النص المفهرس

صفحات 1-20

التِّالخُطُ التجاريِ
في شرح
صَيُ الأَمْلِ مُسُلِمُ الحَجَانِ
لَجَامِعِهِ الْفَقِيُرِ المِصَوْلَه الغَنِالْقَدِر
مُحَدَابرُ الشَُّ العُلَّمَكِّنْ آدَمُ بنُمُوسَ الإِنَّيِّوُبِالُلْوِيّ
◌ُوَيَدْمِ العِلْمُ بمَّة المكرّهَة
عَفَا اللَّه تَعَالى عَنْهُ، وَعَدُهُ وَالدِيُّه آمين
المَجَلَّ الْوَاحِدِ وَالثَّلاَثُنْ
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرَ، الإمَارَة
رقم الأحاديث (٤٥٩٨ - ٤٧٢٤)
دارابن الجوزي

MC

التحِالخَطُ التجارية
21
في شرح
جَاجِ الأمْطِ مُسُلُ الحجاج
٣١

حقوق الطّرِّع محفوظة لِدَارِابْ الحَوزي
الطّبَعَة الأولى
١٤٣٤ هـ
حقوق الطبع محفوظة ٥ ١٤٣٤هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي
نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته
إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
ابن
للنشر والتوزيع
دارابن الجوزي
لِلنَّشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٨٢
الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - تلفاكس: ٢١٠٧٢٢٨ - جوال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨
الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٣٤١٩٧٣ - ٦٨١٣٧٠٦ - ٠٥٦٣٤٧٦٣٨٨ - بيروت - هاتف:
٠٣/٨٦٩٦٠٠ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٠٦٨٢٣٧٨٣ - تلفاكس:
٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠ - الإسكندرية - ٠١٠٦٩٠٥٧٥٧٣ - البريد الإلكتروني:
aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com

٥
(٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَِّيِّ ◌َّهِ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَام - حديث رقم (٤٥٩٨)
براس الرحمن الرحيم
يوم الخميس الرابع عشر من شهر محرم ١٤٣١/١/١٤هـ. أول الجزء الواحد
والثلاثين من شرح ((صحيح الإمام مسلم)) المسمّى ((البحر المحيط النجّاج
في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج» رحمه الله تعالی.
(٢٦) - (بَابُ كِتَابِ النَّبِيِّ وَهُ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَام)
[٤٥٩٨] (١٧٧٣) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَابْنُ أَبِي
عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ رَافِعٍ - قَالَ ابْنُ رَافِعٍ،
وَابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَاً، وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنٍ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ،
مِنْ فِيهِ إِلَى فِيهِ، قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي الْمُدَّةِّ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ الهِ لَّهِ،
قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا بِالشَّأْمِ، إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ إِلَى هِرَقْلَ؛ يَعْنِي:
عَظِيمَ الرُّومِ. قَالَ: وَكَانَ دِخْيَةُ الْكَلْبِيُّ جَاءَ بِهِ، فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمٍ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ
عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ، فَقَالَ مِرَقْلُ: هَلْ هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَّذَا الرَّجُلِ الَّذِي
يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٍّ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ،
فَأَجْلَسَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَباً مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا، فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي، ثُمَّ
دَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ لَهُ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٍّ،
فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَابْمُ اللهِ، لَوْلًا مَخَافَةً أَنْ يُؤْثَرَ عَلَيَّ
الْكَذِبُ لَكَذَبْتُ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: سَلْهُ كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: هُوَ فِينَا
ذُو حَسَبٍ، قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِك؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ
بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: وَمَنْ يَشَّبِعُهُ؟ أَشْرَافُ النَّاسِ، أَمْ

٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قَالَ: قُلْتُ:
لَا، بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ: هَلْ يَرْتَدُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ؟
قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ (١) كَانَ قِتَالُكُمْ
إِيَّاهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: تَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالاً، يُصِيبُ مِنَّا، وَنُصِيبٌ مِنْهُ،
قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِيهَا؟ قَالَ:
فَوَ اللهِ مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئاً غَيْرَ هَذِهِ، قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ
أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا.
قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ،
وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابٍ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ(٢) هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكَ؟
فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكَ، قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ،
وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَنْبَاعِهِ، أَضُعَفَاؤُهُمْ، أَمْ أَشْرَانُهُمْ؟ فَقُلْتَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، وَهُمْ أَنْبَاعُ
الرُّسُلِ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا،
فَقَدْ عَرَفْتُ(٣) أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ يَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلَى اللهِ،
وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَهُ سَخْطَةً لَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا،
وَكَذَلِكَ الِإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ الْقُلُوبِ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ، أَوْ يَنْقُصُونَ؟(٤)
فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَزَعَمْتَ
أَنَّكُمْ قَدْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَتَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالاً، يَنَالُ مِنْكُمْ، وَتَالُونَ مِنْهُ،
وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى، ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ(٥)، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لَا
يَغْدِرُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ
لَا ، فَقُلْتُ: لَوْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ، قُلْتُ: رَجُلٌ اثْتَمَّ بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ، قَالَ:
ثُمَّ قَالَ: بِمَ يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: بَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصَّلَةِ، وَالْعَفَافِ.
(١) وفي نسخة: ((قال: وكيف)).
(٣) وفي نسخة: ((فعرفت)).
(٥) وفي نسخة: ((ثم تكون لها العاقبة)).
(٢) وفي نسخة: ((وسألت هل كان)).
(٤) وفي نسخة: ((أم ينقصون)).

