النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ (١٠) - بَابُ جَوَازِ قَطْعِ أَشْجَارِ الْكُفَّارِ، وَتَحْرِيقِهَا - حديث رقم (٤٥٤٢) (فَأَنْزَلَ اللهُ رَّت) مفعول ((زاد)) محكيّ لِقَصْد لفظه، وقوله: (﴿مَا قَطَعْتُم﴾) الآية مفعول ((أَنْزَلَ)) محكيّ أيضاً؛ لقصد لفظه. وقال أبو عبد الله القرطبيّ كَُّ في ((تفسيره)): قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِيْنَةٍ﴾ ((ما)) في محل نصب بـ((قطعتم))، كأنه قال: أي شيء قطعتم، وذلك أن النبيّ ◌َ﴿ لمّا نزل على حصون بني النضير - وهي البويرة - حين نقضوا العهد بمعونة قريش عليه يوم أحد، أمر بقطع نخيلهم، وإحراقها، واختلفوا في عدد ذلك، فقال قتادة والضحاك: إنهم قطعوا من نخيلهم، وأحرقوا ست نخلات، وقال محمد بن إسحاق: إنهم قطعوا نخلة، وأحرقوا نخلة، وكان ذلك عن إقرار رسول الله ولم أو بأمره، إما لإضعافهم بها، وإما لسعة المكان بقطعها، فشقّ ذلك عليهم، فقالوا - وهم يهود أهل الكتاب -: يا محمد، ألست تزعم أنك نبي تريد الصلاح، أفمن الصلاح قطع النخل وحرق الشجر؟ وهل وجدت فيما أنزل الله عليك إباحة الفساد في الأرض؟ فشق ذلك على النبيّ وَلخير، ووجد المؤمنون في أنفسهم حتى اختلفوا، فقال بعضهم: لا تقطعوا مما أفاء الله علينا، وقال بعضهم: اقطعوا لنُغيظهم بذلك، فنزلت الآية بتصديق مَن نَهَى عن القطع، وتحليل من قطع من الإثم، وأخبر أن قَطْعه وتَرْكه بإذن الله، وقال شاعرهم سماك اليهوديّ في ذلك: عَلَى عَهْدٍ مُوسَى وَلَمْ نُصْدِفٍ أَلَسْنَا وَرِثْنَا الْكِتَابَ الْحَكِيمْ بِسَهْلٍ تِهَامَةَ وَالأَخْيَفِ لَّدَى كُلَّ دَهْرٍ لَكُمْ مُجْحِفٍ عَنِ الظُّلْمِ وَالْمَنْطِقِ الْمُؤْنِفِ يُدِلْنَ مِنَ الْعَادِلِ الْمُنْصِفِ وَعَقْرِ النَّخِيلِ وَلَمْ تُقْطَفٍ وَأَنْتُمْ رِعَاءُ لِشَاءٍ عِجَافْ تَرَوْنَ الرِّعَايَةَ مَجْدَاً لَكُمْ فَيَاأَيُّهَا الشَّاهِدُونَ أنَتُهوا لَعَلَّ اللَّيَالِي وَصَرْفَ الدُّهُورْ بِقَتْلِ النَّضِيرِ وَإِجْلَائِهَا(١) فأجابه حسان بن ثابت تَفَاقَدَ مَعْشَرٌ نَصَرُوا قُرَيْشاً هُمُو أُوتُوا الْكِتَابَ فَضَيَّعُوهُ وَلَيْسَ لَهُمْ بِبَلْدَتِهِمْ نَصِيرُ وَهُمْ عُمْيٌّ عَنِ التَّوْرَاةِ بُورُ (١) وفي ((سيرة ابن هشام)): ((وَأَحْلَافِهَا)). ٤٠٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير بِتَصْدِيقِ الَّذِي قَالَ النَّذِيرُ كَفَرْتُمْ بِالْقُرَانِ وَقَدْ أَبَيْتُمْ حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ وَهَانَ عَلَى سَرَاةٍ بَنِي لُؤَيِّ فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب: وَحَرَّقَ فِي نَوَاحِيهَا السَّعِيرُ أَدَامَ اللهُ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِ وَتَعْلَمُ أَيُّ أَرْضَيْنَا تَضِيرُ سَتَعْلَمُ أَيُّنَا مِنْهَا بِنُزْهِ لَقَالُوا لَا مُقَامَ لَكُمْ فَسِيرُوا فَلَوْ كَانَ النَّخِيلُ بِهَا رِكَاباً انتھی(١). (﴿مِّن لِِّنَةٍ﴾) بكسر اللام: هي صنف من النخل، قال السهيليّ: في تخصيصها بالذكر إيماءٌ إلى أن الذي يجوز قطعه من شجر العدوّ ما لا يكون مُعَدّاً للاقتيات؛ لأنهم كانوا يقتاتون العجوة، والْبَرْنيّ دون اللينة، وفي ((الجامع)): اللينة: النخلة، وقيل: الدقل، وعن الفرّاء: كل شيء من النخل سوى العجوة فهو من اللين. انتهى(٢). وقال النوويّ كَّلُهُ: اللينة المذكورة في القرآن هي أنواع الثمر كلّها، إلا العجوة، وقيل: كرام النخل، وقيل: كلُّ النخل، وقيل: كلّ الأشجار؛ للينها، وقد ذكرنا قبل هذا أن أنواع نخل المدينة مائة وعشرون نوعاً. انتهى(٣). وقال أبو عبد الله القرطبيّ ◌َُّهُ في ((تفسيره)): اختُلِف في ((اللينة)) ما هي؟، على أقوال عشرة: الأول : - النخل كله إلا العجوة، قاله الزهري، ومالك، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والخليل، وعن ابن عباس، ومجاهد، والحسن: أنها النخل كله، ولم يستثنوا عجوة ولا غيرها، وعن ابن عباس أيضاً: أنها لون من النخل، وعن الثوري: أنها كرام النخل. وعن أبي عبيدة: أنها جميع ألوان التمر سوى العجوة والبرنيّ(٤). (١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٦/١٨. (٢) ((الفتح)) ٩٠/٩ - ٩١، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٣١). (٣) ((شرح النوويّ)) ٥٠/١٢. (٤) (تفسير القرطبي)) ٩/١٨. = ٤٠٣ (١٠) - بَابُ جَوَازٍ قَطْعِ أَشْجَارِ الْكُفَّارِ، وَتَحْرِيقِهَا - حديث رقم (٤٥٤٢) وقال جعفر بن محمد: إنها العجوة خاصة. وذكر أن العتيق والعجوة كانتا مع نوح ظلّ في السفينة، والعتيق: الفحل. وكانت العجوة أصل الإناث كلها فلذلك شَقّ على اليهود قطعها، حكاه الماوردي. وقيل: هي ضرب من النخل يقال لتمره: اللون، تمره أجود التمر، وهو شديد الصفرة، يُرى نواه من خارجه ويغيب فيه الضرس، النخلة منها أحب إليهم من وصيف(١). وقيل: هي النخلة القريبة من الأرض. وأنشد الأخفش [من الخفيف]: بِفِرَاقِ الأَحْبَابِ مِنْ فَوْقِ لِينِهْ قَدْ شَجَانِي الْحَمَامُ حِينَ تَغَنَّی وقيل: إن اللينة: الْفَسِيلة؛ لأنها ألين من النخلة. ومنه قول الشاعر [من الخفيف]: ثُمَّ حَفَّوا النَّخِيلَ بِالْآجَامِ(٢) غَرَسُوا لِينَهَا بِمَجْرَى مَعِينٍ وقيل: إن اللينة الأشجار كلها للينها بالحياة، قال ذو الرمة [من الطويل]: طِرَاقُ الْخَوَافِي وَاقِعٌ فَوْقَ لِينَةٍ نَدَى لَيْلَهُ فِي رِيشِهَ يَتَرَقْرَقُ والقول العاشر: أنها الدَّقَلُ، قاله الاصمعيّ، قال: وأهل