النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١
(٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَّبِّ لَهُ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَام - حديث رقم (٤٥٩٨)
وهو كثير، ويأتي موضع الشك غالباً(١).
(فَإِنْ كَذَبَنِي) بتخفيف الذال؛ أي: نقل إلي الكذب، (فَكَذِّبُوهُ) بتشديد
الدال؛ أي: قولوا: إنه كَذَب؛ أي: قال لترجمانه: يقول لكم ذلك، ولمّا
جرت العادة أن مجالس الأكابر لا يواجه أحد فيها بالتكذيب احتراماً لهم، أَذِن
لهم هرقل في ذلك؛ للمصلحة التي أرادها، قال محمد بن إسماعيل التيميّ:
كَذَب بالتخفيف يتعدى إلى مفعولين، مثل صَدَقَ، تقول: كَذَبني الحديث،
وصَدَقني الحديث، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الزُّقْيَا بِآلْحَقِّ﴾ الآية
[الفتح: ٢٧]، وكَذَّب بالتشديد يتعدى إلى مفعول واحد، وهما من غرائب
الألفاظ؛ لمخالفتهما الغالب؛ لأن الزيادة تناسب الزيادة، وبالعكس، والأمر
(٢)
هنا بالعكس. انتهى
٠
(قَالَ) ابن عبّاس ◌ِ﴿ُهَا (فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَايْمُ اللهِ) مبتدأ، خبره محذوف؛
أي: يمين الله قَسَمي، وهي بالهمزة، وبغير الهمزة، وفيها لغات أخرى، تقدّم
بيانها، وقال القرطبيّ تَّثُ: ((وايم الله)) هي كلمة محذوفة من ((أيمن الله))،
تستعملها العرب اسماً مرفوعاً في القَسَم على الابتداء، والخبر محذوف، وقد
اختَلَف النحويون فيها، هل هي: اسم مفرد، همزته همزة وصل، وإنما فتحت
همزته؛ لأنه غير متصرف، فخالف جميع همزات الوصل؟ وهو مذهب سيبويه،
أو هل هي: جَمْع يمين، وهمزته همزة قطع؛ لأنها همزة جمع؟ وهو قول
الفراء، وهي عنده جمع يمين، وقول سيبويه أشبه، بدليل: أنهم كسروا
همزتها، وأنهم تصرَّفوا فيها بلغات مختلفة، منها: إِيْمُنُّ بالكسر، وبالفتح:
أَيْمُنٌّ، وبحذف النون، والهمزة، وضم الميم، من ((مُ الله))، وكسرها، وقد أبدل
بعضهم من الهمزة هاء، فقال: هيمن الله، وهذا النحو من التصرف لم تفعله
العرب في صيغ الجموع. انتهى(٣).
(لَوْلًا مَخَافَةَ أَنْ يُؤْثَرَ) بالبناء للمفعول؛ أي: يُنقَل، قال النوويّ كَُّ:
معناه: لولا خوفي أنّ رُفْقتي ينقلون عني الكذب إلى قومي، ويتحدثونه في
(١) ((الفتح)) ٧٤/١.
(٣) ((المفهم)) ٦٠٣/٣.
(٢) ((الفتح)» ٧٢٥/٩ رقم (٤٥٥٣).
٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
بلادي، لكذبت عليه؛ لِيُغضي إياه، ومحبتي نَقْصه، وفي هذا بيان أن الكذب
قبيح في الجاهلية، كما هو قبيح في الإسلام. انتهى(١).
وقال القرطبيّ ◌َّلُهُ: وإنما وقع له هذا في ذلك الوقت؛ لشدَّة عداوته
للنبيّ ◌َّ، وحسده، وحرصه على إطفاء نوره، ﴿وَيَأْبَى اَللَّهُ إِلَّ أَنْ يُثِرَّ نُورَهُ﴾
[التوبة: ٣٢]، وفيه ما يدلّ على أن الكذب مذموم في الجاهلية، والإسلام، وأنه
ليس من خلق الكرام. انتهى(٢).
ووقع في رواية البخاريّ: ((لولا الحياء من أن يأثروا عليّ كَذِباً لكذبت
عنه))، وهو بضم الثاء وكسرها، من أَثَرت الحديث بالقصر، آثره بالمدّ وضمّ
المثلثة، وكسرها، من باب نصر، وضرب أَثْراً، ساكنة الثاء: حدَّثت به،
ويقال: أَثَرت الحديث؛ أي: رويته، والمعنى هنا: أن يُنقَلَ (عَلَيَّ)؛ أي:
عني، فـ((على)) بمعنى ((عن))، كما في قول الشاعر [من الوافر]:
إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا
أي: رضيت عنّي، أفاده في ((العمدة))(٣).
(الْكَذِبُ لَكَذَبْتُ) ولفظ البخاريّ: ((لكذبت عنه))؛ أي: لأخبرت عن حاله
بكذب؛ لبغضي إياه، ولمحبتي نقصه.
ومعنى هذا الكلام: لولا مخافتي من أن رُفقتي يروون عني، ويحكون في
بلدي عني كذباً، فأُعابَ به؛ لأن الكذب قبيح، وإن كان على العدوّ، لكذبت
عليه، ويُعلم منه قُبْح الكذب في الجاهلية أيضاً، أفاده في ((العمدة))(٤).
وقال في ((الفتح)): قوله - عند البخاريّ -: ((فوالله لولا الحياء من أن
يأثروا))؛ أي: ينقلوا عليّ الكذب لكذبت عليه، وللأصيليّ: ((عنه))؛ أي: عن
الإخبار بحاله، وفيه دليل على أنهم كانوا يستقبحون الكذب، إما بالأخذ عن
الشرع السابق، أو بالعُرف، وفي قوله: ((يأثروا)) دون قوله: يكذبوا دليل على
أنه كان واثقاً منهم بعدم التكذيب أن لو كَذَب؛ لاشتراكهم معه في عداوة
النبيّ ◌َِّ، لكنه ترك ذلك استحياءً وأَنَفَةً من أن يتحدثوا بذلك بعد أن يرجعوا،
(١) (شرح النوويّ)) ١٠٤/١٢.
(٣) ((عمدة القاري)) ١٤٦/١.
(٢) («المفهم)) ٦٠٣/٣ - ٦٠٤.
(٤) ((عمدة القاري)) ١٤٦/١.
٢٣
(٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَِّيِّ ◌َهِ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَامِ - حديث رقم (٤٥٩٨)
فيصير عند سامعي ذلك كذّاباً، وفي رواية ابن إسحاق التصريح بذلك، ولفظه:
((فوالله لو قد كذبت ما ردُّوا عليَّ، ولكني كنت امرءاً سيّداً، أتكرم عن الكذب،
وعَلِمت أن أيسر ما في ذلك إن أنا كذبته أن يحفظوا ذلك عنّي، ثم يتحدثوا
به، فلم أكذبه))، وزاد ابن إسحاق في روايته: «قال أبو سفيان: فوالله ما رأيت
من رجل قطّ، كان أدهى من ذلك الأقلف))؛ يعني: هرقل. انتهى(١).
(ثُمَّ قَالَ) هرقل (لِتَرْجُمَانِهِ: سَلْهُ) تقدّم أنه أمْرٌ من سال یسال، كخاف
يخاف، لغة في سأل يسأل، كفتح يفتح، ويَحْتَمِل أن يكون تخفيفاً من اسأله.
(كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟) كذا في رواية مسلم بلفظ ((حسبه))، وفسّره النوويّ بنَسَبه،
وفيه نظرٌ، قال المجد وَقْذُهُ: ((الْحَسَبُ)): ما تعُدّه من مفاخر آبائك، أو المال،
أو الدِّين، أو الكرم، أو الشرفُ في الفِعْل، أو الفَعَالُ الصالح، أو الشرف
الثابت في الآباء، أو البالُ، أو الحسب والكرم قد يكونان لمن لا آباء له
شُرَفاء، والشرف والمجد لا يكونان إلا بهم. انتهى (٢).
وقال الفيّوميّ تَُّهُ: ((الحَسَبُ)) - بفتحتين -: ما يُعَدّ من المآثر، وهو
مصدر حَسُبَ وِزانُ شَرُفَ شَرَفاً، وكَرُمَ كَرَماً، قال ابن السِّكِّيت: الحَسَبُ،
والكرم يكونان في الإنسان، وإن لم يكن لآبائه شَرَفٌ، ورجل حَسِيبٌ کریم
بنفسه، قال: وأما المجد، والشرف فلا يوصف بهما الشخص إلا إذا كانا فيه،
وفي آبائه، وقال الأزهريّ: الحَسَبُ: الشرف الثابت له، ولآبائه، قال:
وقوله وَله: (تُنكح المرأة لِحَسَبها)) أحوج أهل العلم إلى معرفة الْحَسَب؛ لأنه
مما يُعتبر في مهر المثل، فَالحَسَبُ: الفَعَال له، ولآبائه، مأخوذ من الْحِسَاب،
وهو عدّ المناقب؛ لأنهم كانوا إذا تفاخروا حَسَب كلّ واحد مناقبه، ومناقب
آبائه، ومما يَشهد لقول ابن السّكِّيت قول الشاعر [من الطويل]:
وَمَنْ كَانَ ذَا نَسْبٍ (٣) كَرِيمٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَبٌ كَانَ اللئِيمَ المُذَمَّمَا
جَعَل الحسب فَعَال الشخص، مثل الشجاعة، وحُسن الخُلق، والجود،
ومنه قوله: ((حَسَبُ المرء دينه))، وقولهم: ((يُجْزَى المَرْءُ عَلَى حَسَبٍ عَمَلِهِ))؛
(١) ((الفتح)) ٧٥/١ رقم (٧).
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٢٨٧.
(٣) يتعيّن تسكين السين حتى يستقيم الوزن، فتنبّه.
٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
أي: على مقداره. انتهى(١).
وفي رواية البخاريّ: ((كيف نسبه فيكم؟))؛ أي: ما حال نسبه فيكم؟ أهو
من أشرافكم، أم لا؟، وفي رواية له في ((التفسير)): ((كيف حسبه؟)) مثل ما
هنا، قال في ((الفتح)): كذا هنا، وفي غيرها: ((كيف نسبه؟))، والنسب: الوَجْه
الذي يحصل به الإدلاء من جهة الآباء، والحَسَب: ما يَعُدّه المرء من مفاخر
آبائه .
(قَالَ) أبو سفيان (قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ)؛ أي: حَسَبٍ رفيعٍ.
قال في ((الفتح)): استُشكِل هذا الجواب؛ لأنه لم يَزِد على ما في
السؤال؛ لأن السؤال تضمَّن أن له نسباً، أو حسباً، والجواب كذلك.
وأجيب: بأن التنوين يدلّ على التعظيم، كأنه قال: هو فينا ذو نسبٍ
كبيرٍ، أو حسبٍ رفيعٍ، ووقع في رواية ابن إسحاق: ((كيف نسبه فيكم؟ قال:
في الذِّرْوَة))، وهي بكسر الذال المعجمة، وسكون الراء: أعلى ما في البعير من
السنام، فكأنه قال: هو من أعلانا نسباً، وفي حديث دحية عند البزار: ((حَدِّثْنِي
عن هذا الذي خَرَج بأرضكم، ما هو؟ قال: شابّ، قال: كيف حسبه فيكم؟
قال: هو في حسب، ما لا يُفَضَّل عليه أحدٌ، قال: هذه آية)). انتهى.
(قَالَ) هرقل (فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِلك؟) هكذا أيضاً عند البخاريّ بإسقاط
(من))، وعنده من رواية كريمة، والأصيليّ، وأبي الوقت: ((من ملك)) بزيادة ((من))
الجارّة، ولابن عساكر بفتح ((مَنْ)) و((مَلَكَ)) فعلٌ ماض، قال الحافظ: والجارّة
أرجح؛ لسقوطها من رواية أبي ذرّ، والمعنى في الثلاثة واحد. انتهى (٢).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((فهل كان من آبائه مِن مَلِك)): فيه ثلاث
روایات :
إحداها: أن كلمة ((مِنْ)) حرف جرّ، و((مَلِك)) صفة مشبهة، أعني بفتح
الميم، وكسر اللام، وهي رواية كريمة، والأصيليّ، وأبي الوقت.
والثانية: أن كلمة ((مَنْ)) موصولة، و((مَلَكَ)) فعل ماض، وهي رواية ابن
عساكر.
(١) ((المصباح المنير)) ١٣٤/١ - ١٣٥.
(٢) ((الفتح)) ٧٥/١ - ٧٦.
٢٥
(٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَّبِيِّ وَّهِ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَامِ - حديث رقم (٤٥٩٨)
والثالثة: بإسقاط حرف الجر، وهي رواية أبي ذرّ، والأُولى أصحّ
وأشهر، ويؤيده رواية مسلم: ((هل كان في آبائه مَلِكٌ))، بحذف ((مِنْ))، كما هي
رواية أبي ذرّ، وكذا هو في ((كتاب التفسير)) في البخاريّ. انتهى(١).
(قُلْتُ: لَا)؛ أي: لم يسبقه أحد من آبائه بالملك، (قَالَ) هرقل (فَهَلْ كُنْتُمْ
تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ)؛ أي: على الناس، وإنما عَدَل إلى السؤال عن التهمة عن
السؤال عن نفس الكذب؛ تقريراً لهم على صدقه؛ لأن التهمة إذا انتفت انتفى
سببها، ولهذا عقّه بالسؤال عن الغدر، قاله في ((الفتح))(٢).
(قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟)؛ أي: قبل أن يدّعي النبوّة، (قُلْتُ: لَا)؛ أي: لم
يكن معروفاً بالكذب، بل هو معرف عندنا بأنه الصادق الأمين. (قَالَ) هرقل
(وَمَنْ يَتَّبِعُهُ؟) ((من)) استفهاميّة؛ أي: أي نوع من أنواع الناس تبعه في الإيمان
به، وطاعته؟ (أَشْرَافُ النَّاسِ) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أأشراف الناس
تبعوه؟ ولفظ البخاريّ: ((فأشراف الناس اتبعوه))، قال في ((الفتح)): فيه إسقاط
همزة الاستفهام، وهو قليل، وقد ثبتت للبخاريّ في ((التفسير))، ولفظه: ((أيتبعه
أشراف الناس؟))، والمراد بالأشراف هنا: أهل النخوة، والتكبّر منهم، لا كلّ
شريف، حتى لا يَرِدَ مثلُ أبي بكر، وعمر، وأمثالهما ممن أسلم قبل هذا
السؤال، ووقع في رواية ابن إسحاق: ((تَبِعَه منا الضعفاء، والمساكين،
والأحداث، فأما ذوو الأنساب والشرف، فما تبعه منهم أحد)»، وهو محمول
على الأكثر الأغلب. انتهى(٣).
(أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟) ((أم)) هنا متّصلة، معادلة لهمزة الاستفهام، وكذا في قوله
الآتي: ((أم ينقصون؟)). (قَالَ) أبو سفيان (قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ) تقدّم أنه محمول
على الأغلب، وإلا فقد تبعه من ذوي الشرف والحسب كثير، كأبي بكر، وعمر،
وغيرهما، فتنبّه. (قَالَ) هرقل (أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟) ولفظ البخاريّ في ((التفسير)):
(قال: يزيدون، أم ينقصون؟)) بدون همزة، قال في ((الفتح)): كذا فيه بإسقاط همزة
الاستفهام، وقد جزم ابن مالك بجوازه مطلقاً خلافاً لمن خصّه بالشعر. انتهى.
(١) ((عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ)) ١٥٠/١.
(٢) ((الفتح)) ٧٦/١.
(٣) ((الفتح)) ٧٦/١.
٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
(قَالَ) أبو سفيان (قُلْتُ: لَا)؛ أي: لا ينقصون، (بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ) هرقل
(هَلْ يَرْتَدُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ) إنما لم يستغن هرقل بقوله:
(بل يزيدون)) عن هذا السؤال؛ لأنه لا ملازمة بين الارتداد، والنقص، فقد يرتدّ
بعضهم، ولا يظهر فيهم النقص، باعتبار كثرة من يدخل، وقلّة من يرتدّ
مثلاً(١).
(سَخْطَّةً لَهُ؟) - بفتح السين -(٢)، والسُّخط: كراهة الشيء، وعدم الرضا
به، فـ((فسخطةً)) منصوب على التعليل، ويجوز نصبه على الحال، على تأويله
بساخطاً، قال في ((الفتح)): وأخرجَ بهذا مَن ارتدّ مُكرَهاً، أو لا لسخط لدين
الإسلام، بل لرغبة في غيره، كحظّ نفسانيّ، كما وقع لعبيد الله بن جحش.
(٣) .
انتهى .
وقال في ((الفتح)) في موضع آخر: قوله: ((سخطةً له)): يريد أن مَن دخل
في الشيء على بصيرة يَبْعد رجوعه عنه، بخلاف من لم يكن ذلك من صميم
قلبه، فإنه يتزلزل بسرعة، وعلى هذا يُحْمَل حال من ارتد من قريش، ولهذا لم
يُعَرِّج أبو سفيان على ذِكرهم، وفيهم صهره، زوج ابنته أم حبيبة، وهو
عبيد الله بن جحش، فإنه كان أسلم، وهاجر إلى الحبشة بزوجته، ثم تنصّر
بالحبشة، ومات على نصرانيته، وتزوج النبيّ وَالقر أم حبيبة بعده، وكأنه ممن لم
يكن دخل في الإسلام على بصيرة، وكان أبو سفيان وغيره من قريش يعرفون
ذلك منه، ولذلك لم يُعَرِّج عليه؛ خشية أن يكذِّبوه.
ويَحْتَمِل أن يكونوا عرفوه بما وقع له من التنصّر، وفيه بُعْدٌ، أو المراد
بالارتداد: الرجوع إلى الدين الأول، ولم يقع ذلك لعبيد الله بن جحش، ولم
(١) ((الفتح)) ٧٢٦/٩.
(٢) وضبطه في ((الفتح)) بفتح السين، وضمّها، وتعقّبه العينيّ في الضم، ولقد أصاب في
ذلك؛ لأن السَّخْطة هي المرّة، وهي فَعْلة بالفتح، لا بالضمّ، و((السُّخْطُ)) بالضمّ،
وبضمّتين كعُنُق، وبفتحتين، كجَبَل، وكمَفْعَد: ضدّ الرضا، وقد سَخِط، كفرح،
وتسخّط. أفاده في ((القاموس)) ص ٦٠٠.
(٣) ((الفتح)» ٧٦/١.
٢٧
(٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَّبِّ لَهُ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَامِ - حديث رقم (٤٥٩٨)
يطّلع أبو سفيان على من وقع له ذلك، زاد في حديث دحية: ((أرأيت مَن خرج
من أصحابه إليكم، هل يرجعون إليه؟ قال: نعم)). انتهى(١).
(قَالَ) أبو سفيان (قُلْتُ: لَا)؛ أي: لا يرتدّ أحد سخطة لدينه، (قَالَ)
هرقل (فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟) نَسَب ابتداءَ القتال إليهم، ولم يقل: قاتلكم، فينسِب
ابتداء القتال إليه؛ محافظةً على احترامه، أو لاطلاعه على أن النبيّ لا يبدأ
قومه بالقتال حتى يقاتلوه، أو لِمَا عَرَفه من العادة من حَمِيّة مَن يُدْعَى إلى
الرجوع عن دينه، وفي حديث دحية: ((هل ينكب إذا قاتلكم؟ قال: قد قاتله قوم
فهزمهم، وهزموه، قال: هذه آية)). (قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ) هرقل (فَكَيْفَ(٢) كَانَ
قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قَالَ) أبو سفيان (قُلْتُ: تَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالاً) - بكسر
أوله -؛ أي: نُوَباً: نوبةٌ لنا، ونوبةٌ له، قالوا: وأصله من المستقين بالسَّجْل،
وهي الدلو الملأى، يكون لكل واحد منهما سَجْلٌ، قاله النوويّ(٣) .
وقال في ((العمدة)): والسَّجْلُ: الدلو، والحرب: اسم جنس، ولهذا جَعَل
خبره جمعاً، ويَحْتَمِل أن السجال بمعنى المساجلة، ولا يكون جمع سَجْل، فلا
يَرِد السؤال أصلاً. انتهى (٤).
(يُصِيبُ مِنَّا، وَنُصِيبُ مِنْهُ)؛ أي: يُصيب بعضنا بالقتل، ونصيب بعض
أتباعه بالقتل، فكأنه شبّه المحاربين بالمستقيين: يستقي هذا دلواً، وهذا دلواً،
وأشار أبو سفيان بذلك إلى ما وقع بينهم في غزوة بدر، وغزوة أُحد، وقد
صرّح بذلك أبو سفيان يوم أُحد في قوله: ((يومٌ بيوم بدر، والحرب سجال))،
ولم يَرُدّ عليه النبيّ وَّر ذلك، بل نطق النبيّ وَ﴿ بذلك في حديث أوس بن
حذيفة الثقفيّ لَمّا كان يُحَدِّث وفد ثقيف، أخرجه ابن ماجه، وغيره، ووقع في
مرسل عروة: ((قال أبو سفيان: غَلَبَنا مرةً يوم بدر، وأنا غائب، ثم غزوتهم في
بيوتهم ببَقْر البطون، وجَدْع الآذان))، وأشار بذلك إلى يوم أُحد، قاله في
((الفتح))(٥).
(١) ((الفتح)) ٧٢٦/٩، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٥٥٣).
(٢) وفي نسخة: ((قال: وكيف)).
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٠٥/١٢.
(٤) ((عمدة القاري)) ١٥٦/١.
(٥) ((الفتح)) ٧٦/١ - ٧٧.
٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وقال في موضع آخر: قوله: ((يصيب منّا، ونصيب منه)): وقعت المقاتلة
بين النبيّ ◌َّ﴿ وبين قريش قبل هذه القصّة في ثلاثة مواطن: بدرٍ، وأُحُدٍ،
والخندق، فأصاب المسلمون من المشركين في بدر، وعكسه في أحد، وأصيب
من الطائفتين ناس قليل في الخندق، فصح قول أبي سفيان: ((يصيب منّا،
ونصيب منه))، ولم يُصِب مَن تعقّب كلامه، وأن فيه دسيسةً لم ينبّه عليها، كما
نَبَّ على قوله: ((ونحن منه في مدة، لا ندري ما هو صانع فيها))، والحقّ أنه لم
يدسّ في هذه القصة شيئاً، وقد ثبت مثل كلامه هذا من لفظ النبيّ بَّر. انتهى.