٧
(٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَّبِيِّ ◌َهُ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَامِ - حديث رقم (٤٥٩٨)
قَالَ: إِنْ يَكُنْ مَا تَقُولُ فِيهِ حَقّاً، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، وَلَمْ
أَكُنْ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ، وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ، لأَحْبَيْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ،
لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ.
قَالَ: ثُمَّ دَعَا بِكِتَابٍ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَقَرَأَهُ، فَإِذَا فِيهِ: ((بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى،
أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسَّلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتَِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ،
وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيَسِيِّينَ، وَ﴿يَهْلَ الْكِتَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَ
بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا مِّن
دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤])).
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ، ارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ عِنْدَهُ، وَكَثُرَ اللَّغْطُ، وَأَمَرَ بِنَا
فَأُخْرِجْنَا، قَالَ: فَقُلْتُ لأَصْحَابِي حِينَ خَرَجْنَا (١): لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنٍ أَبِي ◌َبْشَةَ، إِنَّهُ
لَيَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ. قَالَ: فَمَا زِلْتُ مُوقِناً بِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ وَلِ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ،
حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ عَلَيَّ الإِسْلَامَ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، أبو محمد المروزيّ، نزیل
نيسابور، ثقةٌ حافظُ حجة فقيه [١٠] (٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل مكة،
صدوقٌ صنّف ((المسند)) [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقة
حافظ عابد [١١] (٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٤ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد،
ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧.
٥ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الحميريّ مولاهم، أبو بكر
(١) وفي نسخة: ((حين أخرجنا)).

٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ مصنّف، شهير، عمي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩]
(ت٢١١) وله (٨٠) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٦ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن،
ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٧ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن
عبد الله بن الحارث بن زهرة القرشيّ، أبو بكر المدنيّ الإمام الحافظ الفقيه
المتّفق على جلالته، وإتقانه، رأس [٤] (ت١٢٥) أو قبلها (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨.
٨ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ
ثبتٌ فقيه [٣] (ت٩٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٩ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر ﴿ًا، مات سنة (٦٨) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٢٤/٦.
١٠ - (أَبُو سُفْيَانَ) صخر بن حرب بن أُميّة بن عبد شمس بن عبد مناف
الأمويّ الصحابيّ الشهير، أسلم عام الفتح، ومات سنة (٣٢) أو بعدها (خ م د
ت س) تقدم في ((الزكاة)) ٢٤٤٣/٤٤.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سباعيّات المصنّف تَّثُهُ، وأن فيه روايةَ صحابيّ، عن صحابيّ،
وتابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس ظها أحد العبادلة الأربعة المجموعين في قولي:
فَابْنُ الزُّبَيْرِ فَابْنُ عَمْرٍو عَادَلَهْ
وَإِنْ تُرِدْ مَعْرِفَةَ الْعَبَادِلَهْ
وَغَلِّطَنْ مَنْ غَيْرَ هَذَا ذَكَرَا
مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَنَجْلٍ عُمَرَا
وَنَجْلَ مَسْعُودٍ فَرِيقٌ أَشْرَكَا
فَبَعْضُهُمْ نَجْلَ الزُّبَيْرِ تَرَكَا
سَبِيلَ مَنْ حَقَّقَ نَقْلاً تَنْتَفِعْ
وَكُلُّ ذَا غَيْرُ صَحِيحٍ فَاتَّبِعْ
وفيه عبيد الله بن عبد الله أحد الفقهاء السبعة المذكورين في قول الحافظ
العراقيّ تَخْذَثُ :
خَارِجَةُ الْقَاسِمُ ثُمَّ عُرْوَةٌ
وَفِي الْكِبَارِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ
سَعِيدُ وَالسَّابِعُ ذُو اشْتِبَاءِ
ثُمَّ سُلَيْمَانُ عُبَيْدُ اللهِ
أَوْ فَأَبُو بَكْرٍ خِلَافٌ قَائِمُ
إِمَّا أَبُو سَلَمَةٍ أَوْ سَالِمُ

٩
(٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَّبِّلَهَ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَام - حديث رقم (٤٥٩٨)
شرح الحديث:
(أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ) واسمه صخر - بالمهملة، ثم
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ)
بالمعجمة - ابن حرب - بالمهملة، والراء، وبالباء الموحدة - ابن أمية بن
عبد شمس بن عبد مناف بن قُصَيّ القرشيّ الأمويّ المكيّ، ويُكنى بأبي حنظلة
أيضاً، وُلِد قبل الفيل بعشر، وأسلم ليلة الفتح، وشَهِد الطائف، وحُنيناً،
وأعطاه النبيّ ◌َير من غنائم حنين مائة من الإبل، وأربعين أوقية، وفُقئت عينه
الواحدة يوم الطائف، والأخرى يوم اليرموك تحت راية ابنه يزيد، فنزل
بالمدينة، ومات بها سنة إحدى وثلاثين، وقيل: سنة أربع، وهو ابن ثمان
وثمانين سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان ته، وهو والد معاوية رضي(١).
(أَخْبَرَهُ)؛ أي: أخبر ابن عبّاس ﴿هَا، (مِنْ فِيهِ إِلَى فِيهِ)؛ أي: مشافهةً
بدون واسطة، ولفظ البخاريّ في ((التفسير)): ((حدّثني أبو سفيان، من فيه إلى
فيّ))، قال في ((الفتح)): إنما لم يقل: إلى أذني يشير إلى أنه كان متمكناً من
الإصغاء إليه، بحيث يجيبه إذا احتاج إلى الجواب، فلذلك جعل التحديث
متعلقاً بفمه، وهو في الحقيقة إنما يتعلق بإذنه.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): واتّفق أكثر الروايات على أن الحديث كلّه من
رواية ابن عباس، عن أبي سفيان، إلا ما وقع من رواية صالح بن كيسان، عن
الزهريّ في ((الجهاد))، فإنه ذكر أول الحديث عن ابن عباس إلى قوله: ((فلما
جاء قيصرَ كتابُ رسول اللهِ وَ ﴿ قال حين قرأه: التَمِسُوا لي ها هنا أحداً من
قومه؛ لأسألهم عنه. قال ابن عباس: فأخبرني أبو سفيان أنه كان بالشام ... ))
الحديث، كذا وقع عند أبي يعلى من رواية الوليد بن محمد، عن الزهري،
وهذه الرواية المفصّلة تُشعر بأن فاعل ((قال)) الذي وقع هنا من قوله: ((قال:
وكان دحية ... إلخ)) هو ابن عباس، لا أبو سفيان، وفاعل ((قال: وقال هرقل:
هل هنا أحد))، هو أبو سفيان. انتهى(٢).
(قَالَ: انْطَلَقْتُ)؛ أي: ذهبت إلى الشام (فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ
(١) ((عمدة القاري)) ٢١٠/١.
(٢) ((الفتح)) ٧٢٤/٩، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٥٥٣).