المدينة يقولون: لا تنتفخ الموائد حتى توجد الألوان، يعنون الدَّقَلَ. قال ابن العربيّ: والصحيح ما قاله الزهريّ، ومالك(٣)؛ لوجهين: أحدهما: أنهما أعرف بيلدهما، وأشجارهما . الثاني: أن الاشتقاق يَعْضِده، وأهل اللغة يصححونه، فإن اللينة وزنها = البرنيّ بفتح فسكون: ضرب من التمر أحمر مشرب بصفرة كثير اللحاء، عذب الحلاوة . (١) الوصيف: الخادم غلاماً كان أو جاريةً. (٢) وفي بعض النسخ: ((بالآكام)). (٣) أي: أن اللينة: هي النخل كلّه إلا العجوة. ٤٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير لُونة، واعتَلَّت على أصولهم فآلت إلى لِينة، فهي لَوْن، فإذا دخلت الهاء كسر أولها، كَبَرْك الصدر (بفتح الباء) وبِرْکه (بكسرها)؛ لأجل الهاء. وقيل: لينة أصلها لِوْنة، فقلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها، وجمع اللينة لِينٌ، وقيل: ليان، قال امرؤ القيس يصف عُنُق فرسه [من المتقارب]: وَسَالِفَةٍ كَسَحُوقِ اللَّيَا نِ أَضْرَمَ فِيهَا الْغَوِيُّ السُّعُرْ وقال الأخفش: إنما سمِّيت لِينة اشتقاقاً من اللون، لا من اللين. وقال المهدويّ: واختلف في اشتقاقها، فقيل: هي من اللون، وأصلها لونة. وقيل: أصلها لينة، من لان يلين. انتهى كلام القرطبيّ كَذّهُ(١). (﴿أَوْ تَرَكْتُهَا﴾)؛ أي: لم تقطعوها (﴿قَيْمَةٌ﴾) منصوب على الحال (﴿عَّ أُصُولِهَا﴾)؛ أي: على سُوقها (﴿فَإِذْنِ اللَِّ﴾)؛ أي: فبأمره تعالى [الحشر: ٥])؛ أي: ليُذلّ اليهود الكفّار به تعالى، (﴿وَلِيُخْزِىَ الْفَسِقِينَ وبنبيّه ◌َۇ، وبكتابه. وقال الحافظ ابن كثير تَّثُ: في ((تفسيره)): قوله تعالى: ﴿مَا قَطَّعْتُم مِّن ◌ِِّنَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَبِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبَإِذْنِ اَللَّهِ وَلِيُخْزِىَ الْفَسِقِينَ اللين: نوع من التمر، وهو جيّد، قال أبو عبيدة: وهو ما خالف العجوة، والبرنيّ من التمر، وقال كثيرون من المفسرين: اللينة ألوان التمر، سوى العجوة، قال ابن جرير: هو جميع النخل، ونقله عن مجاهد، وهو البويرة أيضاً، وذلك أن رسول الله لو لمّا حاصرهم أمر بقطع نخيلهم؛ إهانةً لهم، وإرهاباً، وإرعاباً لقلوبهم. فروى محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، وقتادة، ومقاتل بن حيان: أنهم قالوا: فبعث بنو النضير يقولون لرسول الله وَله: إنك تنهى عن الفساد، فما بالك تأمر بقطع الأشجار؟ فأنزل الله هذه الآية الكريمة؛ أي: ﴿مَا قَطَعْتُم مِن لِّينَةٍ﴾، وما تركتم من الأشجار، فالجميع بإذنه، ومشيئته، وقدره، ورضاه، وفيه نكاية بالعدوّ، وخزي لهم، وإرغام لأنوفهم. وقال مجاهد: نَهَى بعض المهاجرين بعضاً عن قطع النخل، وقالوا: إنما (١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٨/١٨ - ١٠. (١٠) - بَابُ جَوَازِ قَطْعِ أَشْجَارِ الْكُفَّارِ، وَتَحْرِيقِهَا - حديث رقم (٤٥٤٢) ٤٠٥ هي مغانم المسلمين، فنزل القرآن بتصديق مَن نَهَى عن قَطْعه، وتحليل من قَطَعه من الإثم، وإنما قَطْعه وتَرْكه بإذنه، وقد رُوي نحو هذا مرفوعاً، فقد أخرج النسائي بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿مَا قَطَّعْتُم مِّن ◌ِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبَإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِىَ الْفَسِفِينَ ﴾﴾، قال: يستنزلونهم من حصونهم، وأمروا بقطع النخل، فحاك في صدورهم، فقال المسلمون: قطعنا بعضاً، وتركنا بعضاً، فلنسألن رسول الله صلاته: هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّنَةِ﴾. وأخرج أبو يعلى في ((مسنده)) عن جابر رظاه قال: رُخِّص لهم في قطع النخل، ثم شُدِّد عليهم، فأتوا النبيّ وَّر، فقالوا: يا رسول الله علينا إثم فيما قطعنا، أو علينا وزر فيما تركنا؟ فأنزل الله: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآَيِمَةٌ عَلَى أُصُولِهَا فَبَإِذْنِ اَللَّهِ﴾. وأخرج البخاريّ من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر قال: حاربت النضير، وقريظة، فأجلى بني النضير، وأقر قريظة، ومَنّ عليهم، حتى حارب قريظة، فقَتَل رجالهم، وقسم نساءهم، وأولادهم، وأموالهم بين المسلمين، إلا بعضهم لحقوا بالنبيّ وَّ، فآمنهم، وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم: بني قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلام، ويهود بني حارثة، وكل يهود بالمدينة (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ﴿ها هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥٤٢/١٠ و٤٥٤٣ و٤٥٤٤] (١٧٤٦)، و(البخاريّ) في ((الحرث والمزارعة)) (٢٣٢٦) و((الجهاد)) (٣٠٢١) و((المغازي)) (١) راجع: ((تفسير ابن كثير)) ٣٣٤/٤. ٤٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير (٤٠٣١ و٤٠٣٢) و((التفسير)) (٤٨٨٤)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٦١٥)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٢٩٨)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٨٦٠٨ و٨٦٠٩)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد)) (٢٨٤٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٧/٢ و٥٢ و٨٠ و٨٦ و١٢٣ و١٤٠)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (٢٨٥/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٢٤/٤ و٢٢٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨٣/٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أنه