النص المفهرس
صفحات 301-320
(١) - بَابُ جَوَازِ الإِغَارَةِ عَلَى الْكُفَّارِ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمْ ... إلخ - حديث رقم (٤٥١١) ٣٠١ رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ) البصريّ، ثقةٌ ضابط [٨] (ت١٨٠) (م د ت س) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٣٠٨/٢٠. ٢ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٥] (ت ١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٣. والباقون تقدّموا قبل بابين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن عمر ظها من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة . شرح الحديث: (عَن) عبد الله (بْنِ عَوْنٍ) أنه (قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعِ) مولى ابن عمر (أَسْأَلُهُ عَنِ الدُّعَاءِ)؛ أي: عن دعاء المشركين إلى الإسلامِ (قَبْلَ الْقِثَالِ، قَالَ) ابن عون: (فَكَتَبَ إِلَيَّ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ)؛ أي: الدعاء قبل القتال (فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ) ظاهر هذا يُفهم منه أن حكم الدعوة إلى الإسلام كان متقدّماً، وأنه منسوخ بقضيّة بني المصطلق، وقال في ((الفتح)): استدَلّ نافع بهذا الحديث على نسخ الأمر بالدعاء إلى الإسلام قبل القتال. انتهى، لكن الأولى أن يُحْمَل على من بلغهم الدعوة من الكفّار، وهكذا كان حال بني المصطلق، كما يأتي تحقيقه. وقوله: (قَدْ أَغَارَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ) جملة مستأنفة سيقت تعليلاً لقوله: ((إنما ذلك في أول الإسلام))، ومعنى ((أغار)): أرسل عليهم الغارة، وهي الخيل التي تُغير في أول النهار، (عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ) - بضم الميم، وسكون الصاد المهملة، وفتح الطاء، وكسر اللام، بعدها قاف - وبنو المصطلِق بطن شهير من خُزاعة، وهو الْمُصْطَلِقِ بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، ويقال: إن المصطلِقِ لقب، واسمه جَذِيمة - بفتح الجيم، بعدها ذال معجمة مكسورة - وغزوة بني المصطلق، وهي غزوة المُريسيع، كما قاله البخاريّ في ((صحيحه))، كانت سنة ستّ، قاله ابن إسحاق، وقيل: سنة خمس، قاله موسى بن عُقبة، وفيها كان حديث الإفك المشهور. ٣٠٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير [تنبيه]: ذكر ابن إسحاق عن مشايخه: عاصم بن عمر بن قتادة، وغيره أنه * بلغه أن بني المصطلِقِ يجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضِرار، فخرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم، يقال له: المريسيع قريباً من الساحل، فزاحف الناس، واقتتلوا فهزمهم الله، وقتل منهم، ونفل رسول الله وَليه نساءهم، وأبناءهم، وأموالهم. قال الحافظ تَّتُهُ: كذا ذكر ابن إسحاق بأسانيد مرسلة، وحديث ابن عمر ◌ًا الذي في ((الصحيح)): ((أن النبيّ وَّليل أغار على بني المصطلِق، وهم غارّون، وأنعامهم تُستقى على الماء، فقَتَل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم ... )) الحديث يدلّ على أنه أغار عليهم على حين غفلة منهم، فأوقع بهم، فيَحْتَمِل أن يكون حين الإيقاع بهم ثبتوا قليلاً، فلما كَثُر فيهم القتل انهزموا، بأن يكون لَمّا دَهَمَهم وَهُم على الماء ثَبَتُوا، وتصافُوا، ووقع القتال بين الطائفتين، ثم بعد ذلك وقعت الغلبة عليهم. وقد ذكر هذه القصة ابن سعد نحو ما ذكر ابن إسحاق، وأن الحارث كان جمع جُموعاً، وأرسل عيناً تأتيه بخبر المسلمين، فظَفِروا به فقتلوه، فلما بلغه ذلك هَلَعَ، وتفرق الجمع، وانتهى النبيّ وَّهِ إلى الماء، وهو المريسيع، فصَفّ أصحابه للقتال، ورَمَوهم بالنبل، ثم حملوا عليهم حملة واحدة، فما أفلت منهم إنسان، بل قُتِل منهم عشرة، وأُسر الباقون رجالاً، ونساءً. وساق ذلك اليعمريّ في ((عيون الأثر))، ثم ذكر حديث ابن عمر، ثم قال: أشار ابن سعد إلى حديث ابن عمر، ثم قال: الأول أثبت. قال الحافظ: آخر كلام ابن سعد، والحُكم بكون الذي في السير أثبت مما في ((الصحيح)) مردود، ولا سيما مع إمكان الجمع، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ تَّقُ(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. (وَهُمْ غَارُونَ) - بالغين المعجمة، وتشديد الراء: جمع غارّ بالتشديد -؛ أي: غافلون؛ أي: أخذهم على غِرّة، والغِرّة بالكسر: الغفلة، والجملة في محلّ نصب على الحال، وكذا قوله: (وَأَنْعَامُهُمْ) - بفتح الهمزة: جمع نَعَم - (١) ((الفتح)) ٩/ ٢٤٣، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٣٨). ٣٠٣ (١) - بَابُ جَوَازِ الإِغَارَةِ عَلَى الْكُفَّارِ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمْ ... إلخ - حديث رقم (٤٥١١) بفتحتين - وهي الإبل، والبقر، والغنم، (تُسْقَى) بالبناء للمفعول، (عَلَى الْمَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ)؛ أي: الرجال الصالحين للقتال، والمطيقين له، (وَسَبَى سَبْيَهُمْ) يفتح، فسكون: هم: الذراريّ، والنساء، (وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ)؛ أي: يوم غزوة بني المصطلِقِ، (قَالَ يَحْيَى) بن يحيى شيخ المصنّف: (أَحْسِبُهُ)؛ أي: أظنّ شيخي سُليم بن أخضر (قَالَ -: جُوَيْرِيَةَ) بالنصب على أنه مفعول ((أصاب))، (أَوْ قَالَ الْبَنَّةَ)؛ أي: أو قال قطعاً دون تردّد، يقال: لا أفعله البتّةَ، أو بتّةً: لكل أمر لا رجعة فيه، قاله المجد كَذّثهُ(١). قال النوويّ تَخْلُهُ: أما قوله: ((أو البتة)) فمعناه: أن يحيى بن يحيى قال: أصاب يومئذ بنت الحارث، وأظن شيخي سُلَيم بن أخضر سماها في روايته جويرية، أو أعْلَمُ ذلك، وأجزم به، وأقوله الْبَثَّةَ، وحاصله أنها جويرية فيما أحفظه إما ظنّاً، وإما علماً، وفي الرواية الثانية قال: هي جويرية بنت الحارث بلا شك. انتھی(٢). وقال القاضي عياض تَظُّهُ: قوله: ((قال يحيى: أحسبه قال: جويرية، أو البتّة ... إلخ)): كذا روينا هذا الحرف، وكذا صوابه، ومعناه: أن يحيى بن يحيى راويه هل حقّق سماعها؟ فقال: أحسبه قال: جويرية، شكّ في هذه اللفظة في اسم جويرية، ثم غلب على ظنّه صحّة ذلك، فقال: ((أو البتّة))، ولم يشكّ في قوله: ((ابنة الحارث))، ويدلّ على ما ذهبنا إليه قوله في حديث محمد بن المثنّى بعده: ((جويرية بنت الحارث))، ولم يشكّ، وكان يحيى بن يحيى؛ لكثرة تحرّيه كثيراً ما يَعْرِض له الشكّ في بعض ألفاظ الحديث، ولذلك كانوا يلقبونه بالشكّاك. قال: وقد رأيت بعض عظماء أهل الحديث من المصنّفين سقط في هذا الحديث سقوطاً عجيباً، قال: فضبطه في كتابه ((البتّة))، وجعله اسماً لجويرية، وهو وَهَمِّ، وتصحيفٌ لا شكّ فيه. انتهى كلام القاضي عياض ◌َّتُهُ(٣). وقال القرطبيّ تَخْتُ: وقوله: ((قال يحيى: أحسبه قال: جويرية، أو قال: (١) ((القاموس المحيط)) ص٧٦. (٣) ((إكمال المعلم)) ٢٨/٦. (٢) ((شرح النوويّ)) ٣٦/١٢. ٣٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير ابنة الحارث)»، هكذا صواب هذه الرواية، بإسقاط: ((البتة))، وقد غَلِط فيها بعض النَّقلة، فظنّ: أن يحيى إنما شك في اسم ابنة الحارث، هل هو جويرية، أو البتة؟ وحمله على ذلك الأخذُ بظاهر ذلك اللفظ المصحَّف، وهو غلطٌ فاحشٌ؛ لأنه لم يذهب أحدٌ من الناس إلى أن اسم ابنة الحارث هذه: البتة، وإنما يحيى بن يحيى شكّ في سماع اسم جويرية، ثم بَتّ القضية، وحقق السَّماع لاسمها؛ بدليل قوله في الرواية الأخرى: ((جويرية ابنة الحارث))، ولم يشك، والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ كَّفُ(١). وقوله: (ابْنَةَ الْحَارِثِ) صفة لـ(جُويرية))، فهي: جُويرية - بالجيم، مصغراً - هي: بنت الحارث بن أبي ضِرَار - بكسر المعجمة، وتخفيف الراء - ابن الحارث بن مالك بن المصطلِق، وكان أبوها سيد قومه، وقد أسلم بعد ذلك(٢) قال نافع: (وَحَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب (وَكَانَ)؛ أي: عبد الله (فِي ذَاكَ الْجَيْشٍ)؛ أي: جيش النبيّ ◌َّر الذي غزا به بني المصطلق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥١١/١] (١٧٣٠)، و(البخاريّ) في ((العتق)) (٢٥٤١) و((الجهاد)) (٢٩٣٨)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٦٣٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٧١/٥)، و(الشافعيّ) في («مسنده)) (٣١٤/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٧٧/٦ و٣٨٠/٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١/٢ و٣٢ و٥١)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٢٦٢/١)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (٢/ ٢٢٩)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٦٠/٢٤)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني (١) ((المفهم)) ٥١٨/٣ - ٥١٩. (٢) ((الفتح)) ٦/ ٣٧٣، كتاب ((العتق)) رقم (٢٥٤١). ٣٠٥ (١) - بَابُ جَوَازِ الإِغَارَةِ عَلَى الْكُفَّارِ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمْ ... إلخ - حديث رقم (٤٥١١) الآثار)) (٢٠٩/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٨/٩ و٥٤ و٦٤ و٧٩ و١٠٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم الدعوة من غير إنذار بالإغارة، وسيأتي تمام البحث في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): بيان جواز استرقاق العرب؛ لأن بني المصطلق عرب من خزاعة، وهذا قول الشافعيّ في الجديد، وهو الصحيح، وبه قال مالك وجمهور أصحابه وأبو حنيفة والأوزاعيّ وجمهور العلماء، وقال جماعة من العلماء: لا يُسترقّون، وهذا قول الشافعيّ في القديم، قاله النوويّ تَخْذُهُ(١). وقال القاضي عياض كثّثُ: وفي هذا الحديث جواز استرقاق العرب؛ لأن بني المصطلق من خُزاعة، وذكر سبيه ذراريّهم، وهو قول مالك، وعامّة أصحابه، وأن الجزية تؤخذ منهم، وقاله الأوزاعيّ، وقال ابن وهب من أصحابنا: لا تؤخذ الجزية منهم، فتأول عليه أنهم لا يُسترقّون، وحكى بعض شيوخنا ذلك عن الشافعيّ، وأبي حنيفة، والمعروف عن الشافعيّ أخذ الجزية منهم، ومَنَعها أبو يوسف، وقال مثله أبو حنيفة في أهل الأوثان منهم، قالوا: إما أن يُسلموا، أو يُقتلوا، والأحاديث كلها في بني المصطلق، وهوازن، وبني العنبر، وبني فزارة، وغيرهم تدلّ على استرقاقهم. وبني المصطلق هؤلاء كانوا أهل كتاب على اليهوديّة، وكانوا من مجاوري المدينة بحيث بلغتهم الدعوة بغير شكّ، قال القاضي إسماعيل: أمر الله تعالى بقتال العرب عبدة الأوثان على الإسلام خاصّةً، وسائر الكفرة على الإسلام، أو الجزية. واختلف في نصارى العرب، هل حكمهم حكم المشركين، أو أهل الكتاب؟ قال: وكتاب الله وَك يشهد أنهم منهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّم ◌ِنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ الآية [المائدة: ٥١] انتهى(٢) . ٣ - (ومنها): بيان عدم قتل النساء، والذرّيّة، وإنما القتال للرجال (١) ((شرح النوويّ)) ٣٦/١٢. (٢) ((إكمال المعلم)) ٢٩/٦ - ٣٠. ٣٠٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير البالغين المقاتلين، وأما النساء، والذرّيّة فيُسبَوْن، ويُسترقّون، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخْتُ: وقول نافع - وقد سئل عن الدعوة قبل القتال -: ((أنها كانت في أول الإسلام))، واستدلاله بقضية بني المصطلق؛ يُفْهَم منه أن حكم الدعوة كان متقدماً، وأنه منسوخ بقضية بني المصطلق، وبه تمسَّك من قال بسقوط الدعوة مطلقاً، ومنهم من ذهب إلى أنها واجبة مطلقاً، متمسّكاً بظاهر وصية النبيّ ◌َ ر بذلك أمراءه، ولم تصلح عنده قضية بني المصطلق لأن تكون ناسخة لذلك؛ لأن تلك الوصايا تقعيد قاعدة عامة، وقضية بني المصطلق قضية في عين؛ ولأن الوصية قول، وقضية بني المصطلق فعل، والفعل لا ينسخ القول على ما يُعرف في الأصول. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((والفعل لا ينسخ القول)) هذا قول مرجوح، فقد حقّقت في ((التفحة المرضيّة))، و((شرحها)) في الأصول أن الصحيح أن الفعل مثل القول، فيُنسخ به القول، كما يُنسخ بالقول؛ لأدلة كثيرة مذكورة هناك، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق. قال: والذي يجمع بين هذه الأحاديث صريح مذهب مالك، وهو أنه قال: لا يُقاتَل الكفار قبل أن يُدْعَوا، ولا تُلتمس غِرّتهم، إلا أن يكونوا ممن بلغتهم الدعوة، فيجوز أن تؤخذ غرتهم، وعلى هذا فيُحْمَل حديث بني المصطلق: على أنهم كانوا قد بلغتهم الدعوة، وعرفوا ما يطلبه المسلمون منهم، وهذا الذي صار إليه مالك هو الصحيح؛ لأن فائدة الدَّعوة أن يعرف العدو أن المسلمين لا يقاتلون للدنيا، ولا للعصبية، وإنما يقاتلون الدِّين. وإذا علموا بذلك أمكن أن يكون ذلك سبباً مُمِيلاً لهم إلى الانقياد للحق بخلاف ما إذا جهلوا مقصود المسلمين، فقد يظنون أنهم يقاتلون للفتك، وللدنيا، فيزيدون عتوّاً، وتعصباً. انتهى كلام القرطبيّ تَّقُ(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الإغارة على العدوّ قبل الإنذار: (١) ((المفهم)) ٥١٧/٣ - ٥١٨. ٣٠٧ (١) - بَابُ جَوَازِ الإِغَارَةِ عَلَى الْكُفَّارِ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمْ ... إلخ - حديث رقم (٤٥١٢) قال النوويّ تَخّْلهُ: في هذه المسألة ثلاثة مذاهب حكاها المازريّ، والقاضي عياض: أحدها: يجب الإنذار مطلقاً، قاله مالك وغيره، وهذا ضعيف. قال الجامع عفا الله عنه: نسبة هذا القول إلى مالك: فيه نظر؛ لأنه يعارض ما ذكره القرطبيّ، فإنه نَسب إليه أنه يقول: تجب الدعوة إلا لمن بلغته، فتجوز إغارتهم، وهو قريب من المذهب الثالث الذي صححه النوويّ، فتأمل، والله تعالى أعلم. والثاني: لا يجب مطلقاً، وهذا أضعف منه، أو باطل. والثالث: يجب إن لم تبلغهم الدعوة، ولا يجب إن بلغتهم، لكن يُستحب، وهذا هو الصحيح، وبه قال نافع مولى ابن عمر، والحسن البصريّ، والثوريّ، والليث، والشافعيّ، وأبو ثور، وابن المنذر، والجمهور، قال ابن المنذر: وهو قول أكثر أهل العلم. وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه، فمنها هذا الحديث، وحديث قتل كعب بن الأشرف، وحديث قتل ابن أبي الْحُقَيق. انتهى كلام النوويّ تَخْتُهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ. والحاصل أن ما ذهب إليه الجمهور من وجوب الإنذار لمن لم تبلغهم الدعوة، وعدم وجوبه لمن بلغتهم، بل هو مستحبّ هو الصحيح، كما دلّت عليه الأحاديث الصحيحة، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٥١٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ، وَقَالَ: جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، وَلَمْ يَشَُّكَ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب. (١) ((شرح النوويّ)) ٣٦/١٢. ٣٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير ٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٨/٦. و((ابن عو)) هو: عبد الله، ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية ابن أبي عديّ، عن ابن عون ساقها البيهقيّ في ((الكبرى)) مقرونة برواية معاذ بن معاذ، فقال: (١٧٨٠٢) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن عبد الله، أنبأ يزيد بن هارون، أنبأ ابن عون (ح) قال: وأخبرنا أبو الفضل بن إبراهيم، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن أبي عديّ، ومعاذ بن معاذ، قالا: ثنا ابن عون، قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، قال: إنما كان ذلك الدعاء في أصل الإسلام، قد أغار رسول الله وَل﴿ على بني المصطلِق، وهم غارّون، وأنعامهم تُسْقَى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى سبيهم، وأصاب يومئذ جويرية بنت الحارث، حدّثني بهذا عبد الله بن عمر، وكان في ذلك الجيش، وفي رواية يزيد: إنما ذلك بعد الدعاء في أول الإسلام، والباقي سواء. انتهى (١)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ . (٢) - (بَابُ تَأْمِيرِ الإِمَامِ الأُمَرَاءَ عَلَى الْبُعُوثِ، وَوَصِيَّتِهِ إِنَّاهُمْ بِآدَابِ الْغَزْوِ، وَغَيْرِهَا) [٤٥١٣] (١٧٣١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عَنْ سُفْيَانَ (ح) وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: أَمْلَاهُ عَلَيْنَا إِمْلَاءً (ح) وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِم - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الرحمن - يعني: ابْنَ مَهْدِيٌّ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلْقَّمَةَ بْنِ مَرْنَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ بِهِ إِذَا أَمَّرَ أَمِيراً عَلَى جَيْشٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْراً، ثُمَّ (١) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ٦٤/٩. ٣٠٩ (٢) - بَابُ تَأْمِيرِ الإِمَامِ الأُمَرَاءَ عَلَى الْبُعُوثِ، وَوَصِيَّتِهِ إِيَّهُمْ ... إلخ - حديث رقم (٤٥١٣) قَالَ: ((اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ، فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا، وَلَا تَغُلُّوا(١)، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَّمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيداً، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوََّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ - أَوْ خِلَالٍ - فَأَبَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوَكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوَكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا، فَأَخْبِرُهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ، وَالْفَيْءٍ شَيْءٌ، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا، فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا، فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ، فَأَرَادُوَكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ، وَذِمَّةَ نَبِّهِ، فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ، وَلَا ذِمَّةَ نَبِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ، وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ، وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ، وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ، فَأَرَادُوَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتْصِيبُ حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ، أَمْ لَا؟))َ، قَالَ عَبْدُ الرحمْنِ هَذَا، أَوْ نَحْوَهُ، وَزَادَ إِسْحَاقُ فِي آخِرٍ حَدِيثِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ: قَالَ: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّنَ - قَالَ يَحْبَى: يعني: أَنَّ عَلْقَمَةَ يَقُولُهُ لِاِبْنٍ حَيَّنَ - فَقَالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ هَيْصَمِ، عَنِ التَّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ) تقدّم قبل بابين. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريباً. (١) وفي نسخة: ((فلا تغلّوا)). ٣١٠ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير ٤ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريّا الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِم) بن حيّان الْعَبْديّ، أبو عبد الرحمن الظُّوسيّ، سكن نيسابور، ثقةٌ صاحب حديث، من صغار [١٠] مات سنة بضع و(٢٥٠) (م) من أفراد المصنّف تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣. ٦ - (عَبْدُ الرحمْنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتُ حافظٌ عارف بالرجال والحديث [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٨. ٧ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قريباً . ٨ - (عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْئَدٍ) الحضرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٤٨/٢٥. ٩ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ) بن الْحُصيب الأسلميّ المروزيّ قاضيها، ثقةٌ [٣] (ت١٠٥) وله (٩٠) سنةً (م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ٦٤٨/٢٥. ١٠ - (أَبُوهُ) بريدة بن الحصيب الأسلميّ، أبو عبد الله، وقيل غيره، الصحابيّ المشهور، مات سنة (٦٣) (ع) تقدم في ((الإيمان) ٥٣٣/١٠٠. شرح الحديث: (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بريدة بن الْحُصَيب ◌َظُهُ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ إِذَا أَمَّرَ) بتشديد الميم، من التأمير؛ أي: جعل أحداً (أَمِيراً عَلَى جَيْشٍ) - بفتح الجيم، وسكون التحتانيّة -: الجند، أو السائرون لحرب، أو غيرها، قاله المجد (١). (أَوْ سَرِيَّةٍ) بفتح السين المهملة، وتشديد التحتانيّة: هي قطعة من الجيش، تخرج منه، تُغِير، وترجع إليه، قال إبراهيم الحربيّ: هي الخيل تبلغ أربعمائة، ونحوها، قالوا: سُمِّيت سَرِيّةً؛ لأنها تَسْرِي في الليل، ويَخْفَى ذهابها، وهي فَعِيلة بمعنى فاعلة، والجمع: سَرَايا، وسريّات، مثل عطيّة، وعطايا، وعطيّات، يقال: سرى، وأسرى: إذا ذهب ليلاً، قال النوويّ تَقْذَهُ(٢). (١) ((القاموس المحيط)) ص٢٥٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٢/ ٣٧. ٣١١ (٢) - بَابُ تَأْمِيرِ الإِمَامِ الأُمَرَاءَ عَلَى الْبُعُوثِ، وَوَصِيَّتِ إِيَّهُمْ ... إلخ - حديث رقم (٤٥١٣) (أَوْصَاهُ)؛ أي: أمر ذلك الأمير، قال الفيّوميّ تَخْدُهُ: ((وأَوْصَيْتُهُ بالصلاة»: أمرته بها، وعليه قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّنَكُم بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِيَّ أَوْلَدِكُمْ﴾ [النساء: ١١]؛ أي: يأمركم، وفي حديثٍ: ((خَطَبَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَأَوْصَى بِتَقْوَى اللهِ)): معناه: أَمَرَ، فيعمّ الأمر بأيّ لفظ كان، نحو: ((اتقوا الله))، و((أطيعوا الله))، وكذلك الخبرُ إذا كان فيه معنى الطلب، نحو: ((لقد فاز من اتقى))، و((طُوبى لمن وسعته السُّنَّة، ولم تستهوه البدعة))، ((ورَحَمَ الله من شَغَله عيبه عن عيوب الناس))، ولا يتعيّن في الخطبة ((أُوصيكم))، كيف ولفظ الوصيّة مشترك بين التذكير، والاستعطاف، وبين الأمر، فيتعيّن حمله على الأمر، ويقوم مقامه كل لفظ فيه معنى الأمر. انتهى(١). (فِي خَاصَّتِهِ)؛ أي: في حقّ نفسه خصوصاً، (بِتَقْوَى اللهِ) متعلّق بـ((أوصاه))؛ أي: أَمَره بالتحرّز بطاعته من عقابه، وقوله: (وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْراً) معطوف على ((خاصّته))؛ أي: أوصاه بالمسلمين الذين غزوا معه أن يفعل معهم خيراً، و((خيراً)) منصوب بنزع الخافض؛ أي: بخير، قال الطيبيّ تَكْثُهُ: و((من)) في محل الجرّ، وهو من باب العطف على عاملين مختلفين، كأنه قيل: أوصى بتقوى الله في خاصة نفسه، وأوصى بخير فيمن معه من المسلمين، وفي اختصاص التقوى بخاصة نفسه، والخير بمن معه من المسلمين إشارةٌ إلى أنّ عليه أن يَشدّد على نفسه فيما يأتي، ويَذَرُ، وأن يُسَهِّل على من معه من المسلمين، ويَرْفُق بهم، كما ورد: (يسِّروا، ولا تعسِّروا، وبشِّروا، ولا تنفِّروا))، متّفق عليه، وقيل: ((ومن معه)) مجرور عطفاً على الضمير المجرور في ((خاصّته)). انتهى (٢). (ثُمَّ قَالَ) وَرِ («اغْزُوا) بوصل الهمزة، وضمّ الزاي: أمرٌ من الغزو، يقال: غزاه غَزْواً: أراده، وطلبه، وقصده، كاغتزاه، وغزا العدوَّ: سار إلى قتالهم، وانتهابهم غَزْواً، وغَزَوَاناً، وغَزَاوَةً، وهو غازٍ، قاله المجد ◌َُّهُ(٣)، (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٦٢. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٩٤/٨ - ٢٦٩٥. (٣) ((القاموس المحيط)) ص ٩٤٧. ٣١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير وقوله: (بِاسْم اللهِ، فِي سَبِيلِ اللهِ) متعلّقان بـ((اغزوا))، ويجوز أن يكون الثاني ظرفاً، والأولَ حالاً، ويجوز أن يتعلّق الثاني بالحال؛ أي: اغزوا مستعينين بالله، في سبيل الله ◌َ، قاله الطيبيّ كَُّ(١)، وقوله: (قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ) جملة مُوضّحة لـ((اغزوا))، وأعاد قوله: (اغْزُوا) ليُعقبه بالمذكورات بعده، وهي قوله: ((ولا تغلّوا)). وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((قاتلوا من كفر بالله)) هذا العموم يَشمَل جميع أهل الكفر، المحاربين وغيرهم، وقد خُص منه من له عهد، والرُّهبان، والنِّسوان، ومن لم يبلغ الحلم، وقد قال متصلاً به: ((ولا تقتلوا وليداً)، وإنما نُهِيَ عن قتل الرهبان، والنساء؛ لأنهم لا يكون منهم قتال غالباً، فإن كان منهم قتال، أو تدبير، أو أذىّ قُتلوا؛ ولأن الذراريّ، والأولاد مالٌ، وقد نَهَى رسول الله ◌َ﴿ عن إضاعة المال. انتهى (٢). (وَلَا تَغُلُّوا) وفي بعض النسخ: ((فلا تغلّوا)) بالفاء، وهو بضمّ الغين المعجمة، وتشديد اللام؛ أي: لا تخونوا في الغنيمة، قال الفيّوميّ: وغَلّ غُلُولاً، من باب قَعَد، وأغلّ بالألف: خان في المغنم وغيره، وقال ابن السّكّيت: لم نسمع في المغنم إلا غلّ ثلاثيّاً، وهو متعدّ في الأصل، لكن أُمیت مفعوله، فلم يُنطق به. انتهى(٣). (وَلَا تَغْدِرُوا) من الغدر، وهو ضدّ الوفاء، يقال: غَدَرَهُ، وغَدَر به، كَنَصَرَ، وضرب، وسَمِعَ: غَدْراً وغَدَراناً - محرّكةً -، قاله المجد تَّئُ(٤). والمعنى: لا تنقضوا العهد، أو لا تحاربوهم قبل أن تدعوهم إلى الإسلام، (وَلَا تَمْثُلُوا) بضمّ الثاء المثلّثة؛ أي: لا تقطعوا الأطراف، قال الفيّوميّ تَخْتُهُ: مَثَلْتُ بالقتيل مَثْلاً، من بابي قَتَلَ، وضَرَبَ: إذا جَدَعته، وظهرت آثار فِعلك عليه تنكيلاً، والتشديد مبالغة، والاسم: الْمُثْلة، وزانُ غُرْفة. (٥) انتھی . (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٩٥/٨. (٢) ((المفهم)) ٥١٢/٥. (٤) ((القاموس المحيط)) ص٩٣٨ - ٩٣٩. (٣) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٥٢. (٥) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٦٤. ٣١٣ (٢) - بَابُ تَأْمِيرِ الإِمَامِ الأُمَرَاءَ عَلَى الْبُعُوثِ، وَوَصِيَّتِهِ إِنَّاهُمْ ... إلخ - حديث رقم (٤٥١٣) وقال القرطبيّ تَخَّثُ: الغلول: الأخذ من الغنيمة من غير قَسْمها، والغدر: نقض العهد، والتمثيل هنا: التشويه بالقتيل؛ كَجَدْع أنفه، وأذنه، والعبث به، ولا خلاف في تحريم الغلول، والغدر، وفي كراهة الْمُثلة. انتهى (١). (وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيداً)؛ أي: طفلاً صغيراً، (وَإِذَا لَقِيتَ) بكسر القاف، والخطاب لأمير الجيش، قال الطيبيّ كَّلُهُ: هو من باب تلوين الخطاب، خاطب أوّلاً عاماً، فدخل فيه الأمير دخولاً أوّليّاً، ثم خصّ الخطاب به، فدخلوا فيه على سبيل التبعيّة، كقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] خصّ النبيّ ◌َّ بالنداء، وعمّ بالخطاب. انتهى(٢). (عَدُوََّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثٍ خِصَالٍ - أَوْ خِلَالٍ -) ((أو)) للشكّ من الراوي، والخصال، والخلال بكسر أولهما: جمع خَصْلة، وخَلّة، بمعنى واحد، والمراد بها هنا ثلاثة أمور. (فَأَيَتُهُنَّ) بالرفع، والضمير للخصال المدعوّ إليها، (مَا) زائدة، (أَجَابُوَ)؛ أي: قَبِلها منك، وقوله: (فَاقْبَلْ مِنْهُمْ) جزاء الشرط، (وَكُفَّ عَنْهُمْ) بضمّ الكاف، ويجوز تثليث الفاء: أمرٌ من كفّ يكُفّ، من باب نصر: إذا ترك؛ أي: اترك قتالهم. وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: قوله: ((فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكُفّ عنهم)) قيَّدناه عمن يوثق بعلمه، وتقييده، بنصب ((أيتَهنَّ)) على أن يعمل فيها ((أجابوك)) على إسقاط حرف الجرِّ، و((ما)) زائدة، ويكون تقدير الكلام: فإلى أيتهنّ أجابوك فاقبل منهم، كما تقول: أُجيبك إلى كذا، أو في كذا، فيتعدى إلى الثاني بحرف الجرِّ. انتهى(٣). (ثُمَّ) إذا عرفت ما ذُكر من الخصال على وجه الإجمال، فاعلمها على وجه التفصيل، فـ(ادْعُهُمْ) أوّلاً (إِلَى الإِسْلَامِ) قال النوويّ كَُّهُ: هكذا هو في جميع نسخ ((صحيح مسلم)): (ثم ادعهم)) بـ(ثمّ))، قال القاضي عياض ◌َّثُ (١) («المفهم)) ٥١٢/٥. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٩٥/٨. (٣) ((المفهم)) ٥١٣/٥. ٣١٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير صواب الرواية: ((ادعهم)) بإسقاط ((ثُمّ))، وقد جاء بإسقاطها على الصواب في كتاب أبي عبيد، وفي سنن أبي داود، وغيرهما؛ لأنه ابتداء تفسير للخصال الثلاث، وليس غيرها، وقال المازريّ: ليست (ثُمّ)) هنا زائدة، بل دخلت لاستفتاح الكلام، والأخذ فيه. انتهى(١). قال الطيبيّ تَخْتُ بعد ذكر كلام المازريّ ما حاصله: أقول: تحرير قول المازريّ: إن الخصال الثلاث: هي الإسلام، وإعطاء الجزية، والمقاتلة، فقوله: ((ثم ادعهم إلى الإسلام)) إشارة إلى الخصلة الأولى، وقوله: ((ثم ادعهم إلى التحوّل)) إلى قوله: ((إلا أن يجاهدوا مع المسلمين)) متفرّع على هذه الخصلة، وقوله: ((فإن أبوا، فَسَلْهم الجزية)) بيان للخصلة الثانية، وقوله: ((فإن هم أبوا، فاستعن)) إشارة إلى الخصلة الثالثة، فعلى هذا قوله: ((ثم ادعهم)) مكرّر زِيْدَ لمزيد التقرير، وليُنبّه على أن الدعوة إلى الإسلام هي المطلوبة الأوليّة، وأشرف الخصال، ونظيره في التكرير قوله تعالى حكايةً عن نوح علّلها: ﴿رَبِّ إِّ دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ إِنِ دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٣)﴾ [نوح: ٥ -٨] قصد بقوله: ﴿لَيْلاً وَنَهارًا﴾ اشتمال دعوته على الأزمنة كلها، وبقوله: ﴿جِهَارًا﴾ و﴿إِسْرَارًا﴾ كيفيّة دعوته في الأزمنة، وبتكرار (ثمّ)) والدعاء التلويحَ إلى التفاوت بين الأحوال. انتهى(٢). (فَإِنْ أَجَابُوَكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ)؛ أي: الانتقال (مِنْ دَارِهِمْ)؛ أي: من بلاد الكفر (إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ)؛ أي: إلى دار الإسلام، وهذا من توابع الخصلة الأولى، قيل: إن الهجرة كانت من أركان الإسلام قبل فتح مكة. وقال القرطبيّ تَخْتُ: قوله: ((إلى دار المهاجرين)) يعني: المدينة، وكان هذا في أول الأمر، في وقت وجوب الهجرة إلى المدينة على كل من دخل في الإسلام، أو على أهل مكة خاصة، في ذلك خلاف، وهذا يدلّ على أن الهجرة كانت واجبة على كل من آمن من أهل مكة وغيرها. انتهى(٣). (١) ((شرح النوويّ)) ٣٨/١٢. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٩٥/٨ - ٢٦٩٦. (٣) ((المفهم)) ٥١٣/٥. ٣١٥ (٢) - بَابُ تَأْمِيرِ الإِمَامِ الأُمَرَاءَ عَلَى الْبُعُوثِ، وَوَصِيَّتِ إِيَّاهُمْ ... إلخ - حديث رقم (٤٥١٣) (وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ)؛ أي: التحوّل المذكور، (فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ)؛ أي: حصول الثواب والأجر، واستحقاق مال الفيء، وذلك الاستحقاق كان في زمنه *، فإنه كان يُنفق على المهاجرين من حين الخروج إلى الجهاد في أيّ وقت أمرهم الإمام، سواء كان من بإزاء العدوّ كافياً أو لا، بخلاف غير المهاجرين، فإنه لا يجب الخروج عليهم إلى الجهاد إن كان من بإزاء العدوّ من به الكفاية، وهذا معنى قوله: (وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ)؛ أي: من الغزو، (فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا)؛ أي: من دارهم، (فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ)؛ أي: الذين لازموا أوطانهم في البادية، لا في دار الكفر، (يَجْرِي) بالبناء للفاعل، أو المفعول؛ أي: يمضي (عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)؛ أي: من وجوب الصلاة، والزكاة، وغيرهما (وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ، وَالْفَيْءِ شَيْءٍ، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ) قال النوويّ تَخْتُ: معنى هذا الحديث: أنهم اذا أسلموا استُحِبّ لهم أن يهاجروا إلى المدينة، فإن فعلوا ذلك كانوا كالمهاجرين قبلهم في استحقاق الفيء، والغنيمة، وغير ذلك، وإلا فهم أعرابٌ كسائر أعراب المسلمين الساكنين في البادية، من غير هجرة، ولا غَزْوٍ، فَتُجْرَى عليهم أحكام الإسلام، ولا حقّ لهم في الغنيمة والفيء، وإنما يكون لهم نصيب من الزكاة، إن كانوا بصفة استحقاقها . قال الشافعيّ تَُّهُ: الصدقات للمساكين ونحوهم ممن لا حقّ له في الفيء، والفيُ للأجناد، قال: ولا يُعطَى أهل الفيء من الصدقات، ولا أهل الصدقات من الفيء، واحتَجّ بهذا الحديث. وقال مالك، وأبو حنيفة: المالان سواء، ويجوز صرف كلّ واحد منهما إلى النوعين. وقال أبو عبيد: هذا الحديث منسوخ، قال: وإنما كان هذا الحُكم في أول الإسلام لمن لم يهاجر، ثم نُسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ الآية [الأنفال: ٧٥] قال النوويّ: وهذا الذي ادّعاه أبو عبيد لا يُسَلَّم له. انتهى(١). (١) ((شرح النوويّ)) ٣٨/١٢ - ٣٩. ٣١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير وقال القرطبيّ نَّثُهُ: قوله: ((ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء؛ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين))؛ يعني: أن من أسلم ولم يجاهد، ولم يهاجر لا يُعطى من الخمس، ولا من الفيء شيئاً، وهذا يتمشى على مذهب مالك في قسمة الخمس، والفيء؛ إذ يرى أن ذلك موكول لاجتهاد الإمام، يضعه حيث يراه من المصالح الضرورية، والأمور المهمة، ومنافع المسلمين العامَّة، ويُؤْثِر فيه الأحوج، فالأحوج، والأهم فالأهم، ولا شك أن المهاجرين كانوا في ذلك الوقت أولى به من غيرهم من المسلمين الذين لم يهاجروا، وأقاموا في بلادهم، فإن المهاجرين خرجوا من بلادهم، وأموالهم الله تعالى، ووصلوا إلى المدينة فقراء، ضعفاء، غرباء، فلا شك في أنهم الأولى. قال القاضي عياض: ولذلك