(قَالَ) هرقل (فَهَلْ يَغْدِرُ؟) بكسر الدال، والغدرُ: ترك العهد، وعدم الوفاء
به، (قُلْتُ: لَا)؛ أي: لم يغدر فيما مضى من الزمن، (وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ) قال
النوويّ كَّلُ: يعني: مدّة الْهُدْنة والصلح الذي جرى يوم الحديبية، وتعقّبه
العينيّ، فقال بعد نقل كلامه: وليس كذلك، وإنما يريد غيبته عن الأرض،
وانقطاع أخباره عنه، ولذلك قال: ((ولم يمكنّي كلمة أُدخل فيها شيئاً))؛ لأن
الإنسان قد يتغير، ولا يُدرى الآن: هل هو على ما فارقناه، أو بَدَّل شيئاً؟
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا وجه لتعقّب العينيّ المذكور، فإن ما قاله
النوويّ محتمل لأن يراد هنا، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
(لَا نَدْرِي) قال الكرمانيّ كَُّ: في قوله: ((لا ندري)) إشارة إلى أن عدم
غدره غير مجزوم به، وتعقّبه العينيّ، فقال: ليس كذلك، بل لكون الأمر مغيَّباً
عنه، وهو في الاستقبال تردّد فيه، بقوله: «لا ندري)). انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لم يظهر لي وجه اعتراض العينيّ، فليُتأمّل.
(مَا هُوَ صَانِعٌ فِيهَا؟)؛ أي: في تلك المدة، (قَالَ) أبو سفيان (فَوَ اللهِ مَا
أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ) ((من)) زائدة، و((كلمة)) فاعل ((أمكنني))، (أُدْخِلُ) بضمّ أوله،
من الإدخال، (فِيهَا)؛ أي: في الكلمة، ذَكَرَ الكلمة، وأراد بها الكلام، (شَيْئاً)
مفعول به لـ((أُدخِل))، (غَيْرَ هَذِهِ) وقال القرطبيّ كَّتُهُ؛ يعني: أنه كان يعلم من
خُلُق رسول الله وَّ﴿ الوفاء، والصدق، وأنه يفي بما عاقدهم عليه، لكن لمّا
(١) ((عمدة القاري)) ١٥٦/١.
٢٩
(٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَّبِّ ◌َّهِ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَامِ - حديث رقم (٤٥٩٨)
كان المستقبل غير حاصل في وقته ذلك لبّس بتطريق الاحتمال، تمويهاً بما
يعلم خلافه. انتهى (١).
[تنبيه]: يجوز في ((غير)) الرفع، والنصبُ، أما الرفع فعلى كونه صفة
لـ(«كلمةٌ))، وأما النصب فعلى كونه صفة لقوله: ((شيئاً)).
واعتُرِض كيف يكون ((غير)) صفة لهما، وهما نكرتان، و((غير)) مضاف إلى
المعرفة؟
وأجيب: بأن ((غير)) لا يتعرف بالإضافة، إلا إذا اشتهر المضاف بمغايرة
المضاف إليه، وههنا ليس كذلك، قاله في ((العمدة))(٢).
وقال في ((الفتح)) عند قول البخاريّ: ((قوله: ((ولم تمكني كلمة أدخل فيها
شيئاً))؛ أي: أنتقصه به، على أن التنقيص هنا أمرٌ نسبيٍّ، وذلك أن من يُقْطَع
بعدم غدره أرفع رتبةً ممن يجوز وقوع ذلك منه في الجملة، وقد كان معروفاً
عندهم بالاستقراء من عادته أنه لا يغدر، ولمّا كان الأمر مغيّباً؛ لأنه مستقبَل
أَمِنَ أبو سفيان أن يُنسَبَ في ذلك إلى الكذب، ولهذا أورده بالتردّد، ومن ثَمّ
لم يُعَرِّج هرقل على هذا القدر منه، وقد صَرَّح ابن إسحاق في روايته عن
الزهريّ بذلك، بقوله: ((قال: فوالله ما التفت إليها مني))، ووقع في رواية أبي
الأسود، عن عروة مرسلاً: ((خرج أبو سفيان إلى الشام ... )) فذكر الحديث إلى
أن قال: ((فقال أبو سفيان: هو ساحرٌ كذّاب، فقال هرقل: إني لا أريد شتمه،
ولكن كيف نَسَبه ... )) إلى أن قال: ((فهل يغدر إذا عاهد؟ قال: لا، إلا أن
يغدر في هُدنته هذه، فقال: وما يُخاف من هذه؟ فقال: إن قومي أمَدُّوا
حلفاءهم على حلفائه، قال: إن كنتم بدأتم فأنتم أغدر)). انتهى(٣).
(قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟)؛ يعني: سَبَقه أحد من قريش، أو
العرب ادّعى ما ادعاه من النبوّة، حتّى يتّبعه في ذلك؟، وفي رواية للبخاريّ:
((فهل قال هذا القول منكم أحدٌ قطّ قبله؟))، قال في ((الفتح)): وللكشميهنيّ،
والأصيليّ بدل ((قبله)): ((مثله))، فقوله: ((منكم))؛ أي: من قومكم؛ يعني:
(١) ((المفهم)) ٦٠٤/٣.
(٣) ((الفتح)) ٧٦/١.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٥٦/١.
٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
قريشاً، أو العرب، ويستفاد منه أن الشفاهيّ يعمّ؛ لأنه لم يُرِد المخاطبين فقط،
وكذا قوله: ((فهل قاتلتموه))، وقوله: ((بماذا يأمركم))، واستعمل ((قَّ)) بغير أداة
النفي، وهو نادر، ومنه قول عمر رُّله: ((صلينا أكثر ما كنا قطّ، وآمنه
ركعتين))، ويَحْتَمِل أن يقال: إن النفي مُضَمَّنٌ فيه، كأنه قال: هل قال هذا
القول أحد، أو لم يقله أحد قطّ؟ انتهى (١).
(قَالَ) أبو سفيان (قُلْتُ: لَا)؛ أي: لم يقل هذا القول أحد منا قبله.
(قَالَ) هرقل (لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ)؛ أي: لأبي سفيان، (إِنِّي سَأَلَتُكَ)؛ أي:
قل له حاكياً عن هرقل أني سألتك، أو المراد أني سألتك على لسان هرقل؛
لأن الترجمان يعيد كلام هرقل، ويعيد لهرقل كلام أبي سفيان، ولا يبعد أن
يكون هرقل كان يفقه بالعربية، ويأنف من التكلم بغير لسان قومه، كما جرت به
عادة الملوك من الأعاجم (٢).
(سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ) ذَكَر الأسئلة وهي تسعة، وسيأتي العاشر، وأجاب عن
كل جواب بما يقتضيه الحال، وحاصل الجميع ثبوت علامات النبوة في
الجميع، فالبعض مما تلقّفه من الكتب، والبعض مما استقرأه بالعادة.
(فَزَعَمْتَ)؛ أي: قلت (أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ)؛ أي: شرف عظيم، (وَكَذَلِكَ
الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابٍ قَوْمِهَا) الظاهر أن إخبار هرقل بذلك بالجزم كان عن
العلم المقرّر عنده في الكتب السالفة.
قال القرطبيّ كَّتُهُ: إنما كان ذلك؛ لِمَا خَصّ الله به الأشراف من مكارم
الأخلاق، والتباعد عن سفسافها، والصدق، والأمانة، ولتنجذب النفوس
إليهم، فإن الأبصار مع الصور، وأقلُّ ما في الوجود إدراك البصائر. انتهى(٣).
