النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ (٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٩) قال: أخبرني الزهريّ، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، ومروان، يُصَدِّق كلُّ واحد منهما حديث صاحبه، قالا: خرج رسول الله وَل زمن الحديبية، حتى كانوا ببعض الطريق، قال النبيّ وَليقول: ((إن خالد بن الوليد بالغميم، في خيل لقريش، طليعةً، فخذوا ذات اليمين))، فوالله ما شَعَر بهم خالد حتى إذا هم بقَتَرة الجيش(١)، فانطلق يركض نذيراً لقريش، وسار النبيّ وَلـ حتى إذا كان بالثنّة التي يُهْبَط عليهم منها، بَرَكت به راحلته، فقال الناس: حَلْ حَلْ(٢)، فألَحّت، فقالوا: خلأت القصواء، خلأت القصواء، فقال النبيّ وَّ: ((ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل))، ثم قال: ((والذي نفسي بيده، لا يسألونني خُطّةً يعظّمون فيها حرمات الله، إلا أعطيتهم إياها))، ثم زجرها، فوَثَبت، قال: فعَدَل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية، على ثَمَد(٣)، قليل الماء، يتبرّضه الناس تبرّضاً (٤)، فلم يُلبثه الناس، حتى نزحوه، وشُكِي إلى رسول الله وَّ العطش، فانتزع سهماً من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يَجيش(٥) لهم بالرِّيّ حتى صدروا عنه (٦). فبينما هم كذلك إذ جاء بُديل بن ورقاء الخزاعيّ، في نفر من قومه، من خزاعة، وكانوا عَيْبة نُصْح رسول الله و # من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤيّ، وعامر بن لؤيّ نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم الْعُوذُ المطافيل(٧)، وهم مقاتلوك، وصادّوك عن البيت، فقال رسول الله وَله: ((إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب، وأضرّت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مُدّة، ويخلّوا بيني وبين الناس، فإن أظهر، فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جَمّوا، وإن هم أبوا، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنّهم على أمري هذا، حتى تنفرد سالفتي(٨)، ولينفذنّ الله أمره))، فقال (١) ((القترة)): الغبار الأسود. (٢) كلمة تقال للناقة إذا تركت السير. (٣) بفتحتين: حفيرة فيها ماء مثمود؛ أي: قليل. (٤) التبرّض: هو الأخذ قليلاً قليلاً. (٥) أي: يفور. (٦) الرّي: بكسر الراء، وتُفتح، وصدروا؛ أي: رجعوا رِواء. (٧) ((الْعُوذ)) بالضمّ: جمع عائذ، الناقة ذات اللبن، والمطافيل: اللاتي معها أطفالها. (٨) السالفة: صفحة العنق. ٢٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير بديل: سأبلغهم ما تقول، قال: فانطلق حتى أتى قريشاً، قال: إنا قد جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول قولاً، فإن شئتم أن نَعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول، قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحَدّثهم بما قال النبيّ ◌َّد. فقام عروة بن مسعود، فقال: أي قوم، ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أو لست بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهمونني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ، فلما بَلَّحُوا(١) عليّ جئتكم بأهلي، وولدي، ومَنْ أطاعني؟ قالوا: بلى، قال: فإن هذا قد عَرَض لكم خُطّة رُشْد، اقبلوها، ودعوني آتيه، قالوا: ائته، فأتاه، فجعل يكلم النبيّ وَّل، فقال النبيّ وَّ نحواً من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك: أي محمدُ، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فإني والله لأرى وجوهاً، وإني لأرى أشواباً من الناس خليقاً أن يَفِرُّوا، ويَدَعُوك، فقال له أبو بكر: امْصُصْ بِظْر اللات، أنحن نفرٌ عنه، ونَدَعه؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده، لولا يَدٌ كانت لك عندي، لم أَجْزِك بها لأجبتك، قال: وجعل يكلم النبيّ ◌َّ، فكلما تكلم أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبيّ وَّ، ومعه السيف، وعليه الْمِغْفَر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبيّ وَّ ضرب يده بنعل السيف، وقال له: أَخِّر يدك عن لحية رسول الله بنسليم، فرفع عروة رأسه، فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أي غُدَرُ، ألستُ أسعى في غَدْرتك؟ وكان المغيرة صَحِب قوماً في الجاهلية، فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثم جاء، فأسلم، فقال النبيّ ◌َلجر: ((أما الإسلام فأقبل، وأما المال، فلست منه في شيء))، ثم إن عروة جعل يرمُق أصحاب النبيّ وَّه بعينه، قال: فوالله ما تنخَّم رسول الله وَله نخامة، إلا وقعت في كفّ رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خَفَضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدّون إليه النظر؛ تعظيماً له، فرجع عروة إلى أصحابه، (١) أي: امتنعوا. ٢٤٣ (٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٩) فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر، وكسرى، والنجاشيّ، والله إن رأيت مَلِكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد وَل محمداً، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كفّ رجل منهم، فدلك بها وجهه وجِلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدّون إليه النظر؛ تعظيماً له، وإنه قد عَرَض عليكم خُطّة رُشْد، فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة: دعوني آتيه، فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبيّ وَّه وأصحابه، قال رسول الله وَله: ((هذا