النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
(٧) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الدُّعَاءِ بِالنَّصْرِ عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ - حديث رقم (٤٥٣٤)
وقوله: (مُنْزِلَ الْكِتَابِ) منصوب بحذف حرف النداء، كما قال
الحريريّ دَّثُ في ((ملحته)):
وَحَذْفُ ((يَا)) يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ كَقَوْلِهِمْ ((رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي))
وقال في ((الْخُلاصة)):
وَغَيْرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا جَا مُسْتَغَاثاً قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا
وكذا إعراب قوله: (سَرِيعَ الْحِسَابِ) قال القرطبيّ ◌َُّ: وصف الله ◌َ
بأنه سريع الحساب؛ يعني به أنه يعلم الأعداد المتناهية وغيرها في آن واحد،
فلا يَحتاج لأي ذلك إلى فكر، ولا عَقْد، كما يفعله الْحُسّاب منّا. انتهى(١).
وقوله: (اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ، وَزَلْزِلْهُمْ)))؛ أي: أزعجهم، وحرّكهم بالشدائد،
قال أهل اللغة: الزلزال، والزَّلْزَلة: الشدائد التي تُحرّك الناس، قاله
النوويّ كَُّ(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام
شرحه، وبيان المسائل المتعلّقة به في الباب الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٥٣٤] (.) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ،
عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى يَقُولُ: دَعًا
رَسُولُ اللهِ وَّهَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ خَالِدٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((هَازِمَ الأَحْزَابِ))، وَلَمْ يَذْكُرْ
قَوْلَهُ: ((اللَّهُمَّ)).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل ثلاثة أبواب.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف تَخْلَتُهُ، كسابقه، ولاحقه، وهو
(٣٠٠) من رباعيّات الكتاب.
[تنبيه آخر]: رواية وكيع بن الجرّاح، عن إسماعيل بن أبي خالد هذه
ساقها ابن أبي شيبة دَّثُهُ في ((مصنّفه))، فقال:
(١) ((المفهم)) ٥٢٥/٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٤٧/١٢ - ٤٨.

٣٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
(٢٩٥٨٦) - حدّثنا وكيع، قال: حدّثنا إسماعيل بن أبي خالد، قال:
سمعت ابن أبي أوفى يقول: دعا رسول الله وَ﴿ على الأحزاب، فقال: ((منزلَ
الكتاب، سريعَ الحساب، هازمَ الأحزاب، اهزِمهم، وزلزلهم)). انتهى(١)، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٥٣٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعاً
عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ:
((مُجْرِيَ السَّحَابِ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثم
المكيّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب وقبل باب.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف كَّثُ، كسابقيه، وهو (٣٠١)
من رباعيّات الكتاب.
[تنبيه آخر]: رواية سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد هذه
ساقها عبد الرزّاق تَظُّ في ((مصنّفه))، فقال:
(٩٥١٦) - عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد،
قال: سمعت ابن أبي أوفى يقول: قال رسول الله ولو يوم الأحزاب: ((اللهم
منزلَ الكتاب، سريعَ الحساب، مُجريَ السحاب، هازمَ الأحزاب، اللهم
اهزِمهم، وزلزلهم)). انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٥٣٦] (١٧٤٣) - وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ،
حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ كَانَ يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ :
(اللَّهُمَّ إِنَّكَ إِنْ تَشَأْ لَا تُعْبَدُ فِي الأَرْضِ))).
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٧٦/٦.
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) ٢٥٠/٥.

٣٨٣
(٧) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الدُّعَاءِ بِالنَّصْرِ عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ - حديث رقم (٤٥٣٦)
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) تقدّم قبل أربعة أبواب.
٢ - (حَمَّادُ) بن سلمة، تقدّم قريباً.
والباقون تقدّموا قبل بابین.
شرح الحديث:
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ) كذا في هذه
(عَنْ أَنَسٍ)
الرواية أنه * قال هذا يوم أحد، وسيأتي في غزوة بدر أنه قاله فيها، قال
النوويّ كَّثُهُ: وهو المشهور في كتب السير والمغازي، ولا تعارض بينهما؛ إذ
يمكن حمله على أنه قاله في اليومين (١). ((اللَّهُمَّ إِنََّ إِنْ تَشَأْ)؛ أي: عدَم
عبادتك، فالمفعول محذوف، (لَا تُعْبَدُ) الظاهر أن ((لا)) نافية، والفعل مرفوع،
فما وقع في النسخ المطبوعة من ضبطه بالقلم بسكون الدال، غلط، والله تعالى
أعلم. (فِي الأَرْضِ))) متعلّق بـ(تُعبد)).
وقد أخرج هذا الحديث ابن حبّان في ((صحيحه))، فقال:
(٤٧١٨) - أخبرنا أبو يعلى، حدّثنا هُذْبة بن خالد، حدّثنا حماد بن
سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك: أن رسول الله وَّ﴿ل قال يوم أُحد لَمّا
أرهقوه، وهو في سبعة من الأنصار، ورجل من قريش: ((مَن يَرُدّهم عنّا، فهو
رفيقي في الجنة))، فقام رجل من الأنصار، فقاتل حتى قُتل، ثم قال مثل ذلك،
فقام آخر، فقاتل حتى قُتل، فلم يزل يقول ذلك حتى قُتل السبعة، فقال
رسول الله ﴾: ((ما أَنْصَفْنا أصحابنا، اللهم إنك إن تشأ، لا تعبدُ في
الأرض)). انتهى(٢).
وفي حديث ابن عبّاس ◌َّ أن النبيّ وَُّ قال يوم بدر: «اللهمّ أَنْشُدك
عهدك، ووعدك، اللهمّ إن شئت لم تُعبد بعد اليوم))، متّفقٌ عليه.
وفي حديث عمر بن الخطّاب وظ ه: أن النبيّ وَ﴿ دعا يوم بدر، فقال:
(١) ((شرح النوويّ)) ٤٨/١٢.
(٢) ((صحيح ابن حبان)) ١٨/١١.