يدلّ على جواز قطع شجر الكفّار، وإحراقه، وبه قال عبد الرحمن بن القاسم، ونافع، مولى ابن عمر، ومالك، والثوريّ، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، والجمهور، وقال أبو بكر الصدّيق والليث بن سعد، وأبو ثور، والأوزاعيّ في رواية عنهم: لا يجوز(١). وقال القرطبيّ كَُّ في ((تفسيره)): واختَلَف الناس في تخريب دار العدوّ، وتحريقها، وقَطْع ثمارها على قولين: الأول: أن ذلك جائز، قاله في («المدونة». الثاني: إن علم المسلمون أن ذلك لهم لم يفعلوا، وإن يئسوا فعلوا، قاله مالك في ((الواضحة))، وعليه يناظر أصحاب الشافعيّ. قال ابن العربيّ: والصحيح الأول، وقد عَلِم رسول الله وَ﴿ أن نخل بني النضير له، ولكنه قَطَعَ وحَرَّقَ؛ ليكون ذلك نِكاية لهم، ووَهْناً فيهم، حتى يخرجوا عنها، وإتلاف بعض المال لصلاح باقيه مصلحةٌ جائزةٌ شرعاً، مقصودةٌ عقلاً. انتهى (٢)، وهو بحث نفيس جدّاً، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): ما ذكر القرطبيّ عن الماورديّ قال: إن في هذه الآية دليلاً على أن كل مجتهد مصيب، وقاله إلكيا الطبريّ، قال: وإن كان الاجتهاد يبعد في مثله مع وجود النبيّ وَّه بين أظهرهم، ولا شك أن رسول الله وَ ل - رأى ذلك، وسكت، فتلقّوا الحكم من تقريره فقط. قال ابن العربيّ: وهذا باطل؛ لأن رسول الله وَلو كان معهم، ولا اجتهاد (١) ((شرح النوويّ)) ٥٠/١٢. (٢) (الجامع لأحكام القرآن)) ٨/١٨. ٤٠٧ (١٠) - بَابُ جَوَازٍ قَطْعِ أَشْجَارِ الْكُفَّارِ، وَتَحْرِيقِهَا - حديث رقم (٤٥٤٣) مع حضور رسول الله وَله، وإنما يدل على اجتهاد النبيّ وَّ فيما لم ينزل عليه، أخذاً بعموم الأذيّة للكفار، ودخولاً في الإذن للكل بما يقضي عليهم بالاجتياح والبوار، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلِيُخْرِىَ الْفَسِقِينَ﴾. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: مسألة أن كلّ مجتهد مصيب قد تقدّم البحث فيها غير مرّة، وأن الصحيح أنه إن أريد به إصابة الأجر، فهو كلام صحيح، وإن أريد به إصابة الحقّ، فهو باطل، فإن الحقّ واحد لا يتعدّد، فمن أصابه حصل له أجران، ومن أخطأه من المجتهدين عُفي عنه خطأه، وله أجر باجتهاده، فتبصّر لهذه الدقيقة، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٣ - (ومنها): أنه ينبغي للمسلمين السعي فيما يُضعف شوكة الكفّار بأي وسيلة يصلون إليه، ومن ذلك تخريب دورهم، وتحريق أموالهم، ونحو ذلك، مما يزعجهم، ويورثهم القلق، ويدعوهم إلى الاستسلام للحقّ، إما بالإسلام، أو أداء الجزية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف دَّثُ أوّل الكتاب قال: [٤٥٤٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَهَنَّدُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَه قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَحَرَّقَ، وَلَهَا يَقُولُ خَّسَّانُ: وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيِّ حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّنِ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُهَا قَآَيِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ الآيَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ) بن مصعب التميميّ، أبو السَّريّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) وله (٩١) سنةً (عخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤. ٢ - (ابْنُ الْمُبَارَكِ) عبد الله الإمام المشهور، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. (١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٨/ ٨. ٤٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير والباقون ذُكروا في الباب وقبله. وقوله: (وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ)؛ أي: من أجل البويرة؛ أي: من أجل حرقها قال حسّان بن ثابت بن المنذر بن حَرَام الأنصاريّ الْخَزْرَجيّ، أبو عبد الرحمن، أو أبو الوليد، الصحابيّ المشهور، شاعر رسول الله وولفر المتوفّى سنة (٥٤) وله مائة وعشرون سنة، وستأتي ترجمته في ((كتاب فضائل الصحابة إن شاء الله تعالى. وقوله: (وَهَانَ) قال في ((الفتح)): كذا للأكثر، وفي رواية الكشميهنيّ: (لَهَانَ)) باللام بدل الواو، وسقطت اللام والواو من رواية الإسماعيليّ. وقوله: (عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ) - بفتح المهملة، وتخفيف الراء -: جمع سَرَيّ، وهو الرئيس. وقوله: (حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ)؛ أي: مُشتِعِلٌ، وإنما قال حسان ذلك؛ تعييراً لقريش؛ لأنهم كانوا أغروهم بنقض العهد، وأمروهم به، ووعدوهم أن ينصروهم إن قصدهم النبيّ ◌َلَّ(١). [تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ كَّلُ قوله: قال: فأجابه أبو سفيان بن الحارث : وَحَرَّقَ فِي نَوَاحِيهَا السَّعِيرُ أَدَامَ اللهُ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِ وَتَعْلَمُ أَيُّ أَرْضَيْنَا تَضِيرُ سَتْعْلَمُ أَيُّنَا مِنْهَا بِنُزْهٍ وقوله: ((فأجابه أبو سفيان بن الحارث))؛ أي: ابن عبد المطلب، وهو ابن عمّ النبيّ ◌َّ، وكان حينئذٍ لم يسلم، وقد أسلم بعدُ في الفتح، وثبت مع النبيّ وَ ﴿ بحنين، وذكر إبراهيم بن المنذر أن اسمه المغيرة، وجزم ابن قتيبة أن المغيرة أخوه، وبه جزم ابن عبد البرّ، والسهيليّ. وقوله: ((ستعلم أينا منها بنزه)) بنون، ثم زاي