النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
(٣١) - بَابُ فَتْحِ مَكَّةَ، وَإِزَالَةِ الأَصْنَامِ مِنْ حَوْلِ الْكَعْبَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦١٣)
قياسٌ، قاله الفيّوميّ دَّثُهُ(١)، والجملة في محلّ نصب على الحال، وكذا قوله:
(وَهُوَ آخِذٌ بِسِيَةِ الْقَوْسِ) قال النوويّ ◌َخْذُ: ((السِّيَةُ)) بكسر السين المهملة،
وتخفيف الياء المفتوحة: المُنْعَطِف من طَرَفي القوس. انتهى(٢).
وقال الفيّوميّ دَّتُهُ: سيةُ القوس: خفيفةُ الياء، ولامها محذوفةٌ، وتُرَدُّ في
النسبة، فيقال: سِيَويّ، والهاء عِوَضُ عنها، وهو طرفها الْمُحَنِي، قال أبو
عبيدة: وكان رؤبة يَهْمِزُه، والعربُ لا تَهْمِزه، ويقال لِسِيَتها العليا: يدها،
ولِيسِيّتها السُّفلى: رجلها. انتهى(٣).
(فَلَمَّا أَتَّى) وَّرِ (عَلَى الصَّنَمِ جَعَلَ)؛ أي: شرَعَ وأخذ (يَطْعُنُهُ) بضمّ العين
المهملة على المشهور، ويجوزَ فتحها في لغة، قاله النوويّ، وقال المجد:
طَعَنَه بالرُّمح، كمنعه، ونصره طعناً: ضربه، ووخزه، فهو مطعون، وطَّعِين.
انتهى (٤). (فِي عَيْنِهِ) هذا الفعل منه وَّو إذلال للأصنام، ولعابديها، وإظهار
لكونها لا تضرّ، ولا تنفع، ولا تدفع عن نفسها، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِن
يَسْتُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسَتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج: ٧٣](٥) .
وقوله: (وَيَقُولُ) عطفٌ على ((يطعُن))، ويحتمل أن يكون في محلّ نصب
على الحال بتقدير مبتدإ؛ لاقترانه بالواو، كما قال في ((الخلاصة)):
حَوَتْ ضَمِيراً وَمِنَ الْوَاوِ خَلَتْ
وَذَاتُ بَذْءٍ بِمُضَارِعٍ ثَبَتْ
وَذَاتُ وَاوٍ بَعْدَهَا انْوِ مُبْتَدَا لَهُ الْمُضَارِعَ اجْعَلَنَّ مُسْنَدَا
أي: وهو يقول.
((جَاءَ الْحَقُّ، وَزَهَقَ الْبَاطِلُ))) وفي حديث عبد الله بن مسعود الآتي: ((دخل
النبيّ وَّ مكة، وحول البيت ثلاثمائة وستون نُصُباً، فجعل يطعنها بعُود كان في
يده، ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَنَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]، ﴿جَ
اَلْقُّ وَمَا يُبْدِىُّ الْبَطِلُ وَمَا يُعِيدٌ﴾ [سبأ: ٤٩]))، قال النوويّ تَخْذُهُ: النُّصُبُ: الصنم،
قال: وفي هذا استحباب قراءة هاتين الآيتين عند إزالة المنكر. انتهى(٦).
(١) ((المصباح المنير)) ١٢/ ٥١٩.
(٣) ((المصباح المنير) ٣٠٠/١.
(٥) ((شرح النوويّ)) ١٣٠/١٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٢٩/١٢ - ١٣٠.
(٤) ((القاموس المحيط)) ص٨٠٣.
(٦) ((شرح النوويّ)) ١٣٠/١٢.

١٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وقال الحافظ ابن كثير لَّتُهُ في ((تفسيره)): قوله: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ
الْبَاطِلُ﴾ الآية [الإسراء: ٨١] تهديدٌ، ووعيد لكفار قريش، فإنه قد جاءهم من الله
الحق الذي لا مِرْية فيه، ولا قِبَل لهم به، وهو ما بعثه الله به من القرآن،
والإيمان، والعلم النافع، وزهق باطلهم؛ أي: اضمَحَلّ، وهلك، فإن الباطل
لا ثبات له مع الحقّ، ولا بقاء: ﴿بَّ نَقْذِفُ بِالَّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ
زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]. انتهى (١).
وقال الإمام ابن جرير الطبريّ تَخُّْ في ((تفسيره)): اختَلَف أهل التأويل في
معنى الحق الذي أمر الله نبيه وَلهو أن يُعْلِم المشركين أنه قد جاء، والباطل الذي
أمره أن يُعْلِمهم أنه قد زَهَق، فقال بعضهم: الحق هو القرآن في هذا الموضع،
والباطل هو الشيطان.
وقال آخرون: بل عَنَى بالحقّ: جهاد المشركين، وبالباطل: الشرك.
قال: وأَولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: أمر الله تبارك وتعالى
نبيه و * أن يخبر المشركين أن الحقّ قد جاء، وهو كلُّ ما كان لله فيه رضاً
وطاعةٌ، وأن الباطل قد زَهَق، يقول: وذهب كلُّ ما كان لا رضا لله فيه، ولا
طاعة، مما هو له معصية، وللشيطان طاعة، وذلك أن الحق هو كل ما خالف
طاعة إبليس، وأن الباطل هو كل ما وافق طاعته، ولم يخصص الله - عز ذكره -
بالخبر عن بعض طاعاته، ولا ذهاب بعض معاصيه، بل عمّ الخبر عن مجيء
جميع الحقّ، وذهاب جميع الباطل، وبذلك جاء القرآن، والتنزيل، وعلى ذلك
قاتل رسول الله ◌َو أهل الشرك بالله، أعني على إقامة جميع الحقّ، وإبطال
جميع الباطل.
قال: وأما قوله : ﴿وَزَهَقَ الْبَطِلُ﴾ فإن معناه ذهب الباطل، من قولهم
زَهَقت نفسه: إذا خرجت، وأزهقتها أنا، ومن قولهم أزهق السهمُ: إذا جاوز
الغرضَ، فاستمرّ على جهته، يقال منه: زهق الباطل يَزْهَق زُهُوقاً، وأزهقه الله؛
أي: أذهبه. انتهى كلام ابن جرير تَُّهُ(٢)، وهو تحقيق مفيدٌ، والله أعلم.
(فَلَمَّا فَرَغَ) وَ (مِنْ طَوَافِهِ) بالبيت، (أَتَى الصَّفَا) الجبل بمكة، (فَعَلَا
(١) ((تفسير ابن كثير)) ٦٠/٣.
(٢) ((تفسير الطبريّ)) ١٥١/١٥ - ١٥٢.