٣٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
((اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا
تُعبَد في الأرض))، رواه مسلم.
وأخرج أحمد من طريق يزيد بن هارون، عن حميد، عن أنس، قال:
((كان من دعاء النبيّ وَّر بعد حُنين: اللهمّ إن شئت أن لا تُعبد بعد اليوم))(١).
قال في ((الفتح)): وإنما قال ذلك؛ لأنه عَلِمَ أنه خاتم النبيين، فلو هَلَك
هو ومن معه حينئذٍ لم يُبْعَث أحد ممن يدعو إلى الإيمان، ولاستمر المشركون
يعبدون غير الله، فالمعنى: لا يُعْبَد في الأرض بهذه الشريعة. انتهى (٢).
قال النوويّ تَخُّْ: قال العلماء: فيه التسليم لقَدَر الله تعالى، والردّ على
غُلاة القدرية الزاعمين أن الشر غيرُ مراد، ولا مُقَدَّر، تعالى الله عن قولهم،
وهذا الكلام متضمِّن أيضاً لطلب النصر. انتهى(٣).
وقال القرطبيّ كَّلُ: هذا منه وَّلفي تسليم لأمر الله تعالى فيما شاء أن
يفعله، وهو ردّ على غلاة المعتزلة، حيث قالوا: إن الشرّ غير مراد الله تعالى،
وقد ردّ مذهبهم هذا نصوص الكتاب والسُّنَّة، كقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُ اللَّهُ مَنْ
◌َاءُ وَيَهْدِى مَن ◌َهُ﴾ الآية [المدثر: ٣١]، ومثله كثير. انتهى(٤)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس به هذا من أفراد المصنّف تَّثُ، ولم
يُخرجه من أصحاب الأصول الستّة غيره.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥٣٦/٧] (١٧٤٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣/
١٥٢ و٢٥٢)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٤٧١٨)، و(أبو يعلى) في ((مسنده))
(٦٧/٦)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٢١٩/٤)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١) حديث صحيح. أخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) ١٢١/٣.
(٢) ((الفتح)) ٢٠/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٣٩٥٣).
(٣) (شرح النوويّ)) ٤٨/١٢.
(٤) ((المفهم)) ٥٢٦/٣.

(٨) - بَابُ تَحْرِيمِ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فِي الْحَرْبِ - حديث رقم (٤٥٣٧)
٣٨٥
(٨) - (بَابُ تَحْرِيم قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فِي الْحَرْبِ)
[٤٥٣٧] (١٧٤٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، قَالَا:
أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَّبْدِ اللهِ:
((أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضٍ مَغَازِي رَسُولِ اللهِ لَّهِ مَقْتُولَةً، فَأَنْكَرَّ رَسُولُ اللهِ وَلهـ
قَتْلَ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْتَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح) بن المهاجر التجيبيّ المصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعَد الإمام المصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (قُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم أيضاً قريباً.
والباقيان تقدّما قبل ثلاثة أبواب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وهو (٣٠٢) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو ابن عمر؛ لأن الراوي عنه مدنيّ، وإلى هذا أشار
السيّوطيّ كَّلُ في ((ألفيّة الحديث)) حيث قال:
طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرٍ وَإِنْ يَفِي
وَحَيْثُمَا أُظْلِقَ عَبْدُ اللهِ فِي
بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ یُرَى
بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أَوْ جَرَى
وَالشَّامِ مَهْمَا أُظْلِقَ ابْنُ عَمْرٍ
وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرٍ
(أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ) بالبناء للمفعول، (فِي بَعْضٍ مَغَازِي رَسُولِ اللهِ وَاهـ
مَقْتُولَةً) قال صاحب التنبيه)): هذه القصّة اتّفقت مرّات، وجزم الحافظ بأن هذه
الغزوة هي فتح مكة، والمرأة لا أعرفها. انتهى (١)، وقد أخرج الطبرانيّ في
((الأوسط)) أن ذلك وقع بمكة.
(١) ((تنبيه المعلم)) ص٣٠١.

٣٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وأخرج أبو داود في ((المراسيل)) عن عكرمة: أن النبيّ و 18 رأى امرأة
مقتولة بالطائف، فقال: ((ألم أَنْهَ عن قتل النساء؟ مَنْ صاحبها؟))، فقال رجل:
أنا يا رسول الله أردفتها، فأرادت أن تصرعني، فتقتلني، فقتلتُها، فَأَمَر بها أن
تُوارى. ذكره في ((الفتح)).
(فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ قَتْلَ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ) قال بعضهم: هذا الحكم من
ميزات الإسلام البارزة، فإنه أول من حَكَم بحرمة قتل النساء، والصبيان حين
كان الناس يعتدون عند الحرب على النساء، والشيوخ، والولدان، ولم تكن في
العالم أمة أكثر احتفاظاً بهذا الحكم، وأعظم اعتناءً به من الأمة الإسلاميّة.
(١)
انتھی
وقال النوويّ تَخّْثُ: أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث، وتحريم قتل
النساء، والصبيان، إذا لم يقاتِلوا، فإن قاتلوا قال جماهير العلماء: يُقْتَلون،
وأما شيوخ الكفار، فإن كان فيهم رأي قُتِلوا، وإلا ففيهم، وفي الرهبان
خلاف، قال مالك، وأبو حنيفة: لا يُقْتَلون، والأصح في مذهب الشافعيّ
قَتْلهم. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ تَخَّثُ: قوله: ((نهى رسول الله وَله عن قتل النساء،
والصبيان)) هذا اللفظ عامّ في جميع نساء أهل الكفر، فتدخل فيهم المرتدة
وغيرها، وبه تمسَّك أبو حنيفة في منع قتل المرتدة، ورأى الجمهور أنه لم
يتناول المرتدة لوجهين :
[أحدهما]: أن هذا العموم خرج على نساء الحربيين، كما هو مبيَّن في
الحدیث .
[الثاني]: قوله وَّهِ: (مَن بَدَّل دينه فاقتلوه))، وفي المسألة أبحاث تُعلَم في
علم الخلاف.
قال القاضي عياض: أجْمَع العلماء على الأخذ بهذا الحديث في ترك قتل
النساء، والصبيان، إذا لم يقاتِلوا.
واختلفوا إذا قاتَلوا، فجمهور العلماء وكافة من يُحفظ عنه على أنهم إذا
(١) ((تكملة فتح الملهم)) ٣٨/٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٤٨/١٢.