فلان، وهو من قوم يُعَظِّمون البُدْن، فابعثوها له))، فبُعثت له، واستقبله الناس يُلَبّون، فلما رأى ذلك، قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه، قال: رأيت قد قُلِّدت، وأُشعرت، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت. فقام رجل منهم يقال له: مِكْرَز بن حفص، فقال: دعوني آتيه، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم، قال النبيّ وَّه: ((هذا مِكْرز، وهو رجل فاجر))، فجعل يكلم النبيّ وَ﴿، فبينما هو يكلمه؛ إذ جاء سهيل بن عمرو. قال معمر: فأخبرني أيوب، عن عكرمة، أنه لما جاء سهيل بن عمرو، قال النبيّ ◌َّ: (لقد سهل لكم من أمركم))، قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو، فقال: هاتٍ اكتب بيننا وبينكم كتاباً، فدعا النبيّ وَّر الكاتب، فقال النبيّ ◌َّه: ((بسم الله الرحمن الرحيم))، قال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو؟ ولكن اكتب: باسمك اللهم، كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها، إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبيّ وَّ: ((اكتب باسمك اللهم))، ثم قال: ((هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله))، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله، ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال النبيّ وَّ: ((والله إني لرسول الله، وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله))، قال الزهريّ: وذلك لقوله: ((لا يسألونني خُطّةً، يُعظّمون بها حُرُمات الله، إلا أعطيتهم إياها))، فقال له النبيّ وَله: ((على أن تخلوا بيننا وبين البيت، فنطوف به))، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أُخذنا ضُغْطةً، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب، فقال ٢٤٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل، وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان الله، كيف يُرَدّ إلى المشركين، وقد جاء مسلماً؟ فبينما هم كذلك؛ إذ دخل أبو جَنْدَل بن سهيل بن عمرو يَرْسُفُ في قيوده(١)، وقد خرج من أسفل مكة، حتى رَمَى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أوّلُ ما أقاضيك عليه أن ترده إليّ، فقال النبيّ وَّهِ: ((إنا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ))، قال: فوالله إذاً لم أصالحك على شيء أبداً، قال النبيّ وَلّ، ((فَأَجِزْه لي))، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: ((بلى، فافعل))، قال: ما أنا بفاعل، قال مِكْرَز: بل قد أجزناه لك، قال أبو جَنْدَل: أي معشر المسلمين، أُرَدّ إلى المشركين، وقد جئت مسلماً؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عُذِّب عذاباً شديداً في الله، قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت نبيّ الله وصل*، فقلت: ألست نبيّ الله حقّاً؟ قال: ((بلى))، قلت: ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل؟ قال: ((بلى))، قلت: فلم نُعطي الدَّنِيَّة في ديننا إذاً؟ قال: ((إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري))، قلت: أوَ ليس كنت تحدّثنا أنا سنأتي البيت، فنطوف به؟ قال: ((بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟»، قال: قلت: لا، قال: ((فإنك آتيه، ومُطَّوِّف به))، قال: فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبيّ الله حقّاً؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحقّ، وعدوّنا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلِمَ نُعطي الدنية في ديننا إذاً؟ قال: أيها الرجل إنه لرسول الله وصلته، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستَمْسِك بغرزه(٢)، فوالله إنه على الحقّ، قلت: أليس كان يحدّثنا أنا سنأتي البيت، ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبَرَك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه، ومُطّوِّف به. قال الزهريّ: قال عمر: فَعَمِلت لذلك أعمالاً، قال: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله وَل و لأصحابه: ((قوموا، فانحروا، ثم احلقوا))، قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلمّا لم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبيّ الله، (١) أي: يمشي مشياً بطيئاً بسبب القيد. (٢) أي: تمسّك بأمره، واترك المخالفة له. ٢٤٥ (٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٩) أتحبّ ذلك؟ اخْرُج، لا تكلم أحداً منهم كلمةً، حتى تنحر بُدُنك، وتدعو حالقك، فيحلقك، فخرج، فلم يكلم أحداً منهم، حتى فَعَل ذلك، نحر بُدُنه، ودعا حالقه، فحلقه، فلما رأوا ذلك، قاموا، فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غَمّاً، ثم جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جََّكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ﴾ حتى بلغ ﴿بِعِصَمِ اَلْكَوَافِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فطلّق عمر يومئذ امرأتين، كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية، ثم رجع النبيّ ◌ََّ إلى المدينة، فجاءه أبو بصير رجلٌ من قريش، وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهدَ الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى إذا بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيِّداً، فاستلّه الآخرُ، فقال: أجل، والله إنه لجيّد، لقد جَرّبت به، ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمْكَنه منه، فضربه، حتى