ساكنة؛ أي: بِبُعْد وزناً ومعنّى، ويقال: بفتح النون أيضاً. وقوله: ((وتعلم أيّ أرضينا)) بالتثنية، وقوله: ((تَضِير)) بفتح المثناة، وكسر الضاد المعجمة، من الضير، وهو بمعنى الضّرّ، ويُطلَق الضير، ويراد به المضرّة. (١) ((الفتح)) ٩/ ٩١. ٤٠٩ (١٠) - بَابُ جَوَازٍ قَطْعِ أَشْجَارِ الْكُفَّارِ، وَتَحْرِيقِهَا - حديث رقم (٤٥٤٣) قال الحافظ تَّثُ: ونسبة هذه الأبيات لحسان بن ثابت، وجوابها لأبي سفيان بن الحارث هو المشهور، كما وقع في ((صحيح البخاريّ))، وعند مسلم بعض ذلك، وعند شيخ شيوخنا أبي الفتح بن سيّد الناس في ((عيون الأثر)) له عن أبي عمرو الشيبانيّ أن الذي قال له: ((وهان على سراة بني لؤيّ)) هو أبو سفيان بن الحارث، وأنه إنما قال: ((عَزَّ)) بدل ((هان))، وأن الذي أجاب بقوله: أدام الله ذلك من صنيع ... البيتين هو حسان، قال: وهو أشبه من الرواية التي وقعت في البخاريّ. انتهى. قال الحافظ: ولم يذكر مستنداً للترجيح، والذي يظهر أن الذي في ((الصحيح)) أصحّ، وذلك أن قريشاً كانوا يظاهرون كلَّ من عادى النبيَّ وَّلـ عليه، ويَعِدُونهم النصر، والمساعدة، فلمّا وقع لبني النضير من الخذلان ما وقع قال حسان الأبيات المذكورة، مُوَبِّخاً لقريش، وهم بنو لؤيّ، كيف خَذَلوا أصحابهم، وقد ذكر ابن إسحاق أن حسان قال ذلك في غزوة بني قريظة، وأنه إنما ذكر بني النضير استطراداً، فمن الأبيات المذكورة: فَمَا فَعَلَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ أَلَا يَا سَعْدُ سَعْدَ بَنِي مُعَاذٍ وفيها : أَقِيمُوا قَيْنُقَاعُ وَلَا تَسِيرُوا وَقَدْ قَالَ الْكَرِيمُ أَبُو حُبَابٍ وأولها : وَلَيْسَ لَهُمْ بِبَلْدَتِهِمْ نَصِيرُ تَقَاعَدَ مَعْشَرٌ نَصَرُوا قُرَيْشاً فَهُمْ عُمْيٌّ عَنِ التَّوْرَاةِ بُورُ هُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ فَضَيَّعُوهُ كَفَرْتُمْ بِالْقُرْآنِ لَقَدْ لَقِيتُمْ بِتَصْدِيِقِ الَّذِي قَالَ النَّذِيرُ وفي جواب أبي سفيان بن الحارث في قوله: ((وتعلم أيُّ أرضينا تَضِير)» ما يُرَجِّح ما وقع في ((الصحيح))؛ لأن أرض بني النضير مجاورة الأرض الأنصار، فإذا خَرِبت أضرت بما جاورها، بخلاف أرض قريش، فإنها بعيدة منها بُعْداً شديداً، فلا تبالي بخرابها، فكان أبو سفيان يقول: تخربت أرض بني النضير، وتخريبها إنما يَضُرّ أرض من جاورها، وأرضكم هي التي تجاورها، فهي التي تتضرر، لا أرضنا، ولا يتهيأ مثل هذا في عكسه، إلا بتكلف، وهو أن يقال: إن الْمِيرةَ كانت تُحْمَل من أرض بني النضير إلى مكة، فكانوا يرتفقون ٤١٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير بها، فإذا خَرِبت تضرّهم بخلاف المدينة، فإنها في غُنية عن أرض بني النضير بغيرها، كخيبر ونحوها، فيتجه بعض اتجاه، لكن إذا تعارضا كان ما في ((الصحيح)) أصحّ. ويَحْتَمِل إن كان ما قال أبو عمرو الشيبانيّ محفوظاً أن أبا سفيان بن الحارث ضَمَّن في جوابه بيتاً من قصيدة حسان، فاهتدمه، فلما قال حسان: ((وهان على سراة بني لؤيّ)) اهتدمه أبو سفيان، فقال: ((وعَزّ على سراة بني لؤي))، وهو عمل سائغ، وكأن من أنكر ذلك استبعد أن يدعو أبو سفيان بن الحارث على أرض الكفرة مثله بالتحريق في قوله: ((أدام الله ذلك من صنيع)). والجواب عنه أن اسم الكفر، وإن جَمَعهم لكن العداوة الدينية كانت قائمة بينهم، كما بين أهل الكتاب وعبدة الأوثان من التباين، وأيضاً فقوله: ((وحرّق في نواحيها السعير)) يريد بنواحيها المدينة، فيرجع ذلك دعاء على المسلمين أيضاً. ولكعب بن مالك في هذه القصة قصيدة على هذا الوزن والرَّوِيّ أيضاً ذكرها ابن إسحاق، أولها : كَذَاكَ الدَّهْرُ ذُو صَرْفٍ يَدُورُ لَقَدْ مُنِيَتْ بِغَدْرَتِهَا الْحُبُورُ يقول فيها : فَغُودِرَ مِنْهُمْ كَعْبٌ صَرِيعاً فَذَلَّتْ عِنْدَ مَصْرَعِهِ النَّضِيرُ يشير إلى كعب بن الأشرف الذي قُتِل، وفيها : لِكُلِّ ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ بَعِيرُ فَذَاقُوا غِبَّ أَمْرِهِمْ وَيَالاً وَغُودِرَ مِنْهُمْ نَخْلٌ وَدُورُ(١) فَأُجْلُوا عَامِدِينَ بِقَيْنُقَاعِ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخُّْهُ أوّل الكتاب قال: [٤٥٤٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، أَخْبَرَنِي عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ السَّكُونِيُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَرَّقَ رَسُولُ اللهِ وَاهـ ء نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ). (١) ((الفتح)) ٩١/٩ - ٩٢، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٣٢). ٤١١ (١١) - بَابُ تَحْلِيلِ الْغَنَائِمِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ خَاصَّةً - حديث رقم (٤٥٤٥) رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ) بن فارس الكنديّ، أبو مسعود العسكريّ، نزيل الريّ، أحد الحفّاظ، صدوق له غرائب [١٠] (٢٣٥) (م) من أفراد المصنّف تقدم في ((الإيمان)» ١٢١/٥. ٢ - (عُقْبَةُ بْنُ خَالِدِ السَّكُونِيُّ) المجدَّر الکوفيّ، صدوقٌ، صاحب حديث [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٥٩٣/٣. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) العمريّ المدنيّ، تقدّم قبل باب. والباقیان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. (١١) - (بَابُ تَحْلِيلِ الْغَنَائِمِ لِهَذِهِ الأُمّةِ خَاصَّةً) وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْتُ أوّل الكتاب قال: [٤٥٤٥] (١٧٤٧) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرِ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنٍِّ، قَالَ: هَذَا مَا خَّدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ لَّهِ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا:َ وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ قَدْ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا، وَلَمَّا يَبْنِ، وَلَا آخَرُ قَدْ بَنَى بُنْيَاناً، وَلَمَّا يَرْفَعْ سُقُفَهَا، وَلَا آخَرُ قَدِ اشْتَرَى غَنَماً، أَوْ خَلِفَاتٍ، وَهُوَ مُنْتَظِرٌ وِلَادَهَا. قَالَ: فَغَزَا، فَأَدْنَى لِلْقَرْبَةِ حِينَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، أَوْ قَرِيباً مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ: أَنْتِ مَأْمُورَةٌ، وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيَّ شَيْئاً، فَحُبِسَتْ عَلَيْهِ حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَجَمَعُوا مَا غَنِمُوا، فَأَقْبَلَتِ النَّارُ لِتَأْكُلَهُ، فَأَبَتْ أَنْ تَطْعَمَهُ، فَقَالَ: فِيكُمْ غُلُولٌ، فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ، فَبَايَعُوهُ، فَلَصِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ، فَلْتُبَايِعْنِي قَبِيلَتُكَ، فَبَايَعَتْهُ. قَالَ: فَلَصِقَتْ بِيَدِ رَجُلَّيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ، فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ، أَنْتُمْ غَلَلْتُمْ. قَالَ: فَأَخْرَجُوا لَهُ مِثْلَ رَأْسٍ ٤١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير بَقَرَةٍ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: فَوَضَعُوهُ فِي الْمَالِ، وَهُوَ بِالصَّعِيدِ، فَأَقْبَلَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهُ، فَلَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لأَحَدٍ مِنْ قَبْلِنَا، ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَأَى ضَعْفَنَا، وَعَجْزَنَا، فَطَّيَهَا لَنَا)). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) تقدّم قريباً. والباقون تقدّموا في الأبواب الستّة الماضية القريبة. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن شيخ المصنّف أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد به أحفظ من روى الحديث في دهره، روى تقدّموا غير مرّة، وفيه أبي هريرة (٥٣٧٤) حديثاً . شرح الحديث: (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بصيغة اسم الفاعل، (قَالَ: هَذَا)؛ أي: الحديث الآتي (مَا حَدَّثَنَاَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رَبُهَ (عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَذَكَرَ) الفاعل ضمير أبي هريرة ربه، (أَحَادِيثَ) تقدّم غير مرّة أن هذا الحديث من صحيفة همّام بن منبّه المشهورة، (مِنْهَا)؛ أي: تلك الأحاديث التي ذكرها، والجارّ والمجرور خبر مقدّم لقوله: (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَليه) فهو مبتدأ محكيّ؛ لقصد لفظه. ((غَزَا نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ)؛ أي: أراد أن يغزو، وهذا النبيّ هو يوشع بن نون، كما رواه الحاكم، من طريق كعب الأحبار، وبَيَّن تسمية القرية، كما سيأتي، وقد ورد أصله من طريق مرفوعة صحيحة، أخرجها أحمد، من طريق هشام، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَل ـ: ((إن الشمس لم تُحْبَس لبشر إلا ليوشع بن نون، ليالي سار إلى بيت المقدس)). وأغرب ابن بطال، فقال في ((باب استئذان الرجل الإمام)): في هذا المعنى حديث لداود - عليه الصلاة والسلام - أنه قال في غزوة خرج إليها: ((لا يتبعني مَن مَلَك بضع امرأة، ولم يبن بها، أو بنى داراً ولم يسكنها))، ولم أقف على من ذكره مسنَداً، لكن أخرج الخطيب في ((ذم النجوم)) له من طريق أبي ٤١٣ (١١) - بَابُ تَحْلِيلِ الْغَنَائِمِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ خَاصَّةً - حديث رقم (٤٥٤٥) حُذيفة، والبخاريّ(١) في ((المبتدأ)) له بإسناد له عن عليّ قال: ((سأل قومُ يوشع منه أن يُطلعهم على بدء الخلق، وآجالهم، فأراهم ذلك في ماء من غمامة، أمطرها الله عليهم، فكان أحدهم يعلم متى يموت، فبقوا على ذلك إلى أن قاتلهم داود على الكفر، فأخرجوا إلى داود من لم يحضر أَجَله، فكان يُقتل من أصحاب داود، ولا يُقتل منهم، فشكى إلى الله، ودعاه، فحُبِست عليهم الشمس، فزيد في النهار، فاختلطت الزيادة بالليل والنهار، فاختلط عليهم حسابهم)) . قال الحافظ: وإسناده ضعيف جدّاً، وحديث أبي هريرة المشار إليه عند أحمد أَولى، فإن رجال إسناده محتجّ بهم في ((الصحيح))، فالمعتمَد أنها لم تُحبس إلا ليوشع. ولا يعارضه ما ذكره ابن إسحاق في ((المبتدأ)) من طريق يحيى بن عروة بن الزبير، عن أبيه: ((أن الله لمّا أمر موسى بالمسير ببني إسرائيل أمره أن يَحْمِل تابوت يوسف، فلم يُدَلَّ عليه حتى كاد الفجر أن يطلع، وكان وعد بني إسرائيل أن يسير بهم إذا طلع الفجر، فدعا ربه أن يؤخر الطلوع، حتى فرغ من أمر يوسف، ففعل))؛ لأن الحصر إنما وقع في حقّ يوشع بطلوع الشمس، فلا ينفي أن يُحبس طلوع الفجر لغيره. وقد اشتَهَر حبس الشمس ليوشع حتى قال أبو تمام في قصيدة [من الطويل]: فَوَ اللهِ لَا أَدْرِي أَأَحْلَامُ نَائِمٍ أَلَمَّتْ بَنَا