٣٨٧
(٨) - بَابُ تَحْرِيمِ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فِي الْحَرْبِ - حديث رقم (٤٥٣٧)
قاتلوا قُتلوا، قال الحسن: وكذلك لو خرج النساء معهم إلى بلاد الإسلام،
ومذهبنا أنها لا تُقتل في مثل هذا، إلا إذا قاتلت.
واختلف أصحابنا إذا قاتلوا ثم لم يُظْفَر بهم حتى بَرَد القتال، فهل يُقتَلون
كما تُقْتَل الأسارى، أم لا يُقتلون إلا في نفس القتال؟، وكذلك اختلفوا إذا
رَمَوا بالحجارة؛ هل حُكم ذلك حُكم القتال بالسلاح أم لا؟ والله أعلم.
قال القرطبيّ: والصحيح: أنها إذا قاتلت بالسِّلاح، أو بالحجارة، فإنه
يجوز قتلها لوجهین:
[أحدهما]: قوله ◌َّ﴾ فيما خرَّجه النسائيّ عن حديث عُمر بن مُرقّع بن
صيفيّ بن رباح، عن أبيه، عن جدِّه رباح؛ أنه وَّ﴿ مرَّ في غزاة بامرأة قُتيل،
فقال: ((ما كانت هذه تُقاتل))، فهذا تنبيه على المعنى الموجب للقتل، فيجب
طَرْده إلا أن يمنع منه مانع.
[والثاني]: قتلُ النبيّ وَّ لليهودية التي طَرَحت الرَّحى على رجل من
المسلمين فقتلته، وذلك بعدما أسرها النبيّ ◌َر، وكِلا الحديثين مشهور. انتهى
كلام القرطبيّ كَُّ(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ظه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥٣٧/٨ و٤٥٣٨] (١٧٤٤)، و(البخاريّ) في
((الجهاد)) (٣٠١٤ و٣٠١٥)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٦٦٨)، و(الترمذيّ) في
(السير)) (١٥٦٩)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٨٥/٥)، و(ابن ماجه) في
((الجهاد)) (٢٨٤١)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٦/٢)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٢/
١٠٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٨١/١٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٤/٢
و٧٥ و٧٦)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٢٢/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(١٣٥ و٤٧٨٥)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٢٠/٣ و٢٢١)، و(ابن
(١) ((المفهم)) ٥٢٧/٣ - ٥٢٨.

٣٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
الجارود) في ((المنتقى)) (٢٦١/١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٤٤١٦)
و((الأوسط)) (٢٠٩/١)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٩٤/٤)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٧٧/٩)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٦٩٤)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٥٣٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ،
وَأَبُو أُسَامَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ (١)، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:
((وُجِدَتِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةً فِي بَعْضٍ تِلْكَ الْمَغَازِي، فَنَهَى رَسُولُ اللهِ وَّهَ عَنْ قَتْلِ
النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) الْعُمريّ، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان المسألتين المتعلّقتين به
قبله، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٩) - (بَابُ جَوَازٍ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فِي الْبَيَاتِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخُّْ أوّل الكتاب قال:
[٤٥٣٩] (١٧٤٥) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَمْرٌو
النَّاقِدُ، جَمِيعاً عَنِ ابْنٍ عُيَيْنَةَ، قَالَ يَحْنَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
عُبَيْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ◌َه عَنِ الذَّرَارِيِّ
(١) وفي بعض النسخ: ((حدّثنا عبيد الله عن نافع)).

٣٨٩
(٩) - بَابُ جَوَازٍ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فِي الْبَيَاتِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ - حديث رقم (٤٥٣٩)
مِنَ الْمُشْرِكِينَ، يُبَيِّئُونَ، فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ، وَذَرَارِيُّهِمْ؟، فَقَالَ: ((هُمْ مِنْهُمْ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَمْرٌو النَّاتِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قبل
ثلاثة أبواب.
٢ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله
المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٤ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر ﴿يا المتوفّى سنة (٦٨) (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ١٢٤/٦.
٥ - (الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ) الليثيّ الصحابيّ المتوفّى في خلافة الصدّيق على ما
قيل، والأصحّ أنه عاش إلى خلافة عثمان .
(ع) تقدم في ((الحج)» ٢٨٤٥/٨.
والباقون ذُكروا في البابين الماضيين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس
حبر الأمة، وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وفيه عبيد الله
أحد الفقهاء السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بن عبد الله بن عُتبة، ووقع في رواية الحميديّ في
(«مسنده)): ((عن سفيان، عن الزهريّ، أخبرني عبيد الله))، (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ)
(عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّمَةَ) الليثيّ أنه (قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ وَّه) بيّن في الرواية التالية
أن السائل هو الصعب نفسه، فقال: قلت: يا رسول الله إنا نُصيب في البيات)).
(عَنِ الذَّرَارِيِّ) بتشديد الياء، وتخفيفها، لغتان، والتشديد أفصح، وأشهر: جَمْع
ذُرّيّة، والمراد بهم هنا: النساء والصبيان(١).
قال النوويّ تَّقُ: هكذا هو في أكثر نُسخ بلادنا: ((سئل عن الذراريّ))،
(١) (شرح النوويّ)) ٤٩/١٢.