بَرَد (١)، وفَرَّ الآخر، حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يَعْدُو، فقال رسول الله وَ ل هل حين رآه: ((لقد رأى هذا ذُعْراً))، فلما انتهى إلى النبيّ وَّه قال: قُتِل والله صاحبي، وإني لمقتول، فجاء أبو بصير، فقال: يا نبيّ الله قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم، ثم نجاني الله منهم، قال النبيّ ◌َّ: ((ويل أمه، مِسْعَرُ حرب، لو كان له أحد))، فلما سَمِع ذلك عَرَف أنه سيردّه إليهم، فخرج، حتى أتى سِيفَ البحر(٢) قال: وينفلت منهم أبو جَنْدل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم، إلا لَحِق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشأم، إلا اعترضوا لها، فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبيّ وَّ تناشده بالله والرحم لَمّا أرسل، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبيّ وَل إليهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَبْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ حتى بلغ ﴿اَلْحَمِيَّةَ حَميَّةَ الْجَهِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦]، وكانت (١) أي: مات. (٢) ((سيف البحر)) بكسر السين: ساحله. ٢٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير حميّتهم أنهم لم يُقِرّوا أنه نبيّ الله، ولم يقرّوا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت. انتهى. (الفائدة الثانية): قد تكلّم الإمام ابن القيّم تَخّْثُ على الفوائد، والحكم التي تضمّنها صلح الحديبية، فقال تَظّتُهُ: فصل: في بعض ما في قصة الحديبية من الفوائد الفقهية: ١ - (فمنها): اعتمار النبيّ وَّ في أشهر الحجّ، فإنه خرج إليها في ذي القعدة . ٢ - (ومنها): أن الإحرام بالعمرة من الميقات أفضل، كما أن الإحرام بالحج كذلك، فإنه أحرم بهما من ذي الحليفة، وبينها وبين المدينة ميل أو نحوه، وأما حديث: ((من أحرم بعمرة من بيت المقدس غُفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر))، وفي لفظ: ((كانت كفارةً لِمَا قبلها من الذنوب))(١)، فحديث لا يثبت، وقد اضطُرب فيه إسناداً ومتناً اضطراباً شديداً. ٣ - (ومنها): أن سوق الهدي مسنون في العمرة المفردة، كما هو مسنون في القران. ٤ - (ومنها): أن إشعار الهدي سُنَّةٌ، لا مُثلةٌ منهيّ عنها. ٥ - (ومنها): استحباب مغايظة أعداء الله، فإن النبيّ وَلّ أهدى في جملة هديه جملاً لأبي جهل في أنفه بُرَةٌ من فضة، يُغيظ به المشركين، وقد قال تعالى في صفة النبيّ وَّهِ، وأصحابه: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِىِ الْإِلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئَهُ فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال رَبّ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأْ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَعُونَ مَوِْئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍ ثَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِ. عَمَلٌ صَلِحُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠]. ٦ - (ومنها): أن أمير الجيش ينبغي له أن يبعث العيون أمامه نحو العدوّ. ٧ - (ومنها): أن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند (١) رواه أبو داود (١٧٤١)، وابن ماجه (٣٠٠١ - ٣٠٠٢)، وابن حبّان (١٠٢١)، وفي سنده مجهولان. ٢٤٧ (٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٩) الحاجة؛ لأن عَيْنَه ◌َّ الخزاعيُّ كان كافراً إذ ذاك، وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدوّ، وأخذه أخبارهم. ٨ - (ومنها): استحباب مشورة الإمام رعيّته، وجيشه؛ استخراجاً لوجه الرأي، واستطابةً لنفوسهم، وأمناً لِعَتَبِهم، وتعرّفاً لمصلحة يختص بعلمها بعضهم دون بعض، وامتثالاً لأمر الرب في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِ الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقد مدح تَُّلَ عباده بقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]. ٩ - (ومنها): جواز سبي ذراريّ المشركين إذا انفردوا عن رجالهم قبل مقاتلة الرجال. ١٠ - (ومنها): ردّ الكلام الباطل، ولو نُسب إلى غير مكلَّف، فإنهم لمّا قالوا - حين بركت ناقته ◌َ له -: خلأت القصواء؛ يعني: حَرَنت، وألحت، فلم تسر، والْخِلاء في الإبل - بكسر الخاء، والمدّ - نظير الْحِران في الخيل، فلما نسبوا إلى الناقة ما ليس من خُلُقها وطبعها، رَدّهِ وَله عليهم، وقال: ((ما خلأت، وما ذاك لها بخُلُق))، ثم أخبر وَّر عن سبب بروكها، وأن الذي حبس الفيل عن مكة حبسها للحكمة العظيمة التي ظهرت بسبب حبسها، وما جرى بعده . ١١ - (ومنها): أن تسمية ما يلابسه الرجل من مراكبه ونحوها سُنَّة. ١٢ - (ومنها): جواز الحلف، بل استحبابه على الخبر الديني الذي يريد تأكيده، وقد حُفِظ عن النبيّ ◌َّ الحلف في أكثر من ثمانين موضعاً، وأمره الله تعالى بالحلف على تصديق ما أخبر به في ثلاثة مواضع في ((سورة يونس(١))، و((سبأ (٢))، و((التغابن(٣)). (١) هو في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَُّونَكَ أَحَقُّ هُوَّ قُلْ إِى وَرَبِ إِنَّهُ، لَحَقِّ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِينَ [يونس: ٥٣]. (٢) هو قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِنَا السَّاعَةٌ قُلْ بَى وَرَقٍ لَتَأْتِنَّكُمْ ... ) الآية [سبأ: ٣]. (٣) هو قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنْ لَنْ يُعَنُواْ قُلْ بَى وَرَبِّ ◌َنْتُعَثُنَّ ثُمَّ لَنَنَّ بِمَا عَيِلْتُمْ وَذَلِكَ ﴾ [التغابن: ٧]. عَلَى اللَهِ يَسِيْرٌ ٥٣) ٢٤٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير ١٣ - (ومنها): إذا طلب المشركون، وأهل البدع، والفجور، والبغاة، والظّلَمة أمراً يعظّمون فيه حرمة من حرمات الله أجيبوا إليه، وأُعطوه، وأُعينوا عليه، وإن مَنعوا غيره، فيعاونون على ما فيه تعظيم حرمات الله تعالى، لا على كفرهم، وبَغْيهم، ويُمنعون مما سوى ذلك، فكل من التمس المعاونة على محبوب لله تعالى مُرْضٍ له، أجيب إلى ذلك كائناً من كان، ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه، وهذا من أدقّ المواضع، وأصعبها، وأشقّها على النفوس، ولذلك ضاق عنه من الصحابة من ضاق، وقال عمر ما قال، حتى عَمِل له أعمالاً بعده، والصدّيق تلقاه بالرضى والتسليم، حتى كان قلبه فيه على قلب رسول الله وَله، وأجاب عمر عما سأل عنه من ذلك بعين جواب رسول الله و #*، وذلك يدلّ على أن الصدّيق أفضل الصحابة، وأكملهم، وأعرفهم بالله تعالى، ورسوله وَّي، وأعلمهم بدينه، وأقْوَمهم بمحابّه، وأشدّهم موافقة له، ولذلك لم يسأل عمرُ عما عَرَض له إلا رسولَ الله ◌َل﴿، وصِدِّيقه خاصّةً، دون سائر أصحابه. ١٤ - (ومنها): أن النبيّ ◌َ﴿ عدل ذات اليمين إلى الحديبية، قال الشافعيّ: بعضها من الحِلّ وبعضها من الحرم. وروى الإمام أحمد(١) في هذه القصّة أن النبيّ وَلقر كان يصلي في الحرم، وهو مضطرب في الحِلّ، وفي هذا كالدلالة على أن مضاعفة الصلاة بمكة تتعلق بجميع الحرم، لا يخصّ بها المسجد الذي هو مكان الطواف، وأن قوله المطر: ((صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي))؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]، وكان الإسراء من بيت أم هانئ. ١٥ - (ومنها): أن من نزل قريباً من مكة، فإنه ينبغي له أن ينزل في الحِلّ، ويصلي في الحَرَم، وكذلك كان ابن عمر يصنع. ١٦ - (ومنها): جواز ابتداء الإمام بطلب صلح العدوّ إذا رأى المصلحة (١) أخرجه أحمد في ((مسنده)) ٣٢٦/٤، ورجاله ثقات. ٢٤٩ (٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٩) للمسلمين فيه، ولا يتوقف ذلك على أن يكون ابتداءُ الطلب منهم. ١٧ - (ومنها): أن في قيام المغيرة بن شعبة على رأس رسول الله وعليه بالسيف، ولم يكن عادته أن يقام على رأسه، وهو قاعد سُنَّة يُقتَدى بها عند قدوم رُسُل العدوّ من إظهار العزّ، والفخر، وتعظيم الإمام، وطاعته، ووقايته بالنفوس، وهذه هي العادة الجارية عند قدوم رسل المؤمنين على الكافرين، وقدوم رسل الكافرين على المؤمنين، وليس هذا من هذا النوع الذي ذمّه النبيّ وَّ بقوله: ((من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً، فليتبوأ مقعده من النار))(١)، كما أن الفخر والخيلاء في الحرب ليسا من هذا النوع المذموم في غيره. ١٨ - (ومنها): أن في بعث البُدُن في وجه الرسول الآخر دليلٌ على استحباب إظهار شعائر الإسلام لرسل الكفّار. ١٩ - (ومنها): أن في قول النبيّ وَّهر للمغيرة: ((أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء)» دليلاً على أن مال المشرك المعاهد معصوم، وأنه لا يُملك، بل يُرَدّ عليه، فإن المغيرة كان قد صَحِبهم على الأمان، ثم غَدَر بهم، وأخَذَ أموالهم، فلم يتعرض النبيّ وََّ لأموالهم، ولا ذَبّ عنها، ولا ضَمِنها لهم؛ لأن ذلك كان قبل إسلام المغيرة. ٢٠ - (ومنها): أن في قول الصدّيق ◌َُّه العروة: ((امْصُص ببظْر اللات)) دليلاً على جواز التصريح باسم العورة، إذا كان فيه مصلحة تقتضيها تلك الحال، كما أَذِن النبيّ ◌َ﴿ أن يصرِّح لمن اذَّعَى دعوى الجاهلية بِهَنِ أبيه، ويقال له: اعْضَض أَيْرَ(٢) أبيك، ولا يُكنَى له، فلكل مقام مقال. ٢١ - (ومنها): احتمال قلة أدب رسول الكفار، وجهله، وجفوته، ولا يقابل على ذلك؛ لِمَا فيه من المصلحة العامة، ولم يقابل النبيّ وَّ عروة على أخذه بلحيته وقت خطابه، وإن كانت تلك عادة العرب، لكن الوقار والتعظيم خلاف ذلك، وكذلك لم يقابل رسول الله وَله رسولَيْ مسيلمة الكذّاب، حين (١) أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ بإسناد صحيح. (٢) ((الأير)): الذَّكر. ٢٥٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير قالا: نشهد أنه رسول الله، وقال: ((لولا أن الرسل لا تُقتل لقتلتكما))(١). ٢٢ - (ومنها): طهارة النخامة، سواء كانت من رأس أو صدر. ٢٣ - (ومنها): طهارة الماء المستعمل. ٢٤ - (ومنها): استحباب التفاؤل، وأنه ليس من الطَّرة المكروهة؛ لقوله لَمّا جاء سهيل: ((سَهُل أمركم)). ٢٥ - (ومنها): أن المشهود عليه إذا عُرف باسمه، واسم أبيه، أغنى ذلك عن ذكر الجَدّ؛ لأن النبيّ وَّ و لم يزد على محمد بن عبد الله، وقَنِع من سهيل بذكر اسمه، واسم أبيه خاصّةً، واشتراط ذِكر الجدّ لا أصل له، ولَمّا اشترى العَدّاء بن خالد منه وَّر الغلام، فكَتَب له: «هذا ما اشترى العَدّاء بن خالد بن هَوْذة))(٢)، فذكر جدّه، فهو زيادة بيان، تدلّ على أنه جائز، لا بأس به، ولا تدلّ على اشتراطه، ولمّا لم يكن في الشهرة بحيث يكتفى باسمه، واسم أبيه، ذَكَر جدّه فيشترط ذِكْر الجدّ عند الاشتراك في الاسم، واسم الأب، وعند عدم الاشتراك اكتُفِي بذكر الاسم، واسم الأب، والله أعلم. ٢٦ - (ومنها): أن مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضَيْم على المسلمين جائزة؛ للمصلحة الراجحة، ودَفْع ما هو شرّ منه، ففيه دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما . ٢٧ - (ومنها): أن مَن حَلَف على فعل شيء، أو نَذَره، أو وعد غيره به، ولم يعيّن وقتاً، لا بلفظه، ولا بنيّته، لم يكن