النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ (٣١) - بَابُ فَتْحِ مَكَّةَ، وَإِزَالَةِ الأَصْنَامِ مِنْ حَوْلِ الْكَعْبَةِ، وَقَوْلِهِ وَِّ: ((لَا يُقْتَلُ ... إلخ وإن رجع عن إقراره، ومنهم من أجازه وإن لم يعيِّن، ومنهم من منعه وإن تمادى عليه؛ لأن خوفه أن يعاد عليه العذاب باق. انتهى (١). ٤ - (ومنها): أن فيه معجزتين من أعلام النبوة: إحداهما: إخباره وّق بمصرع جبابرتهم، فلم يجاوز أحد منهم مصرعه الذي حدّه له النبيّ زَاؤ . الثانية: إخباره ◌َ﴿ بأن الغلام الذي كانوا يضربونه يَصدُق إذا تركوه، ويَكْذِب إذا ضربوه، وكان كذلك في نفس الأمر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٣١) - (بَابُ فَتْحِ مَّةَ، وَإِزَالَةِ الأَصْنَامِ مِنْ حَوْلِ الْكَعْبَةِ، وَقَوْلِهِ مَِّ: ((لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ بَعْدَ الْيَوْمِ صَبْراً))) مسألتان تتعلّقان بقوله: ((فتح مكة)): (المسألة الأولى): قال الفيّوميّ ◌َُّ: (مكة)) شرّفها الله تعالى، وقيل فيها: بَكّةُ على البدل، وقيل بالباء: البيتُ، وبالميم: ما حوله، وقيل بالباء: (٢) بطن مكة. انتهى (٢) . وقال في ((القاموس))، و((شرحه)): مَكّة - شرفها الله تعالى - اختُلف فيها، فقيل: اسم للبلد الحرام، أو للحرم كلِّه، وقال يعقوب في البدل: مكة: الحرم كله، فأما بكة بين الجبلين، قال ابن سِيدَهْ: ولا أدري كيف هذا؟؛ لأنه قد فرّق بين مكة وبكة في المعنى، وبَيَّن أن معنى البدل والمبدل منه سواء، واختُلِف في وجه تسميتها، فقيل: لأنها تَنْقُصُ الذنوبَ، أو تُفنيها، أو لأنها تُهلك مَن ظَلَم فيها، وألحد، وفي كتاب تلبية أهل الجاهلية: كانت تلبية عُكّ، ومَذْحِج جميعاً : يَا مَكَّةُ الْفَاجِرَ مُكِّي مَكّاً وَلَا تَمُكِّي مَذْحِجاً وَعَثًّا (١) ((المفهم)) ٦٢٦/٣ - ٦٢٧. (٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٧٧. ١٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير جِثْنَا إلَى رَبِّكِ لَا نَشُكَّا فَنَتْرُكَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ دَّا وقيل: لقلة مائها، وذلك أنهم كانوا يمتكّون الماءَ فيها؛ أي: يستخرجونه، وقيل: لجذب الناس إليها، والْمَكّ: الجذب، نقله السيوطيّ في (المزهر)) في الأضداد، عن أبي العباس، وقيل: الْمَكّ: الازدحام؛ كالبَكّ، وسمّيت به؛ لازدحام الناس فيها، فهذه خمسة أوجه في سبب تسميتها. انتھی(١). (المسألة الثانية): في بيان سبب فتح مكة زادها الله تعالى شرفاً: (اعلم): أن سبب فتح مكة أن قريشاً نقضوا العهد الذي وقع بالحديبية، فبلغ ذلك النبيّ وَّر، فغزاهم، قال ابن إسحاق: حدّثني الزهريّ، عن عروة، عن الْمِسْوَر بن مَخْرَمة، أنه كان في الشرط: مَن أحبّ أن يدخل في عقد رسول الله ◌َفر وعهده فليدخل، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل، فدخلت بنو بكر - أي: ابن عبد مناة بن كنانة - في عهد قريش، ودخلت خزاعة في عهد رسول الله وَلجر، قال ابن إسحاق: وكان بين بني بكر وخزاعة حروب، وقتلى في الجاهلية، فتشاغلوا عن ذلك لَمّا ظهر الإسلام، فلما كانت الْهُدْنة خرج نوفل بن معاوية الدِّيليّ من بني بكر في بني الديل، حتى بَيَّت خزاعة على ماء لهم، يقال له: الْوَتِير، فأصاب منهم رجلاً، يقال له: مُنَّبِّه، واستيقظت لهم خزاعة، فاقتتلوا إلى أن دخلوا الحرم، ولم يتركوا القتال، وأمدَّت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل بعضهم معهم ليلاً في خفية، فلما انقضت الحرب خرج عمرو بن سالم الخزاعيّ، حتى قَدِمَ على رسول الله وَ لته، وهو جالس في المسجد، فقال: يَا رَبِّ إِنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدَا فَانْصُرْ هَدَاكَ اللهُ نَصْراً أَيَّدَا إِنَّ قُرَيْشاً أَخْلَفُوكَ الْمَوْعِدَا هُمْ بَيَّتُونَا بِالْوَتِيرِ هُجَّدَا وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتُ أَدْعُو أَحَدَا حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الأَتْلَدَا وَادْعُ عِبَادَ اللهِ يَأْتُوا مَدَدَا وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ الْمُؤَكَّدَا وَقَتَلُونَا رُكَّعاً وَسُجَّدَا وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدَا (١) ((تاج العروس)) ١٧٩/٧ - ١٨٠. ١٤٣ (٣١) - بَابُ فَتْحِ مَكَّةَ، وَإِزَالَةِ الأَصْنَامِ مِنْ حَوْلِ الْكَعْبَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦١٣) قال ابن إسحاق: فقال له رسول الله وَله: نُصِرتَ يا عمرو بن سالم، فكان ذلك ما هاج فتح مكة. وقد رَوَى البزار من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ربه بعض الأبيات المذكورة في هذه القصة، وهو إسناد حسن موصول، ولكن رواه ابن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة مرسلاً، وأخرجه أيضاً من رواية أيوب، عن عكرمة مرسلاً مطوّلاً، قال فيه: لمّا وادع رسول الله وَّر أهل مكة، وكانت خزاعة في صُلحه، وبنو بكر في صلح قريش، فكان بينهم قتال، فأمدتهم قريش بسلاح وطعام، فظهروا على خزاعة، وقتلوا منهم، قال: وجاء وفد خزاعة إلى النبيّ وَطِّ، فدعاه إلى النصر، وذكر الشعر، وأخرجه عبد الرزاق، من طريق مِقْسَم، عن ابن عباس ظُه مطوّلاً، وليس فيه الشعر. وأخرجه الطبرانيّ من حديث ميمونة بنت الحارث مطوّلاً، وفيه أيضاً: أنها سمعت رسول الله وَ ل* يقول ليلاً وهو في متوضئه: ((نُصِرتَ، نُصِرت))، فسألته، فقال: ((هذا راجز بني كعب يستصرخني، وزعم أن قريشاً أعانت عليهم بني بكر))، قالت: فأقمنا ثلاثاً، ثم صلى الصبح بالناس، ثم سمعت الراجز ینشده . وعند موسى بن عقبة في هذه القصّة: قال: ويذكرون أن ممن أعانهم من قريش: صفوان بن أمية، وشيبة بن عثمان، وسهل بن عمرو، ذكره في ((الفتح)) (١). [٤٦١٣] (١٧٨٠) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ الْبُنَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبَاحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: وَفَدَتْ وُفُودٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، فَكَانَ يَصْنَعُ بَّعْضُنَا