٣٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وفي رواية: ((عن أهل الدار من المشركين))، ونَقَل القاضي هذه عن رواية
جمهور رواة ((صحيح مسلم)) قال: وهي الصواب، فأما الرواية الأولى فقال:
ليست بشيء، بل هي تصحيف، قال: وما بعده هو تبيين الغلط فيه.
وتعقّبه النوويّ، فقال: وليست باطلة كما اذَّعَى القاضي، بل لها وجه،
وتقديره: سئل عن حكم صبيان المشركين الذين يُبَيَّتون، فيصاب من نسائهم
وصبيانهم بالقتل؟، فقال: ((هم من آبائهم))؛ أي: لا بأس بذلك؛ لأن أحكام
آبائهم جارية عليهم في الميراث، وفي النكاح، وفي القصاص، والديات، وغير
ذلك، والمراد: إذا لم يُتَعَمَّدوا من غير ضرورة، وأما الحديث السابق في النهي
عن قتل النساء والصبيان، فالمراد به: إذا تميَّزوا. انتهى كلام النوويّ تَظُّهُ(١)،
وهو تعقّب جيّد، والله تعالى أعلم.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((عن أهل الدار))؛ أي: المنزل، هكذا في
البخاريّ وغيره، ووقع في بعض النسخ من ((صحيح مسلم)): ((سئل عن
الذراريّ)). قال عياض: الأول هو الصواب، ووَجَّه النوويّ الثاني، وهو
واضح. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ تَخُّهُ: قوله: ((سُئل عن الدار)) الدار: هي العمائر، تجتمع
في محلة، فتسمى المحلة: داراً، وهي من الاستدار، وقوله وَلّ: ((دارَ قوم
مؤمنين)) يدلّ على أن اسم الدار يقع على الرَّبْع العامر المسكون، وعلى
الخراب غير المأهول، والدار: مؤنثة، وقوله تعالى: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ
٣٠
[النحل: ٣٠] فالتذكير على معنى المثوى والموضع. انتهى (٣).
وقوله: (مِنَ الْمُشْرِكِينَ) بيان لمعنى ((الذراريّ))، وقوله: (يُبَيَّتُونَ) بضمّ
أوله، وتشديد ثالثه، مبنيّاً للمفعول؛ أي: يصابون ليلاً، يقال: بيّتَ العدوّ: إذا
أغار عليهم ليلاً، وقال النوويّ ◌َُّ: معنى البيات، و((يُبَّتون)): أن يُغار عليهم
بالليل، بحيث لا يُعْرَف الرجل من المرأة، والصبي. انتهى(٤).
(١) ((شرح النوويّ)) ٤٩/١٢.
(٢) ((الفتح)) ٢٦٦/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٣٠١٢).
(٣) ((المفهم)) ٥٢٩/٣.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٤٩/١٢.

(٩) - بَابُ جَوَازٍ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّيْيَانِ فِي الْبَيَاتِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ - حديث رقم (٤٥٣٩)
٣٩١
والواو فيه ضمير الذراريّ، وأما في قوله: (فَيُصِيبُونَ) فهو ضمير
المجاهدين. (مِنْ نِسَائِهِمْ، وَذَرَارِيِّهِمْ؟، فَقَالَ) ◌َِّ ((هُمْ مِنْهُمْ))) وفي رواية
عمرو بن دينار التالية: ((هم من آبائهم))؛ أي: هم في الحكم في تلك الحالة
كحكم آبائهم في جواز القتل، وليس المراد: إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم،
بل المراد: إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء إلا بوطء الذرية(١)، فإذا أصيبوا
لاختلاطهم بهم جاز قتلهم. أفاده في ((الفتح))(٢).
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: قوله وَّله في ذراريّ المشركين يبيّتون: ((هم من
آبائهم)): الذرية: تطلقه العرب على الأولاد والعيال والنساء، حكاه عياض،
ومعنى الحديث: أن حُكمهم حُكم آبائهم في جواز قتلهم عند الاختلاط بهم في
دار كفرهم، وبه قال الجمهور: مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، والثوريّ،
ورأوا رميهم بالمجانيق في الحصون، والمراكيب.
واختلف أصحابنا: هل يُرْمَون بالنار إذا كان فيهم ذراريهم ونساؤهم،
رمي المشركين؟ على قولين، وأما إذا لم يكونوا فيهم؛ فهل يجوز رمي مراكبهم
وحصونهم بالنار؟ أما إذا لم يوصل إليهم إلا بذلك، فالجمهور على جوازه،
وأما إذا أمكن الوصول إليهم بغيره، فالجمهور على كراهته؛ لِمَا ثبت من
قوله وَ﴾: ((لا يعذُّب بالنار إلا الله))، رواه البخاريّ، وأما إذا كان فيهم
مسلمون؛ فَمَنَعه مالك جملة، وهو الصحيح من مذهبه ومذهب جمهور العلماء،
وفي المسألة تفصيل يُعرف في أصول الفقه. انتهى (٣).
[تنبيه]: ذكر ابن حبّان ◌َّثُ أن هذا الخبر منسوخ بخبر ابن عمر بض
الماضي، فقال في «صحيحه)) :
((ذِكْر الخبر المصرِّح بأن نهيه وَلهو عن قتل الذراريّ من المشركين كان بعد
قوله وقيل: ((هم منهم))، ثم ساق بسنده حديث الصعب رَؤُه، وفيه: وسألته عن
(١) المراد: وطؤهم بالأقدام.
(٢) ((الفتح)) ٢٦٦/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٣٠١٢).
(٣) ((المفهم)) ٥٢٩/٣.
.: ٠