على الفور، بل على التراخي. ٢٨ - (ومنها): أن الْحلق نسكٌ، وأنه أفضل من التقصير، وأنه نُسك في العمرة، كما هو نُسك في الحج، وأنه نُسك في عمرة المحصور، كما هو نُسك في عمرة غيره. ٢٩ - (ومنها): أن المحصَر ينحر هديه حيث أُحصر من الحِلّ، أو الحرم، وأنه لا يجب عليه أن يواعد مَن ينحره في الحرم، إذا لم يصل إليه، (١) أخرجه أحمد، وأبو داود بإسناد صحيح. (٢) حديث حسنٌ، أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه بسند قويّ. ٢٥١ (٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبَِةِ - حديث رقم (٤٦٢٩) وأنه لا يتحلل حتى يصل إلى محلّه، بدليل قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْىَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ ◌َحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]. ٣٠ - (ومنها): أن الموضع الذي نُحر فيه الهدي كان من الحلّ، لا من الحرم؛ لأن الحرم كله محل الهدي. ٣١ - (ومنها): أن المحصر لا يجب عليه القضاء؛ لأنه ◌َ﴾ أمرهم بالحلق والنحر، ولم يأمر أحداً منهم بالقضاء، والعمرة من العام القابل لم تكن واجبةً، ولا قضاءً عن عمرة الإحصار، فإنهم كانوا في عمرة الإحصار ألفاً وأربعمائة، وكانوا في عمرة القَضِيَّة دون ذلك، وإنما سُمِّيت عمرة القضية، والقضاء؛ لأنها العمرة التي قاضاهم عليها، فأضيفت العمرة إلى مصدر فعله. ٣٢ - (ومنها): أن الأمر المطلق على الفور، وإلا لم يغضب لتأخيرهم الامتثال عن وقت الأمر، وقد اعتذر عن تأخيرهم الامتثال بأنهم كانوا يرجون النسخ، فأخّروا متأوّلين لذلك، وهذا الاعتذار أولى أن يُعتذر عنه، وهو باطل؛ فإنه وَ﴿ لو فَهِم منهم ذلك، لم يشتدّ غضبه لتأخير أمره، ويقول: ما لي لا أغضب، وأنا آمر بالأمر، فلا أُتَّبَعُ؟ وإنما كان تأخيرهم من السعي المغفور، لا المشكور، وقد رضي الله عنهم، وغَفَر لهم، وأوجب لهم الجنة. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال ابن القيّمِ نَّثُ، والذي يظهر لي أن التأويل الأول هو الأولى، المناسب لحال الصحابة ﴿، ولا وجه لردّه، بل هو أولى، ثم أولى مما أوّله هو به، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. ٣٣ - (ومنها): أن الأصل مشاركة أمته له وَلقر في الأحكام، إلا ما خصه الدليل، ولذلك قالت أم سلمة ◌ُّ: اخرُج، ولا تُكَلِّم أحداً حتى تحلق رأسك، وتنحر هديك، وعَلِمَت أن الناس سيتابعونه. [فإن قيل]: فكيف فعلوا ذلك اقتداء بفعله، ولم يمتثلوه حين أمرهم به؟. [قيل]: هذا هو السبب الذي لأجله ظَنّ من ظَنّ أنهم أخّروا الامتثال طمعاً في النَّسخ، فلما فَعَل النبيّ ◌َّر ذلك علموا حينئذ أنه حكم مستقرّ، غير منسوخ، وقد تقدم فساد هذا الظنّ، ولكن لمّا تغيّظ عليهم، وخرج، ولم يكلمهم، وأراهم أنه بادر إلى امتثال ما أَمَر به، وأنه لم يؤخر كتأخيرهم، وأن اتباعهم له، وطاعتهم توجب اقتداءهم به، بادروا حينئذ إلى الاقتداء به، وامتثال أمره. ٢٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أنّه لا يخفى كون هذا الظنّ الذي شنّ الغارة عليه ابن القيّم، من أقوى ما يُستدلّ به على صحة التأويل الماضي، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. ٣٤ - (ومنها): جواز صلح الكفار على ردّ من جاء منهم إلى المسلمين، وأن لا يُرَدّ من ذهب من المسلمين إليهم، هذا في غير النساء، وأما النساء فلا يجوز اشتراط ردهنّ إلى الكفار، وهذا موضع النسخ خاصّة في هذا العقد، بنصّ القرآن، ولا سبيل إلى دعوى النسخ في غيره بغير موجب. ٣٥ - (ومنها): أن خروج البُضْع من ملك الزوج متقوَّم، ولذلك أوجب الله ◌ّل ردّ المهر على من هاجرت امرأته، وحيل بينه وبينها، وعلى من ارتدت امرأته من المسلمين، إذا استحقّ الكفار عليهم ردّ مهور من هاجر إليهم من أزواجهم، وأخبر أن ذلك حكمه الذي حكم به بينهم، ثم لم ينسخه شيء، وفي إيجابه ردّ ما أعطى الأزواج من ذلك دليل على تقوّمه بالمسمى، لا بمهر المثل. ٣٦ - (ومنها): أن ردّ من جاء من الكفار إلى الإمام، لا يتناول من خرج منهم مسلماً إلى غير بلد الإمام، وأنه إذا جاء إلى بلد الإمام لا يجب عليه ردّه بدون الطلب، فإن النبيّ ◌َ﴿ لم يردّ أبا بصير حين جاءه، ولا أكرهه على الرجوع، ولكن لمّا جاءوا في طلبه مَكَّنهم من أخذه، ولم يُكرهه على الرجوع. ٣٧ - (ومنها): أن المعاهدين إذا تسلموه، وتمكنوا منه، فقَتَل أحداً منهم لم يضمنه بِدِیة، ولا قَوَد، ولم يضمنه الإمام، بل یکون حکمه في ذلك حكم قَتْله لهم في ديارهم، حيث لا حكم للإمام عليهم، فإن أبا بصير قَتَل أحد الرجلين المعاهدين بذي الحليفة، وهي من حُكم المدينة، ولكن كان قد تسلّموه، وفُصِل عن يد الإمام، وحکمه. ٣٨ - (ومنها): أن المعاهدين إذا عاهدوا الإمام، فخرجت منهم طائفة فحاربتهم، وغَنِمت أموالهم، ولم يتحيزوا إلى الإمام، لم يجب على الإمام دفعهم عنهم، ومنعهم منهم، وسواء دخلوا في عقد الإمام، وعهده، ودينه، أو لم يدخلوا، والعهد الذي كان بين النبيّ وَّه وبين المشركين لم يكن عهداً بين أبي بصير وأصحابه وبينهم، وعلى هذا فإذا كان بين بعض ملوك المسلمين، ٢٥٣ (٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٩) وبعض أهل الذمة من النصارى، وغيرهم، عَهْدٌ جاز لملك آخر من ملوك المسلمين أن يغزوهم، ويغنم أموالهم، إذا لم يكن بينه وبينهم عهدٌ، كما أفتى به شيخ الإسلام في نصارى مَلَظْيَةً، وسبيهم مستدلاً بقصة أبي بصير مع المشركين(١). قال رهالهُ : [فصل]: في الإشارة إلى بعض الْحِكَم التي تضمنتها هذه الهدنة، وهي أكبر وأجلّ من أن يحيط بها إلا الله الذي أحكم أسبابها، فوقعت الغاية