لِيَعْضِ الطَّعَامَ، فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَدْعُوَنَا إِلَى رَحْلِهِ، فَقُلْتُ: أَلَا أَصْنَعُ طَعَاماً، فَأَدْعُوَهُمْ إِلَى رَحْلِي، فَأَمَرْتُ بِطَعَامِ يُصْنَعُ، ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا هُرَيْرَةَ مِنَ الْعَشِيِّ، فَقُلْتُ: الدَّعْوَةُ عِنْدِي اللَّيْلَةَ، فَقَالَ: (١) ((الفتح)) ٩/ ٣٨١ - ٣٨٢، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٢٧٤). ١٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير سَبَقْتَنِي، قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَلَا أُعْلِمُكُمْ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِكُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، ثُمَّ ذَكَرَ فَتْحَ مَكَّةَ، فَقَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِنَّهِ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ(١)، فَبَعَثَ الزُّبَيْرَ عَلَى إِحْدَى الْمُجَنِّقَيْنِ، وَبَعَثَ خَالِداً عَلَى الْمُجَنَّةِ الأُخْرَى، وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْحُسَّرِ، فَأَخَذُوا بَطْنَ الْوَادِي، وَرَسُولُ اللهِ وَهُ فِي كَتِيبَةٍ، قَالَ: فَنَظَرَ، فَرَآنِي، فَقَالَ: ((أَبُو هُرَيْرَةَ؟»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: ((لَا يَأْتِينِي إِلَّا أَنْصَارِيٍّ)»، زَادَ غَيْرُ شَيْبَانَ، فَقَالَ: ((اهْتِفْ لِي بِالأَنْصَارِ))، قَالَ: فَأَطَافُوا بِهِ، وَوَبَّشَتْ قُرَيْشٌ أَوْبَاشاً لَهَا وَأَنْبَاعاً، فَقَالُوا: نُقَدِّمُ هَؤُلَاءِ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شَيْءٌ كُنَّا مَعَهُمْ، وَإِنْ أُصِيبُوا أَعْطَيْنَا الَّذِي سُئِلْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (تَرَوْنَ إِلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ، وَأَنْبَاعِهِمْ؟))، ثُمَّ قَالَ بِيَدَيْهِ، إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى، ثُمَّ قَالَ: ((حَتَّى تُوَافُونِي بِالصَّفَا))، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، فَمَا شَاءَ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ أَحَداً إِلَّا قَتَلَهُ، وَمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يُوَجَّهُ إِلَيْنَا شَيْئاً، قَالَ: فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ، ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ»، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ، وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَجَاءَ الْوَخْيُ، وَكَانَ إِذَا جَاءَ الْوَحْيُ لَا يَخْفَى عَلَيْنَا(٢)، فَإِذَا جَاءَ فَلَيْسَ أَحَدٌ بَرْفَعُ طَرْفَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْوَحْيُ، فَلَمَّا انْقَضَى الْوَحْيُ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: (يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ))، قَالُوا: لَبَّيْكَ بَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((قُلْتُمْ: أَمَّ الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ»، قَالُوا: قَدْ كَانَ ذَاكَ، قَالَ: ((كَلَّا، إِنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، هَاجَرْتُ إِلَى اللهِ، وَإِلَيْكُمْ، وَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ))، فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَبْكُونَ، وَيَقُولُونَ: وَاللهِ مَا قُلْنَا الَّذِي قُلْنَا، إِلَّا الضِّنَّ بِاللهِ، وَبِرَسُولِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ، وَيَعْذِرَانِكُمْ))، قَالَ: فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى دَارٍ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَغْلَقَ النَّاسُ أَبْوَابَهُمْ، قَالَ: وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ حَتَّى أَقْبَلَ إِلَى الْحَجَرِ، فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، قَالَ: (١) وفي نسخة: ((حين قَدِمَ مكة)). (٢) وفي نسخة: ((وكان إذا جاء لا يخفى علينا)). ١٤٥ (٣١) - بَابُ فَتْحِ مَكَّةَ، وَإِزَالَةِ الأَصْنَامِ مِنْ حَوْلِ الْكَعْبَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦١٣) فَأَتَى عَلَى صَنَمِ إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ(١)، كَانُوا يَعْبُدُونَهُ، قَالَ: وَفِي يَدِ رَسُولِ اللهِ وَيول قَوْسٌ، وَهُوَ آَخِذٌ بِسِيَةِ الْقَوْسِ، فَلَمَّا أَتَى عَلَى الصَّنَمِ جَعَلَ يَطْعُنُّهُ فِي عَيْنِهِ، وَيَقُولُ: ((جَاءَ الْحَقُّ، وَزَهَقَ الْبَاطِلُ))، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا، فَعَلَا عَلَيْهِ، حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ، وَرَفَعَ بَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللهَ، وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُليّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، قال أبو حاتم: اضطرّ الناس إليه أخيراً، من صغار [٩] (ت ٥ أو ٢٣٦) وله بضع وتسعون سنةً (م دس) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٧. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) الْقَيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبتٌ [٧] (ت١٦٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١١/٣. ٣ - (َابِتُ الْبُنَانِيُّ) بن أسلم البصريّ المذكور في السند الماضي. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ رَبَاح) الأنصاريّ، أبو خالد المدنيّ، سكن البصرة، ثقةٌ [٣] قتله الأزارقة (م ٤) تقدَّم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ٥٧/ ١٥٦٢. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَؤُه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَخْفُ، وأنه مسلسل بالبصريين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ظ به أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثاً . شرح الحديث : (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبَاح) بفتح الراء، وتخفيف الموحّدة الأنصاريّ، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُه (قَالَ: وَفَدَّتْ) يقال: وَفَدَ إليه، وعليه، يَفِدُ وَفْداً، ووُفُوداً، ووِفَادةً، وإفادةً: إذا قَدِمَ، وورَدَ، وأوفد عليه، وإليه، وهم: وُفُودٌ، ووَفْدٌ، وأوفادٌ، ووُفَّدٌ، قاله المجد كَذَتُهُ(٢). وقال الفيّوميّ تَخَُّ: وَفَدَ على القومِ وَقْداً، من باب وَعَدَ، ووُفُوداً، فهو (١) وفي نسخة: ((إلى جانب البيت)). (٢) ((القاموس المحيط)) ص ١٤١٠. ١٤٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير وافد، وقد يُجْمَعُ على وُفّاد، ووُقَّدٍ، وعلى وَقْدٍ، مثلُ صاحب وصَحْبٍ، ومنه: ((الحاجّ وَفْدُ الله))، وجمع الْوَفْد: أوفادٌ، ووُفُودٌ. انتهى (١). (وُفُودٌ) بضمّ الواو: جمع وافد، أو وَفْد، كما سبق آنفاً. (إِلَى مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان رضيها المتوفّى في رجب سنة (٦٠هـ) تقدّمت ترجمته في ((الصلاة)) ٨٥٨/٨. وفي الرواية الآتية من طريق حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح قال: ((وفَدْنا إلى معاوية بن أبي سفيان، وفينا أبو هريرة))، (وَذَلِكَ)؛ أي: وُفودهم (فِي) شهر (رَمَضَانَ) قاله عبد الله بن رَبَاحِ، وقوله: (فَكَانَ) هي هنا شأنيّة؛ أي: كان الشأن والحال، (يَصْنَعُ بَعْضُنَا لِبَعْضِ الطَّعَامَ) وفي الرواية التالية: ((كان كلُّ رجل منَّا يصنع طعاماً يوماً لأصحابه، فكانت نوبتي))، قال القرطبيّ تَخْتُهُ: هذه المناوبة في الطعام كانت منهم على جهة المكارَمة، والمطايبة، والتبرك بالمؤاكلة، والمشاركة فيها، لا على جهة المعاوضة، والمشاحَّة؛ ولذلك قال أبو هريرة ظُبه للذي دعاه: ((سبقتني))، ففيه ما كان السلف عليه من حسن التودد، والمزاورة، والمواصلة، والمكارمة. انتهى(٢). (فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َبه (مِمَّا يُكْثِرُ) ((ما)) هنا مستعملة في العاقل؛ أي: ممن يُكثر (أَنْ يَدْعُوَنَا إِلَى رَحْلِهِ) بفتح، فسكون؛ أي: مكان نزوله، قال الفيّوميّ ◌َغْتُهُ: رَحْلُ الشخص: مأواه في الحضر، ثمّ أُطلق على أمتعة المسافر؛ لأنها هناك مأواه. انتهى (٣). (فَقُلْتُ: أَلَا) بفتح الهمزة، وتخفيف اللام: أداة عَرْض، وتحضيض، والمراد: حضّ نفسه، وحثّها على صنع الطعام لهم. (أَصْنَعُ طَعَاماً، فَأَدْعُوَهُمْ) بالنصب بـ((أن)) مضمرةً بعد الفاء السببيّة الواقعة في جواب العرض، كما في قول الشاعر: يَا ابْنَ الْكِرَامِ أَلَا تَدْنُو فَتُبْصِرَ مَا قَدْ حَدَّثُوكَ فَمَا رَاءٍ كَمَنْ سَمِعَا وإلى هذا أشار ابن مالك ◌َّتُ في ((خلاصته))، حيث قال: وَبَعْدَ فَا جَوَابٍ نَفْي أَوْ طَلَبْ مَحْضَيْنِ ((أَنْ)) وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ (إِلَى رَحْلِي، فَأَمَرْتُ)؛ أي: الخادم، (بِطَعَام يُصْنَعُ) بالبناء للمفعول في (١) ((المصباح المنير)) ٦٦٦/٢. (٣) ((المصباح المنير)) ٢٢٢/١. (٢) ((المفهم)) ٦٢٨/٣. ١٤٧ (٣١) - بَابُ فَتْحِ مَكَّةَ، وَإِزَالَةِ الأَصْنَامِ مِنْ حَوْلِ الْكَعْبَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦١٣) محلّ جرّ صفة لـ(طعام))، (ثُمَّ لَقِيتُ) بكسر القاف، من باب عَلِم، (أَبَا هُرَيْرَةَ) تَنْهُ (مِنَ الْعَشِيِّ) ((من)) بمعنى ((في))، و((العشيّ)) - بفتح العين المهملة، وكسر الشين المعجمة، وتشديد الياء -: قيل: هو ما بين الزوال إلى الغروب، ومنه يقال للظهر والعصر: صلاتا العشيّ، وقيل: هو آخر النهار، وقيل: العشيّ من الزوال إلى الصباح، وقيل: العشيّ، والعِشَاء من صلاة المغرب إلى الْعَتَمَةِ، وعليه قول ابن فارس: العِشاءان: المغربُ والْعَتَمَةُ، قاله الفيّوميّ(١). (فَقُلْتُ: الدَّعْوَةُ) قال الفيّومِيّ ◌َخْذُ: ((الدَّعْوة)) بالفتح في الطعام، اسم من دَعَوْتُ الناسَ: إذا طلبتهم ليأكلوا عندك، يقال: نحنُ في دَعْوَة فلان، ومَدْعاته، ودُعائه بمعنَى، وقال قبل ذلك: الدِّغْوة بالكسر في النسبة، يقال: دَعَوته بابن زيد، قال الأزهريّ: الدِّعْوة بالكسر: ادّعاءُ الولد الدّعِيّ غيرَ أبيه، ثم قال: قال أبو عُبيد: وهذا كلام أكثر العرب، إلا عَدِيّ الرباب، فإنهم يَعْكسون، ويَجعلون الفتح في النسب، والكسر في الطعام. انتهى باختصار(٢). (عِنْدِي اللَّيْلَةَ) الظرفان متعلّقان بـ«الدَّعْوَة))، وفي الرواية الآتية: ((فكانت نوبتي، فقلت: يا أبا هريرة اليومُ نوبتي)). (فَقَالَ) أبو هريرة ◌َُّه (سَبَقْتَنِي)؛ أي: إلى الدَّعْوة، فإني كنت أريدها لنفسي، قال عبد الله: (قُلْتُ: نَعَمْ) سبقتك إليها، فلتُجب دعوتي؛ للأمر بذلك في قوله وَّ حين ذكر حقّ المسلم على المسلم، فقال: ((حقّ المسلم على المسلم ستُّ: إذا لَقِيْتَه فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عَطَس فحمد الله، فشَمِّته، وإذا مَرِض فعُدْه، وإذا مات فاتّبعه))، رواه مسلم. قال عبد الله: (فَدَعَوْتُهُمْ)؛ أي: دعوت أبا هريرة، ورِفقته إلى الطعام، (فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رَظُهُ (أَلَا) أداة عرض وتحضيض (أُعْلِمُكُمْ) - بضمّ أوله، وكسر اللام المخفّفة -، من الإعلام، ويَحْتَمِل أن يكون بتشديدها، من التعليم، (بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِكُمْ)؛ أي: بعض حديث فيه شرفكم، وفضلكم، (يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ) ظاهر هذه الرواية يدلّ على أن أبا هريرة رَظُه بدأهم بالتحديث، من غير طَلَب منهم، لكن سيأتي ما يُعارضه في الرواية الثالثة، ولفظه: ((فجاءوا إلى (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤١٢. (٢) راجع: ((المصباح المنير)) ١٩٥/١. ١٤٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير المنزل، ولم يُدرِك الطعام، فقلت: يا أبا هريرة لو حدّثتنا عن رسول الله وَله حتى يُدرِك الطعام، فقال: كنّا مع رسول الله بَّه يوم الفتح ... ))، فإن هذا يدلّ على طلب عبد الله بن رَبَاح من أبي