٣٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
أولاد المشركين، أنقتلهم معهم؟ قال: ((نعم، فإنهم منهم))، ثم نَهَى عن قتلهم
يوم حُنين. انتهى(١).
وفي رواية الإسماعيليّ: ((وكان الزهريّ إذا حدّث بهذا الحديث قال:
وأخبرني ابن كعب بن مالك، عن عمه: أن رسول الله وَ ﴿ لَمّا بعث إلى ابن
أبي الْحُقَيق نَهَى عن قتل النساء والصبيان)). انتهى.
قال الحافظ: وكأن الزهريّ أشار بذلك إلى نسخ حديث الصعب، وقال
مالك، والأوزاعيّ: لا يجوز قتل النساء، والصبيان، بحال حتى لو تترَّس أهل
الحرب بالنساء، والصبيان، أو تحصَّنوا بحصن، أو سفينة، وجعلوا معهم
النساء، والصبيان لم يَجُز رميهم، ولا تحريقهم.
وقد أخرج ابن حبان في حديث الصعب زيادة في آخره: ((ثم نَهَى عنهم
يوم حنين))، وهي مُذْرَجة في حديث الصعب، وذلك بُيِّن في سنن أبي داود،
فإنه قال في آخره: قال سفيان: قال الزهريّ: ثم نَهَى رسول الله وَّو بعد ذلك
عن قتل النساء والصبيان.
قال: ويؤيد كون النهي في غزوة حنين ما في حديث رياح بن الربيع:
((فقال لأحدهم: الْحَقْ خالداً، فقل له: لا تقتل ذريةً، ولا عسيفاً))، والعسيف
بمهملتين وفاء: الأجير وزناً ومعنَى، وخالد - يعني: ابن الوليد - أول مَشاهده
مع النبيّ وَ ﴿ غزوة الفتح، وفي ذلك العام كانت غزوة حنين.
وأخرج الطبرانيّ في ((الأوسط)) من حديث ابن عمر قال: ((لمّا دخل
النبيّ وَ﴿ مكة أَتِي بامرأة مقتولة، فقال: ما كانت هذه تقاتِل))، ونَهَى ... ،
فذكر الحديث.
وأخرج أبو داود في ((المراسيل)) عن عكرمة: ((أن النبيّ وَلو رأى امرأة
مقتولة بالطائف، فقال: ((ألم أنه عن قتل النساء؟ من صاحبها؟ فقال رجل: أنا
يا رسول الله، أردفتها، فأرادت أن تَصْرَعني، فتقتلني، فقتلتها، فأَمَر بها أن
تُوارَى))، ويَحْتَمِل في هذه التعدد.
والذي جنح إليه غيرهم الجمع بين الحديثين، كما تقدمت الإشارة إليه،
(١) ((صحيح ابن حبان)) ١/ ٣٤٧.

٣٩٣
(٩) - بَابُ جَوَازٍ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فِي الْبَاتِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ - حديث رقم (٤٥٣٩)
وهو قول الشافعيّ، والكوفيين، وقالوا: إذا قاتلت المرأة جاز قتلها، وقال ابن
حبيب من المالكية: لا يجوز القصد إلى قتلها إذا قاتلت، إلا إن باشرت
القتل، وقصدت إليه، قال: وكذلك الصبيّ المراهق.
قال: ويؤيد قول الجمهور ما أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وابن حبان،
من حديث رِيَاح بن الربيع - وهو بكسر الراء، والتحتانية - التميميّ قال: ((كنا
مع رسول الله وسلم في غزوة، فرأى الناس مجتمعين، فرأى امرأة مقتولةً، فقال:
ما كانت هذه لتقاتل)).
فإن مفهومه أنها لو قاتلت لَقُتلت، واتفق الجميع كما نقل ابن بطال وغيره
على منع القصد إلى قتل النساء والولدان، أما النساء فلِضَعفهنّ، وأما الولدان
فلقصورهم عن فعل الكفر، ولِمَا في استبقائهم جميعاً من الانتفاع بهم، إما
بالرقّ، أو بالفداء فیمن يجوز أن یفادى به.
وحَكَى الحازمي قولاً بجواز قتل النساء، والصبيان، على ظاهر حديث
الصعب ظه، وزعم أنه ناسخ لأحاديث النهي، وهو غريب. انتهى كلام
الحافظ تَّهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ ابن عبد البرّ دخّلُ: جعل الزهري حديث الصعب بن جثّامة
منسوخاً بنهي رسول الله وَ يّر عن قتل النساء، والولدان، وغيرُه يجعله مُحْكَماً غير
منسوخ، ولكنه مخصوص بالغارة، وترك القصد إلى قتلهم، فيكون النهي حينئذ
يتوجه إلى من قَصَد قَتْلَهم، وأما من قَصَد قتل آبائهم على ما أُمر به من ذلك
فأصابهم وهؤلاء يريدهم، فليس ممن توجَّه إليه الخطاب بالنهي عن قتلهم على
مثل تلك الحال، ومن جهة النظر لا يجب أن يتوجه النهي إلا إلى القاصد؛ لأن
الفاعل لا يستحقّ اسم الفعل حقيقة دون مجاز إلا بالقصد، والنية، والإرادة، ألا
ترى أنه لو وجب عليه فعل شيء ففعله، وهو لا يريده، ولا ينويه، ولا يقصده،
ولا يذكره، هل كان ذلك يجزي عنه من فعله، أو يسمى فاعلاً له؟ وهذا أصل
جسيم في الفقه، فافهمه. انتهى كلام ابن عبد البرّ كَُّ(٢)، وهو تحقيق مفيدٌ.
(١) ((الفتح)) ٢٦٧/٧ - ٢٦٨، كتاب ((الجهاد)) رقم (٣٠١٢).
(٢) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ١٤٥/١٦.