على الوجه الذي اقتضته حكمته، وحمده. ١ - (فمنها): أنها كانت مقدمةً بين يدي الفتح الأعظم الذي أعزّ الله به رسوله وَل، وجنده، ودخل الناس به في دين الله أفواجاً، فكانت هذه الهدنة باباً له، ومفتاحاً، ومُؤْذِناً بين يديه، وهذه عادة الله ◌ّ في الأمور العظام التي يقضيها قدراً وشرعاً أن يوطئ لها بين يديها مقدمات، وتوطئات، تُؤْذِن بها، وتدلّ عليها . ٢ - (ومنها): أن هذه الهدنة كانت من أعظم الفتوح، فإن الناس أَمِن بعضهم بعضاً، واختلط المسلمون بالكفار، وبادءوهم بالدعوة، وأسمعوهم القرآن، وناظروهم على الإسلام جهرةً، آمنين، وظهر من كان مختفياً بالإسلام، ودخل فيه في مدة الهدنة من شاء الله أن يدخل، ولهذا سَمّاه الله فتحاً مبيناً، قال ابن قتيبة: قضينا لك قضاءً عظيماً، وقال مجاهد: هو ما قضى الله له بالحديبية، وحقيقة الأمر أن الفتح - في اللغة - فتح المغلَق، والصلح الذي حصل مع المشركين بالحديبية كان مسدوداً مغلقاً حتى فتحه الله، وكان من أسباب فتحه صدّ رسول الله وَ له وأصحابه عن البيت، وكان في الصورة الظاهرة ضيماً، وهضماً للمسلمين، وفي الباطن عزّاً وفتحاً ونصراً، وكان رسول الله وَله ينظر إلى ما وراءه من الفتح العظيم، والعز، والنصر، من وراء ستر رقيق، وكان يعطي المشركين كلّ ما سألوه من الشروط التي لم يحتملها أكثر أصحابه، ورؤوسهم، وهو ثّ يعلم ما في ضمن هذا المكروه من محبوب، ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]. (١) ((زاد المعاد)) ٣٠٠/٣ - ٣٠٩. ٢٥٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير مَحْبُوبِهَا سَبَباً مَا مِثْلُهُ سَبَبُ وَرُبَّمَا كَانَ مَكْرُوهُ النُّفُوسِ إِلَى فكان يدخل على تلك الشروط دخول واثق بنصر الله له، وتأييده، وأن العاقبة له، وأن تلك الشروط، واحتمالها هو عين النصرة، وهو من أكبر الجند الذي أقامه المشترطون، ونصبوه لحربهم، وهم لا يشعرون، فذلَّوا من حيث طلبوا العزّ، وقُهِروا من حيث أظهروا القدرة، والفخر، والغلبة، وعَزَّ رسولُ الله ◌َّ﴿ وعساكر الإسلام، من حيث انكسروا لله، واحتملوا الضيم له، وفيه، فدار الدَّوْر، وانعكس الأمر، وانقلب العزّ بالباطل ذلّاً بحقّ، وانقلبت الكسرة لله عزّاً بالله، وظهرت حكمة الله، وآياته، وتصديق وعده، ونصرة رسوله وخير على أتم الوجوه، وأكملها التي لا اقتراح للعقول وراءها. ٣ - (ومنها): ما سَبَّبَهُ مُعَلَ للمؤمنين من زيادة الإيمان، والإذعان، والانقياد، على ما أحبوا، وكرهوا، وما حصل لهم في ذلك من الرضى بقضاء الله، وتصديق موعوده، وانتظار ما وُعِدوا به، وشهود منة الله، ونعمته عليهم بالسكينة التي أنزلها في قلوبهم، أحوج ما كانوا إليها في تلك الحال التي تزعزع لها الجبال، فأنزل الله عليهم من سكينته، ما اطمأنت به قلوبهم، وقَوِيت به نفوسهم، وازدادوا به إيماناً . ٤ - (ومنها): أنه جعل هذا الحكم الذي حكم به لرسوله ول وللمؤمنين سبباً لِمَا ذكره من المغفرة لرسوله وَّطله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولإتمام نعمته عليه، ولهدايته الصراط المستقيم، ونَصْره النصر العزيز، ورضاه به، ودخوله تحته، وانشراح صدره به، مع ما فيه من الضيم، وإعطاء ما سألوه كان من الأسباب التي نال بها الرسول وَ له وأصحابه ذلك، ولهذا ذكره الله ثَلَ جزاء وغاية، وإنما يكون ذلك على فعل قام بالرسول وَير والمؤمنين عند حكمه تعالی وفتحه. وتأمل كيف وصف ◌َلَ النصر بأنه عزيز في هذا الموطن، ثم ذكر إنزال السكينة في قلوب المؤمنين في هذا الموطن الذي اضطربت فيه القلوب، وقَلِقَت أشد القلق، فهي أحوج ما كانت إلى السكينة، فازدادوا بها إيماناً إلى إيمانهم. ثم ذكر بيعتهم لرسوله وَّله، وأكّدها بكونها بيعة له تُعَلَ، وأن يده تعالى كانت فوق أيديهم؛ إذ كانت يد رسول الله ◌َ ر كذلك، وهو رسوله، ونبيّه، ٢٥٥ (٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٩) فالعقد معه عقد مع مرسِله، وبيعته بيعته، فمن بايعه فكأنما بايع الله، ويد الله فوق يده، وإذا كان الحجر الأسود يمين الله في الأرض(١)، فمن صافحه، وقَبَّله فكأنما صافح الله، وقبّل يمينه، فيدُ رسول الله وَ له أولى بهذا من الحجر الأسود. ثم أخبر أن ناكث هذه البيعة، إنما يعود نكثه على نفسه، وأن للموفي بها أجراً عظيماً، فكل مؤمن فقد بايع الله على لسان رسوله بيعة على الإسلام، وحقوقه، فناكثٌ، ومُوفٍ. ثم ذكر حال من تخلف عنه من الأعراب، وظنهم أسوأ الظن بالله، أنه يخذل رسوله، وأولياءه، وجنده، ويُظفر بهم عدوهم، فلن ينقلبوا إلى أهليهم، وذلك من جهلهم بالله ◌ُعَلَ، وأسمائه، وصفاته، وما يليق به، وجهلهم برسوله وَ﴾، وما هو أهلٌ أن يعامله به ربه ومولاه. ثم أخبر سبحانه عن رضاه عن المؤمنين بدخولهم تحت البيعة لرسوله والث قه، وأنه ◌ُّنَ عَلم ما في قلوبهم حينئذ من الصدق والوفاء، وكمال الانقياد، والطاعة، وإيثار الله ورسوله ◌َّالقر على ما سواه، فأنزل الله السكينة، والطمأنينة، والرضى في قلوبهم، وأثابهم على الرضى بحكمه، والصبر لأمره فتحاً قريباً، ومغانم كثيرةً، يأخذونها، وكان أول الفتح والمغانم فتح خيبر، ومغانمها، ثم استمرت الفتوح، والمغانم إلى انقضاء الدهر. ووعدهم سبحانه مغانم كثيرة يأخذونها، وأخبرهم أنه عَجَّل لهم هذه الغنيمة، وفيها قولان: أحدهما: أنه الصلح الذي جرى بينهم وبين عدوهم. والثاني: أنها فتح خيبر وغنائمها، ثم قال: ﴿وَكَفَّ أَيْدِىَ النَّاسِ عَنَكُمْ﴾ [الفتح: ٢٠]، فقيل: أيدي أهل مكة أن يقاتلوهم. وقيل: أيدي اليهود حين هموا بأن يغتالوا مَن بالمدينة بعد خروج رسول الله 380 بمن معه من الصحابة منها. (١) ((الحجر