النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ (٣١) - بَابُ فَتْحِ مَكَّةَ، وَإِزَالَةِ الأَصْنَامِ مِنْ حَوْلِ الْكَعْبَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦١٨) قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَ يَقُولُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: ((لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ صَبْراً بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم قبل حديث. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل، ثقةٌ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. ٣ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسي، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٤ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة، تقدّم قبل بابين. ٥ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل الْهَمْدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ مشهور [٣] مات بعد المائة، وله نحو من (٨٠) سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُطِيع) بن الأسود بن حارثة بن نَضْلة بن عوف بن عُبيد بن عُويج بن عديّ بن كَعب الْعَدَويّ المدنيّ، وُلد في حياة النبيّ وَّه وكان رأس قريش يوم الحرّة، وأمّره ابن الزبير على الكوفة، ثم قُتل معه [٢] (بخ م). رَوَى عن أبيه، وعنه: ابناه إبراهيم، ومحمد، والشعبيّ، وعيسى بن طلحة، ومحمد بن أبي موسى، قال الزبير: كان من رجال قريش، جَلْداً وشجاعةً، وكان على قريش يوم الحرّة، واستعمله ابن الزبير على الكوفة، فأخرجه المختار بن أبي عُبيد منها، وقال ابن حبان: له صحبة، ووَهِمَ في نسبه، وقال يحيى بن سعيد الأنصاريّ: أذكر أني رأيت ثلاثة أرؤس قُدِم بها المدينةَ: رأس ابن الزبير، ورأس ابن مطيع، ورأس ابن صفوان، رواه البخاري في ((تاريخه))، قال: وقال لي عليّ: نُقِلُوا في يوم واحد؛ يعني: سنة ثلاث وسبعين. انفرد به البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، وله في الكتابين حديث الباب فقط. ٧ - (أَبُوهُ) مطيع بن الأسود بن حارثة بن نَضْلة بن عوف بن عُبيد بن ١٨٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير عُويج بن عديّ بن كعب القرشيّ العدويّ، كان اسمه العاص، فسمّاه رسول الله وَ﴿ مطيعاً، رَوَى عن النبيّ ◌َّ، ورَوَى عنه ابنه عبد الله، وعيسى بن طلحة بن عبيد الله. قال مصعب: مات بالمدينة في خلافة عثمان ◌ًا، وذكره ابن سعد في مُسّلِمة الفتح، وقال ابن الْبَرْقيّ: ذكر بعض أهل الحديث أنه قُتِل يوم الْجَمَل، ويقال: لم يدرك من عصاة قريش الإسلام أحدٌ غيره. تفرّد به البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، وله هذا الحديث فقط . [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَخَذَتُهُ، وفيه تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وأن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث فقط(١)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ زَكَرِيَّاءَ) بن أبي زائدة (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شَرَاحيل، أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِيهِ) مطيع بن الأسود ◌َه، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهِ يَقُولُ يَوْمَ فَتْحَّ مَكَّةَ: ((لَا يُقْتَلُ) بضمّ أوله مبنيّاً للمفعول، (قُرَشِيٌّ صَبْراً)؛ أي: قَتْل صَبْر بسبب الكفر؛ أي: لا يرتدّ، فيقتلَ صبراً على ردته، وقال أبو عبيد رَُّ: ليس معناه - والله أعلم - أنه نَهَى أن يُقْتَلَ إذا استوجب القتل، وما كانت قريش وغيرها عنده في الحقّ إلا سواءً، ولكن وَجْهه إنما هو على الخبر، أنه لا يرتدّ قرشيّ، فَيُقْتَلَ صبراً على الكفر. انتهى(٢). (بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ) يريد يوم الفتح، (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)) قال القرطبيّ ◌َُّ: أصل الصبر: الحبسَ، فمعنى: ((قُتِل صبراً))؛ أي: محبوساً، مأسوراً، لا في معركة، ومنه: المصبورة: المنهيّ عن قتلها، قال الحميديّ: وقد تأوَّل بعض (١) راجع: ((تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف)) ٣٩٢/٨ - ٣٩٣. (٢) ((غريب الحديث لابن سلّام)) ١٩١/٣. ١٨٣ (٣١) - بَابُ فَتْحِ مَكَّةَ، وَإِزَالَةِ الأَصْنَامِ مِنْ حَوْلِ الْكَعْبَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦١٨) العلماء هذا الحديث على معنى: أنه لا يُقْتَل قرشيّ مرتدّاً ثابتاً على الكفر صبراً؛ إذ قد وُجِد من قُتل منهم صبراً في القتال وغيره، ولم يوجد من قُتِل منهم صبراً، وهو ثابث على الكفر. وقال القاضي عياض: هذا إعلام منه و18ّ أنهم يُسلمون كلهم، كما كان، وأنهم لا يرتدّون بعده كما ارتدّ غيرهم ممن حورب، وقُتِل صبراً. انتهى (١). وقال النوويّ كَُّ: قال العلماء: معناه: الإعلام بأن قريشاً يُسلمون كلُّهم، ولا يرتدّ أحد منهم كما ارتدّ غيرهم بعده وَّ ممن حورب، وقُتِل صبراً، وليس المراد: أنهم لا يُقتَلون ظلماً صبراً، فقد جرى على قريش بعد ذلك ما هو معلوم، والله أعلم. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث مطيع بن الأسود ظه هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦١٨/٣١ و٤٦١٩] (١٧٨٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٩٣٩٩)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٥٦٨)، و(ابن أبي شيبة) في (مصنّفه)) (١٤ /٤٩٠)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (٨٢٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤١٢/٣ ٢١٣/٤)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٩٨/٢)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٢٢٧/٢) و((معاني الآثار)) (٢٢٦/٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٦٩٢/٢٠ و٦٩٣)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٣٧١٨)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٢٧٥/٤)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٤٥٠/٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٩٣/٤)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة)) (٦٣٨/٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان معجزة النبيّ ◌َ ﴿ل حيث أخبر بما يكون بعده، وهو أن (١) ((المفهم)) ٦٣٣/٣ - ٦٣٤. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٢/ ١٣٤. ١٨٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير قريشاً تدخل في الإسلام، ولا ترتدّ منه، فلا يُقتل منها أحد صبراً، فكان كما أخبر به، فلم يُسمع بقرشيّ قُتل مرتداً بخلاف سائر القبائل العربيّة، فقد ارتد منهم كثير بعد موته ◌َّ﴾، حتى قاتلهم أبو بكر ٢ - (ومنها): بيان فضل قريش حيث تبيّن ثباتها على الإسلام بعد دخولها فيه، ولم تُصِبْها محنة الردّة، فلم يُقتل واحد منهم بسبب الردّة. ٣ - (ومنها): أن من ارتدّ عن الإسلام يُقتل صبراً، إن لم يرجع إلى الإسلام، وهذا ما دلّ عليه قوله وَ ﴾: ((من بدّل دينه، فاقتلوه))، رواه البخاريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه تغيير الاسم القبيح إلى الاسم الحسن، كما غيّر النبيّ وَلقر اسم العاصي إلى المطيع، كما في الرواية الثانية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٦١٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ: قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ أَحَدٌ مِنْ عُصَاةِ قُرَيْشٍ غَيْرَ مُطِيعٍ، كَانَ اسْمُهُ الْعَاصِيَّ(١)، فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللهِ وَلِ مُطِيعاً). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (ابْنُ ثُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيّ، من كبار [٩] (ت١٩٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. و((زكريّاء)) بن أبي زائدة ذُكر قبله. وقوله: (وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ أَحَدٌ مِنْ عُصَاةٍ قُرَيْشٍ ... إلخ) قال القاضي عياض رَّتُهُ: ((عُصاة)) هنا جمع العاص من أسماء الأعلام، لا من الصفات؛ أي: ما أسلم ممن كان اسمه العاص، مثل العاص بن وائل السَّهْميّ، (١) وفي نسخة: ((العاص)) بحذف الياء. ١٨٥ (٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ والعاص بن هشام، أبي البختريّ، والعاص بن سعيد بن العاص بن أمية، والعاص بن هشام بن المغيرة المخزوميّ، والعاص بن مُنَبِّه بن الحجاج، وغيرهم سوى العاص بن الأسود العذريّ، فَغَيَّر النبيّ وَّ اسمه، فسماه مُطيعاً، وإلا فقد أسلمت عُصاة قريش وعُتَاتهم كلَّهم بحمد الله تعالى، ولكنه ترك أبا جَنْدَل بن سُهيل بن عمرو، وهو ممن أسلم، واسمه أيضاً العاص، فإذا صحّ هذا فَيَحْتَمِل أن هذا لَمَّا غَلَبَت عليه كنيته، وجُهِل اسمه لم يعرفه المُخْبِر باسمه، فلم يستثنه، كما استثنى مطيع بن الأسود، والله أعلم. انتهى(١). [تنبيه]: رواية عبد الله بن نُمير، عن زكريّاء بن أبي زائدة هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ . (٣٢) - (بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ) ((الْحُديبية)): بتشديد الياء وتخفيفها لغتان، وأنكر كثير من أهل اللغة التخفيف، وقال أبو عبيد البكريّ: أهل العراق يثقّلون، وأهل الحجاز يُخفّفون. (٢) انتھی" وهي بئر بقرب مكة على طريق جُدّة دون مرحلة، ثم أُطلق على الموضع، ويقال: بعضه في الحِلّ، وبعضه في الحَرَم، وهو أبعد أطراف الحرم عن البيت. وقال في ((الفتح)): الحديبية بئر، سُمّي المكان بها، وقيل: شجرة حَدْباء صُغِّرت، وسُمّي المكان بها، قال المحبّ الطبريّ: الحديبية قرية قريبة من مكة، أكثرها في الحرم. انتهى(٣). وقد تقدّم البحث في هذا مستوفى في ((كتاب الحجّ)) [٣٠٣٤/٣٢] (١٢٥٣). (١) ((إكمال المعلم)) ٦/ ١٤٧. (٢) ((الفتح)) ٢٥٥/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٤٧). (٣) ((الفتح)) ٦٢٦/٦. ١٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير [تنبيه]: وقع في رواية ابن إسحاق في ((المغازي)) عن الزهريّ: (خرج ◌َلـ عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالاً)). ووقع عند ابن سعد أنه ﴿ خرج يوم الاثنين لهلال ذي القعدة، زاد سفيان عن الزهريّ عند البخاريّ في ((المغازي))، وكذا في رواية أحمد عن عبد الرزاق: ((في بضع عشرة مائة، فلما أتى ذا الحليفة، قَلَّد الهدي، وأشعره، وأحرم منها بعمرة، وبعث عيناً له من خزاعة)). ورَوَى عبد العزيز الإماميّ، عن الزهريّ في هذا الحديث، عند