النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ (٤) - بَابُ الضِّيَافَةِ، وَنَحْوِهَا - حديث رقم (٤٥٠٥) أحد بغير إذنه)). انتهى(١). ورواية أيوب السختيانيّ، عن نافع ساقها أبو عوانة دَّثُ في ((مسنده))، فقال : (٦٤٤٦) - حدّثنا الصغانيّ، وأبو أمية، قالا: ثنا أبو النعمان (ح) وحدّثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، قئنا سليمان بن حرب، قالا: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله وسلم قال: ((ألا لا يحتلب ماشيةَ امرىء إلا بإذنه، أيحبّ أحدكم أن تُؤتَى مشربته، فيكسر بابها، وينتثل ما فيها من الطعام؟ وإن ما في ضروعها طعام أحدهم، ألا لا يحتلب ماشية امرىء إلا بإذنه)). انتهى (٢). ورواية إسماعيل بن أميّة، عن نافع، ساقها الحميديّ كَثُ في ((مسنده))، فقال : (٦٨٣) - حدّثنا الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَله: ((لا يَحْلُبَنّ أحدٌ ماشيةَ امرئ بغير إذنه، أيحبّ أحكم أن يُؤْتَى إلى باب مشربته، فيُكسر بابها، فيُنتثل طعامه؟ ألا إنما أطعمتهم في ضروع مواشيهم)). انتهى (٣). ورواية موسى بن عقبة، عن نافع لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ (٤) - (بَابُ الضِّيَافَةِ، وَنَحْوِهَا) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٥٠٥] (٤٨(٤)) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي شُرَيْح الْعَدَوِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعَتْ أُذْنَايَ، وَأَبْصَرَتْ عَيْنَاتِيَ، (١) ((صحيح ابن حبان)) ١١/ ٥٧٤. (٢) (مسند أبي عوانة)) ١٨٣/٤. (٣) ((مسند الحميديّ)) ٣٠٠/٢. (٤) هذا مكرّر، فقد تقدّم الحديث في كتاب ((الإيمان)) بالرقم المذكور. ٢٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللقطة حِينَ تَكَلَّمَ رَسُولُ اللهِ هِ، فَقَالَ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ))، قَالُوا: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((يَوْمُهُ وَلَيَّلَتُهُ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّام، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ - وَقَالَ -: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً، أَوْ لِيَصْمُتْ))). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) كيسان المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقةٌ [٣] مات في حدود (١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٠/٣٦. ٢ - (أَبُو شُرَيْح الْعَدَوِيُّ) الْخُزَاعِيّ الْكَعبيّ، اسمه خُويلد بن عمرو، أو عكسه، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: هانىء، وقيل: کعب، صحابيّ نزل المدينة، ومات سنة (٦٨) على الصحيح (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص ٤٨٣. والباقيان تقدّما في الحديث الماضي. تنبيه: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف تَّثُ، وهو (٢٩٥) من رباعيّات الكتاب، وأن صحابيّه ممن اشتهر بكنيته، واختلف في اسمه. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي شُرَيْحِ الْعَدَوِيِّ) تقدّم الخلاف في اسمه آنفاً، وفي رواية عبد الحميد بن جعفرً الآتية: ((حدّثنا أبو سعيد المقبريّ، أنه سمع أبا شُريح الْخُزاعِيّ» (أَنَّهُ قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ) بالفعل على الفاعليّة لـ((سمعت))، مرفوع بالألف؛ لأنه من المثنّى الذي رَفْعُه بالألف، وجرّه، ونصبه بالياء، كما قال في ((الخلاصة)) : إِذَا بِمُضْمَرٍ مُضَافاً وُصِلَا بِالأَلِفِ ارْفَعِ الْمُثَنَّى و((كِلَا)) كَ(ابْنَیْنِ)) و((ابْنَتَیْنِ)) يَجْرِیَانِ ((كِلْتَا)) كَذَاكَ ((اثْنَانٍ)) و((اثْنَتَانِ)) جَرَّا وَنَصْباً بَعْدَ فَتْحِ قَدْ أُلِفْ وَتَخْلُفُ الْيَا فِي جَمِيعِهَا الأَلِفْ وهو مضاف إلى ياء المتكلّم المفتوحة لالتقاء الساكنين، وكذا قوله: (وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ، حِينَ تَكَلَّمَ رَسُولُ اللهِ(ِ﴾ ((حين)) ظرف تنازعه كلّ من (سمعت))، و((أبصرت))، (فَقَالَ) وَ ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) المراد ٢٦٣ (٤) - بَابُ الضِّيَافَةِ، وَنَحْوِهَا - حديث رقم (٤٥٠٥) بقوله: (يؤمن)) الإيمان الكامل، وخصّه بالله، واليوم الآخر؛ إشارةً إلى المبدإ والمعاد؛ أي: من آمن بالله الذي خلقه، وآمن بأنه سيجازيه بعده، فليفعل الخصال المذكورات، قاله في ((الفتح))(١). وقال في موضع آخر: قال الطوفيّ: ظاهر الحديث انتفاء الإيمان عمن لم يفعل ذلك، وليس مراداً، بل أراد به المبالغة، كما يقول القائل: إن كنت ابني، فأطعمني، تهييجاً له على الطاعة، لا أنه بانتفاء طاعته ينتفي أنه ابنه. انتھی (٢) (فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) قال القرطبيّ تَخْتُهُ: قد تقدم القول في حكم الضيافة، وأن الأمر بها عند الجمهور على جهة الندب، لأنَّها من مكارم الأخلاق، إلا أن تتعين في بعض الأوقات بحسب ضرورة أو حاجة، فتجب حينئذ. قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في كتاب الإيمان ترجيح القول بوجوبها؛ لقوّة حجته، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. قال: وقد أفاد هذا الحديث أنها من أخلاق المؤمنين، ومما لا ينبغي لهم أن يتخلَّفوا عنها؛ لِمَا يحصل عليها من الثواب في الآخرة، ولِمَا