النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١
(١) - بَابُ بَيَانِ وُجُوبٍ تَعْرِيفِ اللُّقَطَة حَوْلاً، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٩٠)
رواية أن الراوي شكّ، وقال: لا أدري قال: حولاً، أو ثلاثة أحوال، وفي
رواية: عامين، أو ثلاثة، قال القاضي عياض: قيل في الجمع بين الروايات
قولان: أحدهما أن يُظْرَح الشك، والزيادة، ويكون المراد: سنَّة في رواية
الشكّ، وتردّ الزيادة لمخالفتها باقي الأحاديث، والثاني أنهما قضيتان، فرواية
زيد في التعريف سَنَة محمولة على أقل ما يجزئ، ورواية أُبَيّ بن كعب في
التعريف ثلاث سنين محمولة على الورع، وزيادة الفضيلة، قال: وقد أجمع
العلماء على الاكتفاء بتعريف سنة، ولم يشترط أحد تعريف ثلاثة أعوام، إلا ما
رُوي عن عمر بن الخطاب ظُه، ولعله لم يثبت عنه. انتهى(١).
وقال القرطبيّ ◌َخُّْهُ: قوله: ((ثم عرِّفها سنة)): تعريفها هو: أن يُنشدها في
مجتمعات الناس، وحيث يظن أن ربَّها هنالك، أو قربه، فيعرّفها تعريفاً لا يضرُّ
به، ولا يُخْفِي أمرها. والتعريف واجبٌ؛ لأنَّه مأمورٌ به، ثمَّ يختص الوجوب
بسنة في المال الكثير؛ الذي لا يَفْسد، ولا ينقص منها، وهو قول فقهاء
الأمصار، ولم يذهب أحدٌ منهم إلى زيادة على السنة إلا شيء روي عن عمر بن
الخطاب ظُبه، فإنَّه قال: يعرِّفها ثلاثة أعوام، وإلا ما يأتي من الخلاف في
لقطة الحاجٌ.
فأما الشيء القليل التافه؛ الذي لا يتعلَّق به نفس مالكه كالثمرة،
والكِسرة، فلا تعريف فيه. وقد مرَّ النبيّ وَّرَ بتمر في الطريق فقال: ((لولا أني
أخاف أن تكون من الصَّدقة لأكلتها)»، ولم يذكر تعريفها .
ولو كانت من القليل الذي تتعلَّق به النفس غالباً، فهل يُعرَّف أو لا؟ وإذا
عُرِّف؛ فهل يُعرَّف سنة، أو يجزئ أقل من ذلك؟ كل ذلك مختلف فيه، فظاهر
رواية ابن القاسم: أنَّه يُعرَّف سنة كالكثير، وهو قول الشافعيّ، وقال ابن
القاسم في الكتاب: يُعرِّفه أيَّاماً، وبه قال ابن وهب، ولم يحدد الأيام، بل
بحَسَب ما يظن أن مثلها يُطلب فيها، وهذا كالحبل، والْمِخْلاة، والدَّلو،
والعصا، والسَّوط، والسِّقاء، والنَّعل، وقال أشهب: إن لم يعرّفها فأرجو أن
يكون واسعاً، وقال بعض العلماء: لا يلزم تعريف شيء من ذلك، وألحقوه
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٥/١٢ - ٢٦.
٢٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللقطة
بالقسم الأول، وفيه بُعْدٌ؛ لأنَّ ما تَشَوَّف النفسُ إليه فالغالب أن صاحبه يطلبه،
فلا بدَّ من تعريفه، لكنه لا ينتهي التعريف فيه إلى السَّنة؛ لأنّ صاحبه لا يستديم
طَلَبه فيها غالباً، فحينئذ تضيع استدامة التعريف.
[فإن قيل]: فقد جاء في كتاب أبي داود من حديث جابر به: رخّص
لنا رسول الله وَر في السوط، والعصا، والحبل، وأشباهه، يلتقطه الرَّجل ينتفع
به، وظاهره: أنه لا يحتاج مثل هذا إلى تعريف.
[فالجواب]: أن هذا لا يصحُّ رفعه؛ لأنَّه من رواية المغيرة بن زياد، عن
أبي الزبير، عن جابر ظه، وقد رواه المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير، عن
جابر نظبه، قال: كانوا، ولم يذكر النبيّ وَّ﴿ والمغيرة بن مسلم أصلح حديثاً،
وأصح من حديث المغيرة بن زياد. هكذا قاله أبو محمد عبد الحقّ.
قال القرطبيّ: مع أن حديث أبي الزبير عن جابر لا يؤخذ منه إلا ما ذَكر
فيه سماعه منه؛ لأنَّه كان يُدلِّس في حديث جابر، ولم يذكر سماعه في هذا
الحديث، سلّمنا صحته، لكنه يَحْتَمِل أن تكون هذه الإباحة بعد التعريف،
ويعتضدُ هذا بما رواه أبو محمد بن أبي حاتم عن حُكيمة بنت غيلان عن أبيها
أن رسول الله وسلم قال: ((من التقط لقطة يسيرة، درهماً، أو حبلاً، أو شبه
ذلك؛ فليعرّفه ثلاثة أيام، فإن كان فوق ذلك فليعرِّفه ستة أيام)) (١)، وأصح من
هذا وأحسن ما خرَّجه النسائي عن عياض بن حمار المجاشعيّ: أن
رسول الله وَ ﴿ قال: ((من أخذ لقطة فليُشهد ذوي عدل، وليحفظ عفاصها،
ووكاءها، ولا يكتم، ولا يُغيِّب، فإن جاء صاحبها، فهو أحقّ بها، وإن لم
يجئُ صاحبها وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء))(٢)، وهذا عامّ في كل لُقطة.
وقوله: ((فليشهد ذوي عدلٍ))؛ أمرٌ للملتقط بأن يُشهد على نفسه بأنه وجد
(١) هذا حديث ضعيف، قال البيهقيّ تَُّ بعد تخريجه: تفرّد به عمر بن عبد الله بن
يعلى، وقد ضعّفه يحيى بن معين، ورماه جرير بن عبد الحميد وغيره بشرب
الخمر. انتهى. ((السنن الكبرى)) ١٩٥/٦.