أَمْ كَانٍ فِي الرَّكْبِ یُوشَعُ ولا يعارضه أيضاً ما ذكره يونس بن بكير في زياداته في مغازي ابن إسحاق: ((أن النبيّ وَّ لَمَّا أَخبر قريشاً صبيحة الإسراء أنه رأى العير التي لهم، وإنها تَقْدَم مع شروق الشمس، فدعا الله، فحُبست الشمس، حتى دخلت العير))، وهذا منقطع، لكن وقع في ((الأوسط)) للطبرانيّ من حديث جابر: ((أن النبيّ (﴿ أمر الشمس، فتأخرت ساعة من نهار))، وإسناده حسن. (١) هكذا نسخة ((الفتح)): و((البخاريّ في المبتدأ))، وهو محلّ توقّف، وسيأتي له قريباً: ((ابن إسحاق في المبتدأ))، فليُنظر. ٤١٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير ووجه الجمع أن الحصر محمول على ما مضى للأنبياء قبل نبينا وَّر، فلم تُحبس الشمس إلا ليوشع، وليس فيه نفي أنها تُحبس بعد ذلك لنبينا وَله. وروى الطحاويّ، والطبرانيّ في ((الكبير))، والحاكم، والبيهقيّ في ((الدلائل)): ((عن أسماء بنت عُميس أنه وَّلِ دعا لَمّا نام على ركبة عليّ، ففاتته صلاة العصر، فرُدّت الشمس حتى صلى عليّ، ثم غربت))، وهذا أبلغ في المعجزة. قال الحافظ تَخْذَلُ: وقد أخطأ ابن الجوزيّ بإيراده له في ((الموضوعات))، وكذا ابن تيميّة في ((كتاب الرد على الروافض)) في زعم وضعه، والله أعلم. وأما ما حَكَى عياض أن الشمس رُدّت للنبيّ وَِّ يوم الخندق لَمّا شُغِلوا عن صلاة العصر، حتى غربت الشمس، فردّها الله عليه، حتى صلى العصر، كذا قال، وعزاه للطحاويّ، والذي رأيته في ((مشكل الآثار)) للطحاويّ ما قدمتُ ذِكره من حديث أسماء، فإن ثبت ما قال، فهذه قصة ثالثة، والله أعلم. وجاء أيضاً أنها حُبِست لموسى لَمَّا حَمَل تابوت يوسف، كما تقدم قريباً، وجاء أيضاً أنها حُبست لسليمان بن داود نَّ وهو فيما ذكره الثعلبيّ، ثم البغويّ، عن ابن عباس قال: قال لي عليّ: ما بلغك في قول الله تعالى حكاية عن سليمان - عليه الصلاة والسلام - رُدُّوها عليّ؟ فقلت: قال لي كعب: كانت أربعة عشر فرساً عَرَضها، فغابت الشمس قبل أن يصلي العصر، فأمر بردّها، فضرب سُوقها، وأعناقها بالسيف، فقتلها، فسلبه الله ملكه أربعة عشر يوماً؛ لأنه ظلم الخيل بقتلها، فقال عليّ: كذب كعب، وإنما أراد سليمان جهاد عدوّه، فتشاغل بعرض الخيل حتى غابت الشمس، فقال للملائكة الموكلين بالشمس بإذن الله لهم: رُدُّوها عليّ، فردُوها عليه، حتى صلى العصر في وقتها، وأن أنبياء الله لا يَظلمون، ولا يأمرون بالظلم. قال الحافظ تَّتُهُ: أورد هذا الأثر جماعة ساكتين عليه، جازمين بقولهم: قال ابن عباس: قلت لعليّ، وهذا لا يثبت عن ابن عباس، ولا عن غيره، والثابت عن جمهور أهل العلم بالتفسير من الصحابة، ومن بعدهم أن الضمير المؤنث في قوله: رُدُّوها للخيل، والله أعلم، انتهى كلام الحافظ تَّتُهُ(١). (١) ((الفتح)) ٣٨١/٧ - ٣٨٣، كتاب ((فرض الخمس)) رقم (٣١٢٤). ٤١٥ (١١) - بَابُ تَحْلِيلِ الْغَنَائِمِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ خَاصَّةً - حديث رقم (٤٥٤٥) (فَقَالَ) ذلك النبيّ ◌ِلَّهُ (لِقَوْمِهِ: لَا يَتْبَعْنِي) بفتح أوله، وثالثه: مضارع تَبعَ، من باب تَعِبَ، ويَحْتَمِلُ بفتح أوله، وتشدید ثانیه، مضارع اتّبع، من باب الافتعال. (رَجُلٌ) مرفوع على الفاعليّة، وقوله: (قَدْ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ) جملة في محلّ رفع صفة لـ((رجلٌ))، و((البُضْع)) - بضم الباء الموحدة، وسكون الضاد المعجمة - يُطلَق على الفرج، والتزويج، والجماع، والمعاني الثلاثة لائقة هنا، ويُطلَق أيضاً على المهر، وعلى الطلاق، وقال الجوهريّ: قال ابن السِّكِّيت: البضع: النكاح، يقال: مَلَكَ فلان بضع فلانة(١) . (وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا)؛ أي: يدخلَ بها، ويُجامعها، (وَلَمَّا يَبْنِ) وللبخاريّ: ((ولَمّا يَبْنِ بها))؛ أي: ولم يدخل عليها، لكن التعبير بـ(لَمّا)) يُشعر بتوقع ذلك، قاله الزمخشريّ في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيَمَنُ فِ قُلُوبِكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١٤]، ووقع في رواية سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، عند النسائيّ، وأبي عوانة، وابن حبان: ((لا ينبغي لرجل بنى داراً، ولم يسكنها، أو تزوج امرأةً، ولم يدخل بها))، وفي التقييد بعدم الدخول ما يُفْهَم أن الأمر بعد الدخول بخلاف ذلك، فلا يخفى فرق بين الأمرين، وإن كان بعد الدخول ربما استمرّ تعلق القلب، لكن ليس هو كما قبل الدخول غالباً(٢). (وَلَا آخَرُ)؛ أي: ولا يتبعني رجل غير هذا، وقوله: (قَدْ بَنَى بُنْيَاناً) جملة في محلّ رفع صفة له، ولفظ البخاريّ: ((ولا أحد بنى بيوتاً، ولم يرفع سقوفها))، (وَلَمَّا يَرْفَعْ سُقُفَهَا) بضمّتين: جمعٍ سَقْف، قال الفيّومِيّ ◌َُّ: السَّقْفُ: معروفٌ، وجمعه: سُقُوفٌ، مثلُ فَلْسٍ وفُلُوسٍ، وسُقُفٌ بضمَّتين أيضاً، وهذا فَعْلٌ جُمِع على فُعُلٍ، وهو نادرٌ، وقال الفرّاء: سُقُفٌ: جمع سَقِيفٍ، مثلُ بَرِيدٍ وبُرُدٍ، وسَقَفتُ البيتَ سَقْفاً، من باب قَتَل: عَمِلتُ له سَقْفاً، وأسقفته بالألف كذلك، وسَقّفته بالتشديد للمبالغة. انتهى (٣). أي: ولم يرفع سُقُف تلك البنيان. (١) ((الصحاح)) ص٩٤ - ٩٥، و((الفتح)) ٣٨٣/٧. (٢) ((الفتح)) ٣٨٣/٧، كتاب ((فرض الخمس)) رقم (٣١٢٤). (٣) ((المصباح المنير)) ٢٨٠/١. ٤١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير (وَلَا آخَرُ)؛ أي: ولا يتبعني رجلٌ آخر (قَدِ اشْتَرَى غَنَماً، أَوْ خَلِفَاتٍ) - بفتح الخاء