١٦٣
(٣١) - بَابُ فَتْحِ مَّةَ، وَإِذَالَةِ الأَصْنَامِ مِنْ حَوْلِ الْكَعْبَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦١٣)
عَلَيْهِ)؛ أي: صعد فوقه، (حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ، وَرَفَعَ بَدَيْهِ) فيه استحباب رفع
اليدين عند الدعاء، (فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللهَ) تعالى على ما منّ به عليه من فتح مكة،
وانتشار الإسلام في كثير من القرى والمدن، (وَيَدْعُو) الله تَ (بِمَا شَاءَ أَنْ
يَدْعُوَه)؛ أي: من خَيْرَي الدنيا والآخرة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بحديث الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيبه هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦١٣/٣١ و٤٦١٤ و٤٦١٥] (١٧٨٠)، و(أبو
داود) في ((المناسك)) (١٨٧٢) مختصراً، و((الخراج والإمارة)) (٣٠٢٣)،
و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٨٢/٦)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٤٢٤)، و(ابن
أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٧١/١٤ - ٤٧٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥٣٨/٢)،
و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٣٠٠/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٧٦٠)،
و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٣٢٤/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)
(٢٨٩/٤)، و(الدار قطنيّ) في ((سننه)) (٦٠/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩/
١١٧ - ١١٨)، و(ابن حزم) في ((المحلّى)) (٢١٥/٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعيّة مكارمة الرفقاء بعضهم بعضاً، وجواز جعل ذلك
نُوَباً بينهم، وأن هذا من باب المكارمة، لا من باب المعاوضة، قاله القاضي
عياض نَّهُ(١).
وقال النوويّ تَخُّْ: فيه دليل على استحباب اشتراك المسافرين في
الأكل، واستعمالهم مكارم الأخلاق، وليس هذا من باب المعارضة، حتى
يُشتَرط فيه المساواة في الطعام، وأن لا يأكل بعضهم أكثر من بعض، بل هو
من باب المروءات، ومكارم الأخلاق، وهو بمعنى الإباحة، فيجوز، وإن
(١) ((إكمال إكمال المعلم)) ١٣٨/٦.

١٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
تفاضَلَ الطعام، واختلفت أنواعه، ويجوز وإن أكل بعضهم أكثر من بعض،
لكن يُستحبّ أن يكون شأنهم إيثار بعضهم بعضاً. انتهى(١).
٢ - (ومنها): أن فيه استحبابَ الاجتماع على الطعام، وجواز دعائهم إليه
قبل إدراكه، واستحباب حديثهم في حال الاجتماع بما فيه بيان أحوال
رسول الله ( 38 وأصحابه، وغزواتهم، ونحوها مما تنشط النفوس لسماعه،
وكذلك غيرها من الحروب، ونحوها مما لا إثم فيه، ولا يتولد منه في العادة
ضرر في دين، ولا دنيا، ولا أَذّى لأحد؛ لتنقطع بذلك مدّة الانتظار، ولا
يَضْجَروا، ولئلا يشتغل بعضهم مع بعض في غِيْبة، أو نحوها من الكلام
المذموم (٢).
٣ - (ومنها): أنه يُستحبّ إذا كان في الجماعة مشهور بالفضل، أو
بالصلاح، أن يُطْلَب منه الحديث، فإن لم يطلبوا استُحِبّ له الابتداء بالحديث،
كما كان النبيّ ◌َّه يبتديهم بالتحديث من غير طلب منهم(٣).
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصدر الأول من الكرم والمسابقة فيه،
وبِرّ بعضهم بعضاً.
٥ - (ومنها): أن في قول أبي هريرة ظه: ((سبقتني)) دليلاً على أن
نُوَبهم، ومكارمتهم لم تكن على المشاحّة والمنافسة.
٦ - (ومنها): أن حديث أبي هريرة ربه لهم بفتح مكة ليستفيد بذلك من
لم يحضر من أبناء الأنصار، ولذلك قال لهم: ((ألا أعلمكم بحديث من
حدیثکم)).
٧ - (ومنها): أن أحسن ما يُتحدّث به عند الاجتماع في الولائم، وانتظار
الطعام أمثال هذا من أخبار الحدثان، وما جرى من الحروب وغيرها؛ لنشاط
النفوس لسماعه، وقطع مدّة الانتظار بذلك؛ إذ ليس في ذلك ما يُدخل إثماً،
ولا سيّما فيه للنبيّ وَّرِ فخر، قاله القاضي عياض ◌َخْذُّهُ(٤).
٨ - (ومنها): بيان فتح مكة، وكيف دخلها النبيّ وَّ فاتحاً لها.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣١/١٢.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٣٢/١٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٣١/١٢ - ١٣٢.
(٤) ((إكمال المعلم)) ١٣٨/٦.

١٦٥
(٣١) - بَابُ فَتْحِ مَكَّةَ، وَإِذَالَةِ الأَصْنَامِ مِنْ حَوْلِ الْكَعْبَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦١٣)
٩ - (ومنها): معرفة النبيّ ◌َله بتدبير شؤون الحرب، وكيف يُفتح البلد،
حيث قسّمهم أقساماً، وجعل لكلّ قسم قائداً خبيراً بتدبير الأمور.
١٠ - (ومنها): بيان محبّة النبيّ وَلّ للأنصار، واستلطافهم، واستعطافهم
حيث دخل بلده مكة، وعلم أنهم يظنون به تَرْكهم، وتَرْك بلدهم بالرجوع إلى
بلده، وعشيرته، لكنه بيّن لهم بأسلوب بديع أنه إنما هاجر لله، فلا يتركهم،
ولا يترك بلدهم محياه ومماته.
١١ - (ومنها): بيان ما كان عليه الأنصار من شدّة محبتهم للنبيّ وَل﴾،
فإنهم ما قالوا الذي قالوه إلا ضنّاً به وَّه، ولذلك بكوا حين بيّن لهم أنه لا
يتركهم محياه ومماته، رضي الله عنهم أجمعين.
١٢ - (ومنها): استحباب البَدْء بطواف البيت لمن دخل مكة، وإن لم
يكن مُخْرماً بحجّ، أو عمرة.
١٣ - (ومنها): جواز دخول مكة بلا إحرام لمن لم يُرِد أحد النسكين،
وبه قال الشافعيّ، وأصحابه، وهو رواية عن أحمد، رجّحها شيخ الإسلام ابن
تيمية؛ لأنه * دخلها غير محرم، وكان على رأسه المغفر، والأحاديث
متظاهرة على ذلك، وخالف في ذلك الحنفيّة، والمالكيّة، على تفصيل في
مذهبهم، فقالوا: لا يجوز لأهل الآفاق أن يدخلوا مكة بلا إحرام، أرادوا
الحج أو العمرة، أو لم يريدوا، واعتذروا عن فعل النبيّ وَّ بحمله على
الخصوصيّة.
وما قاله الأولون هو الأرجح؛ لحديث الباب، وحَمْلُهُ على الخصوصيّة
يردّه أن الخصوصيّة لا تثبت إلا بصريح النقل، ومما يُبطله أيضاً أن الصحابة
الذين كانوا معه وهو لم يُحرم أحد منهم، ويؤيّده أيضاً حديث بيانه وَال
المواقيت، فقد قال في آخره: ((هنّ لهنّ، ولمن أتى عليهنّ ممن يريد الحجّ
والعمرة))، فقد بيّن فيه أن المواقيت لمن يريد النسكين، وأما من لم يردهما،
فليس عليه أن يُحرم من الميقات، بل يجوز دخوله بلا إحرام، كما فعل
النبيّ ◌َّر في عام الفتح، وقد مضى تمام البحث في هذا في ((كتاب الحج))،
((باب جواز دخول مكة بغير إحرام)) [٣٣٠٩/٨١] (١٣٥٧)، فراجعه تستفد علماً
جَمّاً، وبالله تعالى التوفيق.
.

١٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
١٤ - (ومنها): استحباب الصعود على الصفا، وذِكْر الله رَ عليه،
والدعاء بما شاء.
١٥ - (ومنها): استحباب رفع اليدين حال الدعاء، وهو من أسباب
إجابته، فقد أخرج أبو داود بسند صحيح، عن سلمان ظُه قال: قال
رسول الله وَل: ((إن ربكم - تبارك وتعالى - حَيِيٌّ كَرِیم، يستحي من عبده، إذا
رفع يديه إليه، أن يَرُدّهما صِفْراً)).
١٦ - (ومنها): أن فيه بيان أن مكة فُتحت عنوة، لا صلحاً، وهو قول
الجمهور، وخالف في ذلك الشافعيّ تَخْذُ، فقال: إنها فُتحت صلحاً، والأرجح
قول الجمهور؛ لوضوح حجّته، وسيأتي بيان الخلاف في المسألة التالية - إن
شاء الله تعالى - ومنه تعالى التوفيق، وعليه التكلان.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في فتح مكة: هل كان عَنْوَةٌ،
أو صلحاً؟:
قال في ((الفتح)): وقد تمسَّك بهذه القصة - يعني: القصّة المذكورة في
حديث أبي هريرة ربه هذا - من قال: إن مكة فُتحت عَنْوَةً، وهو قول الأكثر،
وعن الشافعيّ، ورواية عن أحمد: أنها فُتحت صلحاً؛ لما وقع هذا التأمين،
ولإضافة الدور إلى أهلها، ولأنها لم تُقْسَم، ولأن الغانمين لم يملكوا دورها،
وإلا لجاز إخراج أهل الدور منها .
وحجة الأولين: ما وقع من التصريح من الأمر بالقتال، ووقوعه من
خالد بن الوليد، وبتصريحه و 18 بأنها أُحِلّت ساعة من نهار، ونهيه عن التأسي
به في ذلك.
وأجابوا عن ترك القسمة بأنها لا تستلزم عدم العنوة، فقد تُفتح البلدة
عنوة، ويُمَنّ على أهلها، ويُترك لهم دورهم، وغنائمهم؛ لأن قسمة الأرض
المغنومة ليست متفقاً عليها، بل الخلاف ثابت عن الصحابة ﴿ه، فمَنْ بَعْدَهم،
وقد فُتِحت أكثر البلاد عنوة، فلم تُقْسَم، وذلك في زمن عمر، وعثمان ظًَّا،
مع وجود أكثر الصحابة، وقد زادت مكة عن ذلك بأمر يُمكن أن يُدَّعَى
اختصاصُها به دون بقية البلاد، وهي أنها دار النُّسُك، ومتعبَّد الخلق، وقد
جعلها الله تعالى حَرَماً، سواءٌ العاکفُ فيه والباد.

١٦٧
(٣١) - بَابُ فَتْحِ مَكَّةَ، وَإِزَالَةِ الأَصْنَامِ مِنْ حَوْلِ الْكَعْبَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦١٣)
وأما قول النوويّ: احتجّ الشافعيّ بالأحاديث المشهورة بأن النبيّ
وَسَـ
صالحهم بِمَرِّ الظهران، قبل دخول مكة، ففيه نظر؛ لأن الذي أشار إليه إن كان
مراده ما وقع له من قوله بَله: ((من دخل دار أبي سفيان، فهو آمنٌ))، كما
تقدم، وكذا: ((من دخل المسجد))، كما عند ابن إسحاق، فإن ذلك لا يُسَمَّى
صلحاً إلا إذا التزم من أشير إليه بذلك الكفّ عن القتال، والذي ورد في
الأحاديث الصحيحة ظاهر في أن قريشاً لم يلتزموا ذلك؛ لأنهم استعدُّوا
للحرب، كما ثبت في حديث أبي هريرة ◌ُه عند مسلم: ((إن قريشاً وَبَّشَت
أوباشاً لها، وأتباعاً، فقالوا: نُقدِّم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن
أصيبوا أعطيناه الذي سُئِلْنَا))، فقال النبيّ وَّهِ: ((أتَرَون أوباش قريش؟ ثم قال
بإحدى يديه على الأخرى؛ أي: احصُدُوهم حَصْداً، حتى توافوني على الصفا،
قال: فانطلقنا فما نشاء أن نقتل أحداً إلا قتلناه)).
وإن كان مراده بالصلح وقوع عَقْدٍ به فهذا لم يُنْقَل، قال الحافظ تَخَذَلُهُ:
ولا أظنه عَنَى إلا الاحتمال الأول، وفيه ما ذكرته.
وتمسّك أيضاً من قال: إنه مُبْهَم بما وقع عند ابن إسحاق في سياق قصة
الفتح، فقال العباس: لَعَلِّي أجد بعض الحطّابة، أو صاحب لَبَن، أو ذا حاجة
يأتي مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله وَل*، ليخرجوا إليه، فيستأمنوه قبل أن
يدخلها عَنْوَةً، ثم قال في القصة بعد قصة أبي سفيان: ((من دخل دار أبي
سفيان، فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه، فهو آمن، فتفرَّق الناس إلى دورهم،
وإلى المسجد)).
وعند موسى بن عقبة في ((المغازي)) - وهي أصحّ ما صُنِّف في ذلك عند
الجماعة - ما نصه: إن أبا سفيان، وحكيم بن حزام قالا: يا رسول الله كنت
حقيقاً أن تجعل عُدّتك، وكيدك بهوازن، فإنهم أبعد رحماً، وأشدّ عداوةً،
فقال: ((إني لأرجو أن يجمعهما الله لي: فتح مكة، وإعزاز الإسلام بها،
وهَزِيمة هوازن، وغنيمة أموالهم))، فقال أبو سفيان، وحكيم: فادع الناس
بالأمان، أرأيت إن اعتزلت قريش، فكفّت أيديها أآمنون هم؟ قال: ((مَن كَفّ
يده، وأغلق داره، فهو آمن))، قالوا: فابعثنا نُؤَذِّن بذلك فيهم، قال: ((انطلقوا،
فمن دخل دار أبي سفيان، فهو آمن، ومن دخل دار حكيم، فهو آمن))، ودار

١٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
أبي سفيان بأعلى مكة، ودار حكيم بأسفلها، فلما توجها قال العباس: ((يا
رسول الله إني لا آمن أبا سفيان أن يرتدّ، فَرُدّه حتى تُريه جنود الله، قال:
أفعل)) فذكر القصة، وفي ذلك تصريح بعموم التأمين، فكان هذا أماناً منه لكل
من لم يقاتل من أهل مكة، فمن ثَمّ قال الشافعي: كانت مكة مأمونةً، ولم يكن
فتحها عَنْوَة، والأمان كالصلح، وأما الذين تعرضوا للقتال، أو الذين استثنُوا
من الأمان، وأَمَرَ وَ لِ أن يُقْتَلُوا، ولو تعلقوا بأستار الكعبة، فلا يستلزم ذلك
أنها فتحت عَنْوَة.
ويُمكن الجمع بين حديث أبي هريرة في أمره وَله بالقتال، وبين تأمينه وَليه
لهم بأن يكون التأمين عُلِّق بشرط، وهو ترك قريش المجاهرة بالقتال، فلما
تفرقوا إلى دورهم، ورضوا بالتأمين المذكور، لم يستلزم أن أوباشهم الذين لم
يقبلوا ذلك، وقاتلوا خالد بن الوليد، ومن معه، فقاتلهم حتى قتلهم، وهزمهم
أن تكون البلد فتحت عَنْوَة؛ لأن العبرة بالأصول، لا بالأتباع، وبالأكثر، لا
بالأقل، ولا خلاف مع ذلك أنه لم يَجر فيها قسم غنيمة، ولا سُبِيَ من أهلها
ممن باشر القتال أحدٌ، وهو مما يؤيِّد قول من قال: لم يكن فتحها عَنْوَة.
وعند أبي داود بإسناد حسن، عن جابر به أنه سئل: هل غَنِمتم يوم
الفتح شيئاً؟ قال: لا.
وجنحت طائفة، منهم الماورديّ إلى أن بعضها فُتح عَنْوة؛ لِمَا وَقَع من
قصة خالد بن الوليد المذكورة، وقرر ذلك الحاكم في ((الإكليل)).
قال الحافظ تَّتُهُ: والحقّ أن صورة فتحها كان عَنْوَةً، ومعاملة أهلها
معاملة من دخلت بأمان.
ومَنَع جمعٌ منهم السهيليّ تَرَتُّب عدم قسمتها، وجواز بيع دورها،
وإجارتها على أنها فُتحت صلحاً:
أما أوّلاً، فلأن الإمام مُخَيَّر في قسمة الأرض بين الغانمين، إذا انتُزِعت
من الكفار، وبين إبقائها وقفاً على المسلمين، ولا يلزم من ذلك مَنْعُ بيع
الدور، وإجارتها .
وأما ثانياً: فقال بعضهم: لا تدخل الأرض في حكم الأموال؛ لأن من
مضى كانوا إذا غلبوا على الكفار لم يغنموا الأموال، فتنزل النار، فتأكلها،

١٦٩
(٣١) - بَابُ فَتْحِ مَكَّةَ، وَإِزَالَةِ الأَصْنَامِ مِنْ حَوْلِ الْكَعْبَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦١٤)
وتصير الأرض عموماً لهم، كما قال الله تعالى: ﴿أَدْخُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِىِ
كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٢١]، وقال: ﴿وَأَوْرَثْنَا اُلْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ
مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا﴾ الآية [الأعراف: ١٣٧].
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن القول بكون فتح مكة عنوة - كما
هو قول الجمهور - هو الأرجح؛ لقوّة أدلّته، فتأملها بالإمعان، وبالله تعالى
المستعان .
قال: والمسألة مشهورة، فلا نطيل بها هنا، وقد تقدم كثير من مباحث
دور مكة في (باب توريث دور مكة))، من ((كتاب الحج)). انتهى ما في
((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره إنما هو بالنسبة لـ((صحيح
البخاريّ))، وأما بالنسبة لـ((صحيح مسلم))، فقد سبق البحث المذكور أيضاً في
(كتاب الحجّ)) في (٧٧) - ((باب نزول الحاجّ بمكة، وتوريث دورها)) الحديث
[٣٢٩٥] (١٣٥١)، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦١٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِم، حَدَّثَنَا بَهْزُ، حَدَّثَنَا
سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: ثُمَّ قَالَ بِيَدَيْهِ، إِحْدَاهُمَا
عَلَى الأُخْرَى: ((احْصُدُوهُمْ حَصْداً))، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ (٢): قَالُوا: قُلْنَا ذَكَ يَا
رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((فَمَا اسْمِي إِذاً؟ كَلَّا إِنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ))).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِم) بن حيّان - بتحتانيّة - الْعَبْديّ، أبو عبد الرحمن
الظُّوطيّ، سكن نيسابور، ثقَةٌ صاحب حديث، من صغار [١٠] مات سنة بضع
و(٢٥٠) (م) من أفراد المصنّف تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣.
٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَميّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد
المائتين أو قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣.
(١) ((الفتح)) ٣٩٨/٩ - ٤٠٠.
(٢) وفي نسخة: ((قال: وفي الحديث)).

١٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
و((سلیمان)) ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ)؛ أي: بالإسناد المذكور قبله، وهو: عن ثابت
البُنانيّ، عن عبد الله بن رَبَاح، عن أبي هريرة
وقوله: (وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ) فاعل ((زاد)) ضمير بهز؛ أي: زاد بهز في
روايته قوله: ((ثُمَّ قَالَ)) ◌َطّ ... إلخ.
وقوله: (إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى) جملة في محل نصب على الحال.
وقوله: (احْصُدُوهُمْ حَصْداً) بضم الصاد المهملة، وكسرها، من بابي
نصر، وضرب؛ أي: استأصلوهم قتلاً.
وقوله: (قُلْنَا ذَالَكَ يَا رَسُولَ اللهِ)؛ أي: قولهم السابق: أما الرجل فأدركته
رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته.
وقوله: (فَمَا اسْمِي إِذاً)؛ أي: إذا رجعت إلى استيطان مكة، وتركتكم،
وتركت بلدكم، يكون اسمي مُذَمّماً، لا محمداً، وأنا محمد، لا يمكن أن
أنقض العهد، وأخالف ما دلّ عليه اسمي، وهذا ما أشار إليه حسّان بن
ثابت معه في مدحه له وَ ل﴿ حيث قال [من الطويل]:
مِنَ اللهِ مِنْ نُورٍ يَلُوحُ وَيَشْهَدُ
أَغَرُّ عَلَيْهِ لِلنّبُوَّةِ خَاتَمٌ
إِذَا قَالَ فِي الْخَمْسِ الْمُؤَذِّنُ أَشْهَدُ
وَضَمَّ الإِلهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ
فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ
وَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ
وقال القاضي عياض تَخْذَتُهُ: هذا يَحْتَمِل وجهين:
أحدهما: أنه لو أراد: إني نبي؛ لإعلامي إياكم بما تحدّثتم به سرّاً.
والثاني: لو فعلت هذا الذي خفتم منه، وفارقتكم، ورجعتُ إلى استيطان
مكة، لكنت ناقضاً لعهدكم في ملازمتكم، ولكان هذا غير مطابق لِمَا اشتُقَ منه
اسمي، وهو الحمد، فإني كنت أوصف حينئذ بغير الحمد. انتهى (١).
وقال القرطبيّ ◌َّتُهُ: قوله ◌َله: ((ألا فما اسمي إذاً؟)) قيل: إنما قال ذلك
تنبيهاً على صِدْقه لمّا ظهرت معجزته بإخباره عما غاب عنه، كما كان يقول عند
ظهور الخوارق على يديه: ((أشهد أني رسول الله))، وقيل: إنما قال ذلك تنبيهاً
(١) ((إكمال المعلم)) ١٤٥/٦.