(٢) أخرجه النسائيّ في ((السنن الكبرى)) بإسناد صحيح رقم (٥٨٠٨).
٢٠٣
(١) - بَابُ بَيّانِ وُجُوبٍ تَعْرِيفِ اللُّقَطَة حَوْلاً، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٩٠)
كذا على جهة الإحتياط للَّقطة مخافة طارىءٍ يطرأ على الملتقط من موت، أو
آفة، أو طروء خاطر خيانةٍ.
وقوله: ((ولا يكتم، ولا يُغيِّب)) يعني به: أنَّه يعرِّفها بأعمِّ أوصافها،
ويستدعي من الْمُدَّعي أخصَّ أوصافها المميّزة لها، كما تقدم.
وأمَّا ما رواه أبو داود من حديث عليٍّ ظُه: أنَّه وجد ديناراً فرهنه في
درهم لحماً، وأنه أعلم النبيّ ◌َ﴿ بذلك، فأقرَّه، ولم يُنكر عليه تصرَّفه في
الدينار بالرَّهن، فلا حجَّة فيه لمن يستدلُّ به: على أن القليل من اللقطة لا
يُعرَّف؛ لأنَّ عليّاً رَظُبه إنما فعل ذلك في حال ضرورة؛ لأنه دخل بيته والحسن
والحسين يبكيان من الجوع، فخرج فوجد الدينار، ففعل ذلك حين لم يجد شيئاً
آخر، وفي مثل هذه الحال تحل الميتة، فأحرى التصرف في الوديعة، ثم إنَّه لم
يُتلف عين الدينار، وإنَّما رهنه، فلمَّا جاء صاحبه، افْتَگّهُ ودفعه إليه، وذكر في
هذا الحديث: أن النبيّ وَل﴿ استدعى مدَّعِي الدينار، فسأله، فقال: سقط مني
في السُّوق. فأمر عليّاً بافتكاكه، ثم دفعه إلى الرَّجل، من غير أن يسأل عن
وصف من أوصاف الدينار، فيَحْتَمِل أن يكون اكتفى منه بقوله: أنَّه ضاع مني
في السُّوق، وقد كان عليٍّ وجده في السُّوق؛ لأنَّ الدينار الواحد ليس فيه عدد،
وقد لا يكون له وعاء، ولا وكاء، والدنانير متساوية الأشخاص غالباً، ويَحْتَمِل
أن يكون النبيّ وَّهو علم أنه صاحبه بوحي، أو بقرائن، فلا حجَّة فيه على سقوط
السؤال عن الأوصاف، والله تعالى أعلم.
وقد حصل من هذا: أن اللقطة لا بدَّ لها من تعريف؛ فإن كانت مما لها
بال ومقدار عُرِّفت سنة، وإن كانت مما ليس لها ذلك المقدار؛ كان تعريفها
بحسبها من غير حدٍّ بعدد مخصوص، ولا زمان مخصوص، بل على الاجتهاد،
وأما الثمرة، والكِسرة: فلا تحتاج إلى تعريف؛ لأنها مزهودٌ فيها، ولا تتشوَّف
نفس صاحبها إليها، وهذا مذهب مالك وغيره. انتهى كلام القرطبيّ(١) وهو
بحث مفيد، والله تعالى أعلم.
(فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا) وفي رواية للبخاريّ: ((فإن جاء أحد يخبرك بها))،
(١) ((المفهم)) ١٨٣/٥ - ١٨٦.
٢٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللقطة
وجواب الشرط محذوف، تقديره: فأَدِّها إليه، وفي رواية حماد بن سلمة الآتية:
((فإن جاء صاحبها، فعرف عِفاصها، وعددها، وووكاءها، فأعطها إياه)). (وَإِلَّا)
هي ((إن)) الشرطيّة أُدغمت في ((لا)) النافية؛ أي: وإن لم يجىء صاحبها،
(فَشَأْتَكَ بِهَا))) بنصب ((شأنك)) بفعل مقدّر؛ أي: افعل شأنك بتلك اللقطة، وفي
رواية: ((ثم استنفق بها))، وفي أخرى: ((فإذا لم يأت لها طالب، فاستنفقها))،
وفي أخرى: ((فإن لم يجىء صاحبها كانت وديعة عندك)»، وفي أخرى: ((فإن لم
تعرف، فاستنفقها، ولتكن وديعةً عندك))، وكلّها عند المصنّف في الباب.
قال النوويّ ◌َّلُ: قوله: ((فإن جاء صاحبها ... إلخ)): معناه: إن جاءها
صاحبها فادفعها إليه، وإلا فيجوز لك أن تتملكها، قال أصحابنا: إذا عرّفها،
فجاء صاحبها في أثناء مدة التعريف، أو بعد انقضائها وقبل أن يتملكها
الملتقط، فأثبت أنه صاحبها أخذها بزيادتها المتصلة والمنفصلة، فالمتصلة
كالسِّمَن في الحيوان، وتعليم صنعة ونحو ذلك، والمنفصلة كالولد، واللبن،
والصوف، واكتساب العبد، ونحو ذلك، وأما إن جاء من يدَّعيها ولم يثبت
ذلك، فإن لم يصدّقه الملتقط لم يجز له دفعها إليه، وإن صدّقه جاز له الدفع
إليه، ولا يلزمه حتى يقيم البينة، هذا كله إذا جاء قبل أن يتملكها الملتقط، فأما
إذا عرّفها سنةً، ولم يجد صاحبها، فله أن يديم حفظها لصاحبها، وله أن
يتملكها، سواء كان غنيّاً، أو فقيراً، فإن أراد تملّكها فمتى يملكها؟ فيه أوجه
لأصحابنا: أصحها: لا يملكها حتى يتلفظ بالتملك، بأن يقول: تملكتها، أو
اخترت تملكها، والثاني: لا يملكها إلا بالتصرف فيها بالبيع ونحوه، والثالث:
يكفيه نية التملك، ولا يحتاج إلى لفظ، والرابع: يملك بمجرد مضي السنة.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا القول الرابع هو الأظهر؛ لظاهر الحديث؛
فإنه ◌َ﴿ لمّا أباح له التصرّف فيها لم يقيّده بشيء مما ذُكر، فتنبّه، والله تعالى
أعلم.