المعجمة، وكسر اللام -: جمع خَلِفَة، وهي الحوامل من النوق، قال الفيّوميّ تَخُّْهُ: الْخَلِفةُ - بكسر اللام -: هي الحامل من الإبل، وجَمْعها مَخَاضٌ من غير لفظها، كما تُجمع المرأة على النساء من غير لفظها، وهي اسم فاعل، يقال: خَلِفَتِ خَلَفاً، من باب تَعِبَ: إذا حَمَلَتْ، فهي خَلِفَةٌ، مثلُ تَّبِعَةٍ، وربّما جُمِعت على لفظها، فقيل: خَلِفَاتٌ، وتُحذف الهاء أيضاً، فقيل: خَلِفٌ. انتھی(١). قال النوويّ تَخُّْهُ: في هذا الحديث أن الأمور المهمة ينبغي أن لا تُفَوَّض إلا إلى أولي الحزم، وفراغ البال لها، ولا تُفَوَّض إلى متعلق القلب بغيرها؛ لأن ذلك يُضْعِف عزمه، ويُفَوِّتُ كمال بَذْل وُسْعه فيه. انتهى(٢). [تنبيه]: ((أو)) في قوله: ((أو خَلِفَات)) للتنويع، ویکون قد حُذِف وصف الغنم بالحمل لدلالة الثاني عليه، أو هو على إطلاقه؛ لأن الغنم يَقِلّ صبرها، فيُخشى عليها الضياع، بخلاف النُّوق، فلا يخشى عليها إلا مع الحَمْل، ويَحْتَمِل أن يكون قوله: ((أو)) للشكّ؛ أي: هل قال: ((غَنَماً)) بغير صفة، أو ((خلفات))؛ أي: بصفة أنها حوامل؟ كذا قال بعض الشراح، والمعتمد أنها للتنويع، فقد وقع في رواية أبي يعلى، عن محمد بن العلاء: ((ولا رجل له غنمٌ، أو بقرٌ، أو خَلِفاتٌ))، قاله في ((الفتح)(٣). (وَهُوَ مُنْتَظِرٌ وِلَادَهَا) بكسر الواو: مصدر لوَلَد ولاداً، وولادةً. وقال القرطبيّ كَُّهُ: وإنما نهى هذا النبي قومه عن اتّباعه على هذه الأحوال؛ لأن أصحابها يكونون متعلقي النفوس بهذه الأسباب، فتضعف عزائمهم، وتفتُر رغباتهم في الجهاد، والشهادة، وربما يُفْرِط ذلك التعلق بصاحبه فيُفضي به إلى كراهة الجهاد، وأعمال الخير، وكأن مقصود هذا النبيّ أن يتفرَّغوا من عُلَق الدنيا، ومهمات أغراضها، إلى تمني الشهادة بنيَّات (١) ((المصباح المنير)) ١٧٩/١. (٢) ((شرح النوويّ)) ٥١/١٢ - ٥٢. (٣) ((الفتح)) ٧/ ٣٨٤، كتاب ((فرض الخمس)) رقم (٣١٢٤). ٤١٧ (١١) - بَابُ تَحْلِيلِ الْغَنَائِمِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ خَاصَّةً - حديث رقم (٤٥٤٥) صادقة، وعزوم حازمة، صافية؛ ليحصلوا على الحظ الأوفر، والأجر الأكبر. (١) انتھی(١). (قَالَ) وَّهِ (فَغَزَا) ذلك النبيّ بمن تبعه ممن لم يتّصف بتلك الصفة، (فَأَدْنَى لِلْقَرْيَةِ)؛ أي: قرّب جيشه لتلك القرية التي أراد غزوها، وهي أَرِيحا - بفتح الهمزة، وكسر الراء، بعدها تحتانية ساكنة، ومهملة مع القصر - سمّاها الحاكم في روايته، عن كعب، وفي رواية البخاريّ: ((فدنى من القرية)) من الدنوّ، ثلاثيّاً؛ أي: قَرُبَ منها. وقال النوويّ كَُّ: قوله: (فأدنى للقرية ... إلخ) هكذا هو في جميع النسخ: ((فأدنى بهمزة قطع. قال القاضي عياض: كذا هو في جميع النسخ: ((فأدنى)) رباعيّ، إما أن يكون تعديةً لـ((دَنَى))؛ أي: قَرُب، فمعناه: أدنى جيوشه، وجموعه للقرية، وإما أن يكون أدنى بمعنى حان؛ أي: قَرُب فَتْحها، من قولهم: أدنت الناقة: إذا حان نتاجها، ولم يقولوه في غير الناقة. انتهى (٢). وقال القرطبيّ تَخُّْهُ بعد ذكر كلام عياض المذكور: قلت: والذي يظهر لي: أن ذلك من باب: أنجد، وأغار، وأشهر، وأظهر؛ أي: دخل في هذه الأزمنة والأمكنة، فيكون معنى ((أدنى))؛ أي: دخل في هذا الموضع الداني منها، والله تعالى أعلم. انتهى(٣) . (حِينَ صَلَاةِ الْعَصْرِ) ((حين)) ظرف لـ((أدنى))، (أَوْ قَرِيباً مِنْ ذَلِكَ)؛ أي: من وقت صلاة العصر (فَقَالَ لِلشَّمْسِ: أَنْتِ مَأْمُورَةٌ)؛ أي: تسيرين بأمر الله تعالى، فأنت مسخّرة منه تعالى، لا طاقة لك في التصرّف، (وَأَنَا مَأْمُورٌ)؛ أي: بقتال هؤلاء الكفّار، وفي رواية سعيد بن المسيِّب: ((فلقي العدوّ عند غيبوبة الشمس))، وبَيَّن الحاكم في روايته، عن كعب سبب ذلك، فإنه قال: إنه وصل إلى القرية وقت عصر يوم الجمعة، فكادت الشمس أن تغرب، ويدخل الليل، وبهذا يتبين معنى قوله: ((وأنا مأمور))، والفرق بين المأمورين: أن أَمْر الجمادات أمر تسخير، وأَمْر العقلاء أمر تكليف. (١) «المفهم)) ٥٣١/٣. (٣) («المفهم)) ٥٣٢/٣. (٢) ((شرح النوويّ)) ٥٢/١٢. ٢٠٫٠٠ ٤١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير وخطابه للشمس يَحْتَمِل أن يكون على حقيقته، وأن الله تعالى خلق فيها تمييزاً، وإدراكاً كما ثبت سجودها تحت العرش، واستئذانها من أين تطلع؟. ويَحْتَمِل أن يكون ذلك على سبيل استحضاره في النفس؛ لِمَا تقرر أنه لا يمكن تحولها عن عادتها، إلا بخرق العادة، وهو نحو قول الشاعر: شَكَى إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السَّرَى ومن ثم قال: ((اللهم احبسها»، ويؤيد الاحتمال الثاني أن في رواية سعيد بن المسيِّب: ((فقال: اللهم إنها مأمورة، وإني مأمور، فاحبسها عليّ حتى تقضي بيني وبينهم، فحبسها الله عليه)). انتهى(١). وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: وقوله للشمس: ((أنت مأمورة))؛ أي: مسخرة بأمر الله تعالى، وهو كذلك أيضاً، وجميع الموجودات، غير أن أمر الجمادات أمر تسخير وتكوين، وأمر العقلاء أمر تكليف وتكوين، وحَبْس الشمس على هذا النبيّ من أعظم معجزاته، وأخص كراماته، وقد اشتَهَرَ أن الذي حُبست عليه الشمس من الأنبياء هو: يوشع بن نون، وقد رُوي أن مثل هذه الآية كانت لنبينا وَلفي في موطنين: أحدهما: في حفر الخندق حين شُغِلوا عن صلاة العصر، حتى غابت الشمس، فردّها الله تعالى عليه حتى صلَّى العصر، ذكر ذلك الطحاويّ، وقال: إن رواته كلهم ثقات. والثانية: صبيحة الإسراء، حين انتظروا العير التي