هريرة ◌َلُه أن يُحدّثهم. ويُجمع بينهما بأن عبد الله طلب منه أوّلاً أن يُحدّثهم، ثم ذكر أبو هريرة رَُّّه حديث فتح مكة إجابة لطلبه، والله تعالى أعلم. (فَتْحَ مَكَّةَ) قال (ثُمَّ ذَكَرَ) بالبناء للفاعل؛ أي: ذكر أبو هريرة ◌َظُه القاضي عياض نَظّلهُ: إنما اختار أبو هريرة به ذِكْر فتح مكة؛ لِيُعْلم من لم يحضره من أبناء الأنصار، ولذلك قال لهم: ((ألا أَعْلِمُكم بحديث من حدیثکم)). انتهى(١). (فَقَالَ) أبو هريرة بَّه في سوقه الحديث: (أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ وَلِ) من المدينة إلى مكة، (حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ) ووقع في بعض النسخ: ((حين قدم مكة))، والأول أوضح. (فَبَعَثَ) وَّهِ (الزُّبَيْرَ) بن العوّام بن خويلد بن أسد بن عبد الْعُزَّى بن قُصيّ بن كلاب، أبا عبد الله القرشيَّ الأسديّ، أحد العشرة المشهود لهم بالجنّة، قُتل سنة (٣٦ هـ) بعد مُنصرفه من وقعة الْجَمَل. (عَلَى إِحْدَى الْمُجَنِّبَتَيْنِ) - بضمّ الميم، وفتح الجيم، وكسر النون المشدّدة -؛ أي: على إحدى القطعتين اللتين تمشيان في جانبي الجيش، والمراد هنا: الميسرة، كما بيّنه في الرواية الثالثة بقوله: ((فجعل خالد بن الوليد على المجنّبة اليُمنى، وجعل الزبير على المجنّبة اليُسرى))، وذلك أن العادة أن الجيش يُقسّم خمسة أقسام: المقدّمة، وهي القطعة التي تمشي أمام الجيش، والقلب، وهو الذي يكون في الوسط، والميمنة، وهي التي تمشي في جانب يمين الجيش، والميسرة، وهي التي تمشي في جانب يساره، والساقة، وهي التي تمشي خلف الجيش، والله تعالى أعلم. (وَبَعَثَ خَالِداً)؛ أي: ابن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن المخزوم، سيف الله، أبو سليمان، من كبار الصحابة #ه، أسلم بين الحديبية والفتح، ومات رظ ◌ُه سنة (١ أو ٢٢ هـ). (عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الأُخْرَى) هي اليمين، (١) ((إكمال المعلم)) ١٣٨/٦. ١٤٩ (٣١) - بَابُ فَتْحِ مَكَّةَ، وَإِزَالَةِ الأَصْنَامِ مِنْ حَوْلِ الْكَعْبَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦١٣) كما أسلفته آنفاً، (وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ) بن الْجَرّاح، واسمه عامر بن عبد الله الْجَرّاح بن هلال بن أُهيب بن ضبّة بن الحارث بن فِهْر القرشيّ الفِهريّ، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، أسلم قديماً، وشَهِد بدراً، مات شهيداً بطاعون عَمَوَاس، سنة (١٨ هـ). (عَلَى الْحُسَّرٍ) - بضمّ الحاء، وتشديد السين المهملتين -: جمع حاسر؛ أي: الذين لا دُرُوع عليهم، والمراد بهم هنا: الرّجّال، كما سيأتي في الرواية الثالثة بلفظ: ((على البياذقة))، وهم الرّجّالة. (فَأَخَذُوا بَطْنَ الْوَادِي)؛ أي: جعلوا طريقهم في بطن الوادي، وقوله: (وَرَسُولُ اللهِوَ﴿ فِي كَتِيبَةٍ) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي: والحال أنه سي﴿ كائن في كتيبة من الجيش، و((الكتيبة)): بفتح، فكسر: هي الطائفة من الجيش مجتمعةً، والجمع: كتائب، والمراد بهم هنا القلب. والحاصل أنه كان الزبير، وخالد على المجنِّبتين، ورسول الله ربَّ في القلب، وكان أبو عبيدة على الرّجّالة، والله تعالى أعلم. (قَالَ) أبو هريرة ◌َظُه (فَنَظَرَ)؛ أي: نظر النبيّ وَّ إلى الصحابة (فَرَآنِي، فَقَالَ: ((أَبُو هُرَيْرَةَ؟)))؛ أي: أنت أبو هريرة؟ ففيه حذف أداة الاستفهام (قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ)؛ أي: أجيب نداءك إجابة بعد إجابة، وهو كناية عن شدّة عنايته بالطاعة، وتوجهه إليه بكلّته، (فَقَالَ) وَلِّ ((لَا يَأْتِينِي إِلَّا أَنْصَارِيٍّ))) وقوله: (زَادَ غَيْرُ شَيْبَانَ) هو: ابن فرّوخ شيخ المصنّف في السند الماضي، ومفعول ((زاد)) قوله: (فَقَالَ ... إلخ) فهو في محكيّ؛ لقصد لفظه. [تنبيه]: قوله: ((زاد غير شيبان ... إلخ)) قال الحافظ رشيد الدين العطّر تَخْلُ في ((غرر الفوائد)): وهذه الزيادة غير متّصلة في الكتاب. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: مراد الرشيد: أن قول مسلم تَخَّتُهُ: ((زاد غير شيبان)) ليس متّصلاً؛ لأنه لم يذكر مسلم سماعه، من ذلك الغير، ولم يُعرف أيضاً من هو؟. لكن قد تبيّن أن الحديث متّصل من غير طريق شيبان أيضاً، فقد رواه عن سليمان بن المغيرة غيره، منهم أبو بكر بن أبي شيبة، في ((مصنّفه))، وبهز بن (١) ((غرر الفوائد المجموعة)) ص٥٣. ١٥٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير أسد، وهاشم بن القاسم كلاهما عند أحمد في ((مسنده))، وزيد بن الحباب عند البيهقيّ في ((السنن الكبرى))، وعمرو بن عاصم الكلابيّ عند أبي عوانة في ((مسنده))، ويحيى بن زكريّا بن أبي زائدة عند الطحاويّ في ((شرح معاني الآثار))، فكلّ هؤلاء الستّة رووه عن سليمان بن المغيرة، بسنده، بلفظ: ((اهتف لي بالأنصار)»، ولنذكر رواية أبي بكر بن أبي شيبة، في ((مصنفه))، قال: (٣٦٨٩٩) - حدّثنا أبو بكر(١)، قال: حدّثنا أبو أسامة، قال: حدّثنا سليمان بن المغيرة، قال: حدّثنا ثابت البنانيّ، عن عبد الله بن رَبَاح، قال: وَفَدَتْ وفودٌ إلى معاوية، وفينا أبو هريرة، وذلك في رمضان، فجعل بعضنا يصنع لبعض الطعام، قال: فكان أبو هريرة ممن يصنع لنا، فيُكْثِر، فيدعونا إلى رحله، قال: قلت: ألا أصنع لأصحابنا، فأدعُوَهم إلى رحلي، قال: فأمرت بطعام يُصْنَع، ولقيت أبا هريرة من العشيّ، فقلت: الدَّعْوَة عندي الليلةَ، قال: أسبقتني؟ قال: قلت: نعم، قال: فدعوتهم، فهم عندي، قال: قال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم، يا معشر الأنصار؟ قال: ثم ذكر فتح مكة، قال: أقبل رسول الله وَ﴿ حتى دخل مكة، وبَعَثَ الزبير بن العوّام على إحدى الْمُجَنِّتين، وبَعَث خالد بن الوليد على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الْحُسَّر، فأخذوا بطن الوادي، قال: ورسول الله وَّر في كَتِيبة، قال: فناداني، قال: ((يا أبا هريرة))، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ((اهْتِفْ لي بالأنصار، ولا يأتيني إلا أنصاريّ))، قال: فهتفت بهم، قال: فجاؤوا، حتى أطافوا به، قال: وقد وَبَّشَتْ قريشٌ أوباشاً لها، وأتباعاً، قالوا: فإن تقدّم هؤلاء كان لهم شيء كُنّا معهم، وإن أصيبوا أَعْطَيْنا الذي سُئلنا، فقال رسول الله وَلّ للأنصار حين أطافوا به: ((أَتَرَون إلى أوباش قريش، وأتباعهم؟)) ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى: ((احصُدُوهم))، ثم ضرب سليمان بحرف كفه اليمنى على بطن كفه اليسرى: ((احصُدوهم حَصْداً حتى توافوا بالصفا)»، فانطلقنا، فما أحدٌ منا يشاء أن يقتل منهم أحداً إلا قتله، وما أحد منهم يوجِّه إلينا شيئاً، فقال أبو (١) قائل: ((حدّثنا أبو بكر)) هو الراوي عن ابن أبي شيبة، وهو أبو بكر، فتنبّه، وبالله تعالى التوفيق. ١٥١ (٣١) - بَابُ فَتْحِ مَكَّةَ، وَإِزَالَةِ الأَصْنَامِ مِنْ حَوْلِ الْكَعْبَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦١٣) سفيان: يا رسول الله أبيحت خضراء قريش، بعد هذا اليوم، قال: قال رسول الله وَله: ((من أغلق بابه فهو آمن))، قال: فغَلّق الناس أبوابهم، قال: فأقبل رسول الله وَله حتى استلم الحجر، وطاف بالبيت، فأتى على صنم إلى جنب البيت يعبدونه، وفي يده قَوْسٌ، وهو آخذ بِسِيَةِ القوس، فجعل يَطْعُن بها في عينه، ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١]، حتى إذا فرغ من طوافه أتى الصفا، فعلاها، حيث ينظر إلى البيت، فرفع يديه، وجعل يحمد الله، ويذكره، ويدعو بما شاء أن يدعو، قال: والأنصار تحته، قال: يقول الأنصار بعضها لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته، قال: قال أبو هريرة: وجاء الوحي، وكان إذا جاء الوحي، لم يَخْفَ علينا، فليس أحد من الناس يرفع طَرَفه إلى رسول الله وَِّ حتى يَقْضِي، فلما قضي الوحيُّ، قال رسول الله وَله: ((يا معشر الأنصار))، قالوا: لبيك يا رسول الله، قال: قلتم: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته؟ قالوا: قد قلنا ذلك يا رسول الله، قال: ((فما اسمي إذاً؟ كلّا إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله، وإليكم، المحيا محياكم، والممات مماتكم))، قال: فأقبلوا إليه يبكون، يقولون: والله يا رسول الله ما قلنا الذي قلنا، إلا للضِّنِّ بالله ورسوله، قال: ((فإن الله ورسوله يَعْذِرانكم، ويُصَدِّقانكم)). انتهى(١). والحاصل أن هذه الزيادة - أعني قوله: ((اهتف لي بالأنصار)) ثابتة صحيحة، ولعلّ المصنّف تَتُهُ لاعتماده على صحتها، حيث رآها من رواية هؤلاء الستّة، أوردها خلال الحديث، ولم يُفصح بمن زادها؛ لكثرتهم، والله تعالى أعلم. (اهْتِفْ) بوصل الهمزة، وكسر التاء، (لِي بِالأَنْصَارِ)))؛ أي: ادعُهم إليّ، يقال: هَتَفَ بِه هَتْفاً، من باب ضَرَبَ: صاح به، ودعاه، وهَتَفَ به هاتفٌ: سَمِع صوتَهُ، ولم يَرَ شَخْصَهُ، وهَتَفَت الحمامةُ: صَوَّتَت، قاله الفيّومِيّ ◌َظُّهُ(٢) . وقال المنذريّ في ((تلخيص أبي داود)): الْهَتْفُ: الصوتُ، وهَتَفَ به؛ أي: صاح به، وهذا ثقةٌ منه وَ ◌ّه بالأنصار، واستنابة إليهم، وتقريبٌ لهم لمّا (١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٧/ ٣٩٧. (٢) ((المصباح المنير)) ٦٣٣/٢. ١٥٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير قرُب من قومه ودارهم، وقد كان معه هناك المهاجرون أيضاً، يُحيطون به. انتھی(١). وقال النوويّ كَّتُهُ: إنما خصّ الأنصار؛ لثقته بهم، ورفعاً لمراتبهم، وإظهاراً لجلالتهم، وخصوصيتهم. انتهى (٢). وقال القرطبيّ تَّتُهُ: ونداؤه وَل# للأنصار خاصة، إما لأن المهاجرين كانوا حضوراً معه، فلم يحتج إلى ندائهم، وإما ليُظْهِر لهم شدّة اعتنائه بهم، وتعويله عليهم، قال: ويظهر لي أن اختصاصه بالأنصار في هذا الموضع، وقولَهُ: ((لا يأتيني إلا أنصاريٌّ))، كما جاء في الرواية الأخرى، إنما كان لأنه وصَّاهم بقتل مَن تَعَرَّض لهم من قريش؛ إذ لا قرابة، ولا رَحِمَ بينهم، فلا موجب للعطف عليهم، بخلاف المهاجرين؛ فإن بينهم قرابات، وأرحاماً، فلا جَرَم لمّا سمعت الأنصار أمْره مَضَوْا لذلك، فلم يتعرض لهم أحد إلا أناموه؛ أي: قتلوه، فصيّروه كالنائم، والله تعالى أعلم. انتهى (٣). (قَالَ) أبو هريرة: (فَأَطَافُوا بِهِ)؛ أي: أحاط الأنصار بالنبيّ نَّ، وقال القاضي عياض ◌َخُّهُ: قوله: ((لا يأتيني إلا أنصاريّ)) ثقة منه بهم، وليستمع إليهم، وتقريباً لهم لمّا قُرُب من داره وقومه، وقد كان معه المهاجرون أيضاً يحيطون به، كما كان في كتيبته، وإنما أراد: لا يأتيني مَا قابل العرب النافرين معه - والله أعلم - غير الأنصار، وهذا يجمع بين ما جاء في ((صحيح البخاريّ)) من أن كتيبة الأنصار كانت مع سعد بن عبادة، وأن كتيبة المهاجرين مع الزبير، فيهم رسول الله وَّه، وبعض ما جاء في ((السَّيَر)) أن النبيّ وَّ كان في كتيبة من المهاجرين والأنصار، فيدلّ ما في ((صحيح مسلم)) أنه دعا الأنصار، فجمعهم بعد افتراقهم، وأنه فرّقهم بعد هذا الاجتماع بذي طوى على ما جاء في ((السِّيَر))، فوجّه بعضهم من أسفلها، وبعضهم من أعلاها، والله تعالى أعلم(٤) . (١) ((تلخيص سنن أبي داود)) للمنذريّ ٢٤٢/٤. (٢) (شرح النوويّ)) ١٢٧/١٢. (٤) ((إكمال المعلم)) ١٣٩/٦ - ١٤٠. (٣) ((المفهم)) ٦٢٩/٣. ١٥٣ (٣١) - بَابُ فَتْحِ مَّةَ، وَإِزَالَةِ الأَصْنَامِ مِنْ حَوْلِ الْكَعْبَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦١٣) (وَوَبَّشَتْ) بتشديد الباء الموحّدة؛ أي: جمعت (قُرَيْشٌ أَوْبَاشاً لَهَا)؛ أي: جموعاً من قبائل شتّى، ويقال: هم أوباش، وأوشاب بمعنى واحد، ذكره عياض تَخْدَفُ(١)، وقال المجد: الْوَبَشُ بالتحريك: واحد الأوباش، وهم الأخلاط، والسَّفِلَةُ. انتهى(٢). (وَأَنْبَاعاً، فَقَالُوا)؛ أي: قالت قريشٌ فيما بينهم، (نُقَدِّمُ هَؤُلَاءِ) الأوباش والأتباع إلى المسلمين؛ ليقاتلوهم (فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شَيْءٌ) من النصر والغلبة (كُنَّا مَعَهُمْ)؛ أي: ننضمّ إليهم، ونقاتل المسلمين معهم، (وَإِنْ أُصِيبُوا)؛ أي: أصابهم المسلمون، وانتصروا عليهم (أَعْطَيْنَا الَّذِي سُئِلْنَا) بالبناء للمفعول؛ أي: انقدنا، وخضعنا للمسلمين، وأعطيناهم ما طلبوا منّا، من مال أو غيره. وحاصل المعنى: أنهم قالوا: إن ثبت هؤلاء الأوباش، والأتباع على قتال المسلمين، وقرُب انتصارهم عليهم لَحِقْنا بهم، وقاتلنا معهم حتى يضاف النصر والغلبة إلينا، وإن انهزم هؤلاء أعطينا المسلمين ما يريدون منّا من الاستسلام، أو الجزية، أو الفدية، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ﴾ للأنصار ((تَرَوْنَ) بتقدير أداة الاستفهام؛ أي: أترون (إِلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ، وَأَتْبَاعِهِمْ؟))