قال: فإذا تملكها ولم يظهر لها صاحب فلا شيء عليه، بل هو كسب من
أكسابه، لا مطالبة عليه به في الآخرة، وإن جاء صاحبها بعد تملكها أخذها
بزيادتها المتصلة، دون المنفصلة، فإن كانت قد تلفت بعد التملك لزم الملتقط
(١) - بَابُ بَيَانِ وُجُوبٍ تَعْرِيفِ اللُّقَطَة حَوْلاً، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٩٠)
٢٠٥
بدلها عندنا، وعند الجمهور، وقال داود: لا يلزمه، والله أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ ما ذهب إليه الجمهور، فإنه مَّو قال بعد
قوله: ((فاستنفق بها)): ((ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر،
فأدِّها إليه))، فأوجب عليه أداءها بعد استنفاقها، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ تَخُّْ: قوله: ((فإن جاء صاحبها، وإلا فشأنُك بها - أو:
فهي لك))، أو: ((فاستنفقها))، وفي حديث أَبَيّ: ((وإلا فاستمتع بها))، وفي كتاب
الترمذيّ: ((ثمَّ كُلها))، وفي كتاب النسائيّ من حديث عياض بن حمار: ((وإلا
فهي مال الله يؤتيه من يشاء)»: أفادت هذه الروايات كلها أن واجد اللقطة بعد
التعريف أحقّ بالنظر فيها من غيره، فلا ينتزعها منه السلطان ولا غيره، وهو
قول أهل العلم، غير أن الأوزاعيّ قال: إن كان مالاً كثيراً جعله في بيت
المال.
واختلفوا إن كان غير مأمون؛ هل يتركها السلطان بيده، أو يأخذها منه؟
فعن الشافعيّ في ذلك قولان، قال القاضي عياض: ومقتضى مذهب مالك،
وأصحابه: أن يأخذها منه إن كان غير مأمون، وهو الصحيح - إن شاء الله
تعالى - فاذا أُقرَّت بيده؛ فما الذي يفعل بها؟! الجمهور: على أن له أن
يمسكها عنده، ولا ضمان عليه؛ لأنَّها وديعة، كما جاء في بعض طرقه:
((ولتكن وديعة عندك))، وله أن يصرفها في مصالحه من أكل، أو انتفاع، وله أن
يتصدَّق بها، ولا بدَّ في هذين من الضمان متى جاء صاحبها، وإلى هذا ذهب
عمر بن الخطاب، وابنه، وابن مسعود، وعائشة، وعطاء، والشافعيّ، وأحمد،
وإسحاق، وأبو حنيفة. غير أنه - أعني: أبا حنيفة - لم يُبْح أكلها إلا للفقير،
وشدَّ داود فأسقط عنه الضمان بعد السَّنة.
وموجب الخلاف اختلاف تلك الروايات، وذلك: أن ظاهر قوله: ((فهي
لك))، وقوله: ((ثم كُلها))، وقوله: ((وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء)): التمليك،
وسقوط الضمان، وبه اغتَرَّ داود، لكن قد أزال ذلك الظاهر، ودَحَضَه رواية
العدل، الضابط الحافظ، الإمام يحيى بن سعيد عن يزيد - مولى المنبعث - أنَّه
(١) (شرح النوويّ)) ٢٢/٢١ - ٢٣.
٢٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللقطة
سمع زيد بن خالد الجهنيّ الله يقول: سُئل رسول الله وَله عن اللقطة؛ الذهب
والورق؟ فقال: ((اعرف وكاءها، وعِفاصها، ثمَّ عرِّفها سَنَة، فإن لم تُعرف
فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوماً من الدَّهر، فأدِّها إليه))،
فهذه أحسن الروايات، وأنصُّها على المطلوب، وهي المبيِّنة لتلك الظواهر
الحاكمة عليها، والعجب من داود كيف صُرِف عنها وهي بين يديه؟ وأنَّى تغافلَ
عنها؟ وهي حجَّة عليه؛ لكن من حُرِم التوفيق استدبر الطريق. انتهى كلام
القرطبيّ كَّهُ(١).
(قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَم؟)؛ أي: ما حكمها؟ فحُذف ذلك للعلم به، قال
العلماء: الضالّة لا تقع إلا على الحيوان، وما سواه يقال له: لُقَطة، ويقال
للضَّوالٌ أيضاً: الهوامِي، والهوافي، بالميم، والفاء، والهوامل، قاله في
((الفتح)).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((فضالَّة الغنم)) كلامٌ إضافيّ مبتدأ، خبره: أي:
ما حكمها؟ أهي مثل ضالة الإبل أم لا؟.
وقوله: ((لك، أو لأخيك، أو للذئب)) فيه حذفٌ تقديره: ليست ضالّة
الغنم مثل ضالة الإبل، هي لك إن أخذتها، أو هي لأخيك، إن لم تأخذها،
يعني: يأخذها غيرك من اللاقطين، أو يكون المارّ من الأخ صاحبها،
والمعنى: أو هي لأخيك الذي هو صاحبها إن ظهر، أو هي للذئب إن لم
تأخذها، ولم يتفق أن يأخذها غيرك أيضاً؛ لأنه يُخاف عليها من الذئب
ونحوه، فيأكلها غالباً، فإذا كان المعنى على هذا يكون محلّ (لك)) من
الإعراب الرفع؛ لأنه خبر مبتدإ، وكذلك ((لأخيك))، و((للذئب)). انتهى (٢).
(قَالَ) وَرِ («لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذَّتْبِ))) قال النوويّ كَُّهُ: معناه: الإذن
في أخذها، بخلاف الإبل، وفرَّقِ رَ له بينهما، وبَيَّن الفرق بأن الإبل مستغنية
عن من يحفظها؛ لاستقلالها بحذائها وسقائها، وورودها الماء، والشجر،
وامتناعها من الذئاب، وغيرها من صغار السباع، والغنم بخلاف ذلك، فلك أن
تأخذها أنت، أو صاحبها، أو أخوك المسلم الذي يَمُرّ بها، أو الذئب، فلهذا
(١) ((المفهم)) ١٨٦/٥ - ١٨٨.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٦٤/٢ - ١٦٥.