وقال النوويّ تَخُّْ: قوله: ((وكذلك الرسل تُبعث في أحساب قومها))؛
يعني: في أفضل أنسابهم، وأشرفها، قيل: الحكمة في ذلك أنه أبعد من
انتحاله الباطل، وأقرب إلى انقياد الناس له، وأما قوله: ((إن الضعفاء هم أتباع
الرسل))؛ فَلِكَوْن الأشراف يَأنَفُون من تقدّم مثلهم عليهم، والضعفاء لا يأنفون،
(١) ((الفتح)) ٧٥/١.
(٣) ((المفهم)) ٦٠٥/٣.
(٢) ((الفتح)) ٩/ ٧٢٧.
٣١
(٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَّبِّ لَهُ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَامِ - حديث رقم (٤٥٩٨)
فيُسرعون إلى الانقياد، واتِّباع الحق، وأما سؤاله عن الردّة؛ فلان من دخل
على بصيرة في أمر محقَّق لا يرجع عنه، بخلاف من دخل في أباطيل، وأما
سؤاله عن الغدر؛ فلأن من طلب حظّ الدنيا لا يبالي بالغدر وغيره، مما يُتَوَصَّل
به إلى ذلك، ومَن طلب الآخرة لم يرتكب غدراً، ولا غيره من القبائح.
(١)
انتھی
(وَسَأَلْتُكَ) وفي بعض النسخ: ((وسألت)) بدون الكاف، (هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ
مَلِك؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ)؛ أي: قلت في نفسي، وأطلق على حديث النفس
قولاً، (لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِك، قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ) وفي رواية
للبخاريّ: ((مُلك أبيه) بالإفراد. (وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ، أَضُعَفَاؤُهُمْ، أَمْ أَشْرَافُهُمْ؟
فَقُلْتَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ)؛ معناه: أن أتباع الرسل في الغالب
أهل الاستكانة، لا أهل الاستكبار الذين أصرّوا على الشقاق بَغْياً، وحَسَداً،
كأبي جهل، وأشياعه، إلى أن أهلكهم الله تعالى، وأنقذ بعد حين من أراد
سعادته منهم.
وقال القرطبيّ تَخّْلهُ: إنما كان أتباع الرسل الضعفاء؛ لاستيلاء الرئاسة
على الأشراف، وصعوبة الانفكاك عنها، والأَنَفَة من الانقياد للغير، والضعيف
خَلِيّ عن تلك الموانع، وهذا غالب أحوال أهل الدنيا، وإلا فقد ظهر أن
السُّباق للإسلام كانوا أشرافاً في الجاهلية والإسلام، كأبي بكر، وعمر،
◌ُّ. انتهى(٢).
وحمزة، وغيرهم من الكبراء والأشراف
(وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا،
فَقَدْ عَرَفْتُ) وفي بعض النسخ: ((فعرفت))، (أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ) بكسر اللام، وهي
تُسمّى لام الجحود؛ لملازمتها للجحد؛ أي: النفي، وفائدتها توكيد النفي،
وهي الداخلة في اللفظ على الفعل مسبوقة بـ((ما كان))، أو ((لم يكن)) ناقصتين
مسئَدتين لِمَا أُسند إليه الفعل المقرون باللام، نحو: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُظْلِعَكُمْ عَلَى
اٌلْغَيْبٍ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، ونحو: ﴿لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٣٧ و١٦٨]،
وقال النحّاس: الصواب تسميتها لام النفي؛ لأن الجحود في اللغة إنكار ما
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٥/١٢ - ١٠٦.
(٢) ((المفهم)) ٦٠٤/٣ - ٦٠٥.
٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
تعرفه، لا مطلق الإنكار، قاله في ((العمدة))(١)؛ أي: لم يكن ليترك (الْكَذِبَ
عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ يَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلَى اللهِ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ
بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَهُ سَخْطَةً لَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ)؛ أي: أمرُ الإيمان،
(إِذَا خَالَطَ) قال في ((الفتح)): هذا يرجّح أن الرواية التي عند البخاريّ في ((بدء
الوحي) بلفظ: ((حتى يخالط)) وَهَمِّ، والصواب ((حين))، كما للأكثر. انتهى(٢).
(بَشَاشَةَ الْقُلُوبِ)؛ يعني: انشراح الصدور، وأصلها: اللطف بالإنسان عند
قدومه، وإظهار السرور برؤيته، يقال: بَشَّ به، وتبشبش(٣)، قاله النوويّ تَخْذَتُهُ.
وقال القرطبيّ رَّتُهُ: قوله: ((وكذلك الإيمان حين يُخالط بشاشةً
القلوب))؛ هكذا وقعت هذه الرواية هنا، وفي البخاريّ: ((حين تخالط بشاشته
القلوبَ))، وهي أوضح، وأصل البشاشة: التلطف، والتأنس عند اللقاء، يقال:
بَشّ به، وبشبش، ومعنى هذا أن القلوب المنشَرِحَة إذا سمعت الإيمان،
وأصغت إليه بشَّت له، ورحّبت بلقائه، كما يُفْعَل بالغائب عند اللقاء، ثم إذا
حَلَّ الإيمان في القلب انكشفت له محاسنه، وتوالت عليه أنواره، حتى يَكره أن
يعود في الكفر، كما يَكره أن يُقْذَف في النار. انتهى (٤).
وزاد البخاريّ في رواية في ((الإيمان)): ((لا يسخطه أحد))، وزاد ابن
السكن في روايته في ((معجم الصحابة)): ((يزداد به عَجَباً، وفَرَحاً))، وفي رواية
ابن إسحاق: ((وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلباً، فتخرجَ منه))(٥).
(وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ، أَوْ يَنْقُصُونَ؟(٦) فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ
الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ)؛ أي: أمر الإيمان؛ لأنه يظهر نوراً، ثم لا يزال في زيادة،
حتى يتم بالأمور المعتبرة فيه، من صلاة، وزكاة، وصيام، وغيرها، ولهذا
نزلت في آخر سنيّ النبيّ وَّهِ: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنْتَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِ﴾
الآية [المائدة: ٣]، ومنه: ﴿وَيَأْبِىَ اَللَّهُ إِلَّ أَن يُتِمَ نُرَهُ﴾ الآية [التوبة: ٣٢]،
وكذا جرى لأتباع النبيّ وَّ ر لم يزالوا في زيادة، حتى كَمُل بهم ما أراد الله من
(١) ((عمدة القاري)) ١٥٦/١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٠٦/١٢.
(٢) ((الفتح)) ٩/ ٧٢٧ - ٧٢٨.
(٤) ((المفهم)) ٦٠٥/٣.
(٥) ((الفتح)) ٧٨/١.
(٦) وفي نسخة: ((أم ينقصون)).
٣٣
(٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَّبِّ ◌َهِ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَامِ - حديث رقم (٤٥٩٨)
إظهار دينه، وتمام نعمته، فله الحمد والمنّة (١).
(وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَدْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَتَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ
وَبَيْنَهُ سِجَالاً)؛ أي: نُوَباً، (يَنَالُ مِنْكُمْ) كيوم بدر (وَتَنَالُونَ مِنْهُ) كيوم أُحد،
(وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى)؛ أي: بقومها، ومحاربتهم لها، قال القرطبيّ كَظُّهُ:
ابتلاء الرسل بنحو ما ذُكِر إنما هو ترفيع لدرجاتهم، وستر لأحوالهم، حتى لا
يصير العلم بهم ضروريّاً، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ)؛ أي: الخاتمة الحسنة، وفي بعض النسخ: (ثمّ
تكون لها العاقبة)) بإفراد ضمير المؤنّث، باعتبار الجماعة، قال النوويّ كَّلُهُ:
معناه: يبتليهم الله تعالى بذلك؛ لِيَعْظُم أجرهم بكثرة صبرهم، وبَذْلهم وُسْعهم
في طاعة الله تعالى.