، ثُمَّ قَالَ)؛ أي: أشار ◌ََّ، ففيه إطلاق القول على الفعل، (بِيَدَيْهِ) الشريفتين، وقوله: (إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى) جملة حاليّة؛ أي: والحال أن إحدى يدي النبيّ وَلّ موضوعة فوق الأخرى، والموضوعة هي اليمنى، والموضوعة عليها هي اليسرى، وهذا كناية قتلهم، وذبحهم، وقد أوضح ذلك في الرواية الثالثة حيث قال: ((فقال: يا معشر الأنصار، هل ترون أوباش قريش؟، قالوا: نعم، قال: انظروا إذا لقيتموهم غداً أن تحصدوهم حَصْداً، وأحفى بيده(٣)، ووضع يمينه على شماله)). (ثُمَّ) بعد أن أشار إليهم (١) ((إكمال المعلم)) ٦/ ١٤٠. (٢) ((القاموس المحيط)) ص ١٣٧٧. (٣) قوله: ((وأحفى)) صحيح الرواية - كما قال القرطبيّ - بالحاء المهملة؛ أي: استأصل، وبعضهم رواه: ((وأكفى)) بالكاف؛ أي: أمال بيده، فكأنه وَّر وضع يمينه على شماله أمرّها عليها مشيراً إلى الاستئصال، ووقع في بعض النسخ بلفظ: ((وأخفى)) بالخاء المعجمة، وليس بواضح المعنى، فتأمل، والله تعالى أعلم. ١٥٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير بقتلهم، وإبادتهم (قَالَ) وَّرِ ((حَتَّى تُوَافُونِي بِالصَّفَا)))؛ أي: استمرّوا على ما ذكرت لكم حتى تلقوني على جبل الصفا، وفي الرواية الأخرى: ((موعدكم الصفا))، قال القرطبيّ كَخَّتُهُ: ظاهره أن خطابه للأنصار، فكأنه وَله سلك الطريق الأعلى من مكة، وسلكت الأنصار من أسفلها، حتى اجتمعوا عند الصفا. و ((الموعد)» هنا: موضع الوعد، وقد يأتي كذلك في الزمان؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١]، ويأتي كذلك للمصدر، وهو في كل ذلك مكسور العين. انتهى(١). (قَالَ) أبو هريرة ◌َظُبِهِ: (فَانْطَلَقْنَا، فَمَا شَاءَ أَحَدٌ مِنَّا)؛ أي: من المسلمين، (أَنْ يَقْتُلَ أَحَداً)؛ أي: من الأوباش والأتباع، (إِلَّا قَتَلَهُ) وفي الرواية الآتية: ((فما أشرف أحد إلا أناموه))؛ أي: قتلوه، وأسقطوه على الأرض، (وَمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يُوَجِّهُ إِلَيْنَا شَيْئاً)؛ أي: من السلاح ونحوه، وذلك لشدّة رعبهم، وخوفهم، والمراد: أنهم لا يقدرون على الدفاع عن أنفسهم؛ لِمَا ذُكر. (قَالَ) أبو هريرة: (فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ) صخر بن حرب، وكان قد أسلم قبل ذلك بقليل، (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ)؛ أي: أُبيح قتلها، وفي الرواية الآتية: ((أبيدت خضراء قريش))؛ أي: أُهلِّكت، وأُفنيت، قال النوويّ تَخْذَلُ: كذا في هذه الرواية: ((أُبيحت))، وفي التي بعدها: ((أُبيدت))، وهما متقاربان؛ أي: استُؤصِلت قريش بالقتل، وأُفنيت، وخضراؤهم: بمعنى جماعتهم، ويُعَبَّر عن الجماعة المجتمعة بالسواد، والخضرة، ومنه: السواد (٢) الأعظم. انتهى(٢). (لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْم) لا يوجد أحد منهم إن استمرّ فيها هذا الحال، وهذا صريح في أنهم أثخنوا فيهم بالقتل، وأكثروا، فهو يؤيّد رواية الطبرانيّ أن خالداً قتل منهم سبعين. وقال القرطبيّ تَّتُهُ: قوله: ((لا قريش بعد اليوم))؛ أي: لا وجود لقريش بعد هذا، وذلك لِمَا رأى من هول الأمر، والغلبة، والقهر، والاستطالة، والاستيلاء عليهم، وهذا الحديث لمالك نصّ على أن النبيّ وَ لو دخلها عنوة، (١) ((المفهم)) ٣/ ٦٣٠. (٢) (شرح النوويّ)) ١٢٧/١٢. ١٥٥ (٣١) - بَابُ فَتْحِ مَكَّةَ، وَإِزَالَةِ الأَصْنَامِ مِنْ حَوْلِ الْكَعْبَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦١٣) وقهراً، وهو الذي صار إليه جمهور العلماء، والفقهاء: مالك، وغيره، عدا الشافعيّ، فإنه قال: فُتِحَت صلحاً، وقد اعتَذَر عنه بعض أصحابه عنه في ذلك بأن قال: أراد الشافعيّ بقوله: إنه دخل مكة صلحاً؛ أي: فَعَلَ فيها ما يفعله مَنْ صَالَحَ، فملّكهم أنفسهم، ومالهم، وأرضيهم. قال القرطبيّ تَخُّْهُ: والكل متفقون على أن النبيّ وَّ لَمّا دخل مكة أَمَّنَ أهلها، ولم يَغْنَمهم، وترك لهم أموالهم، وذراريهم، وأراضيهم، ولم يُجْرِ عليها حكم الغنيمة، ولا حكم الفيء، فكان ذلك أمراً خاصّاً بمكة؛ لشرفها، وحرمتها، ولا يساويها في ذلك غيرها من البلاد بوجه من الوجوه، والله تعالى أعلم، وقد تقدم الكلام في بيع دور مكة وإجاراتها. انتهى(١). (ثُمَّ قَالَ) ◌َله تأليفاً لقلب أبي سفيان؛ لكونه حديث عهد بالكفر ((مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ)))؛ أي: لا يجوز التعرض له بالقتل ونحوه، قال النوويّ ◌َخْلُهُ: استَدَلّ به الشافعيّ، وموافقوه على أن دُور مكة مملوكة، يصح بيعها، وإجارتها؛ لأن أصل الإضافة إلى الآدميين تقتضي الملك، وما سوى ذلك مجاز، وفيه تأليف لأبي سفيان، وإظهار لشرفه. انتهى (٢). (فَقَالَتِ الأَنْصَارُ بَعْضُهُمْ) مرفوع على البدليّة، (لِيَعْضٍ: أَمَّا الرَّجُلُ) يريدون النبيّ ◌َِّ، (فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ) يريدون مكة؛ أي: رغِبَ في سكنى مكة بدلاً من المدينة، (وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ)؛ أي: قومه قريش، قال الفيّوميّ ◌َخْتُهُ: العَشِيرة: القبيلةُ، ولا واحد لها من لفظها، والجمع: عَشِيراتٌ، وعَشَائر. انتهى(٣). وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قول الأنصار هذا ليس فيه تنقيص، ولا تصغير، وإنما هم لَمّا رأوا منه ◌ََّ ما تقتضيه خلق الكرام، وجِبِلّات الفضلاء من الرأفة على العشيرة، والميل للوطن، والحنين له، خافوا أن يؤثر المقام فيها على المقام بالمدينة، فحملهم شدة محبتهم له، وكراهة مفارقته، أو مفارقة أوطانهم، على أن قالوا هذا الكلام، وقد بيَّنوا