أخبر النبيّ بوصولها مع شروق الشمس، ذكره يونس بن بكير في زيادته في سِيَر ابن إسحاق. انتھی(٢). (اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيَّ شَيْئاً) ولفظ البخاريّ: ((اللهمّ احبسها علينا))، وقوله: ((شيئاً)) منصوب نصبَ المصدر؛ أي: قدر ما تنقضي حاجتنا من فتح البلد، قال القاضي عياض: اختُلِف في حبس الشمس هنا، فقيل: رُدّت على أدراجها، وقيل: وقفت، وقيل: أبطئ بحركتها، وكل ذلك محتمل، والثالث أرجح عند ابن بطال وغيره، ووقع في ترجمة هارون بن يوسف الرماديّ أن ذلك كان في (١) ((الفتح)) ٣٨٤/٧. (٢) ((المفهم)) ٥٣٢/٣ - ٥٣٣. ٤١٩ (١١) - بَابُ تَحْلِيلِ الْغَنَائِمِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ خَاصَّةً - حديث رقم (٤٥٤٥) رابع عشر حزيران، وحينئذ يكون النهار في غاية الطول، قاله في ((الفتح)) (١). (فَحُبِسَتْ عَلَيْهِ) بالبناء للمجهول، (حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ) وفي رواية أبي يعلى: ((فواقع القوم، فَظَفِرَ)). (قَالَ) نَّهِ (فَجَمَعُوا مَا غَنِمُوا) بفتح أوله، وكسر النون، من باب تعبَ، ((ما)) موصولة مفعول ((جمعوا))، والعائد محذوف؛ أي: غَنِموه، (فَأَقْبَلَتِ النَّارُ لِتَأْكُلَهُ) زاد في رواية سعيد بن المسيِّب: ((وكانوا إذا غَنِموا غنيمةً بعث الله عليها النار، فتأكلها))، (فَأَبَتْ أَنْ تَطْعَمَهُ) ولفظ البخاريّ: ((فلم تطعمها))؛ أي: لم تذق لها طعماً، وهو بطريق المبالغة. (فَقَالَ) ذلك النبيّ لقومه: (فِيكُمْ غُلُولٌ) وللبخاريّ: ((إن فيكم غُلُولاً))، والغلول: هو السرقة من الغنيمة، (فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ، فَبَايَعُوهُ، فَلَصِقَتْ) بكسر الصاد، من باب تَعِبَ، ولفظ البخاريّ: ((فَلَزِقَتْ)) (يَدُ رَجُلِ بِيَدِهِ، فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ، فَلْتُبَايِعْنِي قَبِيلَتُكَ، فَبَايَعَتْهُ - قَالَ -: فَلَّصِقَتْ بِيَدِ رَجُلَيْنٍ، أَوْ ثَلاثَةٍ) وفي رواية أبي يعلى: ((فَلَزِقَت يد رجل، أو رجلين))، وفي رواية سعيد بن المسيِّب: ((رجلان)) بالجزم، قال ابن الْمُنَيِّر: جعل الله علامة الغلول إلزاق يد الغالّ، وفيه تنبيه على أنها يدٌ عليها حقٌ يُظْلَب أن يُتخلص منه، أو أنها يد ينبغي أن يُضرَب عليها، ويُحبس صاحبها حتى يؤدي الحق إلى الإمام، وهو من جنس شهادة اليد على صاحبها يوم القيامة. انتهى(٢). (فَقَالَ) ذلك النبيّ لهم: (فِيكُمُ الْغُلُولُ) زاد في رواية سعيد بن المسيِّب: (فقالا: أَجَلْ غَلَلْنَا)). وقوله: (أَنْتُمْ غَلَلْتُمْ) مؤكّد لما قبله، (قَالَ: فَأَخْرَجُوا لَهُ مِثْلَ رَأْسٍ بَقَرَةٍ مِنْ ذَهَبٍ) وفي رواية البخاريّ: ((فجاءوا برأسٍ مثل رأس بقرة من الذهب)). (قَالَ: فَوَضَّعُوهُ)؛ أي: وضعوا مثل الرأس (فِي الْمَالِ)؛ أي: في جملة الغنائم (وَهُوَ)؛ أي: المال (بِالصَّعِيدِ)؛ أي: بوجه الأرض، قال الفيّوميّ: الصعيد: وجه الأرض، تراباً كان، أو غيره، قال الزجّاج: ولا أعلم اختلافاً بين أهل اللغة في ذلك، ويقال: الصعيد في كلام العرب يُطلق على وجوه، على التراب الذي (١) ((الفتح)) ٣٨٤/٧ - ٣٨٥، كتاب ((فرض الخمس)) رقم (٣١٢٤). (٢) ((الفتح)) ٣٨٥/٧. ٤٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير على وجه الأرض، وعلى وجه الأرض، وعلى الطريق. انتهى (١). (فَأَقْبَلَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهُ) ولفظ البخاريّ: ((فجاءت النار، فأكلتها)»، قال النوويّ ◌َّتُهُ: هذه كانت عادةَ الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - في الغنائم، أن يجمعوها، فتجيء نار من السماء، فتأكلها، فيكون ذلك علامة لقبولها، وعدم الغلول، فلما جاءت في هذه المرّة، فأبت أن تأكلها عُلِم أن فيهم غلولاً، فلما ردُّوه جاءت فأكلتها، وكذلك كان أمر قربانهم، إذا تُقُبِّل جاءت نار من السماء، فأكلته. انتهى(٢). قال الحافظ تَخَّتُهُ: ودخل في عموم أكل النار: الغنيمة، والسبيُّ، وفيه بُعْدٌ؛ لأن مقتضاه إهلاك الذرية، ومن لم يقاتل من النساء، ويمكن أن يُسْتَئِنَوْا من ذلك، ويلزم استثناؤهم من تحريم الغنائم عليهم، ويؤيده أنهم كانت لهم عبيد، وإماء، فلو لم يجز لهم السبي لَمَا كان لهم أرقّاء، ويُشكل على الحصر أنه كان السارق يُسْتَرَقّ، كما في قصة يوسف علا. قال: ولم أر من صرح بذلك. انتھی(٣) . (فَلَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِأَحَدٍ مِنْ قَبْلِنَا) وللبخاريّ: ((ثمّ أحلّ الله لنا الغنائم))، وفي رواية النسائيّ: ((فقال رسول الله - ﴿ عند ذلك: إن الله أطعمنا الغنائم؛ رحمةً رحِمناها، وتخفيفاً خفّفه عنّا)). (ذَلِكَ) الإشارة إلى حلّ الغنائم لنا، مع تحريمه على من قبلنا، (بِأَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَأَى ضَعْفَنَا)، بفتح الضاد، وضمّها، وفي رواية سعيد بن المسيِّب: ((لَمّا رأى من ضعفنا))، (وَعَجْزَنَا، فَطَيَّبَهَا لَنَا) لفظ البخاريّ: ((فأحلّها لنا))، والحديث نصّ في إباحة الغنائم لهذا الأمة زادها الله شرفاً، وأنها مختصّة بذلك. وقال القرطبيّ كَّتُهُ: كانت سُنَّة الله تعالى في طوائف من بني إسرائيل أن يسوق لهم ناراً، فتأكل ما خَلَص من القرابين في قربانهم، وغنائمهم، فكان ذلك الأكل علامة قبول ذلك المأكول، حكاه السُّديّ وغيره، وهو الذي يدل (١) ((المصباح المنير)) ٣٣٩/١ - ٣٤٠. (٢) ((شرح النوويّ)) ٥٢/١٢ - ٥٣. (٣) ((الفتح)) ٣٨٦/٧، كتاب ((فرض الخمس)) رقم (٣١٢٤).