يترب عليها في الدنيا من إظهار العمل بمكارم الأخلاق، وحُسن الأحدوثة الطيبة، وطِيْب الثناء، وحصول الرَّاحة للضيف المتعوب بمشقَّات السَّفر، المحتاج إلى ما يخفّف عليه ما هو فيه من المشقّة، والحاجة. ولم تزل الضيافة معمولاً بها في العرب من لدن إبراهيم وَيرٍ؛ لأنَّه أول من ضيَّف الضيف، وعادة مستمرة فيهم، حتى إنَّ من تركها يُذَمُّ عُرْفاً، ويُبَخَّلُ ويُقَبَّحُ عليه عادة، فنحن وإن لم نقل: إنَّها واجبة شرعاً فهي متعيِّنة لِمَا يحصل منها من المصالح، ويندفع بها من المضارّ عادة وعُرفاً. انتهى كلام القرطبيّ(٣)، وقد عرفت ما في قوله: ((وإن لم نقل: إنها واجبة ... إلخ))، فلا تغفل. (١) ((الفتح)) ٥٦٦/١٣، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٠١٩). (٢) ((الفتح)) ٧١٠/١٣، كتاب ((الأدب)) رقم (٦١٣٥). (٣) ((المفهم)) ١٩٧/٥ - ١٩٨. ٢٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللقطة (جَائِزَتَهُ))) بالنصب على أنه بدل اشتمال من ((ضيفه))، وقال القرطبيّ تَخْذّثهُ: و((الجائز)): العطيّة، يقال: أجزته جائزة، كما تقول: أعطيته عطية. و((جائزته)) هنا منصوب، إما على إسقاط لفظ حرف الجر، فكأنه قال: فليكرم ضيفه بجائزته، وإما بأن يُشْرِبَ ((فليكرم)) معنى («فليُعط))، فيكون مفعولاً ثانياً لـ (يكرم)). انتهى(١). ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: ((جائزته يومٌ وليلة))، فقال السهيليّ كَّتُهُ: رُوي ((جائزته)) بالرفع على الابتداء، وهو واضح، وبالنصب على بدل الاشتمال؛ أي: يكرم جائزته يوماً وليلةً. انتهى. (قَالُوا: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟) ((ما)) استفهامية؛ أي: أيُّ شيء جائزة الضيف؟ (قَالَ) وَلَهِ ((يَوْمُهُ وَلَيْلَتُهُ) بالرفع على أنه خبر لمحذوف؛ أي: هي يومه وليلته (وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّام، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ)؛ أي: على الضيف، قال ابن بطال(٢): سئل عنه مالك؟ فقال: يُكرِمه ويُتحفه يوماً وليلةً، وثلاثة أيام ضيافة. وقال القرطبيّ تَظُّهُ: وقوله: ((وما جائزته؟)) استفهام عن مقدار الجائزة، لا عن حقيقتها، ولذلك أجابهم بقوله: ((يومه وليلته))؛ أي: القيام بكرامته في يومه وليلته؛ أي: أقل ما يكون هذا القدر، فإنَّه إذا فعل هذا حصلت له تلك الفوائد. قال: وفي قوله بعد ذلك: ((والضيافة ثلاثة أيام)) يعني بها: الكاملة التي إذا فعلها المضيف فقد وصل إلى غاية الكمال، وإذا أقام الضيف إليها لم يلحقه ذمِّ بالمقام فيها؛ فإن العادة الجميلة جاريةٌ بذلك، وأمَّا ما بعد ذلك فخارج عن هذا كله، وداخل في باب إدخال المشاقِّ والكُلَف على الْمُضيِّف، فإنَّه يتأذى بذلك من أوجه متعددة، وهو المعني بقوله ◌َّفيه: ((ولا يحل له أن يقيم عنده حتى يؤثمه))؛ أي: حتى يَشُقّ عليه، ويثقل، لا سيما مع رقة الحال، وكثرة الكلف . وقيل: معنى ((يؤثمه)): يحرجه، فيقع في الإثم، وقد جاء ذلك مفسَّراً في (١) ((المفهم)) ١٩٨/٥. (٢) (شرح البخاريّ)) لابن بطال ٣٠٩/٩. ٢٦٥ (٤) - بَابُ الضِّيَافَةِ، وَنَحْوِهَا - حديث رقم (٤٥٠٥) بعض الروايات: ((حتى يحرجه))، فإن تحمَّل الْمُضِيف شيئاً من ذلك؛ فهو صدقةٌ منه على الضيف، فحقُّه أن يأنف منها، ولا يقبلها، لا سيما إن لم يكن أهلاً لها، فإنَّها تَحْرُم علیه. وقيل: معنى قوله: ((جائزته يوم وليلة)) أن ذلك حقّ المجتاز، ومن أراد الإقامة فثلاثة أيام. و((جائزته)) هنا: مرفوعٌ بالابتداء، وخبره: ((يوم وليلة))، وقيل: الجائزة غير الضيافة، يضيفه ثلاثة أيام، ثم يعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلتن، قال الهرويّ: والجيزة: قدر ما يجوز به المسافر من مَنْهَل إلى مَنْهَل، وما ذكرناه أولى للمساق والمعنى. انتهى كلام القرطبيّ كَُّهُ(١). وقال في ((الفتح)): واختلفوا هل الثلاث غير الأول، أو يُعَدّ منها؟ فقال أبو عبيد: يَتكلَّف له في اليوم الأول بالبرّ والألطاف، وفي الثاني، والثالث، يُقَدِّم له ما حضره، ولا يزيده على عادته، ثم يعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلة، وتسمى الجيزة، وهي قدر ما يجوز به المسافر من منهل إلى منهل، ومنه الحديث الآخر: ((أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم))، متّفقٌ عليه. وقال الخطابيّ: معناه: أنه إذا نزل به الضيف أن يُتحفه، ويزيده في البرّ على ما بحضرته يوماً وليلةً، وفي اليومين الأخيرين يُقَدِّم له ما يحضره، فإذا مضى الثلاث فقد قضى حقّه، فما زاد عليها مما يُقَدِّمه له يكون صدقة. وقد وقع في رواية عبد الحميد بن جعفر، عن سعيد المقبريّ، عن أبي شريح، عند أحمد، ومسلم، بلفظ: ((الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة))، وهذا يدلّ على المغايرة، ويؤيد ما قال أبو عبيد. وأجاب الطيبيّ بأنها جملة مستأنفة، بيان للجملة الأولى، كأنه قيل: كيف يكرمه؟ قال: جائزته، ولا بُدّ من تقدير مضاف؛ أي: زمان جائزته؛ أي: بِرِّه، وألطافه يوم وليلة، فهذه الرواية محمولة على اليوم الأول، ورواية عبد الحميد على اليوم الأخير؛ أي: قدر ما يجوز به المسافر ما يكفيه يوماً وليلةً، فينبغي (١) ((المفهم)) ١٩٨/٥ - ١٩٩. ٢٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللقطة أن يحمل على هذا عملاً بالروايتين. انتهى(١). قال في ((الفتح)): ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقوله: ((وجائزته)) بياناً لحالة أخرى، وهي أن المسافر تارةً يقيم عند من ينزل عليه، فهذا لا يزاد على الثلاث بتفاصيلها، وتارةً لا يقيم، فهذا يعطى ما يجوز به قدر كفايته يوماً وليلةً، ولعل هذا أعدل الأوجه، والله أعلم. (وَقَالَ) وَِّ ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً، أَوْ لِيَصْمُتْ))) - بضم الميم - (٢)، يقال: صَمَتَ صَمْتاً، مَن باب قتل: سكت، وصُمُوتاً، وصُماتاً، فهو صامت، وأصمته غيره، وربّما استُعمل الرباعيّ لازماً أيضاً، قاله الفيّوميّ(٣). قال القرطبيّ كَُّ: وقوله: ((فليقل خيراً أو ليصمت)): يعني: أن المصدِّق بالثواب والعقاب الْمُترتِّبَيْن على الكلام في الدَّار الآخرة لا يخلو من إحدى الحالتين: إما أن يتكلّم بما يُحَصِّل له ثواباً، وخيراً فَيَغْنَم، أو يسكت عن شيء يجلُب له عقاباً وشرّاً فَيَسْلَم، وعلى هذا فتكون ((أو)) للتنويع والتقسيم، وقد أكثر الناس في تفصيل آفات الكلام، وهي أكثر من أن تدخل تحت حصر ونظام. وحاصل ذلك أن آفات اللسان أسرع الآفات للإنسان، وأعظمها في الهلاك والخسران. فالأصل: ملازمة الصمت إلى أن تتحقق السلامة من الآفات، والحصول على الخيرات، فحينئذ تخرج تلك الكلمة مخطومة، وبأزمَّة التقوى مزمومة، والله تعالى وليّ التوفيق. انتهى كلام القرطبيّ تَّهُ(٤). وقال في (الفتح)): وهذا من جوامع الكلم؛ لأن القول كله إما خير، وإما شرّ، وإما آيل إلى أحدهما، فدخل في الخير كل مطلوب من الأقوال: فَرْضِها، ونَذْبِها، فَأَذِن فيه على اختلاف أنواعه، ودخل فيه ما يؤول إليه، وما عدا ذلك (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٨٦٦/٩. (٢) هذا هو الذي أثبته في كتب اللغة: ((الصحاح))، و((القاموس))، و((المصباح))، ففي كلها أنه بضمّ الميم، وأما ما قاله في ((الفتح)) من جواز كسر الميم، ففيه نظر، فتنبه . (٣) ((المصباح المنير)) ٣٤٦/١ - ٣٤٧. (٤) ((المفهم)) ١٩٩/٥ - ٢٠٠. ٢٦٧ (٤) - بَابُ الضِّيَافَةِ، وَنَحْوِهَا - حديث رقم (٤٥٠٥) مما هو شرّ، أو يؤول إلى الشرّ، فَأَمَر عند إرادة الخوض فيه بالصمت. وقد أخرج الطبرانيّ، والبيهقيّ في ((الزهد)) من حديث أبي أمامة نحو حديث الباب، بلفظ: ((فليقل خيراً؛ لِيَغْتَمَ، أو ليسكت عن شرّ؛ لِيَسْلَم)). واشتمل حديث الباب من الطريقين على أمور ثلاثة، تَجمع مكارم الأخلاق الفعلية، والقولية، أما الأولان فمن الفعلية، وأولهما يرجع إلى الأمر بالتخلي عن الرذيلة، والثاني يرجع إلى الأمر بالتحلي بالفضيلة، وحاصله: من كان حامل الإيمان فهو متصف بالشفقة على خلق الله، قولاً بالخير، وسكوتاً عن الشرّ، وفعلاً لِمَا ينفع، أو تركاً لِمَا يضرّ، وفي معنى الأمر بالصمت عدّة أحادیث. منها: حديث أبي موسى، وعبد الله بن عمرو بن العاص: ((المسلم من سَلِم المسلمون من يده ولسانه))، وقد تقدما في ((كتاب الإيمان)). وللطبرانيّ عن ابن مسعود قلت: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ فذكر فيها: ((أن يَسلم المسلمون من لسانك))، ولأحمد، وصححه ابن حبان، من حديث البراء، رفعه في ذكر أنواع من البرّ، قال: ((فإن لم تُطِق ذلك، فكُفّ لسانك إلا من خير))، وللترمذيّ من حديث ابن عمر: ((من صمت نجا»، وله من حديثه: ((كثرة الكلام بغير ذكر الله تُقسي القلب))، وله من حديث سفيان الثقفيّ: قلت: يا رسول الله، ما أكثرُ ما تخاف عليّ؟ قال: ((هذا))، وأشار إلى لسانه، وللطبرانيّ مثله، من حديث الحارث بن هشام، وفي حديث معاذ، عند أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ: أخْبِرني بعمل يُدخلني الجنة، فذكر الوصية بطولها، وفي آخرها: ((ألا أُخبرك بملاك ذلك كلِّه؟ كُفّ عليك هذا، وأشار إلى لسانه ... )) الحديث، وللترمذيّ من حديث عقبة بن عامر: قلت: يا رسول الله، ما النجاة؟ قال: ((أمسك عليك لسانك))(١). قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي شُريح العدويّ ◌َ﴿به هذا متّفقٌ عليه، وقد مضى تخريجه، وما يتعلّق به من المباحث في ((كتاب الإيمان)) مع حديث (١) ((الفتح)) ٥٦٧/١٣، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٠١٨ - ٦٠١٩). ٢٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللقطة أبي هريرة ظَلُه برقم [١٨١/٢١ و١٨٤] (٤٧ و٤٨)، فراجعه تستفد علماً جمّاً، والله تعالى وليّ التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّل الكتاب قال: [٤٥٠٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْح الْخُزَاعِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ تَّهِ: ((الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَلَّا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ أَخِيهِ حَتَّى يُؤْثِمَهُ))، قَالَّوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ ء يُؤْثِمُهُ؟ قَالَ: ((يُقِيمُ عِنْدَهُ، وَلَا شَيْءَ لَهُ يَقْرِيهِ بِهِ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٤٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل بابين. ٣ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ) بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاريّ ٠١ المدنيّ، صدوقٌ رُمي بالقدر، وربّما وَهِمَ [٦] (ت١٥٣) (خت م ٤) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١١٥٩/٤. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلِ مُسْلِمٍ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ أَخِيهِ) وفي رواية البخاريّ: ((ولا يحلّ له أن يثوي عنده))، قال أبن التين: هو بكسر الواو، وبفتحها في الماضي، وبكسرها في المضارع، وهو بمعنى ((يقيم))، والثواء - بالتخفيف، والمدّ ـ: الإقامة بمكان معين. وقوله: (حَتَّى يُؤْثِمَهُ) ولفظ البخاريّ: ((حتى يُحرجه)) بحاء مهملة، ثم جيم، من الحَرَج، وهو الضِّيق، وقال النووي: قوله: ((حتى يؤثمه))؛ أي: يوقعه في الإثم؛ لأنه قد يغتابه؛ لطول مقامه، أو يُعَرِّض له بما يؤذيه، أو يظنّ به ظنّاً سيئاً، وهذا كله محمول على ما إذا لم تكن الإقامة باختيار صاحب المنزل، بأن يطلب منه الزيادة في الإقامة، أو يغلب على ظنه أنه لا يكره ذلك، وهو مستفاد من قوله: ((حتى يحرجه))؛ لأن مفهومه إذا ارتفع الحرج أن ذلك يجوز. ٢٦٩ (٤) - بَابُ الضِّيَافَةِ، وَنَحْوِهَا - حديث رقم (٤٥٠٧) وقوله: (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ يُؤْثِمُهُ؟ قَالَ: ((يُقِيمُ عِنْدَهُ، وَلَا شَيْءَ لَهُ يَقْرِيهِ بِهِ)) - بفتح حرف المضارعة -، يقال: قريتُ الضيفَ أقریه، من باب رَمَى، قِرّى، بالكسر والقصر، والاسم: الْقَرَاءُ بالفتح والمدّ؛ أي: أضفته، والمعنى: أنه لا يجد شيئاً يقدّمه له. قال ابن بطال: إنما كَرِه له المقام بعد الثلاث؛ لئلا يؤذيه، فتصير الصدقة منه على وجه المنّ والأذى. وتعقّبه الحافظ: فقال: وفيه نظر؛ فإن في الحديث: ((فما زاد فهو صدقة))، فمفهومه أن الذي في الثلاث لا يسمى صدقة، فالأولى أن يقول: لئلا يؤذيه، فيوقعه في الإثم بعد أن كان مأجوراً. انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم البحث فيه مستوفّى في ((كتاب الإيمان)) برقم [١٨١/٢١] (٤٧) فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّل الكتاب قال: [٤٥٠٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ(١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ - يعني: الْحَتَفِيَّ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا شُرَيْح الْخُزَاعِيَّ يَقُولُ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ، وَبَصُرَ عَيْنِي(٢)، وَوَعَاهُ قَلْبِي، حِينَ تَكَلَّمَ بِّهِ رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَذَكَرَ فِيهِ: ((وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ أَخِيهِ حَتَّى يُؤْثِمَهُ))، بِمِثْلِ مَا فِي حَدِيثٍ وَكِيعٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قريباً .. ٢ - (أَبُو بَكْرِ الْحَتَفِيُّ) عبد الكبير بن عبد المجيد، تقدّم قبل بابين. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَبَصُرَ عَيْنِي) وفي بعض النسخ: ((وبصرت عينايَ))، و((بَصُر)) - بضمّ الصاد، وكسرها -، يقال: بَصُر به، ككرُم، وفَرِحَ بَصَراً، وبِصَارةً، (١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). (٢) وفي نسخة: ((وبصر عيناي)). ٢٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللقطة بالفتح، ويُكسر: صار مُبْصِراً، قاله المجد (١). وقوله: (وَوَعَاهُ قَلْبِي)؛ أي: حفظ قلبي هذا الحديث. وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير أبي بكر الحنفيّ. [تنبيه]: رواية أبي بكر الحنفيّ، عن عبد الحميد بن جعفر هذه ساقها البيهقيّ في ((شُعَب الإيمان))، فقال: (٩٥٨٦) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أنا أبو الفضل بن إبراهيم، قال: نا أحمد بن سلمة، قال: نا محمد بن المثنى، نا أبو بكر الحنفيّ، نا عبد الحميد بن جعفر، حدّثني سعيد المقبريّ، أنه سمع أبا شُريح يقول: سمعت أذناي، وبَصرت عيناي، ووعاه قلبي، حين تكلم به رسول الله وَله قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه، جائزته))، قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: ((يومٌ وليلةٌ، والضيافة ثلاثة أيام، فما أطعمه سوى ذلك فهو صدقة علیه، ولا يحل لأحدكم أن یقیم عند أخیه، حتی یؤثمه))، قال: وما يؤثمه؟ قال: ((يقيم عنده، ولا يجد ما يقرِيه - وقال -: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً، أو ليصمت)). انتهى(٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٥٠٨] (١٧٢٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ الهِ إِنَّكَ تَبْعَثْنَا، فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ، فَلَا يَقْرُونَنَا، فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ، فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِّ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) اسم أبيه سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقةٌ فقيه، وكان يرسل [٥] (ت١٢٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦. (١) ((القاموس المحيط)) ص ١١٠. (٢) («شُعَب الإيمان)) للبيهقيّ ٧ / ٩٠. ٢٧١ (٤) - بَابُ الضِّيَافَةِ، وَنَحْوِهَا - حديث رقم (٤٥٠٨) ٢ - (أَبُو الْخَيْرِ) مرئد بن عبد الله الْيَزَنيّ المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت٩٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦. ٣ - (عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ) الْجُهنيّ الصحابيّ المشهور، أبو حمّاد، وقيل: غيره، ولي إمرة مصر لمعاوية ثلاث سنين، وكان فقيهاً فاضلاً، مات في قرب الستين (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٩/٦. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسل بالمصريين من أوله إلى آخره، وقتيبة دخل مصر للأخذ عن الليث وغيره، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الْخَيْرِ) بالخاء المعجمة، والتحتانيّة: ضدّ الشرّ، واسمه مَرْئد بالمثلّثة، (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) الجهنيّ ◌َهُ (أَنَّهُ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنََّكَ تَبْعَثُنَا)؛ أي: ترسلنا إلى الغزو، أو نحوه، (فَتَنْزِلُ) بكسر الزاي، من باب ضرب نُزولاً، (بِقَوْم، فَلَا يَقْرُونَنَا) - بفتح حرف المضارعة، وسكون القاف ـ من باب رَمَى، كما تقَّدّم قريباً، قال في ((الفتح)): ووقع في رواية الأصيليّ، وكريمة: ((لا يقرونا)) بنون واحدة، ومنهم من شدّدها، وللترمذيّ: ((فلا هم يُضيفوننا، ولا هم يؤدّون ما لنا عليهم من الحق)). انتهى. [فائدة]: قال ابن مالك تَّثُ في ((شواهد التوضيح)) تعليقاً على رواية من رواه: ((لا يقرونا)) بنون واحدة: حذفُ نون الرفع في موضع الرفع؛ لمجرّد التخفيف ثابتٌ في الكلام الفصيح، نَثْره ونَظْمه، فمن النثر قول ابن عبّاس، والمسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأزهر لرسول إلى عائشة ﴿ يسألونها عن الركعتين بعد العصر: ((بلغنا أنك تصلّيهما))، يعني: الركعتين بعد العصر، وقولُ مسروق لها: ((لِمَ تأذني له؟))، يعني: حسّان ◌َظُه، والأصل: ((لا يقروننا))، و((تصلّينهما))، و((لم تأذنين له؟)). وسبب هذا الحذف كراهية تفضيل النائب على المنوب عنه، وذلك أن النون نائب عن الضمّة، والضمّة قد حُذفت لمجرّد التخفيف، كقراءة أبي عمرو ٢٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللقطة بتسكين راء ﴿يُشْعِرَّكُمْ﴾، و﴿يَأْمُرُكُمْ﴾، و﴿يَنصُرْكُمُ﴾، وكقراءة غيره: ﴿وَبُعُولَهُنَّ﴾، و﴿رُسُلْنَا﴾ بتسكين التاء، واللام، فلو لم تعامَل النون بما عُوملت الضمّة من الحذف لمجرّد التخفيف، لكان في ذلك تفضيل النائب على المنوب عنه. ومِن حَذْفها لمجرّد التخفيف قراءة الحسن: (يوم يُدْعَوْا كل أناس بإمهم)، وقراءة يحيى بن الحارث الذماريّ: (قالوا ساحران تظاهرا)، والأصل قالوا: أنتما ساحران تتظاهران، فحُذف المبتدأ، ونون الرفع، وأُدغم التاء في الظاء، وفي قراءة الحسن أيضاً شاهد للغة («أكلوني البراغيث)). ومِنْ حَذْف النون لمجرّد التخفيف ما رواه البغوي من قول النبيّ وَل و: ((لا تدخلوا الجنّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا))، والأصل: ((لا تدخلون))، وما ذكره أبو الفرج في ((جامع المسانيد)) من قول وفد عبد القيس: ((وأصبحوا یعلّمونا کتاب الله)). ومن استعمال هذا الحذف في النظم قول أبي طالب (من الطويل]: فَإِنْ سَرَّ قَوْماً بَعْضُ مَا قَدْ صَنَعْتُمُوا سَتَحْتَلِبُوهَا لَاقِحاً غَيْرَ نَاهِلٍ ومثله قول الراجز: وَجْهَكِ بِالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ الذَّكِي أَبِيتُ أَسْرِي وَتَبِيتِي تَدْلُكِي انتهى كلام ابن مالك تَُّهُ(١)، وهو بحثٌ مهمّ جدّاً، والله تعالى أعلم. (فَمَا تَرَى؟) ((ما)) استفهاميّةٍ؛ أي: فأيَّ حكم ترى في ذلك؟ (فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ، فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلصَّيْفِ فَاقْبَلُوا) بوصل الهمزة، وفتح الموحّدة، من القُّبول، من باب تَعِبَ. قال القرطبيّ تَخُّهُ: قوله: ((فاقبلوا)) هذا أمر على جهة النَّدب للضيف بالقبول، فحقه ألا يُردَّ لما فيه مِمَّا يؤدي إلى أذى المضيف بالامتناع من إجابة دعوته، وغَمِّ قلبه بترك أكل طعامه، ولأنه ترك العمل بمكارم الأخلاق، وقد قال ◌َله: ((إذا دُعي أحدكم إلى طعام فليُجِب ◌ُرساً كان أو غيره)). انتهى(٢). (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا) وفي روايةً البخاريّ: ((فإن أبوا))، (فَخُذُوا مِنْهُمْ) وللكشميهنيّ: ((فخذوا منه))؛ أي: من مالهم، (حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ))؛ (١) ((شواهد التوضيح)) ص ١٧٠ - ١٧٣. (٢) ((المفهم)) ٢٠٠/٥. ٢٧٣ (٤) - بَابُ الضِّيَافَةِ، وَنَحْوِهَا - حديث رقم (٤٥٠٨) أي: للضيف، جَمَع الضمير؛ لأن الضيف يُطلق على الواحد، وغيره، قال الفيّوميّ تَخْتُ: الضيف: معروف، ويُطلق بلفظ واحد على الواحد وغيره؛ [الذاريات: ٢٤]؛ لأنه ٢٤ قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَنَئِكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ الْمُّكْرَمِنَ مصدر في الأصل، من ضافه ضَيْفاً، من باب باع: إذا نزل عنده، وتجوز المطابقة، فيقال: ضيفٌ، وضيفةٌ، وأضياف، وضِيفانٌ، وأضفته، وضيّفته: إذا أنزلته، وقَرَيته، والاسم: الضيافة، قال ثعلب: ضِفْتَهُ: إذا نزلت به، وأضفتَهُ: بالألف: إذا أنزلته عندك ضيفاً، وأَضَفْتَهُ إِضَافَةً: إذا لجأ إليك من خوف، فأجرته، واسْتَضَافَنِي، فَأَضَفْتُهُ: استجارني، فأجرته، وتَضَيَّفَنِي، فَضَيَّفْتُهُ: إذا طلب الْقِرَى، فَقَرَيتَهُ، أو استجارك، فمنعته ممن يطلبه، وأَضَافَهُ إلى الشيء إِضَافَةً: ضمّه إليه، وأماله. انتهى. [فائدة]: قال الفيّوميّ تَغُّْ: الإِضَافَةُ في اصطلاح النحاة من هذا - يعني: من الإضافة بمعنى الضمّ - لأن الأول يُضَمّ إلى الثاني؛ ليكتسب منه التعريفَ، أو