١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
رَسُولِ اللهِ وَّهِ)؛ أي: في مدّة الصلح التي عَقَدَتْها مع رسول اللهِ وَّهُ، وكانت
في سنة ست، وكانت مدتها عشر سنين، كما في السيرة، وأخرجه أبو داود من
حديث ابن عمر ◌ًا، ولأبي نعيم في مسند عبد الله بن دينار: كانت أربع
سنين، وكذا أخرجه الحاكم في ((البيوع)) من ((المستدرك))، والأول أشهر،
لكنهم نقضوا، فغزاهم سنة ثمان، وفَتَح مكة، قاله في ((الفتح)) (١).
(قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا بِالشَّأْم) مهموز، ويجوز تركه، وفيه لغة ثالثة: شَآَمٍ، بفتح
الشين، والمدّ، وهو مذكَرَ، ويؤنث أيضاً، حكاه الجوهريّ، والنسبة إليه:
شاميّ، وشآم، بالمدّ، على فَعَالٍ، وشآميّ بالمد، والتشديد، حكاها الجوهريّ
عن سيبويه، وأنكرها غيره؛ لأن الألف عوض من ياء النسب، فلا يُجمع
بينهما .
سُمِّي بشامات هناك حُمْر وسُود، وقال الرشاطيّ: الشام جمع شامة،
سُمِّيت بذلك؛ لكثرة قراها، وتداني بعضها ببعض، فشُبِّهت بالشامات، وقيل:
سُمّيت بسام بن نوح علّا، وذلك لأنه أول من نزلها، فجُعلت السين شيئاً،
وقال أبو عبيد: لم يدخلها سام قط، وقال أبو بكر ابن الأنباريّ: يجوز أن
يكون مأخوذاً من اليد الشُّؤْمَى، وهي اليسرى؛ لكونها من يسار الكعبة.
وحدّ الشام طولاً من العريش إلى الفرات، وقيل: إلى بالس، وقال أبو
حيان في ((صحيحه)): أول الشام بالس، وآخره العريش، وأما حدّه عرضاً: فمن
جبل طيّ من نحو القبلة إلى بحر الروم، وما يسامت ذلك من البلاد، وقال ابن
حوقل: أما طول الشام فخمس وعشرون مرحلة، من ملطية إلى رفح، وأما
عرضه فأعرض ما فيه طرفاه، فأحد طرفيه من الفرات من جسر منبح على
منبح، ثم على قورص، في حد قنسرين، ثم على العواصم في حد أنطاكية، ثم
مقطع جبل اللكام، ثم على المصيصة، ثم على أذنة، ثم على طرسوس، وذلك
نحو عشر مراحل، وهذا هو السمت المستقيم، وأما الطرف الآخر، فهو من
حدّ فلسطين، فيأخذ من البحر من حدّ يافا، حتى ينتهي إلى الرملة، ثم إلى
بيت المقدس، ثم إلى أريحا، ثم إلى زعز، ثم إلى جبل الشراء، إلى أن ينتهي
(١) ((الفتح)) ٧٢/١ - ٧٣، كتاب ((بدء الوحي)) رقم (٧).