٢٠٧
(١) - بَابُ بَيَانِ وُجُوبٍ تَعْرِيفِ اللُّقَطَة حَوْلاً، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٩٠)
جاز أخذها دون الإبل، ثم إذا أخذها، وعرّفها سنةً، وأكلها، ثم جاء صاحبها
لزمته غرامتها عندنا، وعند أبي حنيفة، وقال مالك: لا تلزمه غرامتها؛ لأن
النبيّ ◌َّه لم يذكر له غرامةً، واحتج أصحابنا بقوله {وَل﴿ في الرواية الأخرى:
«فإن جاء صاحبها فأعطها إياه))، وأجابوا عن دليل مالك بأنه لم يَذْكُر في هذه
الرواية الغرامة، ولا نفاها، وقد عُرِف وجوبها بدليل آخر. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((لك، أو لأخيك ... إلخ)) فيه إشارة إلى جواز
أخذها، كأنه قال: هي ضعيفة؛ لعدم الاستقلال، مُعَرَّضة للهلاك، مترددة بين
أن تأخذها أنت، أو أخوك، والمراد به ما هو أعمّ من صاحبها، أو من ملتقِط
آخر، والمراد بالذئب: جنس ما يأكل الشاة، من السباع، وفيه حثّ له على
أخذها؛ لأنه إذا علم أنه إن لم يأخذها بقيت للذئب، كان ذلك أدعى له إلى
أخذها .
ووقع في رواية إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة التالية: ((قال: خذها،
فإنما هي لك ... إلخ))، وهو صريح في الأمر بالأخذ، ففيه دليل على ردّ
إحدى الروايتين عن أحمد، في قوله: يترك التقاط الشاة.
وتمسك به مالك في أنه يملكها بالأخذ، ولا يلزمه غرامة، ولو جاء
صاحبها، واحتُجّ له بالتسوية بين الذئب والملتقط، والذئبُ لا غرامة عليه،
فكذلك الملتقط .
وأجيب بأن اللام ليست للتمليك؛ لأن الذئب لا يملك، وإنما يملكها
الملتقط على شرط ضمانها، وقد أجمعوا على أنه لو جاء صاحبها قبل أن
يأكلها الملتقط لأخذها، فدلّ على أنها باقية على ملك صاحبها، ولا فرق بين
قوله في الشاة: ((هي لك، أو لأخيك، أو للذئب))، وبين قوله في اللقطة:
((شأنك بها))، أو ((خذها))، بل هو أشبه بالتملك؛ لأنه لم يُشرِك معه ذئباً، ولا
غيره، ومع ذلك فقالوا في النفقة: يَغْرَمها إذا تصرّف فيها، ثم جاء صاحبها .
وقال الجمهور: يجب تعريفها، فإذا انقضت مدة التعريف أكلها، إن
شاء، وغَرِمَ لصاحبها إلا أن الشافعيّ قال: لا يجب تعريفها إذا وُجدت في
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٣/١٢.
٢٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللقطة
الفلاة، وأما في القرية فيجب في الأصحّ، قال النوويّ: احتج أصحابنا
بقوله 18 في الرواية الأولى: ((فإن جاء صاحبها، فأعطها إياه))، وأجابوا عن
رواية مالك بأنه لم يذكر الغرامة، ولا نفاها، فثبت حكمها بدليل آخر. انتهى.
قال الحافظ: وهو يوهم أن الرواية الأولى من روايات مسلم فيها ذكر
حكم الشاة إذا أكلها الملتقط، ولم أر ذلك في شيء من روايات مسلم، ولا
غيره في حديث زيد بن خالد. نعم عند أبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ،
والطحاويّ، والدارقطنيّ، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، في
ضالة الشاة: ((فاجمعها، حتى يأتيها باغيها)). انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَخْذَلُهُ: قوله: ((فضالةُ الغنم؟))، فقال: ((هي لك، أو
لأخيك، أو للذئب)): أي: لا بدّ لها من حال من هذه الأحوال الثلاثة. و((أو))
هذه للتقسيم والتنويع، ويفيد هذا أن الغنم إذا كانت في موضع يُخاف عليها فيه
الهلاك جاز لملتقطها أكلها، ولا ضمان عليه؛ إذ قد سوّى بينه ويين الذئب،
والذئب لا ضمان عليه، فالملتقط لا ضمان عليه، وهو مذهب مالك وأصحابه،
وقد ضمَّنه الشافعيّ، وأبو حنيفة تمسُّكاً ببقاء ملك ربِّها عليها، وبما قد رُوي
من حديث عمرو بن يثربيّ: أنَّه قال: ((إن لقيتها لقحة تحمل شفرةً وأزناداً فلا
تمسَّها))، ولا حجَّة في شيء من ذلك؛ قد اتفقنا على أن لواجدها أخْذَها،
وأكْلَها، والأصل: أنَّه لا يجوز التصرُّف في ملك الغير؛ فقد تركنا هذا
الأصل، فلا نتمسك به في باب اللقطة؛ لأن الشرع قد سلَّط الملتقط عليها،
ولمّا كانت هذه مآلها الهلاك إن تُركت ولا ضمان؛ كان أكْلها لواجدها أولى
بغير ضمان؛ لأنَّه انتفع بها رجل مسلم، ولا حجّة أيضاً في الحديث لأنَّه من
رواية عُمارة بن حارثة، وليس بالمشهور بالرواية، ولو سُلُّم أنه صحيح فلا
حجّة فيه أيضاً؛ لأنَّ ذلك القول إنما صدر عن النبيّ ◌َله جواباً لمن قال له:
أرأيت إن لقيت غنم ابن عمي، فأخذت منها شاة، فأجزرتها؛ أعليّ في ذلك
شيء؟ فأجابه ول﴿ بذلك، فلم يسأله عن ضالة الغنم، بل عن غنم ابن عمِّه،
وذلك عندما قال النبيّ وَلاير: ((لا يحل لا مرئ من مال أخيه شيء إلا بطيب نفسٍ
(١) ((الفتح)) ٢٣٨/٦.