ابن أبي شيبة تَّتُهُ: ((خرج و ﴿ في ألف وثمانمائة، وبعث عيناً له من خزاعة، يُدْعَى ناجية، يأتيه بخبر قريش))، قال الحافظ تَخَّتُهُ: كذا سماه ناجية، والمعروف أن ناجية اسم الذي بَعَث معه الهديَ، كما صرح به ابن إسحاق وغيره، وأما الذي بعثه عيناً لخبر قريش، فاسمه بُسْر بن سفيان، كذا سماه ابن إسحاق، وهو بضمّ الموحدة، وسكون المهملة، على الصحيح. انتهى(١). وقال في ((الفتح)) في موضع آخر: وكان توجُّهه وَيقول من المدينة يوم الاثنين مُسْتَهَلَّ ذي القعدة، سنة ستّ من الهجرة، فخرج قاصداً إلى العمرة، فصدّه المشركون عن الوصول إلى البيت، ووقعت بينهم المصالحة، على أن يدخل مكة في العام المقبل. وجاء عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه خرج في رمضان، واعتمر في شوّال، وشذّ بذلك، وقد وافق أبو الأسود عن عروة الجمهورَ، ومضى في (كتاب الحجّ)) قول عائشة خيرًا: ((ما اعتمر رسول الله وَّ إلا في ذي القعدة))(٢) . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٢٠] (١٧٨٣) - (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، يَقُولُ: كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبِ الصُّلْحَ بَيْنَ النَّبِيِّ وَهُ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْحُدَّيْبِيَةِ، فَكَتَبَ: (١) ((الفتح)) ٦٢٦/٦، كتاب ((الشروط)) رقم (٢٧٣١). (٢) ((الفتح)) ٢٥٥/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٤٧). ١٨٧ (٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٠) ((هَذَا مَا كَاتَبَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ))، فَقَالُوا: لَا تَكْتُبْ ((رَسُولُ اللهِ)، فَلَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ لَمْ نُقَاتِلْكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ لِعَلِيٍّ: ((امْحُهُ»، فَقَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِى أَمْحَاهُ، فَمَحَاهُ النَّبِيُّ نَّهِ بِيَدِهِ، قَالَ: وَكَانَ(١) فِيمَا اشْتَرَطُوا: أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، فَيُقِيمُوا بِهَا ثَلَاثاً، وَلَا يَدْخُلَهَا بِسِلَاحِ، إِلَّ جُلْبَّنَ السَّلاَحِ، قُلْتُ لأَّبِي إِسْحَاقَ: وَمَا جُلُبَّانُ السِّلَاحِ؟ قَالَ: الْقِرَابُ، وَمَا فِيهِ). رجال هذا الإسناد: خمسةٌ: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبَريّ، أبو الْمُثَنَّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الشهير، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله الْهَمْداني السَّبِيعيّ، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. ٥ - (الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ) بن الحارث الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ّ، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف رَُّهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين إلى شعبة، والباقيان کوفیّان. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السبيعيّ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ) (يَقُولُ: كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) رَّبُهُ (الصُّلْحَ)؛ أي: عَقْد الصلح الذي جرى (بَيْنَ النَّبِّ وَّهِ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ) سنة ستّ من الهجرة (يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ) تقدّم أنها بتشديد الياء، وتخفيفها، والأكثرون على التخفيف، (فَكَتَبَ) بالبناء للفاعل؛ أي: كَتَب عليّ ◌َهِ، وقوله: ((هَذَا مَا كَاتَبَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ))) مفعول به (١) وفي نسخة: ((فكان)). ١٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير لـ(كتَبَ)) محكيّ؛ لقصد لفظه، وفي الرواية الآتية: ((هذا ما قاضى عليه محمد ( *))، قال العلماء: معنى قاضى هنا: فاصل، وأمضى أمره عليه، ومنه: قضى القاضي؛ أي: فَصَل الحكمَ، وأمضاه، ولهذا سُمِّيت تلك السنة عام المقاضاة، وعمرة القَضِيّة، وعمرة القضاء، كله من هذا، وغَلَّطُوا من قال: إنها سُمِّيت عمرة القضاء؛ لقضاء العمرة التي صُدَّ عنها؛ لأنه لا يجب قضاء المصدود عنها، إذا تحلل بالإحصار، كما فَعَلَ النبيّ وَّهِ وأصحابه في ذلك العام، قاله النوويّ تَذَتْهُ(١). (فَقَالُوا)؛ أي: المشركون الذين أتوا لإبرام الصلح معه وَلّى، وأصحابه رضيؤه، (لَا) ناهية، ولذا جُزم بها قوله: (تَكْتُبْ ((رَسُولُ اللهِ)) يَحْتَمِل أن يكون مرفوعاً على الحكاية لقوله: ((هذا ما کاتب علیه محمد رسول الله))، ويَحْتَمِل أن يكون منصوباً على المفعوليّة بترك الحكاية، (فَلَوْ نَعْلَمُ أَنََّكَ رَسُولُ اللهِ لَمْ نُقَاتِلْك) وفي رواية للبخاريّ: ((لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئاً))، زاد في رواية: ((ولبايعناك))، وعند النسائي: ((ما منعناك بيته))، وفي رواية شعبة عن أبي إسحاق: ((لو كنت رسول الله لم نقاتلك))، وفي حديث أنس: ((لاتبعناك))، وفي حديث المسور: ((فقال سهيل بن عمرو: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك))، وفي رواية أبي الأسود، عن عروة في ((المغازي)): ((فقال سهيل: ظلمناك إن أقررنا لك بها، ومنعناك))، وفي