١٧١
(٣١) - بَابُ فَتْحِ مََّةَ، وَإِزَالَةِ الأَصْنَامِ مِنْ حَوْلِ الْكَعْبَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦١٤)
على أن صِدْق اسمه ((محمد)) عليه يمنعه من نقض العهد، وترك القيام بحقّ من
له حقّ، فكأنه قال: لو فعلت ذلك لَمَا استحققت أن أسمّى محمداً، ولا
أحمد؛ إذ كلاهما مأخوذ من الحمد، ويدلّ على صحة هذا التأويل قوله:
((المحيا محياكم، والممات مماتكم)): أني لا أفارقكم حياتي ولا موتي، وبكاء
الأنصار إنما كان فرحاً، وصبابة برسول الله وَّه. انتهى(١).
[تنبيه]: رواية بهز، عن سليمان بن المغيرة هذه ساقها الإمام أحمد تخّتُهُ
في ((مسنده)) مقرونة برواية هاشم بن القاسم، فقال:
(١٠٩٦١) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا بهز، وهاشم، قالا: ثنا
سليمان بن المغيرة، عن ثابت، قال هاشم: قال: حدّثني ثابت البنانيّ، ثنا
عبد الله بن رباح، قال: وَفَدَتَ وُفودٌ إلى معاوية، أنا فيهم، وأبو هريرة، في
رمضان، فجعل بعضنا يصنع لبعض الطعام، قال: وكان أبو هريرة يُكثر ما
يدعونا، قال هاشم: يكثر أن يدعونا إلى رحله، قال: فقلت: ألا أصنع
طعاماً، فأدعوَهم إلى رحلي، قال: فأمرت بطعام يُصْنَعُ، ولقيت أبا هريرة من
العشاء، قال: قلت: يا أبا هريرة الدعوة عندي الليلة، قال: أسبقتني؟ قال
هاشم: قلت: نعم، قال: فدعوتهم، فهم عندي، قال أبو هريرة: ألا أعلمكم
بحديث من حديثكم، يا معاشر الأنصار، قال: فذكر فتح مكة، قال: أقبل
رسول الله ﴿، فدخل مكة، قال: فبعث الزبير على إحدى الْمُجَنِّبتين، وبعث
خالداً على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الْحُسّر، فأخذوا بطن
الوادي، ورسول الله وَّل في كتيبته، قال: وقد وَبَّشت قريش أوباشها، قال:
فقالوا: نُقَدِّم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي
سُئِلْنا، قال: فقال أبو هريرة: فنظر، فرآني، فقال: ((يا أبا هريرة))، فقلت:
لبيك رسول الله، قال: فقال: ((اهتف لي بالأنصار، ولا يأتيني إلا أنصاريّ))،
فهتفت بهم، فجاؤوا، فأطافوا برسول الله وَله، قال: فقال رسول الله وَاليه :
((تَرَون إلى أوباش قريش، وأتباعهم؟ - ثم قال بيديه: إحداهما على الأخرى -
حصداً، حتى توافوني بالصفا))، قال: فقال أبو هريرة: فانطلقنا، فما يشاء أحد
(١) ((المفهم)) ٦٣٢/٣.

١٧٢
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
منا أن يقتل منهم ما شاء، وما أحدٌ يوجه إلينا منهم شيئاً، قال: فقال أبو
سفيان: يا رسول الله، أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، قال: فقال
رسول الله ◌َّل: ((من أغلق بابه، فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان، فهو
آمن))، قال: فغلّق الناس أبوابهم، قال: فأقبل رسول الله وَطفول إلى الحجر،
فاستلمه، ثم طاف بالبيت، قال: وفي يده قوس آخِذٌ بسية القوس، قال: فأتى
في طوافه على صنم إلى جنب البيت يعبدونه، قال: فجعل يطعُن بها في عينه،
ويقول: ﴿جَآءَ اٌلْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١]، قال: ثم أتى الصفا، فعلاه،
حيث ينظر إلى البيت، فرفع يديه، فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره، ويدعوه،
قال: والأنصار تحته، قال: يقول بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في
قريته، ورأفة بعشيرته، قال أبو هريرة: وجاء الوحي، وكان إذا جاء لم يَخْفَ
علينا، فليس أحد من الناس يرفع طَرْفه إلى رسول الله وَل﴿ حتى يقضي، قال
هاشم: فلما قضى الوحي، رفع رأسه، ثم قال: ((يا معاشر الأنصار، أقلتم:
أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته؟» قالوا: قلنا ذلك يا
رسول الله، قال: ((فما اسمي إذاً، كلّا، إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله،
وإليكم، فالمحيا محياكم، والممات مماتكم))، قال: فأقبلوا إليه يبكون،
ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضِّنَّ بالله ورسوله، قال: فقال
رسول الله ◌ٌَّ: ((فإن الله ورسوله يُصَدِّقانكم، ويَعْذِرانكم)). انتهى(١)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦١٥] ( .. ) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا ثَابِتُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبَاحِ،
قَالَ: وَفَدْنَا إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَفِينَا أَبُو هُرَيْرَةَ، فَكَانَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَصْنِّعُ
طَعَاماً يَوْماً لأَصْحَابِهِ، فَكَانَتْ نَوْبَتِي، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ الْيَوْمُ نَوْبَتِي(٢)، فَجَاءُوا
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٥٣٨/٢.
(٢) وفي نسخة: ((اليوم يومي)).