١١
(٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَّبِّ لَهُ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَامِ - حديث رقم (٤٥٩٨)
إلى معان، ومقدار هذا ست مراحل، فأما ما بين هذين الطرفين من الشام، فلا
يكاد يزيد عرضه موضعاً من الأردنّ، ودمشق، وحمص، على أكثر من ثلاثة
أيام، وقال الملك المؤيد: وقد عَدّ ابن حوقل ملطية من جملة بلاد الشام،
وابن خرداذية جعلها من الثغور الجزيرية، والصحيح أنها من الروم.
ودخله النبيّ ◌َير قبل النبوة وبعدها، ودخله أيضاً عشرة آلاف صحابيّ،
قاله ابن عساكر في ((تاريخه))، وقال الكرمانيّ دخله نبيّنا مرتين قبل النبوة: مرة
مع عمه أبي طالب، وهو ابن ثنتي عشرة سنة، حتى بلغ بُصْرَى، وهو حين لقيه
الراهب، والتمس الردّ إلى مكة، ومرة في تجارة خديجة ﴿ُّ إلى سوق بُصْرَى،
وهو ابن خمس وعشرين سنة، ومرتين بعد النبوة: إحداهما ليلة الإسراء، وهو
من مكة، والثانية في غزوة تبوك، وهو من المدينة. انتهى(١).
(إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ إِلَى هِرَقْلَ) - بكسر الهاء، وفتح الراء
- على المشهور، وحَكَى جماعة إسكان الراء، وكسر القاف، كخِنْدِف، منهم
الجوهريّ، ولم يذكر القزاز غيره، وكذا صاحب ((المرغب))، ولمّا أنشد
صاحب ((المحكم)) بيت لبيد بن ربيعة [من الكامل]:
غَلَبَ اللَّيَالِي خَلْفَ آلٍ مُحَرِّقٍ وَكَمَا فَعَلْنَ بِتُبَّعِ وَبِهِرْقِلٍ
بكسر الهاء، وسكون الراء، قال: أراد هِرَقْلاً بفتح الراء، فَاضطرّ، فَغَيَّر،
والْهِرْقِل: الْمُنْخُلُ، ودلّ هذا أن تسكين الراء ضرورة، ليست بِلُغة.
وزعم الجواليقيّ أنه عجميّ تكلمت به العرب، وهو اسمٌّ عَلَمٌّ له، غير
منصرف للعلمية والعجمة، مُلِّك إحدى وثلاثين سنة، ففي مُلكه مات النبيّ ◌َّ،
ولَقَبُه: قيصر، كما أن كل من ملك الفُرْس يقال له: كسرى، والترك يقال له:
خاقان، والحبشة: النجاشيّ، والقبط: فرعون، ومصر: العزيز، وحمير: تُبَّع،
والهند: دُهمى، والصين: فَغْفور، والزنج: غانة، واليونان: بطلميوس، واليهود:
قِيطون، أو ماتح(٢)، والبربر: جالوت(٣)، والصابئة: نمرود، واليمن: تُبّعاً،
(١) ((التوضيح لشرح الجامع الصحيح)) ٣٨٢/٢ - ٣٨٣، و((عمدة القاري)) ١٤١/١ - ١٤٢.
(٢) كذا في ((العمدة))، وفي ((التوضيح)): مالخ بلام، فخاء معجمة، فليحرّر.
(٣) وفي ((التوضيح)): ورأس جالوت لمن كان مَلِكاً منهم من بني داود خاصّة. انتهى.

١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وفرغانة: إخشيد، والعرب من قبل العجم: النعمان، وإفريقية: جرجير، وخلاط:
شهرمان، والسِّنْد: فور، والحزر: رتبيل، والنوبة: كابل، والصقالبة: ماجد.
وهرقل أول من ضرب الدينار وأحدث البيعة.
[فإن قلت]: ما معنى الحديث الصحيح: ((إذا هلك قيصر، فلا قيصر
بعده، وإذا هلك كسرى، فلا كسرى بعده)»؟(١).
[أجيب]: بأن معناه لا قيصر بعده بالشام، ولا كسرى بعده بالعراق، قاله
الشافعيّ في ((المختصر))، وسبب الحديث أن قريشاً كانت تأتي الشام والعراق
كثيراً للتجارة في الجاهلية، فلما أسلموا خافوا انقطاع سفرهم إليهما؛
لمخالفتهم أهل الشام والعراق بالإسلام، فقال ◌َلافي: ((لا قيصر، ولا كسرى))؛
أي: بعدهما في هذين الإقليمين، ولا ضرر عليكم، فلم يكن قيصر بعده
بالشام، ولا كسرى بعده بالعراق، ولا يكون، وقال ◌َّهو: ((والذي نفسي بيده
لتنفقنّ كنوزهما في سبيل الله))، متّفق عليه، ففتحت الصحابة الإقليمين في زمن
عمر ۈچته .
[فائدة]: معنى قيصر: التبقير، والقاف على لغتهم غير صافية، وذلك أن
أمه لمّا أتاها الطَّلْق به ماتت، فيُقِر بطنها عنه، فخرج حيّاً، وكان يفخر بذلك؛
لأنه لم يخرج من فرج، واسم قيصر في لغتهم مشتقّ من القطع؛ لأن أحشاء
أمه قُطعت حتى أُخرج منها، وكان شجاعاً جبّاراً مِقداماً في الحروب، نبّه على
ذلك ابن دحية في ((مرج البحرين))(٢).
قال ابن عبّاس، أو من دونه: (يَعْنِي عَظِيمَ الرُّوم)؛ أي: يقصد أبو سفيان
بقوله: هرقل، ولم يصفه بالمَلِك؛ لكونه معزولاً بالإسلام.
(قَالَ (٣): وَكَانَ دِخْيَةُ الْكَلْبِيُّ) قال النوويّ تَُّ: هو بكسر الدال، وفتحها
لغتان مشهورتان، اختُلِف في الراجحة منهما، واذَّعَى ابن السِّكِّيت أنه بالكسر
(١) متّفقٌ عليه.
(٢) ((التوضيح)) ٣٧٤/٢ - ٣٧٧، و((عمدة القاري)) ١٣٧/١ - ١٣٨.
(٣) ظاهر هذا السياق أن فاعل ((قال)) هو أبو سفيان، لكن سيأتي عن ((الفتح)) ما يفيد
أن فاعله ابن عبّاس، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.