حديث عبد الله بن مغفل: ((لقد ظلمناك إن كنت رسولاً)). وهذا كلّه من جراءتهم، وعنادهم، وإلا فهم يعلمون أنه رسول الله وَله؛ لظهور الآيات والمعجزات التي تدلّ على صدقه، ولذلك قاله الله له وعليه: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِئَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَمْ﴾ الآية [النمل: ١٤] (فَقَالَ النَّبِيُّ وَِّ لِعَلِيٍّ) ◌َبهِ ((اهْحُهُ)))؛ أي: أزل لفظ ((محمد رسول الله)) من الكتاب، حتى لا يتركوا الصلح بسببه، (فَقَالَ) عليّ ◌َظُه: (مَا) نافية، (أَنَا بِالَّذِي أَمْحَاهُ) هكذا هو في جميع النسخ: ((بالذي أمحاه))، وهي لغة في (١) ((شرح النوويّ)) ١٣٥/١٢. ١٨٩ (٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٠) ((أمحوه))، وفي رواية للبخاريّ: ((فقال: لا والله لا أمحوك أبداً))، وللنسائيّ من طريق علقمة بن قيس، عن عليّ: ((قال: كنت كاتب النبيّ ◌َ 18 يوم الحديبية، فكتبت: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: لو علمنا أنه رسول الله ما قاتلناه، امحها، فقلت: هو والله رسول الله وَّل، وإن رَغِمَ أنفك، لا والله لا أمحوها)). قال في ((الفتح)): وكأن عليّاً فَهِم أن أمره له بذلك ليس متحتماً، فلذلك امتنع من امتثاله، وزاد في حديث عليّ رَظُه عند النسائيّ: ((وقال: أما إن لك مثلها، وستأتيها، وأنت مضطرّ))، يشير و ﴿ إلى ما وقع لعليّ يوم الحكمين، فکان کذلك. انتھی(١). وقال النوويّ كَُّ: وهذا الذي فعله عليّ ظُه من باب الأدب المستحبّ؛ لأنه لم يَفْهَمْ من النبيّ بَّ تحتيم محو عليّ بنفسه، ولهذا لم يُنكِر عليه، ولو حَتَمَ محوه بنفسه لم يجز لعليّ تركه، ولَمَا أقرّه النبيّ ◌َّ على المخالفة. انتهى (٢). وقال القرطبيّ رَُّهُ: قوله: ((يمحاها)): يذهبها، ويزيلها؛ يعني: الكلمة التي نازعوه فيها، يقال: محوت الشيءَ أمحوه، من باب نصر، ومحيته أمحاه، من باب نفع، محواً، ومحياً. وامتناع عليّ من المحو مع أمر النبيّ وَّر بذلك، إنما كان؛ لأنه لم يفهم من ذلك الأمرَ الجزمَ، ولا الإيجاب، وإنما فَهِمَ أن النبيّ وَّر أمره بذلك على جهة المصلحة في موافقتهم على ما طلبوه، لكن خَفِي على عليّ وعمر وغيرهما وجه المصلحة في ذلك؛ ولذلك عَظُمت عليهم تلك الحال، واشتدت عليهم حتى قال عمر ما قال، وحلف عليّ ألا يمحو ما أمره بمحوه تعظيماً لمحو اسم الرسالة عن النبيّ وَ﴿، والنبيّ ◌َّ في كل ذلك مُقبل على ما أراه الله، وممتثل أمر الله تعالى، ساكن الجأش، واثقاً بأن الله لا يضيّعه، وأن الله سيجعل لهم في ذلك خيراً وفرجاً، ولذلك كان حال أبي بكر من سكون الجأش، والثقة (١) ((الفتح)) ٣٥٦/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٢٥١). (٢) ((شرح النوويّ)) ١٣٥/١٢ - ١٣٦. ١٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير بالله، حتى قال لعمر ما قال، مما يدل على موافقته رسول الله وَل# ظاهراً، وباطناً، حتى نصَّ على عمر ما قاله له رسول الله وَ لهل حرفاً، حرفاً، حسب ما نصه في حديث سهل بن حنيف. انتهى(١). (فَمَحَاهُ النَّبِيُّ وَهُ بِيَدِهِ) وفي الرواية الثالثة: ((فقال رسول الله وَّ: أرني مكانها، فمحاها، وكتب: ابن عبد الله))، قال القاضي عياض نظّتُهُ: احتج بهذا اللفظ بعض الناس على أن النبيّ وَ له كَتَبَ ذلك بيده، على ظاهر هذا اللفظ، وقد ذكر البخاريّ نحوه من رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، وقال فيه: ((أَخَذ رسولُ اللهَ وَّ﴿ الكتابَ، فكتب))، وزاد عنه في طريق آخر: ((ولا يُحسِن أن يكتب، فكتب))، قال أصحاب هذا المذهب: إن الله تعالى أجرى ذلك على يده، إما بأن كَتَبَ ذلك القلم بيده، وهو غير عالم بما يَكْتُب، أو أن الله تعالى عَلَّمه ذلك حينئذ حتى كَتَب، وجعلوا هذا زيادة في معجزته، فإنه كان أميّاً فكما علَّمه ما لم يَعْلَم من العلم، وجعله يقرأ ما لم يقرأ، ويتلو ما لم يكن يتلو، كذلك علَّمه أن يَكتُب ما لم يكن يكتب، وخَطَّ ما لم يكن يخطّ بعد النبوة، أو أجرى ذلك على يده، قالوا: وهذا لا يقدح في وصفه بالأمي، واحتجوا بآثار جاءت في هذا عن الشعبيّ، وبعض السلف، وأن النبيّ وَّر لم يمت حتى کتب . قال القاضي: وإلى جواز هذا ذهب الباجيّ، وحكاه عن السمنانيّ، وأبي ذرّ، وغيره. وذهب الأكثرون إلى مَنْع هذا كله، قالوا: وهذا الذي زعمه الذاهبون إلى القول الأول يُبطله وَصْف الله تعالى إياه بالنبيّ الأميّ بََّ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِن كِنَبٍ وَلَا تَخُّهُ بِمِينِكٌَ﴾ الآية [العنكبوت: ٤٨]، وقوله وَ له: ((إنّا أُمّة أُمِّة لا نكتب، ولا نحسُب))، متّفقٌ عليه، قالوا: وقوله في هذا الحديث: (كَتَبَ))؛ معناه: أمر بالكتابة، كما يقال: رَجَمَ ماعزاً، وقَطَع السارق، وجَلَد الشارب؛ أي: أمر بذلك، واحتجوا بالرواية الأخرى: ((فقال لعليّ رَظُله: اكتب: محمد بن عبد الله)). (١) ((المفهم)) ٦٣٥/٣ - ٦٣٦. ١٩١ (٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٠) قال القاضي: وأجاب الأولون بأنه إنما وصفه الله تعالى بأنه لم يَثْلُ، ولم يخطّ؛ أي: من قبل تعليمه، كما قال الله تعالى: ﴿مِّن قَبْلِهِ ﴾، فكما جاز أن يتلو جاز أن يكتب، ولا يَقدَح هذا في كونه أُمّاً؛ إذ ليست المعجزة مجرد كونه أميّاً، وإنما المعجزة حاصلة أن كان أوّلاً