقيل: سميت بذلك
لِتَجْرِهَا وَتَكَسُّبِهَا، وضَرْبها في البلاد تبتغي الرزق، وقيل: سميت بذلك؛ لأنهم
كانوا أهل تجارة، ولم يكونوا أصحاب زرع وضرع، من قولهم: فلان يقترش
المال؛ أي: يجمعه، قال سيبويه: ومما غلب على الحيّ قريش، وإن جعلت
قريشاً اسم قبيلة فعربيّ، وقال الجوهريّ: إن أردت بقريش الحيّ صرفته، وإن
أردت القبيلة لم تصرفه، وفي (التهذيب)): إذا نَسبوا إلى قريش قالوا: قُرَشي
(١) ((حاشية الخضريّ على شرح ابن عَقِيل على الخلاصة)) ٩٠/٢.