(١) - بَابُ بَيَانِ وُجُوبٍ تَعْرِيفِ اللُّقَطَة حَوْلاً، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٩٠)
٢٠٩
منه))، فحينئذ سأله عن ذلك، فأجابه بذلك، ويلحق بالغنم عند مالك: ما لا
يبقى من الأطعمة، ويخافُ عليه الفساد، وكان بموضع لا ينحفظ فيه، ولا
يوجد من يشتريه، فله أكله، ولا ضمان، وضمَّنه الإمامان، كما قدّمناه، فإن
كان شيء من ذلك قريباً من العمران، وأَمِنَ الهلاك عليه فلا يجوز له أكله، ولا
خلاف فيه، فإن شاء أخذها بنيَّة حفظها، وإن شاء تركها على ما تقدم. انتهى
كلام القرطبيّ ◌َّهُ(١) ..
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما ذهب إليه الإمامان أبو حنيفة،
والشافعيّ من تضمينه هو الأرجح؛ لظاهر أحاديث الباب، فتأمل بالإمعان،
والله تعالى أعلم.
(قَالَ) السائل (فَضَالَّةُ الإِبِل؟)؛ أي: ما حكمها (قَالَ) وَلِ ((مَا لَكَ وَلَهَا؟)
((ما)) استفهاميّة، ومعناه: ما تصنع بها؟ أي: لِمَ تأخذها، ولِمَ تتناولها؟ وإنها
مستقلّة بأسباب معيشتها(٢).
وفي رواية: ((فغضب رسول الله وَ﴿ حتى احمرّت وجنتاه، أو احمرّ
وجهه))، وفي رواية للبخاريّ: ((فتمَعّر وجه النبيّ ◌َِّ))، وهو بالعين المهملة
الثقيلة؛ أي: تغيَّر، وأصله في الشجر إذا قَلَّ ماؤه، فصار قليل النَّضْرة، عديم
الإشراق، ويقال للوادي المجدب: أمعر، ولو رُوي ((تَمَغَر)) بالغين المعجمة،
لكان له وجه؛ أي: صار بلون المغَرَة، وهو حمرة شديدة إلى كُمُودة، قاله في
((الفتح))(٣).
وفي رواية سليمان بن بلال الآتية: ((فقال: ما لك ولها؟ دعها، فإن معها
حذاءها، وسقاءها، تَرِد الماء، وتأكل الشجر، حتى يجدها ربّها)).
وقال القرطبيّ تَُّ: قوله في ضالَّة الإبل: ((ما لك ولها؟)) إلى آخر
الكلام، وغضبه حين قال ذلك يدلُّ على تحريم التعرُّض لضالَّة الإبل؛ لأنَّها
يُؤْمَن عليها الهلاك لاستقلالها بمنافعها، وقد نصّ على ذلك بقوله في الرواية
الأخرى: ((دعها عنك))، ومقتضاه: المنع من التصرف فيها مطلقاً، وأن تُترك
(١) ((المفهم)) ١٨٨/٥ - ١٨٩.
(٣) ((الفتح)) ٢٣٩/٦.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٦٤/٢.
٢١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللقطة
حيث هي، لكن هذا إذا لم تكن بأرض مَسْبَعَةٍ (١)، وعلى هذا يدلُّ قوله ◌َّت :
((ضالّة المسلم حرق النار))(٢)، قال العلماء: هكذا كان في أول الإسلام، وعلى
ذلك استمر زمن أبي بكر، وعمر، فلمَّا كان زمن عثمان وعليّ، وكثر فساد
الناس، واستحلالهم رأوا التقاطها، وضمَّها، والتعريف بها، وهذا كلُّه منهم
وفاءً بمقصود هذا الحديث في لقطة الإبل؛ فإن مقصوده: أنها إذا أُمن عليها
الهلاك، وبقيت بحيث تتمكن مما تعيش به من الأكل والشرب حتى يجيء
ربُّها، فيجدها سليمة، فحينئذ لا يتعرَّض لها أحدٌ، فلو تعذّر شيء من ذلك،
وخِيف عليها الهلاك أو السَّرق؛ التُقِطَت، وحُفِظَت؛ لأنَّها مال مسلم؛ فيجب
حفظه، ولا تُؤكل، ولو كانت بالمواضع المنقطعة عن العمران البعيدة؛ لأنَّ
سَوْقها ممكن، ومؤونتها متيسرة بخلاف الغنم.
وهل يُلحق بها البقر، أو بالغنم؟ عندنا - المالكيّة - في ذلك قولان،
فرأى مالك إلحاقها بالغنم لضَعْفها عن الامتناع عند انفرادها، ورأى ابن القاسم
إلحاقها بالإبل، إذا كانت بموضع لا يُخاف عليها فيه من السِّباع.
قال القرطبيّ: وكأنّ هذا تفصيل أحوال، لا اختلاف أقوال، وقد بيَّنًّا:
أن مثله جارٍ في الإبل، فالأَولى: إلحاقها بها .
وكذلك اختُلِف في التقاط الخيل، والبغال، والحمير، وظاهر قول ابن
القاسم: أنها تُلتقط. وقال أشهب، وابن كنانة: لا تلتقط. انتهى كلام
القرطبيّ تَذَهُ(٣).
(مَعَهَا سِقَاؤُهَا) بكسر السين المهملة؛ أي: جوفها، والمراد به أنها
تشرب، وتأخذ الماء في جوفها، وتكتفي به أيّاماً، وقيل: المراد بالسقاء:
عنقها، وقال النوويّ كَّتُهُ: معناه: أنها تَقْوَى على ورود المياه، وتشرب في
اليوم الواحد، وتملأ كَرِشها، بحيث يكفيها الأيام. انتهى(٤).
(١) أي: كثيرة السباع.
(٢) حديث صحيح، أخرجه ابن ماجه، وغيره بإسناد صحيح.
(٣) ((المفهم)) ١٨٩/٥ - ١٩٠.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٢١/١٢.
٢١١
(١) - بَابُ بَيَانِ وُجُوبٍ تَعْرِيفِ اللُّقَطَة حَوْلاً، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٩٠)
(وَحِذَاؤُهَا) - بكسر الحاء المهملة، بعدها ذال معجمة، مع المدّ؛ أي:
خُفّها، والمراد: أنها تقوى بها على السير، وقطع المفاوز.