٣٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي هو ما قاله الجمهور من أن
حديث الصعب ظُبه ليس منسوخاً، وإنما هو محمول على حالة الاضطرار
إليه، بأن لا يُمكن الوصول إلى قتل الآباء إلا ببيات النساء والأطفال معهم،
فهذا هو الجمع الحسن بين الحديثين دون ادّعاء النسخ، فتأمله بالإمعان، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث الصعب بن جثّامة ظ ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥٣٩/٩ و٤٥٤٠ و٤٥٤١] (١٧٤٥)،
و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٣٠١٢)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٦٧٢)،
و(الترمذيّ) في ((الجهاد)) (١٥٧٠)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٠٨/٣ و٥/
١٨٥ - ١٨٦)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد)) (٢٨٣٩)، و(الشافعيّ) في ((مسنده))
(١٠٣/٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٢/٥)، و(الحميديّ) في ((مسنده)
(٧٨١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٨٨/١٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/
٣٧ و٣٨ و٧١ و٧٢ و٧٣)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١٠٤٤)، و(ابن
حبّان) في (صحيحه)) (١٣٦ و١٣٧ و٤٧٨٦ و٤٧٨٧)، و(سعيد بن منصور) في
(سننه)) (٢٨٢/٢)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٢٢/٣)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٨٦/٨ و٨٧ و٨٨) و((الأوسط)) (٢٤٧/٥)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (٢٢٢/٤ - ٢٢٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧٨/٩)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢٦٩٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أنه دليل على جواز العمل بالعامّ حتى يَرِدَ الخاص؛ لأن
الصحابة ﴿م تمسَّكوا بالعمومات الدالة على قتل أهل الشرك، ثم نَهَى النبيّ ◌ِيه
عن قتل النساء والصبيان، فخَصّ ذلك العموم.
٢ - (ومنها): أنه يَحْتَمِل - كما قال في ((الفتح)) - أن يُستدَلّ به على جواز
تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة.

٣٩٥
(٩) - بَابُ جَوَازٍ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فِي الْبَيَاتِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ - حديث رقم (٤٥٣٩)
٣ - (ومنها): أنه يُستنبط منه الردّ على من يتخلى عن النساء، وغيرهنّ من
أصناف الأموال زهداً؛ لأنهم وإن كان قد يحصل منهم الضرر في الدين، لكن
يتوقف تجنبهم على حصول ذلك الضرر، فمتى حصل اجتُنبن، وإلا فليُتَناوَل من
ذلك بقدر الحاجة(١).
٤ - (ومنها): أن فيه دليلاً على جواز البيات، وجواز الإغارة على من
بلغتهم الدعوة من غير إعلامهم بذلك.
٥ - (ومنها): أن أولاد الكفار حُكمهم في الدنيا حُكم آبائهم، وأما في
الآخرة ففيهم إذا ماتوا قبل البلوغ ثلاثة مذاهب: الصحيح أنهم في الجنة،
والثاني: في النار، والثالث: لا يُجزم فيهم بشيء، قاله النوويّ كَُّ(٢).
٦ - (ومنها): ما قال ابن بطّال ◌َّلهُ: لا يجوز عند جميع العلماء قصد
قتل نساء الحربيين، ولا أطفالهم؛ لأنهم ليسوا ممن يقاتلون في الغالب، وقال
تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٠]، وبذلك حَكم
الشارع في مغازيه أن تُقتل المقاتلة، وأن تُسبى الذريّة؛ لأنهم مال للمسلمين إذا
سُبُوا .
واتّفق الجمهور على جواز قتل النساء، والصبيان إذا قاتلوا، وهو قول
مالك، والليث، وأبي حنيفة، والثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد،
وإسحاق، وأبي ثور، وقال الحسن البصريّ: إن قاتلت المرأة، وخرجت معهم
إلى ديار المسلمين قُتلت، وقد قتل رسول الله وَليه يوم قريظة والخندق أم قرفة،
وقتل يوم الفتح قينتين كانتا تغنّيان بهجاء رسول الله أهله .
واتفق مالك، والكوفيون، والأوزاعيّ، والليث: أنه لا يُقتل الشيوخ،
ولا الرهبان، وأجاز قَتْلهم الشافعيّ في أحد قوليه، واحتجّ بأن رسول الله وَيه
أمر بقتل دُريد بن الصِّمّة يوم حنين، وكذلك أجمعوا أن من قاتل من الشيوخ
أنه يُقْتَل، واحتجّ الطحاويّ، فقال: قد رَوَى علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة،
عن أبيه: أن الرسول * كان إذا بعث سرية قال: ((لا تقتلوا شيخاً كبيراً))،
(١) ((الفتح)) ٢٦٨/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٣٠١٢).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٤٩/١٢.