١٣
(٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَِّيِّ وَهَ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَامِ - حديث رقم (٤٥٩٨)
لا غير، وأبو حاتم السجستانيّ أنه بالفتح لا غير. انتهى(١).
وقال القرطبيّ نَّثُ بعد ذكر قول ابن السّكّيت، وأبي حاتم: وقال
المطرِّز: الدِّحى: الرؤساء، واحدهم: دِحية.
قلت: وعلى هذا فالكسر هو الصواب، كما قال ابن السِّكِّيت؛ لأن:
دِحْية، ودِحَّى، كلِحْيةٍ، ولِحَى، وفِدية، وفِدَى، وهو القياس؛ لأن نظيره من
الصحيح: قِرْبة وقِرب، لكن لا يبعد أن يقال: إنه لمّا نُقل إلى العَلَمية غُيِّر
بالفتح، كما قد فعلت العرب في كثير من الأعلام. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): ((دِحْيَةُ)) بكسر الدال، وحُكي فتحها، لغتان، ويقال:
إنه الرئيس بِلُغة أهل اليمن، وهو ابن خليفة الكلبيّ، صحابيّ جليلٌ، كان
أحسن الناس وجهاً، وأسلم قديماً، وبعثه النبيّ بَّ في آخر سنة ست، بعد أن
رجع من الحديبية بكتابه إلى هرقل، وكان وصوله إلى هرقل في المحرَّم سنة
سبع، قاله الواقديّ، ووقع في ((تاريخ خليفة)) أن إرسال الكتاب إلى هرقل كان
سنة خمس، والأول أثبت، بل هذا غلطً؛ لتصريح أبي سفيان بأن ذلك كان في
مدة الْهُدْنة، والْهُدْنة كانت في آخر سنة ستّ اتفاقاً، ومات دحية في خلافة
معاوية ◌ًا. قاله في ((الفتح))(٣).
وقال في ((العمدة)): ((دحية)) - بفتح الدال، وكسرها - ابن خليفة بن
فَرْوة بن فَضَالة بن زيد بن امرىء القيس بن الخزرج - بخاء مفتوحة معجمة، ثم
زاي ساكنة، ثم جيم - وهو العظيم، واسمه زيد مناة، سُمّي بذلك؛ لِعِظَم
بطنه، ابن عامر بن بكر بن عامر الأكبر بن عوف وهو زيد اللات، وهو ما
ساقه الْمِزّيّ أوّلاً، قال: وقيل: عامر الأكبر بن عوف بن بكر بن عوف بن
عبد بن زيد اللات بن رُفيدة - بضم الراء، وفتح الفاء - ابن ثور بن كلب بن
وَبَرَة - بفتح الباء - ابن تغلب - بالغين المعجمة - ابن حلوان بن عمران بن
إلحاف - بالحاء المهملة، والفاء - ابن قُضاعة بن معدّ بن عدنان، وقيل:
قضاعة إنما هو ابن مالك بن حمير بن سبا .
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٣/١٢.
(٢) ((المفهم)) ٦٠١/٣.
(٣) ((الفتح)) ٨٠/١، كتاب ((الإيمان)) رقم (٧).
i
... ....- .

١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
كان من أجمل الصحابة وجهاً، ومن كبارهم، وكان جبريل ظلّ يأتي
النبيّ ◌َّ في صورته، وذكر السهيليّ عن ابن سلام في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَوَا
أَنفَضُواْ إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]، قال: كان اللهو نظرهم إلى وجه دحية لجماله،
ورُوي أنه كان إذا قَدِم الشام لم تبق مُعْصِر(١) إلا خرجت للنظر إليه.
قال ابن سعد: أسلم قديماً، ولم يشهد بدراً، وشَهِد المشاهد بعدها،
وبقي إلى خلافة معاوية، وقال غيره: شَهِد اليرموك، وسكن الْمِزّة، وهي بكسر
الميم، وتشديد الزاي المعجمة: قرية بقرب دمشق(٢).
وليس في الصحابة من اسمه دحية سواه، ولم يخرّج من أصحاب الكتب
الستة حديثه إلا أبو داود في ((سننه))(٣)، وهو من أصحاب المحدّثين، وقال
البزار(٤) لمّا ساق الحديث من طريق عبد الله بن شداد بن الهاد عنه: لم يحدّث
عن النبيّ وَطّ إلا هذا الحديث(٥).
(جَاءَ) دحية (بِهِ)؛ أي: بذلك الكتاب (فَدَفَعَهُ)؛ أي: الكتاب (إِلَى عَظِيمِ
بُصْرَى) قال النوويّ نَظّثُ: هي بضم الباء، وهي مدينة حُوران، ذات قلعة،
وأعمال، قريبة من طرف البريّة التي بين الشام والحجاز، والمراد بعظيم
بصرى: أميرُها. انتهى (٦).
وقال في ((الفتح)): ((بُصْرَى)) - بضم أوله، والقصر - مدينة بين المدينة
ودمشق، وقيل: هي حوران، وعظيمها: هو الحارث بن أبي شَمِر الغسانيّ،
وفي ((الصحابة)) لابن السكن: أنه أرسل بكتاب النبيّ وَّ إلى هرقل مع عديّ بن
حاتم، وكان عديّ إذ ذاك نصرانيّاً، فوصل به هو ودحية معاً، وكانت وفاة
(١) ((المعصِر)) اسم فاعل من أعصرت المرأة: إذا بلغت شبابها، أو دخلت في
الحيض، أو راهقت العشرين، أو وَلَدت، أو حُبست في البيت ساعةَ طمئت. اهـ
((ق)).
(٢) ((التوضيح)) ٣٧٧/٢ - ٣٧٨.
(٣) راجع: ((سنن أبي داود)) رقم (٢٤١٣ و٤١١٦).
(٤) تعقّب الحافظ الهيثميّ كلام البزّار هذا، فقال: له حديثان آخران. راجع: ((كشف
الأستار)» ١١٩/٣.
(٥) ((عمدة القاري)) ١٣٨/١ - ١٣٩.
(٦) ((شرح النوويّ)) ١٠٤/١٢.