عذرهم عن هذا حيث قالوا: ((ما قلناه إلا (١) ((المفهم)) ٦٣٠/٣ - ٦٣١. (٣) ((المصباح المنير)) ٤١١/٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٢/ ١٢٧. ١٥٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير ضّاً برسول الله (وَ ل﴾))؛ أي: بخلاً، وإخباره ◌َ * إياهم ما قالوا، معجزةٌ من (١) معجزاته. انتهى (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ظُله: (وَجَاءَ الْوَحْيُ)؛ أي: حامل الوحي، وهو الملك، وقوله: (وَكَانَ) هي شأنيّة؛ أي: الشأن والأمر (إِذَا جَاءَ الْوَحْيُ) إلى رسول الله وَُّ (لَا يَخْفَى عَلَيْنَا)؛ أي: مجيء الوحي، وفي بعض النسخ: ((وكان إذا جاء لا يخفى علينا))، والمعنى: أن الوحي إذا نزل برسول الله ** يظهر لنا نزوله؛ لأنه كان يأخذه الرحضاء، كأنما يُغشى عليه. (فَإِذَا جَاءَ)؛ أي: إذا نزل الوحي على النبيّ وَّهِ (فَلَيْسَ أَحَدٌ يَرْفَعُ طَرْفَهُ) بسكون الراء؛ أي: بصره للنظر (إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّ) من شدّة الهيبة (حَتَّى يَنْقَضِيَ الْوَحْيُ)؛ أي: ينتهي، قال: (فَلَمَّا انْقَضَى الْوَحْيُ)؛ أي: انتهى، وذهب الملك من عنده، (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ))، قَالُوا: لَبَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((قُلْتُمْ: أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ)؛ أي: طَمَعٌ (فِي قَرْيَتِهِ))؛ أي: في سكناها، (قَالُوا)؛ أي: الأنصار (قَدْ كَانَ ذَاكَ)؛ أي: حصل هذا القول منا (قَالَ) ◌ِ («كَلَّا)؛ أي: انزجروا من هذا القول، فـ((كلّا)) هي كلمة زجر لِمَا قبلها، ويحتمل أن تكون بمعنى حقّاً، فترتبط بما بعدها. وقال النوويّ كَّلُ: قوله: ((وقالت الأنصار بعضهم لبعض إلى قوله: إن الله ورسوله يصدّقانكم، ويعذِرانكم)): معنى هذه الجملة أنهم رأوا رأفة النبيّ ◌َ ﴿ بأهل مكة، وكفّ القتلَ عنهم، فظنُّوا أنه يرجع إلى سكنى مكة، والمقام فيها دائماً، ويرحل عنهم، ويَهْجُر المدينة، فشقّ ذلك عليهم، وأوحى الله تعالى إليه وَلّ، فأعلمهم بذلك، فقال لهم ◌َّ: قلتم كذا وكذا؟ قالوا: نعم، قد قلنا هذا، فهذه معجزة من معجزات النبوة، فقال: ((كلا إني عبد الله ورسوله)): معنى (كلّا)) هنا حَقّاً، ولها معنيان: أحدهما حقّاً، والآخر النفي. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: المناسب هنا لـ((كلّا)) معنيان: أحدهما الزجر، والرَّدْع؛ أي: انزجروا عما قلتم، والمعنى الثاني أن تكون بمعنى ((ألا)) (١) ((المفهم)) ٦٣١/٣ - ٦٣٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٢٨/١٢. ١٥٧ (٣١) - بَابُ فَتْحِ مَّةَ، وَإِزَالَةِ الأَصْنَامِ مِنْ حَوْلِ الْكَعْبَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦١٣) الاستفتاحيّة، فقد ذكر ابن هشام في ((مغنيه))(١): أن ((كلّا)) تكون للردع والزجر، وعليه الجمهور، وزاد غيرهم معنى آخر، ثم اختلفوا فيه، فقال الكسائيّ ومَنْ تابَعه: تكون بمعنى حقّاً، وقال أبو حاتم السجستانيّ، ومن تابعه: تكون بمعنى ((ألا)) الاستفتاحيّة، وقال النضر بن شُميل، والفرّاء: تكون حرف جواب، بمنزلة ((إِيْ))، و((نعم))، وارتضى ابن هشام من هذه الأقوال قول أبي حاتم ومتابعيه، وهو كونها بمعنى ((ألا))، وهو أيضاً معنى مناسب لهذا الحديث، فتأمله، والله تعالى أعلم. وقوله: (إِنِّي) بكسر الهمزة، (عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ) قال النوويّ تَخْذُ: يَحْتَمِل وجهين: أحدهما: إني رسول الله حقّاً، فيأتيني الوحي، وأُخبر بالمغيَّبات، كهذه القضيّة، وشِبْهها، فَثِقُوا بما أقول لكم، وأخبركم به، في جميع الأحوال، والآخر: لا تفتتنوا بإخباري إياكم بالمغيبات، وتُطروني كما أطرت النصارى عيسى - صلوات الله عليه - فإني عبد الله، ورسوله. انتهى(٢). (هَاجَرْتُ إِلَى اللهِ)؛ أي: ابتغاء مرضاته، (وَإِلَيْكُمْ)؛ أي: إلى بلدكم أيها الأنصار، (وَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ) بفتح الميم مصدر ميميّ؛ أي: الحياة حياتكم؛ يعني: أنه يحيا عندهم، ولا ينتقل في حياته إلى غيرهم، (وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ)))؛ يعني: أنه يموت في بلدهم، لا في بلد آخر، وهذا الظاهر أنه أوحي إليه بهذا، ويَحْتَمِل أن يكون رجاء منه وَّة، والأول أقرب. وقال النوويّ كَّلُهُ: معنى هذا الكلام أني هاجرت إلى الله، وإلى دياركم؛ الاستيطانها، فلا أتركها، ولا أرجع عن هجرتي الواقعة لله تعالى، بل أنا ملازم لكم، المحيا محياكم، والممات مماتكم؛ أي: لا أَحْيَا إلا عندكم، ولا أموت إلا عندكم، وهذا أيضاً من معجزاته بَّر، فلمّا قال لهم هذا بَکَوْا، واعتذروا، وقالوا: والله ما قلنا كلامنا السابق إلا حِرْصاً عليك، وعلى مصاحبتك، ودوامك عندنا؛ لنستفيد منك، ونتبرّك بك، وتهدينا الصراط المستقيم، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، (١) راجع: ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ٣٧٨/١. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٢٨/١٢. ١٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير وهذا معنى قولهم: ((ما قلنا الذي قلنا إلا الصِّنَّ بك))، هو بكسر الضاد؛ أي: شُحّاً بك أن تفارقنا، ويختصّ بك غيرنا، وكان بكاؤهم فرحاً بما قال لهم، وحياءً مما خافوا أن يكون بلغه عنهم مما يُستحيا منه. انتهى (١). وقال القرطبيّ تَخَذَتُهُ: معنى هذه الجملة أنهم رأوا رأفة النبيّ وَلّ بأهل مكة، وكفّ القتل عنهم، فظنّوا أنه يرجع إلى سكنى مكة، والمقام فيها دائماً، ويرحل عنهم، ويهجر المدينة، فشقّ ذلك عليهم، وأوحى الله تعالى إليه وَله، فأعلمهم بذلك، فقال لهم ربَّطاهر: قلتم: كذا وكذا، قالوا: نعم قد قلنا هذا، فهذه معجزة من معجزات النبوة، فقال: ((كلا إني عبد الله ورسوله)). معنى (كَلَّا)) هنا حقّاً، ولها معنيان: أحدهما: حقّاً، والآخر النفي. انتهى. (فَأَقْبَلُوا) بقطع الهمزة، فعل ماض من الإقبال؛ أي: فلما قال وَّ لهم هذا الكلام توجّهوا (إِلَيْهِ) وَلِّ حال كونهم (يَيْكُونَ) اعتذاراً على ما صدر منهم بظنّ خاطىء، وفي رواية النسائيّ في ((الكبرى)): ((قال أبو هريرة: فرأيت الشيوخ يبكون، حتى بَلّ الدموع لِحَاهم، ثم قالوا: معذرةً إلى الله، ورسوله، والله ما قلنا الذي قلنا إلا ضِنّاً بالله، وبرسوله، قال: ((فإن الله قد صدّقكم، ورسوله، وقَبِلَ قولكم))(٢)، وفي رواية أبي يعلى: ((قالوا: يا رسول الله، ما قلنا ذلك إلا مخافةً أن تفارقنا، قال: أنتم صادقون عند الله، وعند رسوله، فوالله ما منهم أحدٌ إلا بَلّ نحره بدموع من عينه))(٣) . (وَيَقُولُونَ: وَاللهِ مَا قُلْنَا الَّذِي قُلْنَاه)؛ أي قولهم: أما الرجل فأدركته رغبة ... إلخ، (إِلَّ الضِّنَّ)؛ أي: البخل والشحّ، يقال: ضَنَّ بالشيء يَضَنُّ، من باب تَعِبَ، ضِنّاً، وضِنَّةً بالكسر، وضَنَانَةً بالفتح: بَخِلَ، فهو ضَنِينٌ، ومن باب ضَرَبَ لُغةٌ، قاله الفيّومِيّ ◌َظُّ(٤). فقوله: ((الضِّنَّ)) منصوب على أنه مفعول لأجله، وفي الرواية الآتية: ((إلا ضِنّاً بالله ورسوله)) بالتنكير، وهو الأكثر في الاستعمال، فإن المفعول لأجله إذا كان بـ((أل)) فالغالب فيه جرّه بحرف الجرّ، نحو: ضربته للتأديب، ويقلّ فيه (١) ((شرح النوويّ)) ١٢٩/١٢. (٣) ((مسند أبي يعلى)) ٥٢٤/١١. (٢) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٣٨٢/٦. (٤) ((المصباح المنير)) ٣٦٥/٢. ١٥٩ (٣١) - بَابُ فَتْحِ مَكَّةَ، وَإِزَالَةِ الأَصْنَامِ مِنْ حَوْلِ الْكَعْبَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦١٣) النصب، كهذا الحديث، وإلى هذا أشار ابن مالك تَُّ في ((الخلاصة)) حيث قال : أَبَانَ تَعْلِيلاً كَـ«جُدْ شُكْراً وَدِنْ)) يُنْصَبُ مَفْعُولاً لَهُ الْمَصْدَرُ إِنْ وَقْتاً وَفَاعِلاً وَإِنْ شَرْطٌ فُقِدْ وَهْوَ بِمَا يَعْمَلُ فِيهِ مُتَّحِدْ مَعَ الشُّرُوطِ كَـالِزُهْدٍ ذَا قَنِعْ)) فَاجْرُرْهُ بِالْحَرْفِ وَلَيْسَ يَمْتَنِعْ وَالْعَكْسُ فِي مَصْحُوبٍ ((أَلْ)) وَأَنْشَدُوا وَقَلَّ أَنْ يَصْحَبَهَا الْمُجَرَّدُ وَلَوْ تَوَالَتْ زُمَرُ الأَعْدَاءِ)) ((لَا أَقْعُدُ الْجُبْنَ عَنِ الْهَيْجَاءِ (بِاللّهِ) وَ (وَبِرَسُولِهِ) وَلجر، والمعنى: أنه ما حملنا على ما قلناه إلا البخل بالله تعالى، وبرسوله وَله، حرصاً على أن يكون بلدنا بلد انطلاق الدعوة إلى الله، ومسكن رسول الله وَله، ومحلّ نزول الوحي من السماء، فيدوم لنا الفخر الموظّد، والشرف المؤبّد. (فَقَالَ) لهم (رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِنَّ اللهَ) تعالى (وَرَسُولَهُ) بَّهِ (يُصَدِّقَانِكُمْ) بضمّ أوله، وتشديد الدال المهملة المكسورة، من التصديق؛ أي: يريانكم صادقين فيما قلتم الآن، (وَيَعْذِرَانِكُمْ) بكسر الذال المعجمة، يقال: عَذَرْتُهُ فيما صَنَعَ عَذْراً، من باب ضَرَبَ: رَفَعتُ عنه اللوم، فهو معذورٌ؛ أي: غير ملُوم، والاسم: الْعُذْرُ، وتُضمّ الذال للإتباع، وتُسكّن، والجمع: أَعْذَار، قاله الفيّومَّيّ كَذُّهُ(١). (قَالَ) أبو هريرة ◌َظُهُ: (فَأَقْبَلَ النَّاسُ) لمّا سمعوا قول رسول الله وَّ: ((من دخل دار أبي سفيان، فهو آمن))، (إِلَى دَارِ أَبِي سُفْيَانَ) صخر بن حرب ◌َُّه، (وَأَغْلَقَ النَّاسُ أَبْوَابَهُمْ) لمّا سمعوا قوله بَّهِ: ((ومن أغلق بابه فهو آمن)). (قَالَ) أبو هريرة: (وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ وََّ) إلى الكعبة (حَتَّى أَقْبَلَ إِلَى الْحَجَرِ)؛ أي: الأسود، (فَاسْتَلَمَهُ)؛ أي: قبّله، قال المجد تَخْذُهُ: واستَلَم الحجرَ: لَمَسَهُ، إما بالقُبْلة، أو باليد، كاستلأمه. انتهى(٢). وقال الفيّوميّ كَّتُهُ: واستلأَمْتُ الحَجَرَ، قال ابن السِّكِّيتِ: هَمَزته العربُ، على غير قياس، والأصل: استَلَمْتُ؛ لأنه من السِّلام، وهي الحجارة، وقال ابن الأعرابيّ: الاستلام أصله مهموز، من الْمُلاءمة، وهي الاجتماعُ، (١) ((المصباح المنير)) ٣٩٨/٢. (٢) ((القاموس المحيط)) ص٦٣٤. ١٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير وحكَى الجوهريّ القولين. انتهى(١). (ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ) قال النوويّ تَُّ: فيه الابتداء بالطواف في أول دخول مكة، سواء كان مُحْرماً بحجّ، أو عمرة، أو غير مُحْرم، وكان النبيّ ◌َّ دخلها في هذا اليوم، وهو يوم الفتح غير مُحْرم بإجماع المسلمين، وكان على رأسه الْمِغْفَر، والأحاديث متظاهرة على ذلك، والإجماع منعقد عليه. وأما قول القاضي عياض تغذّثهُ: أجمع العلماء على تخصيص النبيّ وَّ بذلك، ولم يختلفوا في أن من دخلها بعده لحرب، أو بغي أنه لا يحل له دخولها حلالاً، فليس كما نَقَلَ، بل مذهب الشافعيّ، وأصحابه، وآخرين أنه يجوز دخولها حلالاً للمحارب، بلا خلاف، وكذا لمن يخاف من ظالم لو ظهر للطواف وغيره، وأما من لا عذر له أصلاً فللشافعي تَُّ فيه قولان مشهوران: أصحهما أنه يجوز له دخولها بغير إحرام، لكن يستحب له الإحرام، والثاني لا يجوز، وقد سبقت المسألة في أول ((كتاب الحج)). انتهى(٢). (قَالَ: فَأَتَّى عَلَى صَنَم) - بفتحتين - هو الوثَنُ الْمُتَّخذ من الحجارة، أو الخشب، ويُروَى عن ابن عبّاس ﴿هَا، ويقال: الصنم: الْمُتَّخذ من الجواهر الْمَعدنيّة التي تذوب، والْوَثَنُ: هو المتّخذ من حجر، أو خشب، وقال ابن فارس: الصنم: ما يُتّخذ من خشب، أو نُحاس، أو فضّة، والجمع: أصنام، قاله الفيّومِيّ ◌َدَثُ(٣). وقوله: (إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ) وفي بعض النسخ: ((إلى جانب البيت))، وهو متعلّق بصفة لـ((صنم))، وكذا جملة قوله: (كَانُوا يَعْبُدُونَهُ) أو هي في موضع الحال. (قَالَ) أبو هريرة ◌َُّبُه: (وَفِي يَدِ رَسُولِ اللهِّهِ قَوْسٌ) ((القوسُ)) قيل: يُذكّر، ويؤنّث، وإذا صُغّرت على التأنيث قيل: قُويسةٌ، والجمع: قِسِيٍّ، بكسر القاف، وهو على القلب، والأصل على فُعُول، ويُجمع أيضاً على أقواس، وقِيَاسٍ، وهو القياسُ، مثلُ ثوب وأثواب، وثياب، وقال ابن الأنباريّ: القوسُ أُنثى، وتصغيرها قُوَيسٌ، وربّما قيل: قُويسةٌ، والجمع: أقوُسٌ، وربّما قيل: (١) ((المصباح المنير)) ٢٨٧/١. (٣) ((المصباح المنير)) ٣٤٩/١. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٢٩/١٢.