٣٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وهذا خلاف حديث دريد، وقد قال رسول الله وَ ﴿ في حديث الْمُرَفّع بن صيفيّ
في المرأة المقتولة: ((ما كانت هذه تقاتل))، فدل ذلك أن من أبيح قتله هو الذي
يقاتل.
والذي يجمع بين الأحاديث أن النهي من الرسول وَلقر في قتل الشيوخ هم
الذين لا معونة لهم على شيء من أمر الحرب في قَتْل، ولا رأي، وحديث
دُريد في الشيوخ الذين لهم معونة في الحرب، كما كان لدُريد، فلا بأس
بقتلهم، وإن لم يكونوا يقاتلون؛ لأن تلك المعونة أشدّ من كثير من القتال،
وهذا قول محمد بن الحسن، وهو قياس قول أبي حنيفة، وأبي يوسف(١)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٥٤٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ،
عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ
جَثَّامَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نُصِيبُ فِي الْبَيَاتِ مِنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ؟
قَالَ: (هُمْ مِنْهُمْ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وکلّهم ذُكروا في الباب وقبل بابين.
وقوله: (فِي الْبَيَاتِ) بالفتح، وتخفيف المثنّاة: هو أن يؤخذ العدوّ على
غِرّة بالليل.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة، وله الفضل والنعمة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٥٤١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ
جُرَيْجِ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخُبَرَهُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ بِهِ قِيلَ لَهُ: لَوْ أَنَّ خَيْلاً
(١) ((شرح ابن بطال)) ١٧٠/٥ - ١٧١.

٣٩٧
(١٠) - بَابُ جَوَازِ قَطْعِ أَشْجَارِ الْكُفَّارِ، وَتَحْرِيقِهَا - حديث رقم (٤٥٤٢)
أَغَارَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَأَصَابَتْ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: ((هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
وکلّهم ذكروا في الباب، وقبل بابين.
وقوله: (أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قِيلَ لَهُ) تقدّم أن القائل هو الصعب ظُه نفسه.
وقوله: (لَوْ أَنَّ خَيْلاً) المراد بالخيل: المجاهدون الذين يركبون الخيل.
وقوله: (مِنَ اللَّيْلِ) ((من)) بمعنى ((في))، أو هي للتبعيض.
وقال القرطبيّ تَخّْثُ: قوله: ((لو أن خيلاً أغارت من الليل)): أي: أسرعت
طالبةً غِرَّة العدوّ، والإغارة: سرعة السير، ومنه قولهم: ((أَشْرِقْ ثبير كيما نُغِير)):
أي: نسرع في النَّفْر. والغارة: الخيل نفسها، وشَنّ الغارة؛ أي: أرسل الخيل
مسرعة، ويقال: أغارت الخيل ليلاً، وضُحَّى، ومساءً، إذا كان ذلك في تلك
الأوقات، فأما البيات: فهو أن يؤخذ العدوّ على غِرّة بالليل، انتهى (١).
وقوله: (مِنْ أَبْنَاءِ الْمُشْرِكِينَ) ((من)) هنا بمعنى بعض.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله
الحمد والمنّة، وله الفضل والنعمة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١٠) - (بَابُ جَوَازِ قَطْع أَشْجَارِ الْكُفَّارِ، وَتَحْرِيقِهَا)
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٥٤٢] (١٧٤٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، قَالَا:
أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عُّبْدِ اللهِ:
((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَقَطَعَ، وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ»،َ زَادَ قُتَيْبَةُ، وَابْنُ
رُمْحِ فِي حَدِيثِهِمَا: فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّبِنَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآَيِمَةً عَلَى أُصُولِهَا
[الحشر: ٥]).
فَإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِىَ الْفَسِفِينَ
(١) ((المفهم)) ٥٢٨/٣ - ٥٢٩.

٣٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
رجال هذا الإسناد: ستة:
وقد تقدّم السند نفسه قبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف نَّثُ، وهو (٣٠٣) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو ابن عمر ﴿يَا؛ لِمَا تقدّم قريباً، (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴾
حَرَّقَ) بتشديد الراء، (نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ) - بفتح النون، وكسر الضاد المعجمة -:
هم قبيلة كبيرة من اليهود، قال في ((الفتح)): كان الكفار بعد الهجرة مع النبيّ وَليل
على ثلاثة أقسام: قسم وادَعَهم على أن لا يحاربوه، ولا يمالئوا عليه عدوّه،
وهم طوائف اليهود الثلاثة: قريظة، والنضير، وقينقاع، وقسم حاربوه، ونصبوا
له العداوة، كقريش، وقسم تاركوه، وانتظروا ما يؤول إليه أمره، كطوائف من
العرب، فمنهم من كان يحب ظهوره في الباطن، كخزاعة، وبالعكس، كبني
بكر، ومنهم من كان معه ظاهراً، ومع عدوه باطناً، وهم المنافقون، فكان أول
من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع، فحاربهم في شوال بعد وقعة بدر، فنزلوا
على حكمه، وأراد قتلهم، فاستوهبهم منه عبد الله بن أَبَيّ، وكانوا حلفاءه،
فوهبهم له، وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات، ثم نقض العهد بنو النضير،
وكان رئيسهم محُبَيّ بن أخطب، ثم نقضت قريظة.
- وأخرج عبد الرزاق في ((مصنفه)): عن معمر، عن الزهريّ، عن عروة:
((ثم كانت غزوة بني النضير، وهم طائفة من اليهود، على رأس ستة أشهر من
وقعة بدر، وكانت منازلهم، ونخلهم بناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله وَلا قه
حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقَلَّت الإبل من الأمتعة، والأموال،
لا الحلقة - يعني: السلاح - فأنزل الله فيهم: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ﴾ إلى قوله: ﴿لِأَوَّلِ
الْخَشْرِ﴾ [الحشر: ١، ٢]، وقاتَلَهم حتى صالَحهم على الجلاء، فأجلاهم إلى
الشام، وكانوا من سِبْطٍ لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب عليهم
الجلاء، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسباء.
وذكر ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيره من أهل العلم:

٣٩٩
(١٠) - بَابُ جَوَازِ قَطْعِ أَشْجَارِ الْكُفَّارِ، وَتَحْرِيقِهَا - حديث رقم (٤٥٤٢)
أن عامر بن الطفيل أعتق عمرو بن أمية لَمَّا قَتَل أهل بئر معونة عن رقبة كانت
على أمه، فخرج عمرو إلى المدينة، فصادف رجلين من بني عامر، معهما عَقد
وعَهد من رسول الله وَ﴿ لم يشعر به عمرو، فقال لهما عمرو: ممن أنتما؟
فذكرا أنهما من بني عامر، فتركهما حتى ناما، فقتلهما عمرو، وظنّ أنه ظَفِرَ
ببعض ثأر أصحابه، فأُخبِر رسول الله وَ ل# بذلك، فقال: ((لقد قتلت قتيلين
لأُ ودِینَّهما)). انتهى.
قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله وَ﴿ إلى بني النضير يستعينهم في
ديتهما، فيما حدثني يزيد بن رُومان، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد
وحِلْف، فلما أتاهم يستعينهم قالوا: نعم، ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا:
إنكم لن تجدوه على مثل هذه الحال، قال: وكان جالساً إلى جانب جدار لهم،
فقالوا: مَن رجلٌ يعلو على هذا البيت، فيلقي هذه الصخرة عليه، فيقتله،
ويريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، فأتاه الخبر من
السماء، فقام مظهراً أنه يقضي حاجة، وقال لأصحابه: ((لا تبرحوا))، ورجع
مسرعاً إلى المدينة، واستبطأه أصحابه، فأُخبروا أنه توجه إلى المدينة، فلحقوا
به، فأمر بحربهم، والمسير إليهم، فتحصّنوا، فأمر بقطع النخل والتحريق.
وذكر ابن إسحاق أنه حاصرهم ست ليال، وكان ناس من المنافقين بعثوا
إليهم أن اثبتوا، وتمنَّعوا، فإن قوتلتم قاتلنا معكم، فتربصوا، فقذف الله في
قلوبهم الرعب، فلم ينصروهم، فسألوا أن يُجلوا عن أرضهم، على أن لهم ما
حَمَلت الإبل، فصولحوا على ذلك.
وروى البيهقيّ في ((الدلائل)) من حديث محمد بن مسلمة: أن رسول الله
بعثه إلى بني النضير، وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاثة أيام.
قال ابن إسحاق: فاحتملوا إلى خيبر، وإلى الشام، قال: فحدّثني
عبد الله بن أبي بكر أنهم جلوا عن الأموال من الخيل، والمزارع، فكانت
لرسول الله صل* خاصّة.
قال ابن إسحاق: ولم يُسْلم منهم إلا يامين بن عمير، وأبو سعيد بن
وهب، فأحرزا أموالهما.
ورَوَى ابن مردويه قصة بني النضير بإسناد صحيح، إلى معمر، عن

٤٠٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
الزهريّ: أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من
أصحاب النبيّ وَل* قال: كتب كفار قريش إلى عبد الله بن أَبَيّ وغيره ممن يعبد
الأوثان قبل بدر يهددونهم بإيوائهم النبيّ وَّر وأصحابه، ويتوعدونهم أن يغزوهم
بجميع العرب، فهَمّ ابن أَبَيّ ومن معه بقتال المسلمين، فأتاهم النبيّ وَّر،
فقال: ((ما كادكم أحد بمثل ما كادتكم قريش، يريدون أن تُلْقُوا بأسكم بينكم))،
فلما سمعوا ذلك عرفوا الحقّ، فتفرقوا، فلما كانت وقعة بدر كتبت كفار قريش
بعدها إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة، والحصون، يتهددونهم، فأجمع بنو
النضير على الغدر، فأرسلوا إلى النبيّ وَّر: اخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك،
ويلقاك ثلاثة من علمائنا، فإن آمنوا بك اتبعناك، ففعل فاشتمل اليهود الثلاثة
على الخناجر، فأرسلت امرأة من بني النضير إلى أخ لها من الأنصار مسلم
تخبره بأمر بني النضير، فأخبر أخوها النبيّ ◌َّ ه قبل أن يصل إليهم، فرجع،
وصَبّحهم بالكتائب، فحصرهم يومه، ثم غدا على بني قريظة، فحاصرهم،
فعاهدوه، فانصرف عنهم إلى بني النضير، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء،
وعلى أن لهم ما أقلّت الإبل، إلا السلاح، فاحتَمَلوا حتى أبواب بيوتهم،
فكانوا يُخْرِبون بيوتهم بأيديهم، فيهدمونها، ويحملون ما يوافقهم من خشبها،
وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام. وكذا أخرجه عبد بن حميد في
(تفسيره))، عن عبد الرزاق. انتهى(١).
(وَقَطَعَ) بفتح القاف، والطاء المهملة، مبنيّاً للفاعل، ويَحتَمِل تشديد الطاء
للمبالغة؛ أي: قطع النبيّ وَّهِ أشجارهم، (وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ) بالموحدة مصغرُ بُؤْرَة،
وهي الْحُفْرة، وهي هنا مكان معروف بين المدينة وبين تيماء، وهي من جهة
قبلة مسجد قباء إلى جهة الغرب، ويقال لها أيضاً: البويلة باللام بدل الراء،
قاله في ((الفتح))(٢).
(زَادَ قُتَيْبَةُ) بن سعيد (وَ) محمد (بْنُ رُمْحِ فِي حَدِيثِهِمَا) وقوله:
(١) ((الفتح)) ٨٥/٩ - ٨٨، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٢٨).
(٢) ((الفتح)) ٩/ ٩٠، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٢٨).