وقال القرطبيّ تَخْلُهُ: أصل الحذاء: ما يحتذي به الإنسان، من نعال، أو
غيره، والسقاء: ما يشرب به، فيعني أن الإبل لا تحتاج إلى شيء مما يحتاج
إليه غيرها من المواشي، فإنها تمشي حيث شاءت، وتأكل من الأشجار، وترد
الأنهار. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): أشار بذلك إلى استغنائها عن الحفظ لها بما رُكُّب في
طباعها من الجلادة على العطش، وتناول المأكول بغير تَعَب؛ لطول عنقها، فلا
تحتاج إلى ملتقط.
(تَرِدُ الْمَاءَ) - بفتح حرف المضارعة، وكسر الراء -: مضارع ورد، قال
الفيّوميّ تَخْتُ: وَرَدَ البعيرُ وغيره الماءَ يَرِدُهُ وُرُوداً: بَلَغَهُ، ووافاه، من غير
دخول، وقد يَحْصُل دخول فيه، والاسم: الوِرْدُ بالكسر، وأَوْرَدْتُهُ الماءَ،
فَالوِرْدُ: خلاف الصَّدَرِ، والإِيْرَادُ: خلاف الإِصْدَارِ، والمَوْرِدُ مثلُ مسجد:
موضع الورود، ووَرَدَ زيدُ الماءَ، فهو وَارِدٌ، وجماعةٌ وَارِدَةٌ، وُرَّادٌ، وورْدٌ،
تسميةً بالمصدر، ووَرَدَ زيد علينا وُرُوداً: حَضَر، ومنه: وَرَدَ الكتاب، على
الاستعارة. انتهى(٢).
(وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى بَلْقَاهَا)؛ أي: يجدها (رَبُّهَا)))؛ أي: صاحبها.
وقوله: (قَالَ بَحْيَى) يعني: ابن يحيى الراوي عن مالك، (أَحْسِبُ) بفتح
السين، وكسرها، من بابي علم، وورث؛ أي: أظنّ، (قَرَأْتُ)؛ أي: على
مالك، وقوله: (عِفَاصَهَا) مفعول ((قرأت))، وغرضه بيان أن شيخه يحيى تردّد في
لفظة ((عفاصها))، وهذا لا يضرّ فقد وردت في روايات الآخرين دون تردّد، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زيد بن خالد الْجُهَنيّ هذا متّفقٌ عليه.
(١) ((المفهم)) ١٩١/٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٥٤/٢ - ٦٥٥.
٢١٢
البحر المحيط النجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللقطة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٤٤٩٠ ٤٤٩١ و٤٤٩٢ و ٤٤٩٣ و٤٤٩٤
و٤٤٩٥ و٤٤٩٦ و٤٤٩٧] (١٧٢٢)، و(البخاريّ) في ((العلم)) (٩١) و((المساقاة))
(٢٣٧٢) و((اللقطة)) (٢٤٢٧ و٢٤٢٨ و٢٤٢٩ و٢٤٣٦ و٢٤٣٨) و((الأدب))
(٦١١٢)، و(أبو داود) في ((اللقطة)) (١٧٠٤ و١٧٠٥ و١٧٠٧)، و(الترمذيّ) في
((الأحكام)) (١٣٧٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٠٧/٣ و٤١٦)، و(مالك) في
((الموظّإِ)) (٧٥٧/٢)، و(الشافعيّ) في («مسنده)) (١٣٧/٢)، و(عبد الرزّاق) في
((مصنّفه)) (١٨٦٠٢)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٨١٦)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (٤٥٦/٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٧/٤)، و(الطحاويّ) في ((شرح
معاني الآثار)» (١٣٤/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٨٨٩، ٤٨٩٠)، و(ابن
الجارود) في ((المنتقى)) (٦٦٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٨١/٤ و١٨٦)،
و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (١١٧/١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥٢٤٩
و ٥٢۵٠ و٥٢٥٢ و ٥٢٥٣ و٥٢٥٥ و٥٢٥٧)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢٣٥/٤
- ٢٣٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨٥/٦ و١٨٦ و١٩٢)، و(البغويّ) في
((شرح السُّنّة)) (٢٢٠٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة التقاط اللقطة، وقد اختلف في حكمه، فروي
عن مالك الكراهة، وروي عنه أنّ أخْذَها أفضل فيما له بال، وللشافعيّ ثلاثة
أقوال: أصحها: يستحب الأخذ، ولا يجب، والثاني: يجب، والثالث: إن
خاف عليها وجب، وإن أَمِن عليها استُحِبّ، وعن أحمد يُندب تركها، وعند
الحنفيّة: الأفضل التقاطها إذا كان يأمن على نفسه، وإلا لا يرفعها(١).
٢ - (ومنها): وجوب معرفة العِفاص، والوكاء، والعدد؛ لِأَمْرِهِ وَه
بذلك، وهو للوجوب، وقد حكى القاضي عن بعضهم الإجماع على ذلك، فإن
جاء صاحبها، وَصَفَها وبَيَّنَها، فقال الشافعيّ، ومالك: يُجبَر على دفعها؛
لقوله : «فإن جاء صاحبها، فعَرَف عِفاصها، وعددها، ووكاءها، فأَعْطِها
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ١٦٦/٢.
٢١٣
(١) - بَابُ بَيَانِ وُجُوبٍ تَعْرِيفِ اللُّقَطَة حَوْلاً، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٩٠)
إياه، وإلا فهي لك))، وهذا أمر، وهو للوجوب، وقالت الحنفية: يَحِلّ للملتقط
أن يدفعها إليه من غير أن يُجبر عليه في القضاء.
قال الجامع عفا الله عنه: القول هو الصحیح؛ لوضوح حجته.