كذلك، ثم جاء بالقرآن، وبعلوم لا يعلمها الأميون، ولم يقدح ذلك في حالته، فكذلك يجوز أن يكون يخطّ، فلا يقدح فيه، بل يكون تأكيداً في معجزته، قالوا: وظاهر قوله: ((ولا يُحْسِن أن يكتب، فكتب)) كالنص أنه كتب بنفسه، والعدول إلى غيره تجوّز في الكلام، وحملٌ على ما لم يُفهم منه لغير ضرورة، قال: وقد طال كلام كل فرقة في هذه المسألة، وشَنَّعَت كل فرقة على الأخرى في هذا، ﴿فَرَبُكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٤](١). وقال القرطبيّ تَخَّلهُ: قوله: ((أرني مكانها، فأراه، فمحاها وكتب))، ظاهر هذا أنه (وَ لّ مَحَى تلك الكلمة التي هي ((رسول الله وَّ) بيده، وكتب مكانها: ((ابن عبد الله))، وقد رواه البخاريّ بأظهر من هذا، فقال: ((فأخذ رسول الله (وَلَيه الكتاب، فكتب))، وزاد في طريق أخرى: ((ولا يُحسن أن يكتب))، فقال جماعة بجواز هذا الظاهر عليه، وأنه كتب بيده، منهم: السمنانيّ، وأبو ذرّ، والباجيّ، ورأوا أن ذلك غير قادح في كونه أمِّياً، ولا معارض لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِن كِنَبٍ وَلَا تَخْطُّهُ بِمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، ولا لقوله: ((إنا أمة أميّة، لا نكتب، ولا نحسب))، متّفق عليه، بل رأوه زيادة في معجزاته، واستظهاراً على صدقه، وصحة رسالته، وذلك أنه كتب من غير تعلم الكتابة، ولا تَعاطِ لأسبابها، فكان ذلك خارقاً للعادة، كما أنه وَ لّ عَلِم عِلم الأولين والآخرين من غير تعلُّم، ولا اكتساب، فكان ذلك أبلغ في معجزاته، وأعظم في فضائله، هذا لو فُرض أنه عَلِم الكتابة كلها، ودام عليها، فكيف ولم يُرْوَ عنه قط أنه كتب في غير ذلك الموطن الخاص، بل لم يفارق ما كان عليه من عدم معرفته بالكتابة حالة كتابته تلك، وإنما أجرى الله تعالى على يده، وقلمه حركاتٍ كانت عنها خطوط مفهومها: ((ابن عبد الله)) لمن قرأها، ثم هل كان (١) ((إكمال المعلم)) ٦/ ١٥١ - ١٥٢. ١٩٢ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير عالِماً في تلك الحال بنظم تلك الحروف الخاصة؟ كل ذلك مُحْتَمِلٌ، وعلى التقديرين، فلا يزول عنه اسم الأميّ بذلك؛ ولذلك قال الراوي عنه في هذه الحالة: ((ولا يُحسِن أن يكتب))، فبقي عليه اسم الأميّ مع كونه قال: ((كَتَبَ)). وقد أنكر هذا كثير من متفقهة الأندلس وغيرهم، وشدّدوا النكير فيه، ونسبوا قائله إلى الكفر، وذلك دليل على عدم العلوم النظرية، وعدم التوقف في تكفير المسلمين، ولم يتفطنوا أن تكفير المسلم كقتله، على ما جاء عنه وَلّ في ((الصحيح))، لا سيما رَمْيُ مَن شَهِدَ له أهل عصره بالعلم، والفضل، والإمامة، على أن المسألة ليست قطعية، بل مستندها ظواهر أخبار آحاد صحيحة، غير أن العقل لا يُحيلها، وليس في الشريعة قاطع يُحيل وقوعها على ما تقدَّم. (١) . انتھی وقال في ((الفتح)) عند قوله: ((قوله: فأخذ رسول الله وَ طهير الكتاب، وليس يحسن يكتب ... إلخ)) ما نصّه: وقد تمسّك بظاهر هذه الرواية أبو الوليد الباجيّ، فادَّعَى أن النبيّ وَّه كتب بيده بعد أن لم يكن يحسن يكتب، فشَنَّع عليه علماء الأندلس في زمانه، ورموه بالزندقة، وأن الذي قاله مخالف القرآن، حتی قال قائلهم: بَرِثْتُ مِمَّنْ شَرَى دُنْيَا بِآخِرَةٍ وَقَال إِنَّ رَسُولَ اللهِ قَدْ كَتَبَا فجَمَعهم الأمير، فاستظهر الباجيّ عليهم بما لديه من المعرفة، وقال للأمير: هذا لا ينافي القرآن، بل يؤخذ من مفهوم القرآن؛ لأنه فَيَّدَ النفي بما قبل ورود القرآن، فقال: ﴿وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِن كِنَبٍ وَلَا تَخُّهُ سَمِنِكٌَ﴾ الآية [العنكبوت: ٤٨]، وبعد أن تحققت أميته، وتقررت بذلك معجزته، وأُمِن الارتياب في ذلك، لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك، من غير تعليم، فتكون معجزة أخرى. وذكر ابن دحية أن جماعة من العلماء وافقوا الباجيّ في ذلك، منهم شيخه أبو ذرّ الهرويّ، وأبو الفتح النيسابوريّ، وآخرون، من علماء إفريقية، وغيرها . (١) ((المفهم)) ٦٣٧/٣ - ٦٣٨. ١٩٣ (٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٠) واحتج بعضهم لذلك بما أخرجه ابن أبي شيبة، وعُمَر بن شَبّة، من طريق مجاهد، عن عون بن عبد الله، قال: ((ما مات رسول الله مثل ﴿ حتى كتب، وقرأ))، قال مجاهد: فذكرته للشعبيّ، فقال: صَدَقَ، قد سمعت من يذكر ذلك. ومن طريق يونس بن ميسرة، عن أبي كبشة السَّلُّوليّ، عن سهل بن الحنظلية: ((أن النبيّ ◌َله أمر معاوية أن يكتب للأقرع، وعيينة، فقال عيينة: أتراني أذهب بصحيفة المتَلَمِّس؟ فأخذ رسول الله وَّله الصحيفة، فنظر فيها، فقال: قد كَتَب لك بما أُمِر لك))، قال يونس: فنَرَى أن رسول الله وَلظهور كتب بعدما أنزل عليه. قال عياض: وردت آثار تدل على معرفة حروف الخطّ، وحُسْن تصويرها؛ كقوله لكاتبه: ((ضَع القلم على أذنك، فإنه أذكر لك))، وقوله لمعاوية: ((ألق الدواة، وحرِّف القلم، وأقم الباء، وفرّق السين، ولا تُعَوِّر الميم))، وقوله: ((لا تمدّ بسم الله))، قال: وهذا وإن لم يُثْبِت أنه كتب، فلا يبعد أن يُرْزَق علم وضع الكتابة، فإنه أوتي علم كل شيء. وأجاب الجمهور بضَعف هذه الأحاديث، وعن قصة الحديبية بأن القصة واحدة، والكاتب فيها عليّ، وقد صَرَّح في حديث المسور بأن عليّاً هو الذي كَتَب، فيُحْمَل على أن النكتة في قوله: ((فأخذ الكتاب، ولیس یحسن یکتب))، لبيان أن قوله: ((أرني إياها)) أنه ما احتاج إلى أن يريه موضع الكلمة التي امتنع عليّ من محوها، إلا لكونه كان لا يحسن الكتابة، وعلى أن قوله بعد ذلك: ((فكتب)) فيه حذف، تقديره: فمحاها، فأعادها لعليّ، فكتب، وبهذا جزم ابن التين، وأطلق ((كَتَب)) بمعنى أَمَر بالكتابة، وهو كثير؛ كقوله: كتب إلى قيصر، وكتب إلى كسرى، وعلى تقدير حمله على ظاهره، فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف في ذلك اليوم، وهو لا يحسن الكتابة أن يصير عالماً بالكتابة، ويخرج عن كونه أميّاً، فإن كثيراً ممن لا يحسن الكتابة يعرف تصوّر بعض الكلمات، ويُحسن وضعها بيده، وخصوصاً الأسماء، ولا يخرج بذلك عن كونه أميّاً، ككثير من الملوك. ويَحْتَمِل أن يكون جرت يده بالكتابة حينئذ، وهو لا يحسنها، فخرج المكتوب على وفق المراد، فيكون معجزة أخرى في ذلك الوقت خاصّة، ولا ١٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير يخرج بذلك عن كونه أميّاً، وبهذا أجاب أبو جعفر السمناني، أحد أئمة الأصول من الأشاعرة، وتبعه ابن الجوزيّ. وتعقب ذلك السهيليّ وغيره بأن هذا، وإن كان ممكناً، ويكون آية أخرى، لكنه يناقض كونه أميّاً لا يكتب، وهي الآية التي قامت بها الحجة، وأُفْحِم الجاحد، وانحسمت الشبهة، فلو جاز أن يصير يكتب بعد ذلك لعادت الشبهة. وقال المعاند: كان يحسن يكتب، لكنه كان يكتم ذلك. قال السهيليّ: والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضاً، والحقّ أن معنى قوله: ((فكتب))؛ أي: أمر عليّاً أن يكتب. انتهى. قال الحافظ: وفي دعوى أن كتابة اسمه الشريف فقط على هذه الصورة تستلزم مناقضة المعجزة، وتُثبت كونه غير أميّ نظر كبير، والله أعلم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن كتابته ◌ّ* في ذلك الوقت لا يستلزم نقض كونه أميّاً - كما أشار إليه الحافظ في كلامه المذكور -؛ لأن هذه معجزة له جرت في نادر من الأوقات، غير مسبوقة بمثلها، ولا استمرّت له بعد ذلك، فلا داعي للشقاق والخلاف؛ إذ لا تعارض بين الوصفين، ولا اختلاف. والحاصل أن حمل قوله: ((فكتب)) على النبيّ ◌َ ه - كما هو الظاهر - هو الأَولى، وكما أيّده قوله في رواية البخاريّ: ((فأخذ رسول الله وَله الكتاب، وليس يُحسن يكتب، فكتب)) الحديث، فهذا ظاهر في كونه وَل هو الكاتب، لا عليّ رَظُه، فتأمله بالإمعان، والإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (قَالَ: وَكَانَ) وفي نسخة: ((فكان))، (فِيمَا اشْتَرَطُوا)؛ أي: الكفار على النبيّ وَّه في ذلك الصلح، (أَنْ يَدْخُلُوا)؛ أي: يدخل النبيّ بَّ، والمسلمون في العام القابل (مَكَّةَ، فَيُقِيمُوا بِهَا ثَلَاثاً)؛ أي: ثلاث ليال. قال العلماء: سبب هذا التقدير: أن المهاجر من مكة لا يجوز له أن يقيم بها أكثر من ثلاثة أيام، وهذا أصل في أن الثلاثة ليس لها حكم الإقامة، وأما ما فوقها فله حكم الإقامة. وقد رتّب الفقهاء على هذا: قَصْر الصلاة فيمن نوى إقامة في بلد في طريقه، وقاسوا على هذا الأصل مسائل كثيرة. (١) ((الفتح)) ٣٥٦/٩ - ٣٥٨، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٢٥١). ١٩٥ (٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٠) (وَلَا يَدْخُلَهَا) هكذا وقع في النسخ مجرّداً عن واو الجماعة، مع المناسب لِمَا قبله أن يكون بها، فيكون الضمير للنبيّ وَثّل، أو يقدّر: ((ولا يدخلها أحدٌ)) (بِسِلَاحِ، إِلَّا جُلُبَّانَ السِّلَاحِ) قال في ((الفتح)): ضبطه ابن قتيبة، وابن دُريد، وجماعة بضمتين، وتشديد الموحّدة، وضبطه ثابت في (الدلائل))، وأبو عبيد الهرويّ بسكون اللام، مع التخفيف، ونَقَل عن بعض المتقنين أنه بالراء بدل اللام، مع التشديد، وكأنه جمع جِرَاب، لكن لم يقع في رواية ((الصحيح)) إلا باللام، قال: ووقع في نسخة متقنة بكسر الجيم، واللام، مع التشديد، وهو خلاف ما اتَّفَقَ عليه أهل اللغة، والعربية، فلا تغتر بذلك. انتهى (١). وقال القاضي عياض في ((المشارق)): ضبطناه جُلُّبّان - بضم الجيم، واللام، وتشديد الباء الموحّدة - قال: وكذا رواه الأكثرون، وصوّبه ابن قتيبة، وغيره، ورواه بعضهم بإسكان اللام، وكذا ذكره الهرويّ، وصوّبه هو، وثابت، ولم يذكر ثابت سواه، وهو ألطف من الجراب، يكون من الأَدَم، يوضع فيه السيف مُغْمَداً، ويَطْرَح فيه الراكب سوطه، وأداته، ويُعَلِّقه في الرحَل. قال العلماء: وإنما شرطوا هذا؛ لوجهين: أحدهما: أن لا يظهر منه دخولُ الغالبين القاهرين، والثاني: أنه إن عرض فتنة، أو نحوها يكون في الاستعداد بالسلاح صعوبة. انتهى(٢). وقال البغويّ في ((شرح السُّنَّة)): قد جاء في تفسير ((الجُلبّان)) في الحديث، قال: فسألته ما جلبّان السلاح؟ قال: القراب بما فيها، وإنما شُرط هذا؛ ليكون أمارةً للسِّلم، فلا يُظنّ أنهم يدخلون قهراً، قال الأزهريّ: القراب: غِمْد السيف، والجلبّانُ: شِبْهُ الجراب من الأدم يوضع فيه السيف مغموداً، ويَطرَح فيه الراكب سوطه، وأداته، ويُعلّقه في آخرة الرحل، أو واسطته، قال شَمِر: كأن اشتقاقه من الجلبة، وهي الجلدة التي تُجعل على القَتَب، والجلدة التي تغشى التميمة؛ لأنها كالغشاء للقراب. انتهى (٣). (١) ((الفتح)) ٦/ ٥٨٤، كتاب ((الصلح)) رقم (٢٧٠٠). (٢) راجع: ((إكمال المعلم)) ١٥٢/٦ - ١٥٣. (٣) ((شرح السنّة)) ١٦٠/١١. ١٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير وقال ابن الأثير تَخْلُهُ: ((الجُلْبان)) - بضم الجيم، وسكُون اللَّم -: شِبه الجِرَاب، من الأَدَم، يُوضع فيه السيف مَغْمُوداً، ويَطْرَح فيه الراكِبُ سوطَه، وأدَاته، ويُعَلِّقه في آخره الكُور، أو واسطته، واشتِقَاقه من الجُلْبَة، وهي الجلْدَة التي تُجْعَل على القَتَب، ورواه القتيبي بضم الجيم، واللام، وتَشْدِيد الباء، وقال: هو أوعِيَةُ السلاح بما فيها، ولا أُراه سُمِّي به إلَّا لجفائه، ولذلك قيل للمرأة الغليظة الجافية: جُلُّبَّانة، وفي بعض الروايات: ((ولا يَدْخُلها إلا بجُلُبَّان السلاح)): السيفِ، والقَوسِ، ونحوه، يريد: ما يُحْتاج في إظهاره، والقِتَال به إلى مُعانَاة، لا كالرّماح؛ لأنها مُظْهَرةٌ، يمكن تعجيل الأذى بها، وإنما اشْترطوا ذلك؛ ليُكُون عَلَماً، وأمارة للسِّلْم؛ إذ كان دُخولهم صُلْحاً. انتهى(١). قال شعبة: (قُلْتُ لأَبِي إِسْحَاقَ) السَّبيعي: (وَمَا جُلُبَّانُ السِّلَاحِ؟) ((ما)) استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء معناه؟، (قَالَ) أبو إسحاق: (الْقِرَابُ) خبر لمحذوف بدليل السؤال، كما قال في ((الخلاصة)): وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا تَقُول: ((زَيْدٌ)» بَعْدَ «مَنْ عِنْدَكُمَا؟)) أي معناه: القراب، وهو بكسر القاف، وتخفيف الراء، وبعد الألف موحّدةٌ، قال الجوهريّ ◌َخْذُهُ: قِرَابُ السيف: جَفْنُهُ، وهو وِعاءٌ يكون فيه السيف بغِمْده، وحِمَالته. انتهى(٢). وقال الفيّوميّ ◌َّثُ: قِراب السيف معروفٌ، والجمع: قُرُبٌ، وأقرِبةٌ، مثلُ حِمَارٍ، وحُمُرٍ، وأَخْمِرةٍ. انتهى(٣) . (وَمَا فِيهِ)؛ أي: مع الذي في داخله مما يضعه الراكب فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب ﴿ّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: (١) ((النهاية في غريب الأثر)) ٧٨٤/١. (٣) ((المصباح المنير)) ٤٩٦/٢. (٢) ((الصحاح)) ص٨٤٦. ١٩٧ (٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢٠) أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ٤٦٢٠ و٤٦٢١ و٤٦٢٢] (١٧٨٣)، و(البخاريّ) في ((الصلح)) (٢٦٩٨) و(٢٧٠٠) و((الجزية والموادعة)) (٣١٨٤)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (١٨٣٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٦٨/٥)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (٧١٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٨٣/٧)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٨٩/٤ و٢٩١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٧١٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٨٦٩ و٤٨٧٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤/ ٢٩٤ و٢٩٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٢٦/٩)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٧٤٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه حجَّة لأرباب الوثائق على افتتاحهم الوثائق التي لها بالٌ بهذا؛ كقولهم: هذا ما اشترى، وهذا ما أَعْتَق، وهذا ما أصدق. ٢ - (ومنها): أنه يدلّ على تقديم الرجل الكبير فى صدر الوثيقة، بائعاً كان، أو مبتاعاً. ٣ - (ومنها): أنه يدلّ على جواز أن يُكْتَب في أول الوثائق، وكُتُب الأملاك، والصداق، والعتق، والوقف، والوصية، ونحوها: هذا ما اشترى فلان، أو هذا ما أصدق، أو وَقَف، أو أَعتَق، ونحوه، وهذا هو الصواب الذي عليه الجمهور، من العلماء، وعليه عمل المسلمين في جميع الأزمان، وجميع البلدان من غير إنكار. وقال المازريّ ◌َُّهُ: أنكر بعض المتأخّرين أن يقال في افتتاح الوثائق: هذا ما اشترى فلان، وهذا ما أصدق فلان، وشبه ذلك؛ هروباً من أن يدلّ ذلك على الجحد والنفي، وهذا الحديث حجة عليهم؛ لأنه كُتب باللفظ الذي كرهوه، فقال: ((هذا ما كاتب ... إلخ)). انتهى. ٤ - (ومنها): أنه يدلّ على أنه يُكْتَفَى في ذلك بالاسم المشهور، من غير زيادة، خلافاً لمن قال: لا بد من أربعة: المذكورِ، وأبيه، وجدّه، ونسبه. ٥ - (ومنها): أن فيه بيان أن المهاجر يجوز أن يقيم بمكة ثلاثة أيام، لا أكثر من ذلك، قال القاضي عياض نَّهُ: وهذا أصل في مدة الإقامة في تقصير ١٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير الصلاة في السفر أنها فيما زاد على الثلاث، وأن الثلاث غير إقامة. انتهى(١). ٦ - (ومنها): أن للإمام أن يعقد الصلح على ما رآه مصلحةً للمسلمين، وإن كان لا يظهر ذلك لبعض الناس في بادئ الرأي. قال القاضي عياض: وفي هذا الحديث على الجملة جواز مصالحة الكفار لِمَا فيه من مصلحة المسلمين ومهادنتهم، ولم يختلفوا إذا دعت إلى ذلك ضرورة، إذا كان على غير شيء، أو على مال يأخذه منهم، فإن لم تدع إلى ذلك ضرورة، ولم يكن في العدوّ قوة إلا لما بذلوه من أموالهم، فأجاز ذلك جماعة، منهم الأوزاعيّ وغيره، ومنع ذلك مالك وأصحابه وعلماء أهل المدينة، وغيرهم؛ لِمَا فيه من ضيعة الثغور تلك المدّة، وأن المسلمين بمغاوراتهم وجيوشهم قد ينالون منهم أكثر من ذلك غالباً، وإنما صالح النبيّ وَِّيه أهل مكة؛ لقلّة أهل الإسلام حينئذ. واختَلَف العلماء في أمَدِها: فمالك يرى ذلك مفوَّضاً إلى اجتهاد الإمام، ولا حدّ له من القلة والكثرة، إلا لِمَا يراه مصلحة