١٥
(٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَّبِيِّ وَهُ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَامِ - حديث رقم (٤٥٩٨)
الحارث المذكور عام الفتح(١).
(فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ، فَقَالَ مِرَقْلُ) لمّا وصل إليه الكتاب
لجلسائه: (هَلْ هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٍّ؟)؛ أي: هل
يوجد في ناحيتنا أحد من قومه، نسأله عن حاله، ويخبرنا عن حقيقته؛ لأن قوم
الرجل أعرف به من غيرهم، (قَالُوا: نَعَمْ)؛ أي: يوجد ههنا من قومه جماعة.
(قَالَ) أبو سفيان (فَدُعِيتُ) بالبناء للمفعول؛ أي: طُلبت إلى مجلسه.
قال في ((الفتح)): قوله: ((فدُعيت في نفر من قريش، فدخلنا على هرقل))
فيه حذفٌ، تقديره: فجاءنا رسوله، فتوجهنا معه، فاستأذن لنا، فأُذن، فدخلنا،
وهذه الفاء تُسَمَّى الفصيحة، وهي الدالة على محذوف قبلها، هو سبب لِمَا
بعدها، سمِّيت فصيحةً؛ لإفصاحها عما قبلها، وقيل: لأنها تدل على فصاحة
المتكلم بها، فوُصفت بالفصاحة على الإسناد المجازيّ، ولهذا لا تقع إلا في
كلام بليغ.
ثم إن ظاهر السياق أن هرقل أرسل إليه بِعَيْنه، وليس كذلك، وإنما كان
المطلوب مَن يوجد من قريش، ووقع عند البخاريّ في ((الجهاد)): ((قال أبو
سفيان: فَوَجَدَنا رسول قيصر ببعض الشام، فانطَلَق بي، وبأصحابي، حتى قَدِمنا
إلى إيلياء))، والمراد ببعض الشام: غَزّة. انتهى(٢).
(فِي نَفَرٍ)؛ أي: مع جماعة، وفي رواية البخاريّ: ((في رَكْب من قريش)»،
والركب: جمع راكب، كصحب وصاحب، وهم أولو الإبل العشرة فما فوقها،
والمعنى أن أبا سفيان دُعي حال كونه في جملة نفر، وذاك لأنه كان كبيرهم،
فلهذا خصه، وكان عدد الركب ثلاثين رجلاً. رواه الحاكم في ((الإكليل))،
ولابن السكن: نحو من عشرين، وسَمَّى منهم المغيرة بن شعبة في ((مصنف ابن
أبي شيبة)) بسند مرسل، قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه كان إذ ذاك مسلماً،
ويَحْتَمِل أن يكون رجع حينئذ إلى قيصر، ثم قَدِمَ المدينة مسلماً، وقد وقع ذِكره
أيضاً في أثر آخر في كتاب السِّيَرِ لأبي إسحاق الفزاريّ، وكتاب الأموال لأبي
(١) ((الفتح)) ١/ ٨٠.
(٢) ((الفتح)) ٧٢٤/٩، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٥٥٣).

١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
عبيد، من طريق سعيد بن المسيِّب، قال: ((كتب رسول الله وَله إلى كسرى
وقيصر ... )) الحديث، وفيه: ((فلما قرأ قيصر الكتاب، قال: هذا كتاب لم
أسمع بمثله، ودعا أبا سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة، وكانا تاجرين
هناك، فسأل عن أمر رسول الله وَ لي)). انتهى(١).
(مِنْ قُرَيْشٍ) هم ولد النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة، واسمه عامر،
دون سائر ولد كنانة، وهم مالك، وملكان، ومويلك، وغزوان، وعَمْرو،
وعامر، إخوة النضر لأبيه وأمه، وأمهم مُرّة بنت مُرّ، أخت تميم بن مُرّ.
وهذا قول الشعبيّ، وابن هشام، وأبي عبيدة، ومعمر بن المثنى، وهو
الذي ذكره الجوهريّ، ورجحه السمعانيّ، وغيره، قال النوويّ: وهو قول
الجمهور، وقال الرافعيّ: قال الأستاذ أبو منصور: هو قول أكثر النسابين، وبه
قال الشافعيّ، وأصحابه، وهو أصح ما قيل.
وقيل: إن قريشاً بنو فهر بن مالك، وفهر جِمَاع قريش، ولا يقال لمن
فوقه: قرشيّ، وإنما يقال له: كنانيّ، ورجحه الزبير بن بكار، وحكاه عن عمه
مصعب بن عبد الله، قال: وهو قول من أدركت من نسّاب قريش، ونحن أعلم
بأمورنا، وأنسابنا، وذكر الرافعيّ وجهين غريبين، قال: ومنهم من قال: هم
ولد إلياس بن مضر، ومنهم من قال: هم ولد مضر بن نزار.
وفي ((العباب)): قريش قبيلة، وأبوهم النضر بن كنانة بن خزيمة بن
مدركة بن إلياس بن مضر، وكل من كان من ولد النضر، فهو قرشيّ، دون ولد
كنانة، ومن فوقه.
وقال قوم: سُمِّيت قريش بقريش بن يخلد بن غالب بن فهر، وكان
صاحب عِيرهم، فكانوا يقولون: قَدِمت عِيْر قريش، وخرجت عير قريش، قال
الصغانيّ: ذكر إبراهيم الحربيّ في ((غريب الحديث)) من تأليفه في تسمية قريش
قريشاً سبعة أقوال، وبَسَط الكلام، وأنا أجمع ذلك مختصراً.
فقال: سأل عبد الملك أباه عن ذلك، فقال: لِتَجمّعهم إلى الحَرَم.
والثاني: أنهم كانوا يتقرّشون البياعات، فيشترونها .
(١) ((الفتح)) ١/ ٧٢.