وفي ((شرح السُّنة)): اختلفوا في أنه لو ادَّعَى رجل اللقطة، وعَرَف
عِفاصها، ووكاءها، فذهب مالك، وأحمد: إلى أنه يدفع إليه من غير بينة
أقامها عليه، وهو المقصود من معرفة العفاص، والوكاء، وقال الشافعيّ،
والحنفية: إذا وقع في النفس صدق المدعي فله أن يعطيه، وإلا فبيّنة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما ذهب إليه مالك، وأحمد هو
الأرجح؛ لوضوح حجته؛ لأنه ◌َ* بعد أن أمر بمعرفة هذه الأمور أمره أن
يدفعها لمن عرف تلك الأمور، ولم يشترط عليه بيّنة، ولا غيرها، فتأمله
بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): ما قال في ((العمدة)): احتَجّ بهذا الحديث من يمنع التقاط
الإبل إذا استغنت بقوتها عن حفظها، وهو قول الشافعيّ، ومالك، وأحمد،
ويقال عند الشافعيّ: لا يصح في الكبار، ويصح في الصغار، وعند مالك: لا
يصح في الإبل، والخيل، والبغل، والحمار فقط، وعند أحمد: لا يصح في
الكلّ حتى الغنم، وعنه: يصح في الغنم، وفي بعض شروح البخاريّ: وعند
الشافعية: يجوز للحفظ فقط، إلا أن يوجد بقرية، أو بلد، فيجوز على
الأصحّ، وعند المالكية ثلاثة أقوال في التقاط الإبل: ثالثها: يجوز في القرى
دون الصحراء، وقالت الشافعية: في معنى الإبل كلُّ ما امتنع بقوّته عن صغار
السباع، كالفرس، والأرنب، والظبي، وعند المالكية خلاف في ذلك، وقال
ابن القاسم: يُلحَق البقر بالإبل دون غيرها، إذا كانت بمكان لا يُخاف عليها
فيه من السباع.
وقال القاضي: اختُلف عند مالك في الدواب، والبقر، والبغال،
والحمير، هل حكمها حكم الإبل، أو سائر اللقطات؟
وقالت الحنفية: يصح التقاط البهيمة مطلقاً، من أي جنس كان؛ لأنها
مال يُتَوَّهم ضياعه، والحديث محمول على ما كان في ديارهم؛ إذ كان لا
يخاف عليها من شيء، ونحن نقول في مثله بتركها، وهذا لأن في بعض البلاد
٢١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللقطة
الدوابّ يُسَيِّبها أهلها في البراري، حتى يحتاجوا إليها، فيُمسكوها وقت
حاجتهم، ولا حاجة في التقاطها في مثل هذه الحالة، والذي يدل على هذا ما
رواه مالك في ((الموطإ)» عن ابن شهاب قال: كان ضوالّ الإبل في زمن
عمر ظُه إبلاً مُؤبَّلة تتناتج، لا يمسكها أحد، حتى إذا كان زمن عثمان
أَمَر بمعرفتها، ثم تباع، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها .
قال الجوهريّ: إذا كانت الإبل للقِنْية فهي إبل مؤبَّلة. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي ذهب إليه الحنفيّة من جواز التقاط البهيمة
مطلقاً إذا خيف عليها الضياع هو الذي يترجح عندي؛ لأنه ◌َالقر علّل منع التقاط
الإبل بكونها ممتنعة بنفسها، ومفهومه أنها إذا لم تمتنع بنفسها، حلّ التقاطها،
فتأمل، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): وجوب تعريف اللقطة سَنَّة، ولا فرق في ذلك بين القليل
والكثير، كما هو ظاهر الحديث، إلا أن يكون يسيراً لا يطلبه صاحبه، كتمرة
ونحوها؛ والأصح عند الشافعية: أنه لا يجب التعريف في القليل منه، بل
يعرّفه زمناً يظن أن فاقده يتركه غالباً، وقال الليث: إن وجدها في القرى
عرّفها، وإن وجدها في الصحراء لا يعرّفها، وقال المازريّ: لم يُجْرِ مالك
اليسير مُجْرَى الكثير، واستحبّ فيه التعريف، ولم يبلغ به سنةً، وقد جاء أنه وَله
مر بتمرة، فقال: ((لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها))، فنّه على أن
اليسير الذي لا يرجع إليه أهله يؤكل.
وقال بعض العلماء: إن السوط، والعصا، والحبل، ونحوه ليس فيه
تعريف، وإنه مما يُعفى عن طلبه، وتُطِيبُ النفس بتركه، كالتمرة، وقليل
الطعام.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي أن القليل الذي لا يلتفت
إليه أوساط الناس، ويزهدون فيه، ولا يحرصون عليه، لا يجب تعريفه، ودليل
ذلك ما أخرجاه في ((الصحيحين)) من حديث أنس به، أنه وَلهو مرّ بتمرة في
الطريق، فقال: ((لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها))، فلم يذكر
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ١٦٧/٢، كتاب ((العلم)) رقم (٩١).
٢١٥
(١) - بَابُ بَيَانِ وُجُوبٍ تَعْرِيفِ اللَّقَطَة حَوْلاً، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٩٠)
تعريفها، فدّل على أن ما كان تافهاً، لا يجب تعريفه، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): جواز الاستمتاع باللقطة بعد التعريف للملتقِط مطلقاً، فقيراً
كان، أو غنيّاً، بشرط الضمان إذا جاء صاحبها؛ لإطلاقه وَطّر، وعدم تقييده
بالفقير، قال الخطابيّ كَُّهُ: في لفظ: ((ثم استمتع)) بيانُ أنها له بعد التعريف
يَفعل بها ما شاء، بشرط أن يُرُدّها إذا جاء صاحبها، إن كانت باقيةً أو قيمتها
إن كانت تالفة، فإذا ضاعت اللقطة نُظِر، فإن كان في مدة السنة لم يكن عليه
شيء؛ لأن يده يد أمانة، وإن ضاعت بعد السنة فعليه الغرامة؛ لأنها صارت
ديناً عليه.
وأغرب الكرابيسي من الشافعية، فقال: لا يلزمه ردّها بعد التعريف، ولا
ردّ بدلها، وهو قول داود، وقول مالك في الشاة، وقال سعيد بن المسيِّب،
والثوريّ: يتصدق بها، ولا يأكلها، ورُوي ذلك عن عليّ، وابن عباس، وقال
مالك: يُستحب له أن يتصدق بها مع الضمان، وقال الأوزاعيّ: المال الكثير
يُجعل في بيت المال بعد السنة، والله تعالى أعلم، قاله في ((العمدة)) (١).
وقال في ((الفتح)): واستُدِلّ به على أن الملتقط يتصرف فيها، سواء كان
غنيّاً، أو فقيراً، وعن أبي حنيفة: إن كان غنياً تصدق بها، وإن جاء صاحبها
تخير بين إمضاء الصدقة، أو تغريمه، قال صاحب ((الهداية)): إلا إن كان بإذن
الإمام، فيجوز للغنيّ كما في قصة أُبَيّ بن كعب، وبهذا قال عمر، وعليّ، وابن
مسعود، وابن عباس، وغيرهم من الصحابة والتابعين. انتهى(٢).