لهم، والشافعيّ يحدّ أكثرها بعشرة أعوام لا يكون أكثر؛ لأنه الأمد الذي عاقد عليه وسل أهل مكة. وقيل: إنما كان عاقدهم على ثلاث سنين، وقيل: على أربع. قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن ما ذهب إليه مالك من الإطلاق، هو الظاهر؛ لعدم دليل يدلّ على التقييد بزمن معيّن، وإنما هو مجرد فعل من النبيّ ◌َّة، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. قال: فأما على ما يؤخذ من الكفار فجائز ما كان من مال، أو رؤوس من أحرارهم أو عبيدهم، وإن كانت مما يُغِيرون به، ويأخذونه من غيرهم، وهو قول الأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، واخْتِلف إذا كان من أبنائهم ونسائهم، فمنعه أبو حنيفة قال: لأن الصلح وقع عليهم وعلى ذراريهم، وأجازه أصحاب مالك إذا كتبوا ذلك في شَرْط عهدهم، فإن لم يكتبوه فلا يجوز، ولهؤلاء من العهد ما لرجالهم، ونحوه عن مالك. واختُلِف إذا دعت ضرورة لشغل المسلمين بفتنة، أو غدر آخر، أو خوف (١) ((إكمال المعلم)) ٦/ ١٥٢. ١٩٩ (٣٢) - بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - حديث رقم (٤٦٢١) استيلاء العدوّ عليهم، هل يصالحونه على أن يعطيهم المسلمون مالاً؟ فأجاز ذلك الأوزاعيّ، ومنعه الشافعيّ إلا أن يخافوا استئصال العدوّ لهم(١). انتهى (٢) كلام عياض(٢). ٧ - (ومنها): احتمال المفسدة اليسيرة؛ لدفع أعظم منها، أو لتحصيل مصلحة أعظم منها، إذا لم يمكن ذلك إلا بذلك(٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٢١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: لَمَّا صَالَّحَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ، كَتَبَ عَلِيٌّ كِتَاباً بَيْنَهُمْ، قَالَ: فَكَتَبَ: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ»، ثُمَّ ذَكَرَ بِنَحْوِ حَدِيثٍ مُعَاذٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ: ((هَذَا مَا كَاتَبَ عَلَيْهِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ ... إلخ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير محمد بن جعفر غندر. [تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن شعبة هذه ساقها النسائيّ في ((السنن الكبرى))، فقال: (٨٥٧٧) - أخبرنا محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، قالا: حدّثنا (١) راجع: ((التمهيد)) ٣٤/٢ و١٢٤/١٢، و((الحاوي الكبير)) ٢٩٦/١٤ - ٢٩٧. (٢) ((إكمال المعلم)) ٦/ ١٥٣ - ١٥٤. (٣) راجع: ((إكمال المعلم)) ١٤٨/٦ - ١٤٩ و((شرح النوويّ)) ١٣٥/١٢. ٢٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير محمد، قال: حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء قال: لمّا صالح رسول الله وَ﴿ أهل الحديبية - وقال ابن بشار: أهل مكة - كَتَبَ عليٍّ كتاباً بينهم، قال: فكتب ((محمد رسول الله))، فقال المشركون: لا تكتب ((محمد رسول الله)) لو كنت رسول الله لم نقاتلك، فقال لعليّ: ((امحُهُ))، قال: ما أنا بالذي أمحاه، فمحاه رسول الله بيده، فصالحهم على أن يَدْخُل هو وأصحابه ثلاث أيام، ولا يدخلها إلا بِجُلُبّان السلاح، فسألته، قال ابن بشار: فسألوه: ما جلبان السلاح؟ قال: القراب بما فيه. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٢٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ جَنَابٍ الْمِصِّيصِيُّ، جَمِيعاً عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ - وَاللَّفْظُ لِإِسْحَاقَ - أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: لَمَّا أُحْصِرَ النَّبِيُّ ◌َهـ عِنْدَ الْبَيْتِ، صَالَحَهُ أَهْلُ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا، فَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثاً، وَلَا يَدْخُلَهَا إِلَّا بِجُلُبَّانِ السِّلاَحِ: السَّيْفِ، وَفِرَابِهِ، وَلَا يَخْرُجَ بِأَحَدٍ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهَا، وَلَا يَمْنَعَ أَحَداً يَمْكُثُ بِهَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ، قَالَ لِعَلِيٍّ: ((اكْتُبِ الشَّرْطَ بَيْنَنَا: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ(٢))، فَقَالَ لَهُ الْمُشْرِكُونَ: لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ تَابَعْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، فَأَمَرَ عَلِيّاً أَنْ يَمْحَاهَا، فَقَالَ عَلِيٍّ: لَا، وَاللهِ لَا أَمْحَاهَا، فَقَالَ(٣) رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَرِنِي مَكَانَهَا))، فَأَرَاهُ مَكَانَهَا، فَمَحَاهَا، وَكَتَبَ: ((ابْنُ عَبْدِ اللهِ))، فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ (٤)، قَالُوا لِعَلِيٍّ: هَذَا آخِرُ يَوْمٍ مِنْ شَرْطِ صَاحِبِكَ، فَأُمُّرْهُ، فَلْيَخْرُجْ، فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: ((نَعَمْ))، فَخَرَجَ، وَقَالَ ابْنُّ جَنَابٍ فِي رِوَايَتِهِ مَكَانَ تَابَعْنَالَ : بَايَعْنَاكَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. (١) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ تتخذفهُ ١٦٨/٥. (٢) وفي نسخة زيادة (لَا)). (٣) وفي نسخة: ((فقال له)). (٤) وفي نسخة: ((فلما كان يوم الثالث)) بالإضافة.