التخصيصَ. وإذا أريدَ إضافة مفردين إلى اسم فالأحسن إضافة أحدهما إلى الظاهر، وإضافة الآخر إلى ضميره، نحو غُلَام زيدٍ، وثَوْبِهِ، فهو أحسن من قولك: غُلَامُ زَيْدٍ، وثوبُ زيدٍ؛ لأنه قد يوهم أنَ الثاني غير الأول، ويجوز أن يكون الأول مضافاً في النية، دون اللفظ، والثاني في اللفظ والنيةٍ، نحو: غُلامُ وثوبُ زيدٍ، ورأيت غلامَ وثوبَ زيد، وهذا كثير في كلامهم إذا كان المضاف إليه ظاهراً، فإن كان ضَميراً وجبت الإضافة فيهما لفظاً، نحو: لك من الدرهم نصفُهُ، وَرُبُعُهُ، قاله ابن السِّكِّيت، وجماعة، ووجه ذلك أن الإضمار على خلاف الأصل؛ لأنه إنما يؤتى به للإيجاز والاختصار، وحَذْف المضاف إليه على خلاف الأصل أيضاً؛ لأنه للإيجاز والاختصار، فلو قيل: لك من الدرهم نِصْفُ وَرُبُعُهُ، لاجتمع على الكلمة الواحدة نَوْعًا إيجاز واختصار، وفيه تكثير لمخالفة الأصل، وهو شبيه باجتماع إعلالين على الكلمة الواحدة. والإِضَافَةُ تكون للمُلك، نحو غُلَامِ زَيْدٍ، وللتخصيص نحو سرج الدابة، وحصير المسجد، وتكون مجازاً، نحوَ دَارِ زَيْدٍ لدارٍ يسكُنُهَا، ولا يَمْلِكُها، ويكفي فيها أدنى ملابسة، وقد يُحذف المضاف إليه، ويُعَوَّض عنه ألف ولام؛ لفهم المعنى، نحو: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْوَ﴾ [النازعات: ٤٠]؛ أي: عن هواها، ٢٧٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللقطة ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]؛ أي: نكاحها، وقد يحذف المضاف، ويقام المضاف إليه مقامه، إذا أُمِن اللَّبسُ. انتهى كلام الفيّوميّ كَّفُ(١)، وهو بحث مفيد جدّاً، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ ◌َخَذَتُهُ: قوله: ((فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حقّ الضيف»: هذا مما استَدَلَّ به الليث على وجوب الضيافة، وهو ظاهرٌ في ذلك، غير أن هذا محمولٌ على ما كان في أول الإسلام من شدّة الأمر، وقلَّة الأزواد، فقد كانت السَّرية يُخرجها النبيّ وَّ﴿، ولا يجد لها إلا مِزْوَدَي تمر، فكان أمير السَّرية يقوتهم إيَّاه، كما قد اتفق في جيش أبي عبيدة، وسيأتي. فإذا وجب التضييف كان للضيف طلب حقه شرعاً، وإن لم يكن الحال هكذا فيَحَتَمِل أن يكون هذا الحق المأمور بأخذه هو حقُّ ما تقتضيه مكارم الأخلاق، وعادات العرب، كما قررناه، فيكون هذا الأخذ على جهة الحضّ والترغيب بإبداء ما في الضيافة من الثواب والخير، وحُسن الأحدوثة، ونفي الذمِّ، والبخل، لا على جهة الجبر والقهر؛ إذ الأصل ألا يَحِلَّ مالُ امرىء مسلم إلا بطيب قلبه، ويَحْتَمِل أن يراد بالقوم الممرور بهم أهل الذمة، فينزل بهم الضيف، فيمنعونه ما قد جُعل عليهم من التضييف، فهؤلاء يؤخذ منهم، ما جُعل عليهم من الضيافة على جهة الجبر من غير ظلم ولا تعدٍّ، وقد رأى مالك سقوط ما وجب عليهم من ذلك لِمَا أحدث عليهم من الظلم، والله تعالى (٢) أعلم. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما ذهب إليه الليث من وجوب الضيافة هو الحقّ؛ لظاهر الحديث، وما تأوله به القرطبيّ لا دليل عليه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عقبة بن عامر ظُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: (١) ((المصباح المنير)) ٣٦٦/٢ - ٣٦٧. (٢) («المفهم)) ٢٠٠/٥ - ٢٠١. ٢٧٥ (٤) - بَابُ الضِّيَافَةِ، وَنَحْوِهَا - حديث رقم (٤٥٠٨) أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥٠٨/٤] (١٧٢٧)، و(البخاريّ) في ((المظالم)) (٢٤٦١) و((الأدب)) (٦١٣٧) و((الأدب المفرد)» (٢٦٠/١)، و(أبو داود) في (الأطعمة)) (٣٧٥٢)، و(الترمذيّ) في ((السير)) (١٥٨٩)، و(ابن ماجه) في (الأدب))، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٤٩/٤)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٥٢٨٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٩٨/٤)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٤٢/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٧٨/١٧) (٣٦٧٦)، و(البيهقيّ) في («الكبرى» (١٧٩/٩ و٢٧٠/١٠) و((شعب الإيمان)) (٩١/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٣٠٠٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب قرى الضيف، وهو المذهب الصحيح؛ لظاهر الحدیث. ٢ - (ومنها): معاقبة من أبى عن أداء واجب الضيافة. ٣ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): ظاهر هذا الحديث أن قِرَى الضيف واجب، وأن المنزول عليه لو امتنع من الضيافة أُخذت منه قهراً، وقال به الليث مطلقاً، وخصَّه أحمد بأهل البوادي دون القُرى. وقال الجمهور: الضيافة سُنَّة مؤكدة، وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة: أحدها: حَمْله على المضطرين، ثم اختلفوا، هل يلزم المضطرّ العِوَض أم لا؟ وأشار الترمذيّ إلى أنه محمول على من طلب الشراء محتاجاً، فامتنع صاحب الطعام، فله أن يأخذه منه كُرْهاً، قال: وروي نحو ذلك في بعض الحديث مفسَّراً. ثانيها: أن ذلك كان في أول الإسلام، وكانت المواساة واجبةً، فلما فُتحت الفتوح نُسخ ذلك، ويدلّ على نسخه قوله في حديث أبي شُريح عند مسلم في حق الضيف: ((وجائزته يوم وليلة))، والجائزة تَفَضُّل لا واجبة، وهذا ضعيف؛ لاحتمال أن يراد بالتفضل تمام اليوم والليلة، لا أصل الضيافة، وفي حديث المقدام بن معد يكرب مرفوعاً: ((أيما رجل ضاف قوماً، فأصبح الضيف محروماً، فإنَّ نَصْره حقّ على كل مسلم، حتى يأخذ بقِرى ليلته مِنْ زَرْعه، وماله))، أخرجه أبو داود، وهو محمول على ما إذا لم يظفر منه بشيء. ٢٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللقطة ثالثها: أنه مخصوص بالعمال المبعوثين لقبض الصدقات، من جهة الإمام، فكان على المبعوث إليهم إنزالهم في مقابلة عملهم الذي يتولونه؛ لأنه لا قيام لهم إلا بذلك، حكاه الخطابيّ، قال: وكان هذا في ذلك الزمان؛ إذ لم يكن للمسلمين بيت مال، فأما اليوم فأرزاق العمال من بيت المال، قال: وإلى نحو هذا ذهب أبو يوسف في الضيافة على أهل نجران خاصّةً، قال: ويدل له قوله: «إنك بعثتنا)). وتُعُقّب بأن في رواية الترمذيّ: ((إنّا نمرّ بقوم)). رابعها: أنه خاص بأهل الذمة، وقد شَرَط عمر حين ضرب الجزية على نصارى الشام ضيافة من نزل بهم. وتُعُقّب بأنه تخصيص يحتاج إلى دليل خاصّ، ولا حجة لذلك فيما صنعه عمر؛ لأنه متأخر عن زمان سؤال عقبة. أشار إلى ذلك النوويّ. خامسها: تأويل المأخوذ، فحَكَى المازريّ عن الشيخ أبي الحسن من المالكية، أن المراد: أن لكم أن تأخذوا من أعراضهم بألسنتكم، وتَذْكُروا للناس غَيْبهم. وتعقبه المازريّ بأن الأخذ من العِرض، وذِكر العيب نُدِب في الشرع إلى ترکه، لا إلی فعله. وأقوى الأجوبة الأول. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن لك بما ذُكر أن ما تعلّق به الجمهور لعدم الوجوب مدخول، فالحقّ هو ما ذهب إليه الليث بن سعد: من وجوب الضيافة مطلقاً؛ لظاهر الحديث هذا، ولحديث أبي شريح الماضي، وحديث أبي هريرة المتقدّم في ((كتاب الإيمان))، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على مسألة الظفر، وهي أن يجد مال إنسان له عليه حقّ، فله أن يأخذ منه حقّه، وهذا هو القول الراجح، وبه قال الشافعيّ، فجَزَم بجواز الأخذ فيما إذا لم يمكن تحصيل الحقّ بالقاضي، كأن يكون غريمه منكِراً، ولا بيّنة له عند وجود الجنس، فيجوز عنده أخْذه إن ظَفِر به، وأخذ (١) ((الفتح)) ٢٧٨/٦ - ٢٧٩، كتاب ((المظالم)) رقم (٢٤٦١). ٢٧٧ (٥) - بَابُ الأَمَّرِ بِالْمُؤَاسَاةِ بِفُصُولِ الْمَالِ، وَخَلْطِ الأَزْوَادِ ... إلخ - حديث رقم (٤٥٠٩) غيره بقدره إن لم يجده، ويجتهد في التقويم، ولا يحيف، فإن أمكن تحصيل الحق بالقاضي، فالأصح عند أكثر الشافعية الجواز أيضاً، وعند المالكية الخلاف، وجوّزه الحنفية في المِثْليّ دون المتقوَّم؛ لِمَا يخشى فيه من الحيف، واتفقوا على أن محل الجواز في الأموال لا في العقوبات البدنية؛ لكثرة الغوائل في ذلك، ومحل الجواز في الأموال أيضاً ما إذا أَمِن الغائلة، كنِسْبته إلى السرقة، ونحو ذلك. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْثُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِللهِ عَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾. (٥) - (بَابُ الأَمْرِ بِالْمُؤَاسَاةِ بِفُضُولِ الْمَالِ، وَخَلْطِ الأَزْوَادِ إِذَا قَلَّتْ) [٤٥٠٩] (١٧٢٨) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ◌َ﴿ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِيناً وَشِمَالاً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ»، قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ، حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (شَيَْانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُلّيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُو الأَشْهَبِ) جعفر بن حيّان السَّعْديّ العُطارديّ البصريّ، ثقةٌ مشهور بكنيته [٦] (ت١٦٥) وله (٩٥) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٧٠/٦٦. ٣ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعةِ الْعَبديّ الْعَوَقِيّ البصريّ، ثقةٌ مشهور بكنيته [٣] (ت٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٧. ٤ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان بن عُبيد الأنصاريّ (١) ((الفتح)) ٢٧٨/٦ - ٢٧٩، كتاب ((المظالم)) رقم (٢٤٦١). ٢٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللقطة الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ها، استُصغر بأحد، ثم شهد ما بعدها، ومات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: سنة (٧٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٥. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وهو (٢٩٦) من رباعيّات الكتاب، وفيه أبو سعيد الخدريّ ظبه أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً. شرح الحديث : (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ◌َهُ أنه (قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ) لم يسمّ ذلك السفر، والله تعالى أعلم. (مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ)؛ أي: شرع، وطَفِق (يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِيناً وَشِمَالاً) قال النوويّ دَّتُهُ: أما قوله: ((فجعل يصرف بصره)) فهكذا وقع في بعض النسخ، وفي بعضها: (يصرف)) فقط بحذف (بصره))، وفي بعضها)) ((يضرب)) بالضاد المعجمة، والباء، وفي رواية أبي داود وغيره: ((يصرف راحلته)). انتهى(١). وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((فجعل يضرب يميناً وشمالاً)) كذا رواه ابن ماهان بالضاد المعجمة، وبالباء الموحدة من تحتها، من الضرب في الأرض؛ الذي يراد به: الاضطراب والحركة، فكأنه كان يجيء بناقته، ويذهب بها فِعْلَ المجهود الطالب، وفي كتاب أبي داود: ((يضرب راحلته يميناً وشمالاً))، وقد رواه العذريّ، فقال: ((يُصرِّف يميناً وشمالاً))، بالصاد المهملة، والفاء، من الصَّرف، ولم يذكر المصروف ما هو؟ وقد رواه السَّمرقنديّ، والصدفيُّ كذلك، وبيَّنوا المصروف، فقالوا: ((يصرف بصره يميناً وشمالاً)): يعني: كان يقلب طرفه فيمن يعطيه ما يدفع عنه ضرورته، ولا تباعد بين هذه الروايات؛ إذ قد صدر من الرجل كل ذلك، ولمّا رآه النبيّ وَّ﴿ على تلك الحال أمر كل من كان عنده زيادة على قدر كفايته أن يبذله، ولا يمسكه، وكان ذلك الأمر على جهة الوجوب؛ لعموم الحاجة، وشدَّة الفاقة؛ ولذلك قال الصحابيُّ: حتى رئينا: أنَّه لا حقّ لأحد منا في فضل؛ أي: في زيادة على قدر الحاجة، وهكذا الحكم (١) ((شرح النوويّ)) ٢٣/١٢. ٢٧٩ (٥) - بَابُ الأَمْرِ بِالْمُؤَاسَاةِ بِفُضُولِ الْمَالِ، وَخَلْطِ الأَزْوَادِ ... إلخ - حديث رقم (٤٥٠٩) إلى يوم القيامة؛ مهما نزلت حاجة، أو مجاعة، في السَّفر، أو في الحضر، وجبت المواساة بما زاد على كفاية تلك الحال، وحَرُم إمساك الفضل. انتهى كلام القرطبيّ كَُّ(١)، وهو بحث مفيد جدّاً، والله تعالى أعلم. وقال القاري: (فَجَعَلَ)؛ أي: شرع، وطَفِق (يَضْرِبُ)؛ أي: الراحلة (يَمِيناً وَشِمَالاً)؛ أي: بيمينه وشماله، أو يمينها وشمالها؛ لعجزها عن السير، وقيل: يضرب عينيه إلى يمينه وشماله؛ أي: يلتفت إليهما؛ طالباً لمن يقضي له حاجته، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ)؛ أي: زيادة مركوب عن نفسه (فَلْيَعُدْ بِهِ)؛ أي: فليرفق به (عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَّهُ) فيحمله على ظهره، مِنْ عاد علينا بمعروف؛ أي: رفق بنا، كذا في ((أساس البلاغة)). (وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ)؛ أي: منه، ومن دابّته (فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ))؛ أي: مقدار كفايته، ولعله ﴿ اطلع على أنه تعبان من قلّة الزاد أيضاً، أو ذكره تتميماً، وقصداً إلى الخير تعميماً. قال المظهر: أي: طفق يمشي يميناً وشمالاً؛ أي: يسقط من التعب؛ إذ كانت راحلته ضعيفة، لم يقدر أن يركبها، فمشى راجلاً، ويَحْتَمِل أن تكون راحلته قويّة إلا أنه قد حمل عليها زاده، وأقمشته، ولم يقدر أن يركبها من ثقل حملها، فطلب له من الجيش فضل ظهر؛ أي: دابة زائدة على حاجة صاحبها . قال الطيبيّ: في توجيهه إشكال؛ لأن ((على راحلته)) صفة ((رجل))؛ أي: راكب عليها، وقوله: ((فجعل)) عطف على ((جاء)) بحرف التعقيب، اللهم إلا أن يُتَمَخَّل، ويقال: إنه عطف على محذوف؛ أي: فنزل، فجعل يمشي. قال القاري: الأظهر أن يقال: التقدير: حامل متاعه على راحلته، أو ((على)) بمعنى ((مع))، كقوله تعالى: ﴿وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. قال الطيبيّ: الأوجه أن يقال: إن ((يضرب)) مجاز عن يلتفت، لا عن يمشي، وبهذا أيضاً يسقط الاحتمال الثاني الذي يأباه المقام، ويشهد له ما في ((صحيح مسلم)) - يعني: رواية: ((يصرف بصره عن يمينه وشماله)). قال النوويّ: ((جاء رجل على راحلة، فجعل يصرف بصره يميناً وشمالاً)) هكذا في بعض النسخ، وفي (١) ((المفهم)) ٢٠١/٥ - ٢٠٢. ٢٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللقطة بعضها: ((يصرف يميناً وشمالاً)) وليس فيها ذكر ((بصره))، وفي بعضها: (يضرب)) بالضاد المعجمة، والمعنى: يصرف بصره متعرِّضاً لشيء يدفع به حاجته. (قَالَ) أبو سعيد ◌َُّه: (فَذَكَرَ) النبيّ وَِّ (مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ) كالثوب، والنعال، والقربة، والماء، والخيمة، والنقود، ونحوها (مَا ذَكَرَ) بالبناء للفاعل؛ أي: ما أراد أن يذكره، (حَتَّى رَأَيْنَا)؛ أي: ظننا (أَنَّهُ) الضمير للشأن؛ أي: أن الشأن، (لَا حَقَّ لأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ)؛ أي: في إمساك ما زاد على حاجته. وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((حتى رئينا)) هكذا وقعت هذه الرواية بضم الراء، وكسر ما بعدها، مبنيّاً لِمَا لم يُسمّ فاعله؛ أي: ظهر لنا، وفي بعض النسخ: ((حتى رأينا)) مبنيّاً للفاعل، وفي بعضها: ((حتى قلنا))، من القول بمعنى الظنّ، كما في قول الشاعر [من الرجز]: مَتَى تَقُولُ الْقُلُصَ الرَّوَاسِمَا يُدْنِينَ أُمَّ قَاسِمٍ وَقَاسِمَا (١) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ظُه هذا من أفراد المصنّف ◌َخَذَلهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥٠٩/٥] (١٧٢٨)، و(أبو داود) في ((الزكاة)) (١٦٦٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٤/٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٤١٩)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٣٢٦/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤/ ٢٠٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨٢/٤ و٣/١٠) و((شُعَب الإيمان)) (٣/ ٢٢٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢٦٨٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحثّ على الصدقة، والمواساة، والإحسان إلى الرُّفْقة، والأصحاب، والاعتناء بمصالحهم، والسعي في قضاء حاجة المحتاج. (١) ((المفهم)) ٢٠٢/٥.