١٧
(٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَِّيِّ وَّهِ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَامِ - حديث رقم (٤٥٩٨)
والثالث: أنه جاء النضر بن كنانة في ثوب له؛ يعني: اجتمع في ثوبه،
فقالوا : قد تقرّش في ثوبه.
والرابع: قالوا: جاء إلى قومه، فقالوا: كأنه جملٌ قريشٌ؛ أي: شديد.
والخامس: أن ابن عباس سأله عمرو بن العاص ﴿ه: لِمَ سُمّيت قريشاً؟
قال: بدابة في البحر تُسَمَّى قريشاً.
والسادس: قال عبد الملك بن مروان: سمعت أن قُصَيّاً كان يقال له:
القرشيّ، لم ◌ُسَمَّ قرشيّ قبله.
والسابع: قال معروف بن خَرَّبُوذ: سميت قريشاً لأنهم كانوا يُفَتِّشون
الحاجَ فيسدّون خَلّتها. انتهى.
وقال الزهريّ: إنما نبذت فهراً أمه بقريش، كما يسمى الصبيّ غرارة،
وشملة، وأشباه ذلك، وقيل: من القَرْش وهو الكسب.
وقال الزبير بن بكّار: قال عمّي: سمّيت قريش برجل يقال له: قريش بن
بدر بن مخلد بن النضر، كان دليل بني كنانة في تجاراتهم، فكان يقال: قَدِمت
عير قريش، وأبوه بدر صاحب بدر الموضع، وقال غير عمّي: سميت بقريش بن
الحارث بن یخلد، اسمه بدر التي سُمّیت به بدر، وهو احتفرها .
وقال الكرمانيّ: وسأل معاوية ابن عباس ظه: بم سميت قريش؟ قال:
بدابة في البحر تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تُعْلَى، والتصغير للتعظيم.
وقال الليث: القَرْش الجمع من ههنا وههنا، وضَمَّ بعض إلى بعض،
يقال: قَرَش يقرْش قرشاً(١)، وقال ابن عباد: قَرْشُ الشيء خفيقه وصوته،
يقال: سمعت قَرْشه؛ أي: وقع حوافر الخيل، وقَرَش الشيءَ: إذا قطعه،
وقَرَضه، وقال غيره: قَرِش بكسر الراء لغة في فتحها، والقرش: دابة من دواب
البحر، وأقرشت الشجة: إذا صَدَعت العظم، ولم تَهْشِمه، والتقريش:
التحريش، والإغراء، والتقريش: الاكتساب، وتقرّشوا: تجمعوا، وتقرّش فلان
الشيء: إذا أخذه أوّلاً فأوّلاً، فإن أردت بقريش الحي صَرَفْته، وإن أردت به
القبيلة لم تَصْرِفه، والأوْجَه صَرْفه، قال تعالى: ﴿لِإِيَفِ قُرَيْشٍ ﴾﴾، والنسبة
(١) من بابي نصر، وضرب، كما في ((القاموس)).

١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
إليه: قرشيّ، وقريشيّ، بالياء، وحذفها(١).
(فَدَخَلْنَا عَلَى مِرَقْلَ) وللبخاريّ في ((الجهاد)): ((فأدخلنا عليه، فإذا هو
جالس في مجلس مُلكه، وعليه التاج))، وفي رواية له في ((الإيمان)): ((فدعاهم
في مجلسه، وحوله عظماء الروم))، ولابن السكن: ((فأدخلنا عليه، وعنده
بطارقته، والقِسِّيسون، والرهبان)).
والروم: من ولد عيص بن إسحاق بن إبراهيم بَّ على الصحيح،
ودخل فيهم طوائف من العرب، من تنوخ، وبهراء، وسليح، وغيرهم، من
غسان، كانوا سكاناً بالشام، فلمّا أجلاهم المسلمون عنها دخلوا بلاد الروم،
فاستوطنوها، فاختلطت أنسابهم(٢).
(فَأَجْلَسَنَا) بالبناء للفاعل؛ أي: أمر بإجلاسنا، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء
للمفعول، (بَيْنَ يَدَيْهِ)؛ أي: قُدّامه، (فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَباً) قال العلماء: إنما
سأل قريب النسب؛ لأنه أعلم بحاله، وأبعد من أن يكذب في نسبه وغيره، ثم
أَكَّد ذلك، فقال لأصحابه: إن كَذَبني فكَذُّبوه؛ أي: لا تستحيوا منه، فتسكتوا
عن تكذيبه إن كَذَبَ، ذكره النوويّ(٣).
وقال في ((الفتح)): ظاهر هذا يقتضي أن هرقل خاطبهم أوّلاً بغير
ترجمان، ثم دعا بالترجمان، لكن وقع عند البخاريّ في ((الجهاد)) بلفظ: ((فقال
لترجمانه: سلهم أيهم أقرب نسباً ... إلخ))، فيُجْمَع بين هذا الاختلاف بأن
قوله: ((ثم دعا بترجمانه))؛ أي: فأجلسه إلى جنب أبي سفيان، لا أن المراد أنه
كان غائباً، فأرسل في طلبه، فحضر، وكأن الترجمان كان واقفاً في المجلس،
كما جرت به عادة ملوك الأعاجم، فخاطبهم هرقل بالسؤال الأول، فلما تحرّر
له حال الذي أراد أن يخاطبه من بين الجماعة، أمر الترجمان بالجلوس إليه؛
ليعبِّر عنه بما أراد. انتهى (٤).
(مِنْ هَذَا الرَّجُلِ) ((من)) هنا كأنها ابتدائية، والتقدير: أيكم أقرب نسباً
(١) ((عمدة القاري)) ٢١٧/١، و((التوضيح)) ٣٨٦/٢ - ٣٨٧.
(٢) ((الفتح)) ٧٤/١.
(٤) ((الفتح)) ٧٢٤/٩ - ٧٢٥ رقم (٤٥٥٣).
(٣) (شرح النوويّ)) ١٠٤/١٢.