الأسود يمين الله في الأرض ... )) حديث منكر لا يصحّ ذكره للاحتجاج به كما فعل ابن القيّم، فتنبّه. ٢٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير وقيل: هم أهل خيبر، وحلفاؤهم الذين أرادوا نصرهم من أسد، وغطفان . والصحيح تناول الآية للجميع. وقوله: ﴿وَلِتَّكُونَ ءَايَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٠] قيل: هذه الفعلة التي فعلها بكم، وهي كفّ أيدي أعدائكم عنكم، مع كثرتهم، فإنهم حينئذ كان أهل مكة ومن حولها، وأهل خيبر ومن حولها، وأسد، وغطفان، وجمهور قبائل العرب أعداء لهم، وهم بينهم كالشامة، فلم يصلوا إليهم بسوء، فمن آيات الله سبحانه كفّ أيدي أعدائهم عنهم، فلم يصلوا إليهم بسوء، مع كثرتهم، وشدة عداوتهم، وتولي حراستهم، وحِفْظِهم في مشهدهم ومَغِيبهم. وقيل: هي فتح خيبر، جعلها آية لعباده المؤمنين، وعلامة على ما بعدها من الفتوح، فإن الله سبحانه وعدهم مغانم كثيرة، وفتوحاً عظيمة، فعَجّل لهم فتح خيبر، وجعلها آية لِمَا بعدها، وجزاءً لصبرهم ورضاهم يوم الحديبية، وشكراناً، ولهذا خُصّ بها وبغنائمها من شهد الحديبية. ثم قال: ﴿وَبَهْدِيَكُمْ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢٠] فجمع لهم إلى النصر والظفر والغنائم الهداية، فجعلهم مهديين، منصورين، غانمين، ثم وعدهم مغانم كثيرة، وفتوحاً أخرى، لم يكونوا ذلك الوقت قادرين عليها، فقيل: هي مكة، وقيل: هي فارس والروم، وقيل: الفتوح التي بعد خيبر من مشارق الأرض ومغاربها . ثم أخبر سبحانه أن الكفار لو قاتلوا أولياءه لولى الكفار الأدبار، غير منصورين، وأن هذه سُنَّته في عباده قبلهم، ولا تبديل لسُنَّته. [فإن قيل]: فقد قاتلوهم يوم أحد، وانتصروا عليهم، ولم يولوا الأدبار؟. [قيل]: هذا وعد معلّق بشرط مذكور في غير هذا الموضع، وهو الصبر والتقوى، وفات هذا الشرط يوم أحد بفشلهم المنافي للصبر، وتنازعهم وعصيانهم المنافي للتقوى، فصرفهم عن عدوهم، ولم يحصل الوعد؛ لانتفاء شرطه . ثم ذكر - سبحانه - أنه هو الذي كفّ أيدي بعضهم عن بعض من بعد أن أظفر المؤمنين بهم لِمَا له في ذلك من الحكم البالغة التي منها: أنه كان فيهم ٢٥٧ (٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَّةِ - حديث رقم (٤٦٢٩) رجال ونساء قد آمنوا، وهم يكتمون إيمانهم، لم يعلم بهم المسلمون، فلو سلطكم عليهم لأصبتم أولئك بمعرّة الجيش، وكان يصيبكم منهم معرّة العدوان، والإيقاع بمن لا يستحق الإيقاع به. وذكر سبحانه حصول المعرّة بهم من هؤلاء المستضعفين المستخفين بهم؛ لأنها موجب المعرّة الواقعة منهم بهم. وأخبر سبحانه أنهم لو زايلوهم، وتميزوا منهم لعذّب أعداءه عذاباً أليماً في الدنيا، إما بالقتل والأسر، وإما بغيره، ولكن دَفَع عنهم هذا العذاب؛ لوجود هؤلاء المؤمنين بين أظهرهم، كما كان يدفع عنهم عذاب الاستئصال، ورسوله وَ ه بين أظهرهم. ثم أخبر سبحانه عما جعله الكفار في قلوبهم من حمية الجاهلية التي مصدرها الجهل والظلم التي لأجلها صدّوا رسوله وعباده عن بيته، ولم يقرّوا بـ((بسم الله الرحمن الرحيم))، ولم يقروا لمحمد بأنه رسول الله وَلقر مع تحققهم صدقه، وتيقنهم صحة رسالته بالبراهين التي شاهدوها، وسمعوا بها في مدة عشرين سنة، وأضاف هذا الجعل إليهم، وإن كان بقضائه وقدره، كما يضاف إليهم سائر أفعالهم التي هي بقدرتهم وإرادتهم. ثم أخبر - سبحانه - أنه أنزل في قلب رسوله وَل* وأوليائه من السكينة ما هو مقابل لِمَا في قلوب أعدائه من حمية الجاهلية، فكانت السكينة حظّ رسوله * وحزبه، وحمية الجاهلية حظ المشركين وجندهم، ثم ألزم عباده المؤمنين كلمة التقوى، وهي جنس يعمّ كل كلمة يتقى الله بها، وأعلى نوعها كلمة الإخلاص، وقد فُسّرت بـ((بسم الله الرحمن الرحيم))، وهي الكلمة التي أبت قريش أن تلتزمها، فألزمها الله أولياءه وحزبه، وإنما حَرَمها أعداءه؛ صيانةً لها عن غير كفئها، وألزمها من هو أحقّ بها وأهلها، فوضعها في موضعها، ولم يضيّعها بوضعها في غير أهلها، وهو العليم بمحالّ تخصيصه ومواضعه. ثم أخبر سبحانه أنه صَدَقَ رسوله رؤياه في دخولهم المسجد آمنين، وأنه سيكون ولا بدّ، ولكن لم يكن قد آن وقت ذلك في هذا العام، والله سبحانه علم من مصلحة تأخيره إلى وقته ما لم تعلموا أنتم، فأنتم أحببتم استعجال ٢٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير ذلك، والرب تعالى يعلم من مصلحة التأخير وحكمته، ما لم تعلموه، فقدّم بين يدي ذلك فتحاً قريباً توطئة له وتمهيداً . ثم أخبرهم بأنه هو الذي أرسل رسوله بالهدى، ودين الحقّ؛ ليظهره على الدين كله، فقد تكفل الله لهذا الأمر بالتمام، والإظهار على جميع أديان أهل الأرض، ففي هذا تقوية لقلوبهم، وبشارة لهم، وتثبيت، وأن يكونوا على ثقة من هذا الوعد الذي لا بدّ أن يُنجزه، فلا تظنوا أن ما وقع من الإغماض والقهر يوم الحديبية نصرة لعدوه، ولا تخلياً عن رسوله وَاله ودينه، كيف وقد أرسله بدينه الحقّ، ووعده أن يظهره على كل دين سواه. ثم ذَكَّر - سبحانه - رسوله وحزبه الذين اختارهم له، ومدحهم بأحسن المدح، وذكر صفاتهم في التوراة والإنجيل، فكان في هذا أعظم البراهين على صدق من جاء بالتوراة، والإنجيل، والقرآن، وأن هؤلاء هم المذكورون في الكتب المتقدمة، بهذه الصفات المشهورة فيهم، لا كما يقول الكفار عنهم: إنهم متغلبون، طالبو ملك ودنيا، ولهذا لما رآهم نصارى الشام، وشاهدوا هديهم، وسيرتهم، وعَدْلهم، وعِلمهم، ورحمتهم، وزهدهم في الدنيا، ورغبتهم في الآخرة، قالوا: ما الذين صَحِبُوا المسيح بأفضل من هؤلاء، وكان هؤلاء النصارى أعرف بالصحابة، وفضلهم، من الرافضة أعدائهم، والرافضة