(وَسَأَلْتُكَ هَلْ بَغْدِرُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لَا يَغْدِرُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ)؛ أي:
لأنها لا تطلب حظّ الدنيا الذي لا يبالي طالبه بالغدر، بخلاف من طلب
الآخرة، ولم يُعَرِّج هرقل على الدسيسة التي دَسَّها أبو سفيان، كما تقدم.
[فائدة]: قال المازريّ: هذه الأشياء التي سأل عنها هرقل ليست قاطعة
على النبوة، إلا أنه يَحْتَمِل أنها كانت عنده علامات على هذا النبيّ بعينه؛ لأنه
قال بعد ذلك: ((قد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنّ أنه منكم))، قال
الحافظ: وما أورده احتمالاً جَزَم به ابن بطال، وهو ظاهر. انتهى (٢).
(وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ قَالَ هَذَا
الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ، قُلْتُ) وللبخاريّ: ((فقلت))، قال في ((الفتح)): وإنما لم يقل
هرقل: ((فقلت)) إلا في هذا، وفي قوله: ((هل كان من آبائه ملك؟))؛ لأن هذين
المقامين مقام فكر ونظر، بخلاف غيرهما من الأسئلة، فإنها مقام نَقْل.
(٣)
انتھی(٣).
وقال القرطبيّ كَخَّقُ: قوله: ((هل قال هذا القول أحد قبله؟)) يعني: من
عرب قومه، وإلا فالرسل كثير، وقد كان في العرب غير قومه رسل، كهود،
(١) ((الفتح)) ٧٨/١.
(٣) ((الفتح)) ٧٧/١.
(٢) ((الفتح)) ٧٨/١.
٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وصالح، كما ذكر في حديث أبي ذرّ، ولذلك قال تعالى: ﴿لِنُنْذِرَ قَوْمَا مَّ أُنْذِرَ
ءَبَآؤُهُمْ﴾ [يس: ٦]؛ أي: لم يبعث في آبائهم المشهورين عندهم رسول ينذرهم،
وهو قول المحققين من المفسّرين، وقد دلّ عليه قوله تعالى في آية أخرى:
﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مََّ أَتَنْهُم مِّن تَذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ [السجدة: ٣](١).
(رَجُلُ اثْتَمَّ)؛ أي: اقتدى، وللبخاريّ: ((رجلٌ يأتسي))، وفي رواية:
(تأسّى))، وفي رواية: (يتأسّى))؛ أي: يقتدي (بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ، قَالَ) أبو سفيان
(ثُمَّ قَالَ) هرقل (بِمَ يَأْمُرُكُمْ؟) ((ما)) استفهاميّة، ولهذا حُذفت الألف منها، كما
قال في ((الخلاصة»:
و((مَا)) فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ أَلِفُهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ
وللبخاريّ: ((بما يأمركم))، بالألف، وهو جائز أيضاً؛ لأن الجرّ
بالحرف، كما أشار إليه في ((الخلاصة)) بقوله:
بِاسْمِ كَقَوْلِكَ ((اقْتِضَاءَ مَ اقْتَضَى
وَلَيْسَ حَتْماً فِي سِوَى مَا انْخَفَضًا
ثم إن قوله: ((بم يأمركم)) يدلّ على أن الرّسول من شأنه أن يأمر قومه.
(قُلْتُ: يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ) وفي رواية للبخاريّ في ((بدء الوحي)): (يقول:
اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا
بالصلاة، والزكاة، والصدق، والعفاف، والصلة)).
وأراد بالصلاة: الصلاةَ المعهودة التي مُفْتَتَحها التكبير، ومُخْتَتَمها
التسليم، قال في ((الفتح)): واستُدِلّ به على إطلاق الأمر على صيغة افْعَلْ، وعلى
عكسه، وفيه نظر؛ لأن الظاهر أنه من تصرّف الرواة، ويستفاد منه أن المأمورات
كلها كانت معروفة عند هرقل، ولهذا لم يستفسره عن حقائقها. انتهى (٢).
(وَالزَّكَاةِ، وَالصِّلَةِ) هي: كلُّ ما أمر الله تعالى أن يوصل، وذلك بالبرّ،
والإكرام، وحسن المراعاة، ويقال: المراد بها: صلة الرحم، وهي تشريك ذوي
القرابات في الخيرات، واختلفوا في الرحم، فقيل: هو كل ذي رَحِمِ مَحْرَم،
بحيث لو كان أحدهما ذكراً، والآخر أنثى، حرمت مناكحتهما، فلا يدخّل أولاد
(١) ((المفهم)) ٦٠٦/٣.
(٢) ((الفتح)) ٧٢٨/٩، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٥٥٣).
٣٥
(٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَِّّ وَّهِ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَامِ - حديث رقم (٤٥٩٨)
الأعمام فيه، وقيل: هو عامّ في كل ذي رحم في الميراث مُحَرَّماً، أو غيره (١).
(وَالْعَفَافِ) - بفتح العين -: الكفّ عن المحارم، وخوارم المروءة، وقال
صاحب (المحكم)): العِفّة: الكف عما لا يحلّ، ولا يَجْمُل، يقال: عَفّ يَعِفّ
عَفّاً وعَفَافاً، وعَفَافَةً، وعِفّةً، وتعفّف، واستعفّ، ورجل عَفِّ، وعَفِيفٌ،
والأنثى: عفيفة، وجمع العفيف: أعفّة، وأعفاء(٢).
(قَالَ) هرقل (إِنْ يَكُنْ مَا تَقُولُ فِيهِ) في حقّ هذا النبيّ وَّهِ (حَقّاً، فَإِنَّهُ نَبِيِّ)
ووقع في رواية البخاريّ في ((الجهاد)): ((وهذه صفة نبيّ))، وفي مرسل سعيد بن
المسيِّب، عند ابن أبي شيبة: ((فقال: هو نبيّ))، قال العلماء: هذا الذي قاله
هرقل أخذه من الكتب القديمة، ففي التوراة هذا أو نحوه من علامات
رسول الله عليه، فعرفه بالعلامات، وأما الدليل القاطع على النبوّة فهو المعجزة
الظاهرة الخارقة للعادة، فهكذا قاله المازريّ، والله أعلم، ذكره النوويّ(٣).
وقال القرطبيّ تَخْلُهُ: قوله: ((إن يكن ما تقول حقّاً فإنه نبيّ))؛ هذا الكلام
محذوف المقدمة الاستثنائية؛ لدلالة الكلام عليها، وتقديرها: لكن ما تقول
حقٌّ، فهو نبيّ، ويدلّ على أن هذا مراده قطعاً الكلام الذي بَعْده، فإنه قَطَع فيه
بنبوّته، فتأمله. انتهى(٤) .
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): وقع في ((أمالي المحامليّ))، رواية
الأصبهانيين، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي سفيان: ((أن صاحب
بُصْرَى أخذه، وناساً معه، وهم في تجارة ... ))، فذكر القصّة مختصرة، دون
الكتاب، وما فيه، وزاد في آخرها: ((قال: فَأَخْبِرْني هل تعرف صورته إذا
رأيتها؟ قلت: نعم، فأُدخلت كنيسة لهم فيها الصور، فلم أره، ثم أُدخلت
أخرى، فإذا أنا بصورة محمد، وصورة أبي بكر، إلا أنه دونه))، وفي ((دلائل
النبوّة)) لأبي نعيم، بإسناد ضعيف: ((أن هرقل أخرج لهم سَفَطاً (٥) من ذهب،
(١) ((عمدة القاري)) ١/ ١٤٧.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٤٧/١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٢/ ١٠٧.
(٤) ((المفهم)) ٦٠٦/٣ - ٦٠٧.