١٧٣
(٣١) - بَابُ فَتْحِ مَّةَ، وَإِزَالَةِ الأَصْنَامِ مِنْ حَوْلِ الْكَعْبَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦١٥)
إِلَى الْمَنْزِلِ، وَلَمْ يُدْرِكْ طَعَامُنَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ لَوْ حَدَّثْتَنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَُّ
حَتَّى يُدْرَِ طَعَامُنَا، فَقَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهِ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَجَعَلَ خَالِدَ بْنَ
الْوَلِيدِ عَلَّى الْمُجَنِبَةِ الْيُمْنَى، وَجَعَلَ الزُّبَيْرَ عَلَى الْمُجَنِبَةِ الْيُسْرَى، وَجَعَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ
عَلَى الْبَيَّاذِقَةِ، وَبَطْنِ الْوَادِي، فَقَالَ: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ادْعُ لِي الأَنْصَارَ))، فَدَعَوْتُهُمْ،
فَجَاءُوا يُهَرْوِلُونَ، فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، هَلْ تَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشٍ؟))، قَالُوا:
نَعَمْ، قَالَ: ((انْظُرُوا إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ غَداً أَنْ تَحْصِدُوهُمْ حَصْداً))، وَأَخْفَى بِيَدِهِ،
وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ، وَقَالَ: ((مَوْعِدُكُمُ الصَّفَا))، قَالَ: فَمَا أَشْرَفَ يَوْمَئِذٍ لَهُمْ
أَحَدٌ إِلَّا أَنَامُوهُ، قَالَ: وَصَعِدَ رَسُولُ اللهِنَّهِ الصَّفَا، وَجَاءَتِ الأَنْصَارُ، فَأَطَانُواْ
بِالصَّفَا، فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ، لَا قُرَيْشَ
بَعْدَ الْيَوْمِ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ، فَهُوَ
آمِنٌ، وَمَنَّ أَلْقَى السِّلَاحَ، فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ، فَهُوَ آمِنٌ))، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ:
أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْنَةٌ بِعَشِيرَتِهِ، وَرَغْبَةٌ فِي قَرْبَتِهِ. وَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى
رَسُولِ اللهِ وَِّ، قَالَ: ((قُلْتُمْ: أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ، وَرَغْبَةٌ فِي
قَرْيَتِهِ، أَلَا، فَمَا اسْمِي إِذاً؟ - ثَلَاثَ مَزَّاتٍ - أَنَا مُحَمَّدٌ، عَبْدُ اللهِ، وَرَسُولُهُ،
هَاجَرْتُ إِلَى اللهِ، وَإِلَيْكُمْ، فَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ))، قَالُوا: وَاللهِ مَا
قُلْنَا إِلَّا ضِناً بِاللهِ، وَرَسُولِهِ، قَالَ: ((فَإِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ، وَيَعْذِرَانِكُمْ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السَّمَرْقَنديّ الحافظ،
صاحب ((المسند))، ثقةٌ فاضلٌ متقنّ [١١] (ت٢٥٥) وله (٧٤) سنةً (م « ت)
تقدم في ((المقدمة)) ٢٩/٥.
٢ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) البصريّ، نزيل تِنِّيس، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٨) (خ م د
ت س) تقدم في ((الحيض)) ٧/ ٧٢٣.
٣ - (حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَكَانَتْ نَوْبَتِي) ((كان)) هنا تامّة، بمعنى جاء، والنوبة - بفتح،
فسكون -: اسمٌ مِنْ ناوبته مناوبةً: إذا ساهمته مُساهمةً، والجمع نُوَبٌ، مثلُ

١٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
قَرْية وقُرَى، وتناوبوا عليه: تداولوه بينهم، يفعله هذا مرّةً، وهذا مرّةً، قاله
الفيّومِيّ ◌َُّهُ(١).
وقوله: (الْيَوْمُ تَوْبَتِي) وفي بعض النسخ: ((اليوم يومي)).
وقوله: (وَلَمْ يُدْرِكْ طَعَامُنَا) بضمّ حرف المضارعة، مضارع أدرك رباعيّاً،
يقال: أدركت الثمار: إذا نَضِجَتْ، وأدرك الشيءُ: إذا بلغ وقتَهُ(٢).
وقوله: (لَوْ حَدَّثْتَنَا) (لو)) هنا للتمنّي، أو شرطيّة، جوابها محذوف؛ أي:
لكان خيراً .
وقوله: (عَلَى الْبَيَاذِقَةِ) قال النوويّ ◌َُّ: ((البياذقة)) - بباء موحّدة، ثم
مثناة تحتُ، وبذال معجمة، وقاف ــ هم الرّجّالة(٣)، قالوا: وهو فارسيّ
مُعَرَّب، وأصله بالفارسية: أصحاب ركاب الملك، ومن يتصرف في أموره،
قيل: سُمُّوا بذلك؛ لخفّتهم، وسرعة حركتهم، هكذا الرواية في هذا الحرف
هنا، وفي غير مسلم أيضاً. انتهى (٤).
وقال القاضي عياض: هكذا روايتنا فيه، قال: ووقع في بعض الروايات:
((الساقة))، وهم الذين يكونون آخر العسكر، وقد يُجْمَع بينه وبين البياذقة بأنهم
رَجّالة، وساقة، ورواه بعضهم: ((الشارفة))، وفَسَّروه بالذين يُشرفون على مكة،
قال القاضي: وهذا ليس بشيء؛ لأنهم أخذوا في بطن الوادي، والبياذقة هنا
هم الْحُسَّر في الرواية السابقة، وهم رَجّالةٌ، لا دروع عليهم. انتهى(٥).
وقوله: (فَجَاءُوا يُهَرْوِلُونَ)؛ أي: يُسرعون.
وقوله: (أَنْ تَحْصِدُوهُمْ حَصْداً))) تقدّم أنه من بابي نصر، وضرب؛ أي:
استأصلوهم استئصالاً .
وقوله: (وَأَخْفَى بِيَدِهِ ... إلخ) هكذا النسخ: ((وأخفى)) بالخاء المعجمة،
والذي عند القرطبيّ في ((مختصره)): ((وأحفى)) بالحاء المهملة، قال: كذا
صحيح الرواية بالحاء المهملة، معناه: استأصل؛ أي: أشار إلى ذلك،
(١) ((المصباح المنير)) ٦٢٩/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ١/ ١٩٢.
(٣) ((الرّجَّالة بفتح الراء، وتشديد الجيم: جمع راجل، وهو خلاف الفارس.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٣٢/١٢.
(٥) ((إكمال المعلم)) ١٣٩/٦.

١٧٥
(٣١) - بَابُ فَتْحِ مَكَّةَ، وَإِذَالَةِ الأَصْنَامِ مِنْ حَوْلِ الْكَعْبَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦١٥)
وبعضهم رواه ((وأكفى)) بالكاف؛ أي: أمال بيده، فكأنه وَلّ وضع يمناه على
يسراه، وأمرّها عليها مشيراً إلى الاستئصال، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
وقوله: (وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ) قال القاضي عياض ◌َظْتُهُ: وضع يمينه
على شماله يحاكي صفة الحصد، والقطع باليد اليمنى لِمَا قَبَضَتْ عليه
بالشمال، يريد: قَتْلَهم، واستئصالهم. انتهى(٢).
وقوله: (فَمَا أَشْرَفَ يَوْمَئِذٍ لَهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَنَامُوهُ)؛ أي: ما ظهر لهم أحد من
المشركين، إلا قتلوه، فوقع في الأرض كالنائم، وقد يكون بمعنى: أسكنوه؛ أي:
قطعوا حياته بقتله، يقال: قامت الريح: إذا أسكنت، كما قالوا: ضربه حتی سکن؛
أي: مات، قال المازريّ: يقال: نامت الشاة وغيرها: إذا ماتت، ونامت السوق:
كسدت، وقال الفرّاء: النائمة: الميتة، وفي حديث عليّ رظلُبه في قتال الخوارج:
((إذا أتيتموهم، فأنيموهم))؛ أي: اقتلوهم. انتهى من ((الإكمال)) بتصرّف(٣).
وقوله: (أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ) وفي الرواية السابقة: ((أُبيحت خضراء
قريش))، وكلاهما بمعنى متقارب؛ أي: استئصلوا، و((خضراء قريش)) كناية عن
جماعتهم، ويُعبّر عن الجماعة المجتمعة بالسواد، والخضرة، ولهذا قالوا:
السواد الأعظم، وقال المازريّ: قال الهرويّ: أباد الله خضراءهم؛ أي:
جماعاتهم، وقال ابن الأعرابيّ: معناه: أباد الله سوادهم، وقال ابن الأنباريّ:
سواد القوم: معظمهم، قال ابن الأعرابيّ: الخضرة عند العرب: السواد، يقال
اللّيل: أخضر؛ لسواده، وأنشد:
يَا نَاقُ خُبِّي خَبَباً زِوَرًّا
وَعَارِضِي اللَّيْلَ إِذَا مَا اخْضَرًّا
ويقال: أباد الله خضراءهم؛ أي: خِصْبهم، وَسَعَتَهم، قال النابغة:
يَصُونُونَ أَبْدَاناً قَدِيماً نَعِيمُهَا بِخَالِصَةِ الأَرْدَانِ خُضْرِ الْمَنَاكِبِ
أراد به: سعة ما هم فيه من الْخِصب، وقيل: معناه: أذهب الله نعيمهم،
وخِضْبهم(٤).
(٤)
(١) ((المفهم)) ٦٣٠/٣.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٦/ ١٤١.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٦/ ١٤١.
(٤) ((إكمال المعلم)) ٦/ ١٤٢، و((لسان العرب)) ٢٤٦/٤.

١٧٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
والحديث من أفراد المصنّف ◌َخْذَتُهُ، وقد مضى تمام البحث فيه قريباً، ولله
الحمد والمنة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦١٦] (١٧٨١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ
أَبِي عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لِبْنِ أَبِي شَيْئَةَ - قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ
أَبِي نَجِيحِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ◌َهـ
مَكّةَ، وَحَوَّلَ الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ نُصُباً، فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ كَانَ بِيَدِهِ،
وَيَقُولُ: ﴿مَةَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]، ،
الْحَقُّ وَمَا يُبْدِىُّ الْبَطِلُ وَمَا يُعِيدٌ﴾ [سبأ: ٤٩]، زَادَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: يَوْمَ الْفَتْحِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: ابن محمد بن بكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل
الرقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤.
٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل
مكة، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ) تقدّم قبل باب.
٥ - (ابْنُ أَبِي نَجِيح) هو: عبد الله بن أبي نَجِيح يسار الثقفيّ مولاهم،
أبو يسار المكيّ، ثقةٌ رُمِّي بالقدر، وربّما دلّس [٦] (ت١٣١) أو بعدها (ع)
تقدم في ((الجنائز)) ٢١٣٤/٦.
٦ - (مُجَاهِدُ) بن جبر المخزوميّ مولاهم، أبو الحجّاج المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيه إمام في التفسير [٣] (ت١ أو ٢ أو ٣ أو ١٠٤) وله (٨٣) سنةً (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ٢١/٤.
٧ - (أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن سخبرة الأزديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٢] مات في
إمارة عبيد الله بن زياد (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص ٤٧٠.
٨ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود بن غافل بن حبيب الهُذلي، أبو عبد الرحمن،
من السابقين الأولين، ومن كبار العلماء من الصحابة
ـة، مات سنة (٣٢) أو
بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣.

١٧٧
(٣١) - بَابُ فَتْحِ مَكَّةَ، وَإِزَالَةِ الأَصْنَامِ مِنْ حَوْلِ الْكَعْبَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦١٦)
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَُّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه
عبد الله مهملاً، وهو ابن مسعود؛ للقاعدة المشهورة أنه إذا أُطلق عبد الله في
الصحابة يُنظر، فإن كان السند كوفيّاً كما هنا فهو ابن مسعود اته، وقد ذكرنا
أبياتاً تبيّن هذه القاعدة قريباً، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح) وفي رواية عند البخاريّ: ((عن ابن عيينة، حدّثنا
ابن أبي نَجِيح))، وتقدّم أَن اسم أبيه يسار، قال في ((الفتح)): ولابن عيينة في
هذا الحديث إسناد آخر، أخرجه الطبرانيّ، من طريق عبد الغفار بن داود، عن
﴿(١).
ابن عيينة، عن جامع بن أبي راشد، عن أبي وائل، عن ابن مسعود
(عَنْ مُجَاهِدٍ) ابن جَبْر (عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) عبد الله بن سَخْبَرَة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن
مسعود عظته أنه (قَالَ: دَخَلَ النَِّيُّ بَّهِ مَكّةَ)؛ أي: يوم الفتح، وقوله: (وَحَوْلَ
الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُونَ نُصُباً) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل،
ولفظ البخاريّ: ((ستون وثلاثمائة نُصُبٍ))، و((نُصُباً)) هنا منصوب على التمييز،
وفي رواية البخاريّ مجرور بالإضافة، وهو بضم النون، والصاد المهملة، وقد
تسكّن، بعدها موحّدة، هي واحدة الأنصاب، وهو ما يُنْصَب للعبادة من
دون الله تعالى، ووقع في رواية الثوريّ التالية: ((صَنَماً)) بدل («نُصُباً))، ويطلق
النُّصُب ويراد به: الحجارة التي كانوا يذبحون عليها للأصنام، وليست مرادة
هنا، وتطلق الأنصاب على أعلام الطريق، وليست مرادة أيضاً هنا، ولا في
الآية(٢).
وقال القرطبيّ كَُّهُ: إنما كانت الأصنام بهذا العدد؛ لأنهم كانوا يعظّمون
في كلّ يوم صنماً، ويخصّون أعظمها بيومين. انتهى (٣).
(١) ((الفتح)) ٩/ ٤٠٥، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٢٨٧).
(٢) ((الفتح)) ٩/ ٤٠٥، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٢٨٧).
(٣) «المفهم)) ٦٣٣/٣.

١٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
(فَجَعَلَ)؛ أي: شرع النبيّ وََّ (يَطْعُنُهَا) بضمّ العين المهملة، وفتحها،
والضمّ أشهر، (بِعُودٍ كَانَ بِيَدِهِ) وفي حديث أبي هريرة ◌َظُه الماضي: ((يَطْعُنُ
في عينيه بِسِيَةِ القوس))، وفي حديث ابن عمر ﴿ّ عند الفاكهيّ، وصححه ابن
حبان: ((فَيَسْقُط الصنم، ولا يمسّه))، وللفاكهيّ، والطبرانيّ، من حديث ابن
عباس رِّ: ((فلم يَبْقَ وَثَنَّ استقبله، إلا سَقَطَ على قفاه، مع أنها كانت ثابتةً
بالأرض، وقد شَدّ لهم إبليس أقدامها بالرصاص))، وإنما فَعَلَ النبيّ وَّر ذلك
لإذلال الأصنام، وعابديها، ولإظهار أنها لا تنفع، ولا تضر، ولا تدفع عن
نفسها شيئاً(١).
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: يقال: إن الأصنام المذكورة كانت مثبتةً بالرصاص،
وأنه ◌َ﴿ كلّما طَعَن منها صنماً في وجهه خَرّ لقفاه، أو في قفاه خرّ لوجهه،
ذكر هذا القاضي عياض في كتاب ((الشفا))(٢).
(وَيَقُولُ) وَهِ عند طعنها: ((جَ اُلْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾)
تقدّم أن هذا تهديدٌ، ووعيد لكفار قريش، فإنه قد جاءهم من الله الحقّ الذي لا
مرية فيه، ولا قِبَل لهم به، وهو ما بعثه الله به من القرآن، والإيمان، والعلم
النافع، وزهق باطلهم؛ أي: اضْمَحَلّ، وهلك، فإن الباطل لا ثبات له مع
الحقّ، ولا بقاء، وسبق بيان اختلاف العلماء في معنى الحقّ والباطل. (﴿جَآءَ
اَلْحَقُّ وَمَا يُبْدِىُّ الْبَطِلُ وَمَا يُعِدُ﴾) قال الإمام ابن جرير الطبريّ كَُّهُ: يقول الله
جلّ ذكره: قل لهم يا محمد: جاء القرآن، ووحي الله، وما يبدىء الباطل:
يقول: وما ينشئ الباطلُ خَلْقاً، والباطل هو فيما فسّره أهل التأويل: إبليس،
وما يعيد: يقول: ولا يعيده حيّاً بعد فنائه. انتهى(٣) .
وقال الحافظ ابن كثير تَّتُهُ: ﴿قُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِىُّ الْبَطِلُ وَمَا
يُعِيدُ ﴾﴾؛ أي: جاء الحقّ من الله، والشرع العظيم، وذهب الباطل، وزهقٍ،
واضْمَحَلّ؛ كقوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِلَّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُهُ، فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾
[الأنبياء: ١٨]؛ أي: لم يبق للباطل مقالة، ولا رياسة، ولا كلمة، وزعم قتادة،
(١) ((الفتح)) ٤٠٥/٩.
(٣) ((تفسير الطبريّ)) ١٠٥/٢٢ - ١٠٦.
(٢) «المفهم)) ٦٣٣/٣.

١٧٩
(٣١) - بَابُ فَتْحِ مَكَّةَ، وَإِزَالَةِ الأَصْنَامِ مِنْ حَوْلِ الْكَعْبَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦١٦)
والسديّ أن المراد بالباطل ها هنا: إبليس؛ أي: أنه لا يَخْلُق أحداً، ولا
يعيده، ولا يقدر على ذلك، وهذا وإن كان حقّاً، ولكن ليس هو المرادَ ها
هنا، والله أعلم. انتهى(١).
قال الطبريّ كَُّ: في حديث ابن مسعود ظُه هذا جواز كسر آلات
الباطل، وما لا يصلح إلا في المعصية حتى تزول هيئتها، ويُنتفع برضاضها .
انتھی(٢).
وقوله: (زَادَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو محمد بن يحيى العدنيّ شيخه الثالث في
هذا السند، ومفعول ((زاد)) قوله: (يَوْمَ الْفَتْح)؛ يعني: أن ابن أبي عمر زاد في
روايته لهذا الحديث عن ابن عيينة قوله: ((يوم الفتح)) بعد قوله: ((دخل النبيّ وَل
مكة))، وتابعه عليه صدقة بن الفضل عند البخاريّ، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود نظرابه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦١٦/٣١ و٤٦١٧] (١٧٨١)، و(البخاريّ) في
((المظالم)) (٢٤٧٨) و((المغازي)) (٤٢٨٧) و((التفسير)) (٤٧٢٠)، و(الترمذيّ) في
((التفسير)) (٣١٣٨)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٣٨/٦)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (٤٠٣/٧)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٤٦/١)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٣٧٧/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٨٦٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤/
٢٩٢)، و(الطبرانيّ) في (الصغير)) (٢١٠) و((الأوسط)) (١٠٢/١ و٨/٣) و((الكبير))
(١٠٥٣٥)، و(الطبريّ) في ((التفسير)) (١٥٢/١٥)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٨/
٣٧٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٠١/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة))
(٣٨١٣) و((التفسير)) (١٣٣/٣)، وفوائده تقدّمت قريباً، ولله الحمد والمنّة.
(١) ((تفسير ابن كثير)) ٥٤٥/٣.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٣٠٠/٦، كتاب ((المظالم)) رقم (٢٤٧٨).

١٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظْذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦١٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ،
كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، إِلَى
قَوْلِهِ: ﴿َهُوقًا﴾، وَلَمْ يَذْكُرِ الآيَةَ الأُخْرَى، وَقَالَ بَدَلَ نُصُباً: صَنَماً).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) تقدّم قريباً.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (الثَّوْرِيُّ) سفيان بن سعيد الإمام الشهير، تقدّم قبل بابين.
و((ابن أبي نَجِیح)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية الثوريّ، عن ابن أبي نَجِيح هذه ساقها أبو عوانة تَُّهُ في
((مسنده))، فقال:
(٦٧٨٨) - حدّثنا إبراهيم بن محمد بن برة الصنعانيّ، والحسن بن
عبد الأعلى البوسيّ الصنعانيّ، قالا: ثنا عبد الرزاق، قال: أنبأ سفيان
الثوريّ، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود:
أن النبيّ وَّ دخل مكة يوم الفتح، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً،
فجعل يَظْعُنها، وهو يقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَنَ زَهُوقًا﴾
(١)
[الإسراء: ٨١]. انتھی
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان ما يتعلّق به من المسائل،
ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦١٨] (١٧٨٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ،
وَوَكِيعٌ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِيهِ،
(١) ((مسند أبي عوانة)) ٤/ ٢٩٢.