تصفهم بضدّ ما وصفهم الله به في هذه الآية، وغيرها، و: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِّ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ، وَلِيًّا قُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]. انتهى ما كتبه ابن القيّم ◌َّتُهُ، بطوله، وهو بحث نفيسٌ، وتحقيق أنيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِللهِ عَلَيْهِ تَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ . (٣٣) - (بَابُ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٣٠] (١٧٨٧) - (وَحَدَّثَنَا أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أبو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنٍ جُمَيْعٍ، حَدَّثَنَا أبو الطُّفَيْلِ، حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، قَالَ: مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْراً، إِلََّّ أَنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حُسَيْلٌ، قَالَ: فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، ٢٥٩ (٣٣) - بَابُ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ - حديث رقم (٤٦٣٠) قَالُوا: إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّداً، فَقُلْنَا: مَا نُرِيدُهُ، مَا نُرِيدُ إِلَّا الْمَدِينَةَ، فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ، لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَا نُقَاتِلُ مَعَهُ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ وَّرِ، فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: ((انْصَرِفَا نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللهَ عَلَيْهِمْ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم قبل حديثين. ٣ - (الْوَلِيدُ بْنُ جُمَيْع) هو: الوليد بن عبد الله بن جُميع - بالتصغير - نُسب هنا إلى جدّه، الزهَرِّيّ المكيّ، نزيل الكوفة، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالتشيّع [٥]. رَوَى عن أبي الطُّفيل، وعكرمة، ومجاهد، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن خلاد، وإبراهيم النخعيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه ثابت، وحفص بن غياث، ووكيع، ويحيى القطان، وأبو أحمد الزبيريّ، وابن فضيل، وأبو أسامة، ويزيد بن هارون، وغيرهم. قال أحمد، وأبو داود: ليس به بأسٌ، وقال ابن معين، والعجليّ: ثقةٌ، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال عمرو بن عليّ: كان يحيى بن سعيد لا يُحدّثنا عنه، فلما كان قبل موته بقليل حدّثنا عنه، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وذكره أيضاً في ((الضعفاء))، وقال: ينفرد عن الأثبات بما لا يشبه حديث الثقات، فلما فَحُش ذلك منه بطل الاحتجاج به، وقال ابن سعد: كان ثقةً، له أحاديث، وقال البزار: احتَملوا حديثه، وكان فيه تشيع، وقال العقيليّ: في حديثه اضطراب، وقال الحاكم: لو لم يُخرج له مسلم لكان أولى. أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٧٨٧)، وحديث آخر سيأتي في ((كتاب صفات المنافقين)) (٢٧٧٩): ((إن الماء قليل، فلا يسبقني إليه أحد ... )) الحديث. ٤ - (أَبُو الطَّفَيْل) عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو بن جحش الليثيّ، ٢٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير وُلد عامٍ أُحُد، ورأى النبيّ وَّه، وروى عن أبي بكر ◌َظُهُ، ومن بعده، وعُمّر ـيّ، قاله مسلم إلى أن مات سنة (١١٠هـ)، وهو آخر من مات من الصحابة وغيره (ع) تقدّم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ٧/ ١٦٣١. ٥ - (حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ) اسم اليمان حُسيل - مصغّراً - أو حِسْل - بكسر، فسكون - الْعَبْسيّ، حليف الأنصار الصحابيّ الشهير، مات ◌َظُبه في خلافة عليّ رَ الله سنة (٣٦هـ) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٥٧. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَظْلَفُهُ، وأنه مسلسلٌ بالتحديث إلا في موضع واحد، وفيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وأن أبا الظّفيل من صغار الصحابة ﴿ه، وُلد عام أُحُد، ورأى النبيّ وَّه، وروى عن أبي بكر حُه، ومَنْ بعده، وعُمّر إلى أن مات سنة (١١٠هـ)، وهو آخر من مات من الصحابة ، قاله مسلم وغيره، وأن حذيفة، من مشاهير الصحابة ﴿ه، من السابقين الأولين، وصحّ في ((صحيح مسلم)) أنه ◌َّ وأعلمه بما كان وبما يكون إلى أن تقوم الساعة، وأبوه صحابيّ أيضاً، استُشهِد بأحد ه. شرح الحديث: (عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْع) بالتصغير، تقدّم أنه الوليد بن عبد الله بن جُمیع، أنه قال: (حَدَّثَنَا أبو الطَّفَيَّلِ) مصغّراً، هو عامر بن واثلة الليثيّ ◌َظُه، قال: (حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ) ◌َُّهَا، أنه (قَالَ: مَا) نافيةٌ، (مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْراً)؛ أي: غزوتها، (إِلَّا أَنِّي) بفتح همزة ((أنّ))، والاستثناء مفرّغ؛ لتفرّغ ما قبل ((إلا)) للعمل فيما بعدها، ولذلك تُفتح ((أنّ))؛ لأنها مصدريّة، والمصدر المؤوّل فاعل ((يمنعني))، وقوله: ((أن أشهد بدراً)) في تأويل المصدر مفعول ثانٍ لـ((يمنعني))، أو مجرور بـ((من)) مقدّرةً؛ لأنه يقال: منعته الأمرَ، ومن الأمر مَنْعاً، فهو ممنوع منه؛ أي: مَحْرُومٌ(١) . والمعنى هنا: لم يمنعني شهودي غزوة بدر غيرُ خروجي ... إلخ. (١) ((المصباح المنير)) ٥٨٠/٢.