(٥) ((السَّفَطُ)) محرّكة: ما يُخبأ فيه الطيب ونحوه، والجمع: أسفاط، مثلُ سَبَبٍ
وأسباب. ((المصباح)) ٢٧٩/١.
٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
عليه قُفْل من ذهب، فأخرج منه حريرة مطويّةً، فيها صور، فعرضها عليهم إلى
أن كان آخرها صورة محمد، فقلنا بأجمعنا: هذه صورة محمد، فذكر لهم أنها
صور الأنبياء، وأنه خاتمهم وَلتر)). انتهى(١).
(وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ)؛ أي: لِمَا في الكتب التي اطّلع عليها،
والبشائر به، والإخبار بمجيئه، ووقته، وعلاماته.
(وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ)؛ أي: أعلم أن نبيّاً سيُبعث في هذا الزمان، لكن
لم أعلم تعيين جنسه، وزعم بعض الشرّاح أنه كان يَظُنّ أنه من بني إسرائيل؛
لكثرة الأنبياء فيهم، وفيه نظرٌ؛ لأن اعتماد هرقل في ذلك كان على ما اطّلع
عليه من الإسرائيليات، وهي طافحة بأن النبيّ الذي يخرج في آخر الزمان من
ولد إسماعيل، فيُحْمَل قوله: لم أكن أظنّ أنه منكم؛ أي: من قريش(٢).
وقال القرطبيّ تَّثُهُ: قوله: ((ولم أكن أظن أنه منكم)): كأنه استبعَدَ أن
يكون نبيّ من العرب، لِمَا كانوا عليه من الأعمال الجاهلية، والطبيعة الأمية،
والحالة الضعيفة الزريّة، وتمسّكاً بكثرة الرسل في الملة الإسرائيلية، وقد كان
كل ذلك، لكنْ جَبَرَ الله صدع هذه الأمة؛ بأن اختصهم بهذا الرسول العظيم؛
الذي شرّفهم به، وكرّمهم حتى صيّرهم خير أمة، والحمد لله على هذه
النعمة (٣).
وقال العلّامة ابن الملقّن تَخْذُهُ: استدلال هرقل من كونه ◌َّ ذا حسب
ليس بدليل قاطع على النبوّة، وإنما القاطع المعجز الخارق للعادة المعدوم فيها
المعارضة، قاله المازريّ، قال: ولعلّ هرقل كان عنده عِلْم بكونها علامات هذا
النبيّ، وقد قال فيه: وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظنّ أنه منكم (٤)،
وقطع ابن بطّال(٥) بهذا، وقال: إخبار هرقل، وسؤاله عن كلّ فصل فصل إنما
كان عن الكتب القديمة، وإنما ذلك كلّه نَعْت للنبيّ وَّر مكتوب عندهم في
(١) ((الفتح) ٧٢٨/٩، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٥٥٣).
(٣) ((المفهم)) ٦٠٧/٣.
(٢) ((الفتح)) ٧٢٨/٩.
(٤) راجع: ((المعلم بفوائد مسلم)) ١٤٤/٢.
(٥) راجع: ((شرح ابن بطّال على البخاريّ)) ٤٦/١.
٣٧
(٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَّبِّ لَهُ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَامِ - حديث رقم (٤٥٩٨)
التوراة، والإنجيل، وجزم به النوويّ في ((شرحه))، فقال: هذا الذي قاله هرقل
أَخَذه من الكتب القديمة، ففي التوراة هذا، أو نحوه من أعلام نبوّته.
انتھی(١).
(وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ) بضمّ اللام؛ أي: أصل، يقال: خَلَصَ
إلى كذا؛ أي: وصل، (لأَحْبَيْتُ لِقَاءَهُ) هكذا في رواية مسلم بلفظ: ((أحببت))،
وفي رواية البخاريّ: ((لتجشّمت لقاءه)) - بالجيم والشين المعجمة -؛ أي:
تكلفت الوصول إليه، وارتكبت المشقّة في ذلك، وهذا يدلّ على أنه كان يتحقق
أنه لا يَسْلَم من القتل إن هاجر إلى النبيّ وَّ، واستفاد ذلك بالتجربة، كما في
قِصّة ضَغاطر الذي أظهر لهم إسلامه، فقتلوه، وللطبرانيّ من طريق ضعيف عن
عبد الله بن شداد، عن دحية في هذه القصة مختصراً: ((فقال قيصر: أعرف أنه
كذلك، ولكن لا أستطيع أن أفعل، إن فعلتُ ذَهَب مُلكي، وقتلني الروم))، وفي
مرسل ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم: ((أن هرقل قال: ويحك، والله إني
لأعلم أنه نبيّ مرسل، ولكني أخاف الروم على نفسي، ولولا ذلك لاتبعته))،
لكن لو تفطّن هرقل لقوله {وَ﴿ في الكتاب الذي أرسل إليه: ((أسلم تَسْلم))،
وحَمَل الجزاء على عمومه في الدنيا والآخرة لسَلِمَ لو أسلم من كل ما يخافه،
ولكن التوفيق بيد الله تعالى(٢).
وقال في (الفتح)) أيضاً في موضع آخر: قوله: ((لأحببت لقاءه)): في ((بدء
الوحي)): (لتجشمت)) بجيم ومعجمة؛ أي: تكلّفت، ورجّحها عياض، لكن
نَسَبها لرواية مسلم خاصّة، وهي عند البخاريّ أيضاً، وقال النوويّ: قوله:
((لتجشمت لقاءه))؛ أي: تكلّفت الوصول إليه، وارتكبت المشقّة في ذلك،
ولكني أخاف أن أُقتَطَع دونه، قال: ولا عذر له في هذا؛ لأنه قد عَرَفَ صفة
النبيّ ◌َّ، لكنه شحَّ بملكه، ورغب في بقاء رياسته، فآثرها على اتّباعِهِ وَّته،
وقد جاء ذلك مصرَّحاً به في ((صحيح البخاريّ))، ولو أراد الله هدايته لوفّقه كما
وفّق النجاشيّ، وما زالت عنه الرئاسة، ونسأل الله تعالى توفيقه(٣).
(١) ((التوضيح)) ٢/ ٤١٣.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٢/ ١٠٧.
(٢) ((الفتح)) ٧٩/١.
٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
قال الحافظ: قال شيخنا شيخ الإسلام - يعني: البلقينيّ -: كذا قال
النوويّ، ولم أر في شيء من طرق الحديث في البخاريّ ما يدلّ على ذلك.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أن النوويّ عَنَى ما وقع في آخر الحديث
عند البخاريّ دون مسلم، من القصّة التي حكاها ابن الناطور، وأن في آخرها
في ((بدء الوحي)) أن هرقل قال: ((إني قلت مقالتي آنفاً أختبر بها شدّتكم على
دينكم، فقد رأيت))، وزاد في آخر حديث الباب: ((فقد رأيت الذي أحببت))،
فكأن النوويّ أشار إلى هذا، والله أعلم، وقد وقع التعبير بقوله: ((شَحّ بملكه))
في الحديث الذي أخرجه. انتهى(١).
(وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ، لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ)؛ أي: إكراماً له، واحتراماً،
وخدمةً، وهذا منه مبالغة في العبودية له وَّ، والخدمة، زاد عبد الله بن شداد،
عن أبي سفيان: ((لو علمت أنه هو لمشيت إليه، حتى أُقَبِّل رأسه، وأغسل
قدميه))، وهي تدلّ على أنه كان بقي عنده بعض شكّ، وزاد فيها: ((ولقد رأيت
جبهته تتحادر عَرَقاً من كرب الصحيفة))؛ يعني: لَمّا قُرئ عليه كتاب النبيّ ◌ِّ،
وفي اقتصاره على ذكر غسل القدمين إشارة منه إلى أنه لا يَطلب منه إذا وصل
إليه سالِماً، لا ولايةً، ولا منصباً، وإنما يطلب ما تحصل له به البركة.
(وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ) قال القرطبيّ ◌َّتُهُ: يعني بذلك أرضه التي
كان فيها، ومملكته التي كان عليها، وكذلك كان، وهذا منه تحقيق لنبوَّته وَلآ،
وعِلْم بما يفتح الله عليه، وبما ينتهي إليه أمره، ومع ذلك ففي البخاريّ: أنه
استمرّ على كفره، فنعوذ بالله من علم لا ينفع.
وقال القرطبيّ أيضاً: إذا تأملت هذا الحديث علمت فِطنة هرقل، وجوّدة
قريحته، وحسن نظره، وسياسته، وتثبّته، وأنه عَلِم صحة نبوّة نبينا محمد ◌َّێ،
وصدقه، غير أنه ظهر منه بعد هذا ما يدل على أنه لم يؤمن، ولم ينتفع بذلك
العلم الذي حصل له، فإنه هو الذي جيَّش الجيوش على أصحاب
رسول الله وَ﴾، وقاتلهم، وألّب عليهم، ولم يقصِّر في تجهيز الجيوش عليهم،
وإرساله إليهم الجموع العظيمة من الروم وغيرهم الكرَّة بعد الكرَّة، فيهزمهم الله،
(١) ((الفتح)) ٧٢٨/٩ - ٧٢٩.
٣٩
(٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَّبِيِّ لَهَ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَامِ - حديث رقم (٤٥٩٨)
ويهلكهم، ولا يرجع إليه منهم إلا فُلَّهم، واستمر على ذلك إلى أن مات، وقد
فتح الله على المسلمين أكثر بلاد الشام، ثم وَلِي ولده بعده، وعليه فتحت جميع
البلاد الشامية، وبهلاكه هلكت المملكة الرومية. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((ما تحت قدميّ))؛ أي: بيت المقدس، وكنى
بذلك؛ لأنه موضع استقراره، أو أراد الشام كله؛ لأن دار مملكته كانت
حمص، ومما يقوي أن هرقل آثر مُلكه على الإيمان، واستمرّ على الضلال أنه
حارب المسلمين في غزوة مؤتة، سنة ثمان بعد هذه القصة بدون السنتين، ففي
مغازي ابن إسحاق: ((وبلغ المسلمين لَمّا نزلوا مَعَان(٢) من أرض الشام، أن
هرقل نزل في مائة ألف من المشركين))، فحَكَى كيفية الوقعة، وكذا روى ابن
حبان في ((صحيحه))، عن أنس ظُه أن النبيّ وَله كتب إليه أيضاً من تبوك
يدعوه، وأنه قارب الإجابة، ولم يُجِب، فدلّ ظاهر ذلك على استمراره على
الكفر، لكن يَحْتَمِل مع ذلك أنه كان يُضمر الإيمان، ويفعل هذه المعاصي
مراعاة لِمُلْكه، وخوفاً من أن يقتله قومه.
إلا أن في مسند أحمد أنه كتب من تبوك إلى النبيّ وَّه: إني مسلم، فقال
النبيّ ◌َِّ: ((كَذَبَ، بل هو على نصرانيته)).
وفي (كتاب الأموال)) لأبي عبيد بسند صحيح، من مرسل بكر بن عبد الله
المزنيّ نحوه، ولفظه: ((فقال: كذب عدوّ الله، ليس بمسلم))، فعلى هذا إطلاق
صاحب ((الاستيعاب)) أنه آمن؛ أي: أظهر التصديق، لكنه لم يستمرّ عليه، ولم
يعمل بمقتضاه، بل شَحّ بملكه، وآثر الفانية على الباقية، والله تعالى وليّ
(٣)
التوفيق
.
(قَالَ: ثُمَّ دَعًا)؛ أي: من وَكَّل ذلك إليه، ولهذا عُدّي إلى الكتاب بالباء،
والله أعلم. (بِكِتَابٍ رَسُولِ اللهِ وَ﴾)، زاد في رواية البخاريّ: ((الذي بعث به
دِحيةُ إلى عظيم بُصرَى، فدفعه إلى هرقل))، (فَقَرَأَهُ)؛ أي: أمر بقراءته؛ لأنه
عجميّ لا يعرف الكتاب العربيّ، وقال في ((الفتح)): قوله: ((ثم دعا بكتاب
(١) ((المفهم) ٦٠٢/٣.
(٣) ((الفتح)) ٧٩/١ - ٨٠.
(٢) بفتح الميم، كما في ((ق)).
٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
رسول الله وَله، فقرأه)): ظاهره أن هرقل هو الذي قرأ الكتاب، ويَحْتَمِل أن
يكون الترجمان قرأه، ونُسبت قراءته إلى هرقل مجازاً؛ لكونه الآمر به، وفي
رواية للبخاريّ في ((الجهاد)) بلفظ: ((ثم دعا بكتاب رسول الله (وَلخير، فقرئ))،
وفي مرسل محمد بن كعب القُرَظيّ عند الواقديّ، في هذه القصة: «فدعا
الترجمان الذي يقرأ بالعربية، فقرأه))، ووقع في رواية ((الجهاد)) ما ظاهره أن
قراءة الكتاب وقعت مرتين، فإن في أوله: (فلما جاء قيصرَ كتابُ رسول الله وَله
قال حين قرأه: التمسوا لي ها هنا أحداً من قومه؛ لأسالهم عنه، قال ابن
عباس: فأخبرني أبو سفيان أنه كان بالشام، في رجال من قريش - فذكر القصّة
إلى أن قال -: ثم دعا بكتاب رسول الله (وَ﴿، فقرئ))، والذي يظهر لي أن
هرقل قرأه بنفسه أوّلاً، ثم لَمّا جمع قومه، وأحضر أبا سفيان، ومن معه،
وسأله، وأجابه، أمر بقراءة الكتاب على الجميع.
ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقوله أوّلاً: «فقال حين قرأه))؛ أي: قرأ عنوان
الكتاب؛ لأن كتاب النبيّ وَّ كان مختوماً بخَتْمه، وخَتْمه: ((محمد رسول الله))،
ولهذا قال: إنه يسأل عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبيّ، ويؤيد هذا الاحتمال
أن من جملة الأسئلة قول هرقل: ((بم يأمركم؟، فقال أبو سفيان: يقول:
اعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئاً))، وهذا بِعَيْنه في الكتاب، فلو كان هرقل قرأه
أوّلاً ما احتاج إلى السؤال عنه ثانياً، نعم يَحْتَمِل أن يكون سأل عنه ثانياً مبالغةً
في تقريره. انتهى(١).
(فَإِذَا فِيهِ: ((بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم) قال النوويّ: فيه استحباب تصدير
الكتب بـ((بسم الله الرحمن الرحيم))، وإن كان المبعوث إليه كافراً، ويُحْمَل قوله
في حديث أبي هريرة ◌َُّه: ((كلُّ أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بحمد الله، فهو
أقطع))؛ أي: بذكر الله كما جاء في رواية أخرى، فإنه رُوي على أوجه:
((بذكر الله))، (ببسم الله))، ((بحمد الله))، قال: وهذا الكتاب كان ذا بال من
المهمات العظام، ولم يبدأ فيه بلفظ الحمد، بل بالبسملة. انتهى(٢).
قال الحافظ تَّثُهُ: والحديث الذي أشار إليه أخرجه أبو عوانة في
(١) ((الفتح)) ٧٢٩/٩.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٠٧/١٢ - ١٠٨.