١٩
(٢٦) - بَابُ كِتَابِ النَّبِيِّ ◌َّهِ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلامِ - حديث رقم (٤٥٩٨)
مبدؤه من هذا الرجل؟ أو هي بمعنى الباء، ويؤيده أن في بعض الرواية بلفظ:
((بهذا الرجل))، وفي بعضها: ((إلى هذا الرجل))، ولا إشكال فيه، فإن أقرب
يتعدى بـ((إلى))، قال الله تعالى: ﴿وَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ اَلْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]،
والمفضَّل عليه محذوف تقديره: من غيره، ويَحْتَمِل أن تكون ((من)) في رواية
الباب بمعنى الغاية، فقد ثبت ورودها للغاية مع قلة(١)، قاله في ((الفتح))(٢).
(الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٍّ؟) ولابن السكن: ((الذي خرج بأرض العرب، يزعم
أنه نبيّ))، (فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا) وللبخاريّ: ((قلت: أنا أقربهم نسباً))،
وفي رواية ابن السكن: ((فقالوا: هذا أقربنا به نسباً، هو ابن عمه، أخي أبيه))،
وإنما كان أبو سفيان أقرب؛ لأنه من بني عبد مناف، وقد أوضح ذلك البخاريّ
في ((الجهاد)) بقوله: ((قال: ما قرابتك منه؟ قلت: هو ابن عمي، قال أبو
سفيان: ولم يكن في الركب من بني عبد مناف غيري)). انتهى.
وعبد مناف الأب الرابع للنبيّ وَّ، وكذا لأبي سفيان، وأطلق عليه ابن
عمّ؛ لأنه نَزّل كلّاً منهما منزلة جدّه، فعبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن
عم أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وعلى هذا ففيما أطلق في رواية ابن
السكن تَجَوُّز، وإنما خَصّ هرقل الأقرب؛ لأنه أحرى بالاطلاع على أموره
ظاهراً وباطناً أكثر من غيره، ولأن الأبعد لا يُؤْمَن أن يقدَح في نسبه، بخلاف
الأقرب، وظهر ذلك في سؤاله بعد ذلك: ((كيف نسبه فيكم؟))(٣).
(فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي) قال بعض العلماء: إنما
فعل ذلك؛ ليكون عليهم أهون في تكذيبه إن كذب؛ لأن مقابلته بالكذب في
وجهه صعبة، بخلاف ما إذا لم يستقبله، ذكره النوويّ(٤).
وفي رواية البخاريّ في ((الجهاد)): ((عند كتفي))، وهي أخصّ، وعند
الواقديّ: ((فقال لترجمانه: قل لأصحابه: إنما جعلتكم عند كتفيه؛ لتردّوا عليه
كذباً إن قاله)).
(١) راجع: ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ٦١٤/١.
(٢) ((الفتح)) ٧٢٥/٩ رقم (٤٥٥٣).
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٠٤/١٢.
(٣) ((الفتح)) ٧٤/١.

٢٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
والحاصل أنه إنما أجلسهم خلفه، لئلا يستحيوا أن يواجهوه بالتكذيب إن
كَذَبَ، كما صَرّحت بذلك رواية الواقديّ المذكورة، أفاده في ((الفتح)) (١).
(ثُمَّ دَعَا بِتَرْجُمَانِهِ) قال النوويّ كَُّ: هو بضم التاء، وفتحها، والفتح
أفصح، وهو المعبِّر عن لغة بلغة أخرى، والتاء فيه أصلية، وأنكروا على
الجوهريّ كونه جَعَلها زائدة. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): ((الترجمان)): بفتح التاء المثناة، وضم الجيم،
ورجّحه النوويّ، ويجوز ضم التاء إتباعاً، ويجوز فتح الجيم، مع فتح أوله،
حكاه الجوهريّ، ولم يصرحوا بالرابعة، وهي ضم أوله، وفتح الجيم،
والترجمان: المعبِّر عن لغة بلغة، وهو معرَّب، وقيل: عربيّ، قاله في
((الفتح)(٣).
وقال في موضع آخر: والترجمان من يفسر لغة بلغة، فعلى هذا لا يقال
ذلك لمن فَسَّر كلمة غريبة بكلمة واضحة، فإن اقتضى معنى الترجمان ذلك
فليُعْرَف أنه الذي يفسِّر لفظاً بلفظ، وقد اختُلِف هل هو عربيّ، أو معرَّب؟
والثاني أشهر، وعلى الأول فنونه زائدة اتفاقاً، ثم قيل: هو من ترجيم الظنّ،
وقيل: من الرجم، فعلى الثاني تكون التاء أيضاً زائدة، ويوجب كونه من
الرجم: أن الذي يُلقِي الكلامَ كأنه يَرْجُم الذي يُلقيه إليه. انتهى (٤).
(فَقَالَ لَهُ)؛ أي: لترجمانه، (قُلْ لَهُمْ: إِنِّ سَائِلٌ هَذَا)؛ أي: أبا سفيان
(عَنِ الرَّجُلِ) أشار إليه إشارةَ القرب؛ لِقُرب العهد بِذِكْره، أو لأنه معهود في
أذهانهم؛ لاشتراك الجميع في معاداته، ووقع عند ابن إسحاق من الزيادة في
هذه القصة: ((قال أبو سفيان: فجعلت أُزَهِّده في شأنه، وأُصَغِّر أمره، وأقول:
إن شأنه دون ما بلغك، فجعل لا يلتفت إلى ذلك))، (الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٍّ) وفي
رواية ابن إسحاق، عن الزهريّ: ((يَدَّعِي))، و((زعم)) قال الجوهريّ: بمعنى قال،
وحكاه أيضاً ثعلب، وجماعة، كما سبق في قصة ضمام في ((كتاب الإيمان))،
(١) ((الفتح)) ٩/ ٧٢٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٠٤/١٢.
(٣) ((الفتح)) ٧٤/١.
(٤) ((الفتح)) ٧٢٤/٩ - ٧٢٥، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٥٥٣).