كان النبيّ وَّه يُؤْثِرهم بالخُمس على الأنصار غالباً، إلا أن يحتاج أحدٌ من الأنصار، وقد أخذ الشافعي بهذا الحديث في الأعراب، فلم ير لهم شيئاً من الفيء، وإنما لهم الصدقة المأخوذة من أغنيائهم، وتُردّ على فقرائهم، كما أن أهل الجهاد وأجناد المسلمين لا حق لهم في الصدقة عنده، ويُصرف كل مال في أهله، وسوَّى مالك وأبو حنيفة بين المالين، وجوَّزا صرفهما للصنفين، وذهب أبو عبيدة: إلى أن هذا الحديث منسوخ، وأن هذا كان حُكم من لم يهاجِر أولاً، في أنه لا حق له في الفيء، ولا في الموالاة للمهاجر، ولا موارثته، قال الله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمَّ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِّنْ وَلَتِهِم مِّن شَىْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]، ثم نُسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وبقوله وَّهِ بعد فتح مكة: ((لا هجرة، ولكن جهاد ونيّة))، وبقوله وَالر: ((المؤمنون تتكافؤ دماؤهم، وهم يدٌ واحدة على من سواهم))، وهذا فيه بُعْد، وسيأتي بيان حكم الخمس والفيء والغنيمة، إن شاء الله تعالى، قال: ومَحْمِل الحديث عند أصحابنا المالكيين على ما تقدَّم من مذهب مالك تَذْتُ. انتهى(١). وقوله: (فَإِنْ هُمْ أَبَوْا) هو من باب ما أُضمر عامه على شريطة التفسير، وهو يفيد المبالغة؛ لتكرير الإسناد؛ أي: فإن امتنعوا عن الإسلام (فَسَلْهُمُ) أمرٌ (١) ((المفهم)) ٥١٤/٥ - ٥١٥. ٣١٧ (٢) - بَابُ تَأْمِيرِ الإِمَامِ الأُمَرَاءَ عَلَى الْبُعُوثِ، وَوَصِيَّتِهِ إِيَّاهُمْ ... إلخ - حديث رقم (٤٥١٣) من سال يسال، من باب خاف يخاف، ويقال في المثنّى: سلا، وفي الجمع: سلوا على غير قياس؛ لأن قياسه أن يقال: سالا، وسالوا، كقولهم: خافا، وخافوا، وتقول: سِلْته بكسر السين، وهما يتساولان، ويَحْتَمِل أن يكون ((فسلهم)) أمراً من سأل يسأل بالهمزة، فحُذف للتخفيف(١). (الْجِزْيَةَ) بكسر الجيم، وسكون الزاي، هو: ما يؤخذ من أهل الذمّة، والجمع جِزَّى، ومثلُ سِدْرَةٍ وسِدَرٍ (٢)، وهذا إشارة إلى الخصلة الثانية. (فَإِنْ هُمْ أَجَابُوَكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ) الجزية، (وَكُفَّ عَنْهُمْ) عن قتالهم. قال القرطبيّ كَّتُهُ: فيه حجَّة لمالك، وأصحابه، والأوزاعيّ، في أخذ الجزية من كل كافر، عربيّاً كان أو غيره، كتابيّاً كان أو غيره، وذهب أبو حنيفة: إلى أنها تُقبل من الجميع إلا من مشركي العرب، ومجوسهم، وهو قول عبد الملك، وابن وهب من أصحابنا، وقال الشافعيّ كَّتُهُ: لا تُقبل إلا من أهل الكتاب ــ عرباً كانوا أو عجماً -، ولا تُقبل من غيرهم، والمجوس عنده أهل كتاب. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي أن ما ذهب إليه الأولون من مشروعيّة أخذ الجزية من كلّ كافر، هو الأرجح؛ لهذا الحديث، وسيأتي الجواب عما احتجّ به الشافعيّ تَخُّْ من الآية، والحديث، فتنبّه. (فَإِنْ هُمْ أَبَوْا)؛ أي: امتنعوا عن قبول الجزية، بعد امتناعهم عن الإسلام، (فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَقَاتِلْهُمْ) إشارة إلى الخصلة الثالثة، (وَإِذَا حَاصَرْتَ)؛ أي: أحطت بهم، ومنعتهم من التصرّف، يقال: حصره العدوُّ حصراً، من باب قتل: أحاطوا به، ومنعوه من المضيّ لأمره، وقال ابن السّكّيت، وثعلب: حَصَرَهُ العدوُّ في منزله: حبسه، وأحصره المرضُ بالألف: منعه من السفر، وقال الفرّاء: هذا كلام العرب، وعليه أهل اللغة، وقال ابن القُوطِيّة، وأبو عمرو الشيبانيّ: حصره العدوّ، والمرضُ، وأحصره كلاهما بمعنى حبسه، ذكره الفيّومي (٤). (أَهْلَ حِصْنٍ) بكسر الحاء، وسكون الصاد المهملتين: هو المكان (١) راجع: ((المصباح المنير)) ٢٩٧/١. (٣) ((المفهم)) ٥١٥/٥. (٢) ((المصباح المنير)) ١٠٠/١ - ١٠١. (٤) ((المصباح المنير)) ١٣٨/١. ٣١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير الذي لا يُقْدَرُ عليه؛ لارتفاعه، وجمعه حُصُونٌ(١). (فَأَرَادُوَكَ)؛ أي: طلبوا منك (أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ) تعالى (وَذِمَّةَ نَبِّهِ) بَطّر؛ أي: عهدهما، وأمانهما، (فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ) تعالى (وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ) وَلير؛ أي: لا بالاجتماع، ولا بالانفراد، (وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ، وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ) ثم علّل ذلك بقوله: (فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا) بالخاء المعجمة، والفاء، مبنيّاً للفاعل، من الإخفار رباعيّاً؛ أي: تَنْقُضُوا، يقال: أخفرته بالألف: نقضتُ عهده، ويقال أيضاً: خَفَرَ به ثلاثيّاً: إذا نقض عهده، وغدَر به، قال المجد تَّقُ: خَفِرَ به، وعليه يَخْفِر - كيضرب - ويَخْفُرُ - كينصُرُ - خَفْراً: أجاره، ومنَعَهُ، وآمنه، كخَفَّره، وتخفّر به، والاسم: الْخُفْرَةُ بالضمّ، والْخِفَارة مثلّثةً، والخَفِير: المُجار، والمجيرُ، كالْخُفَرَة، كهُمَزَةٍ، والْخُفَارةُ مثلّثةً: جُعْلُهُ، قال: وخَفَرَهُ: أخذ منه جُعْلاً لِيُجيره، وخَفَرَ به خَفْراً، وخُفُوراً: نقض عهده، وغَدَره، كأخفره. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: يستفاد من عبارة المجد المذكورة أن خَفَر ثلاثيّاً، من بابي ضرب، ونصر بمعنى أجار، ومنع، كخفّر بالتشديد، وأن خفَر ثلاثيّاً بمعنى نقض العهد، ومثله أخفر بالهمزة رباعيّاً، فيجوز أن يكون قوله هنا: ((أن تُخْفِروا))، من الخفر ثلاثيّاً، أو الإخفار رباعيّاً، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قوله: ((فإنكم أَنْ تُخفِروا)) بفتح همزة ((أَنْ))، وهي مصدريّة، وهي وَصِلتها في تأويل المصدر بدل من ضمير المخاطب في قوله: ((فإنكم))، وخبر ((إنّ)) قوله: ((أهون ... إلخ))، قال القاري: ووقع في نسخة ــ أي: من المصابيح - ((إن تُخْفِروا)) بكسر الهمزة على الشرط، وهو مشكلٌ، قال: ولعلّ وجه الإشكال أن ((أهون)) على هذا يكون جزاء الشرط بتقدير (هو))، فتلزم الفاء الرابطة، قال: ويمكن دفعه بأن يُحمل على الشذوذ، كقوله: مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا(٣) وقال النوويّ تَخْتُ: قال العلماء: الذمة هنا: العهد، و((تُخْفِروا)) بضم (١) ((المصباح المنير)) ١٣٩/١. (٣) ((مرقاة المفاتيح)) ٧/ ٤٧٧. (٢) ((القاموس المحيط)) ص٣٨٢. ٣١٩ (٢) - بَابُ تَأْمِيرِ الإِمَامِ الأُمَرَاءَ عَلَى الْبُعُوثِ، وَوَصِيَّتِهِ إِنَّاهُمْ ... إلخ - حديث رقم (٤٥١٣) التاء، يقال: أخفرت الرجل: إذا نقضت عهده، وخَفَرته: أَمَّنته، وحَمَيته، قالوا: وهذا نهي تنزيه؛ أي: لا تجعل لهم ذمة الله، فإنه قد ينقضها من لا يعرف حقّها، وينتهك حرمتها بعض الأعراب، وسواد الجيش. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت آنفاً مما اقتضته عبارة ((القاموس)) أن خَفَر، وأخفر ثلاثيّاً ورباعيّاً يُستعملان لنقض العهد، فتنبّه. وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: معنى الحديث: أنه بَّ خاف من نقض من لا يَعرف حق الوفاء بالعهد، كجهلة الأعراب، فكأنه يقول: إن وقع نقض من متعدّ كان نقض عهد الخَلْق أهون من نقض عهد الله تعالى، والله تعالى أعلم(٢). (ذِمَمَكُمْ)؛ أي: عهودكم، (وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ)؛ أي: عهودهم، (أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا) بالبناء للفاعل أيضاً، (ذِمَّةَ اللّهِ) وَلَ (وَذِمَّةَ رَسُولِهِ) وَِّ. (وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ، فَأَرَادُوَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ) بضمّ أوله، مبنيّاً للفاعل، من الإنزال، (عَلَى حُكْمَ الهِ) تعالى، (فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ) تعالى، (وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ) بقطع الهمزةَ من الإنزال، (عَلَى حُكْمِكَ)، ثم علّلَ ذلك بقوله: (فَإِنََّ) الفاء للتعليل؛ أي: لأنك (لَا تَدْرِي)؛ أي: لا تعلم (أَتُصِيبُ حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ، أَمْ لَا؟)؛ أي: أم لا تصيبه؟. وقوله: (قَالَ عَبْدُ الرحمن)؛ يعني: ابن مهديّ الراوي الثالث عن سفيان الثوريّ. (هَذَا)؛ أي: هذا النصّ المذكور، (أوْ) قال (نَحْوَهُ)؛ أي: معناه، وقوله: (وَزَادَ إِسْحَاقُ) هو ابن راهويه الشيخ الثاني للمصنّف، (فِي آخِرِ حَدِيثِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ)؛ أي: عن سفيان، عن علقمة، وقوله: (قَالَ) ... إلخ مفعول ((زاد)) محكيّ لِقَصْد لفظه، و((قال)) ضمير علقمة بن مرثد، كما قال المصنّف، ومقوله قوله: (فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ) النَّبَطَيّ - بفتح النون، والموحّدة - أبي بسطام البلخيّ الخزّاز - بزايين منقوطين - مولى بكر بن وائل، صدوقٌ فاضلٌ، أخطأ الأزديّ في زعمه أن وكيعاً كذّبه، وإنما كذّب مقاتل بن سليمان [٦]. روى عن عمته عمرة، وسعيد بن المسيِّب، وأبي بردة بن أبي موسى، (١) ((شرح النوويّ)) ٣٩/١٢. (٢) ((المفهم)) ٥١٧/٥. ٣٢٠ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير وعكرمة، وسالم بن عبد الله بن عمر، وشهر بن حَوَشب، وقتادة، ومسلم بن هیصم، وغيرهم. وروى عنه أخوه مصعب بن حيّان، وعلقمة بن مرثد، وشَبيب بن عبد الملك التيمي، وعبد الله بن المبارك، وبكر بن معروف، وغيرهم. قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقةٌ، وكذا قال أبو داود: ثقةٌ، وقال عبد السلام بن عتيق: حدّثنا مروان بن محمد أنه ذكر مقاتل بن حيان، فقال: ثقةُ، وقال ابن أبي حاتم، عن محمد بن سعيد المقبريّ، قال: سئل عبد الرحمن - يعني: ابن الحكم بن بشير بن سليمان - عن مقاتل بن حيان، فقال: ذاك مرتفع، مرتفع، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال الدارقطنيّ: صالحٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال أحمد بن سيار المروزيّ: كان حيّان من موالي بني شيبان، وكان يلي ولايات، وكان مقاتل ناسكاً فاضلاً، وهم أربعة إخوة: مقاتل، والحسن، ويزيد، ومصعب، ويقال: إن أصلهم من بلخ، وكان مقاتل هَرَب من أبي مسلم إلى كابُل، دعا خلقاً إلى الإسلام، فأسلموا، وذكر الحسن بن مسلم أنه مات بكابُل، وأن صاحب كابل تسلّب عليه، فقيل له: إنه ليس على دينك، فقال: إنه كان رجلاً صالحاً. وقال ابن خزيمة: لا أحتج به، ونقل أبو الفتح الأزديّ أن ابن معين ضعَّفه، قال: وكان أحمد بن حنبل لا يعبأ بمقاتل بن سليمان، ولا بمقاتل بن حيان، ثم نقل عن وكيع أنه كذّبه، قال الحافظ: فقرأت بخط الذهبيّ: أحسبه التبس على أبي الفتح بابن سليمان، فإنه هو الذي كذّبه وكيع. مات قبل الخمسين ومائة تقريباً. أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. (قَالَ يَحْيَى)؛ أي: ابن آدم، (يَعْنِي) بقوله: ((فذكرت ... إلخ)) (أَنَّ عَلْقَمَةَ) بن مرثد (يَقُولُهُ)؛ أي: يذكر هذا الحديث (لـ) مقاتل (إِبْنِ حَيَّانَ - فَقَالَ)؛ أي: مقاتل: (حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ هَيْصَم) - بفتح الهاء، وسكون التحتانيّة، وفتح الصاد المهملة _(١) العبديّ، مقبول [٤]. (١) فما وقع في كثير من نُسخ ((التقريب))، و((التهذيب)) من كتابته بالضاد المعجمة، فإنه غلط، فتنبه.