٦ - (ومنها): أن المازريّ استدلّ لعدم الغرامة بقوله وَ لقوله: ((هي لك))،
وظاهره التمليك، والمالك لا يغرَّم، ونَّه بقوله: ((للذئب)) أنها كالتالفة على كل
حال، وأنها مما لا يُنتفع صاحبها ببقائها .
وتُعُقّب بأن اللام للاختصاص؛ أي: إنك تختص بها، ويجوز لك أكْلها،
وأخذها، وليس فيه تعرّض للغُرْم، ولا لعدمه، بل بدليل آخر، وهو قوله :
:燒
((فإن طالَبَها يوماً من الدهر، فأدِّها إليه))، رواه مسلم.
(١) ((عمدة القاري)) ١٦٨/٢ - ١٦٩.
(٢) ((الفتح)) ٢٣٧/٦ - ٢٣٨ رقم (٢٤٢٧).
٢١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللقطة
٧ - (ومنها): أن فيه دليلاً على جواز الحكم والفتيا في حال الغضب،
وأنه نافذ، لكن يُكره في حقّنا بخلاف النبيّ وَّ، لأنه يُؤْمَن عليه في الغضب ما
يخاف علينا، وقد حكم ◌َّ للزبير ظُه في شِرَاج الحرّة في حال غضبه، وقد
تقدّم ترجيح القول بعدم جواز الحكم لغيره وَّهم في حال الغضب؛ لِمَا تقدّم من
قوله يتلقى: ((لا يحكم أحد بين اثنين، وهو غضبان))، متّفق عليه.
٨ - (ومنها): أن فيه جواز قول الإنسان: رب المال، ورب المتاع،
ومنهم من گرِه إضافته إلى ما له رُوح.
٩ - (ومنها): أن في قوله وَله: ((اعرِفْ عِفَاصها، ووكاءها)) دليلاً بَيِّناً على
إبطال قول من ادَّعَى علم الغيب في الأشياء كلها من الكَهَنة، والمنجِّمين،
وغيرهم لأنه و18َ لو عَلِم أنه يوصل إلى علم ذلك من هذه الوجوه لم يكن في
قوله في معرفة علاماتها وجه(١).
١٠ - (ومنها): أن صاحب اللقطة إذا جاء فهو أحقّ بها من ملتقطها، إذا
ثبت أنه صاحبها، فإن وجدها قد أكلها الملتقط بعد الحول، وأراد أن يُضَمِّنه
كان له ذلك، وإن كان قد تصدق بها فصاحِبُها مخيَّر بين التضمين، وبين أن
يترك على أجرها، رُوي ذلك عن عمر، وعليّ، وابن مسعود، وابن عباس،
وابن عمر ﴿ه، وهو قول طاوس، وعكرمة، وأبي حنيفة، وأصحابه، وسفيان
الثوريّ، والحسن بن حيّ - رحمهم الله تعالى -.
١١ - (ومنها): أن الشافعية احتجّت بقوله وَيقول: ((استمتع بها))، وبما جاء
في بعض طرق الحديث: ((فإن جاء من يعرفها، وإلا فاخلطها بمالك))، وفي
بعضها: ((عَرِّفها سنةً، ثم اعرِف وكاءها، وعفاصها، ثم استنفق بها، فإن جاء
ربها، فأدِّها إليه))، وبما جاء في مسلم: ((فإن جاء صاحبها، فعَرَف ◌ِفاصها،
وعددها، ووكاءها، فأعطها إياه، وإلا فهي لك))، وفي بعض طرقه: ((ثم عَرِّفها
سنةً، فإن لم تُعْرَف فاستنفقها، ولتكن وديعةً عندك، فإن جاء طالبها يوماً من
الدهر، فأدِّها إليه)) على أن من عَرَّفها سنةً، ولم يظهر صاحبها، كان له
تملّكها، سواء كان غنيّاً، أو فقيراً، ثم اختلفوا، هل تدخل في ملكه باختياره،
(١) ((عمدة القاري)) ١٦٩/٢.
٢١٧
(١) - بَابُ بَيَانِ وُجُوبٍ تَعْرِيفِ اللُّقَطَة حَوْلاً، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٩١)
أو بغير اختياره؟ فعند الأكثرين تدخل بغير الاختيار، قاله في ((العمدة))(١)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَظْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٩١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ ابْنُ
حُجْرٍ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَذَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهْوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ
أَبِي عَبْدِ الرحمن، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ، أَنَّ رَجُلاً
سَأَلَ رَسُولَ اللهِ لَّهِ عَنِ اللَّقَطَةِ؟ فَقَالَ: ((عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا،
وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَضَالَّةُ
الْغَثَمِ؟ قَالَ: ((خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذّتْبِ))، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ
فَضَالَةُ الإِبِلِ؟ قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِنَّهِ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْتَتَاهُ، أَوِ احْمَرَّ وَجْهُهُ،
ثُمَّ قَالَ: ((مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا حِذَاؤُهَا، وَسِقَاؤُهَا، حَتَّى بَلْقَاهَا رَبُّهَا))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، أبو زكريّاء البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠]
(ت٢٣٤) وله (٧٧) سنةً (عخ م د عس) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢.
٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجر السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار
[٩] (ت٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق
المدنيّ القارىء، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟) كلامٌ إضافيّ مبتدأ، وخبره محذوف؛ أي: ما
حكمها؟ أكذلك، أم لا؟ وهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، قاله في
((العمدة))(٢)
(١) ((عمدة القاري)) ١٦٩/٢ - ١٧٠، كتاب ((العلم)) رقم (٩١).
(٢) ((عمدة القاري)) ١٦٤/٢.
٢١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللقطة
وقوله: (فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ وَلّ) الفاء فيه للسببية، كما في قوله تعالى:
﴿قَوَّكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، قال الخطابيّ ◌َُّ: إنما كان غضبه
استقصاراً لعلم السائل، وسوء فهمه؛ إذ لم يراع المعنى المشار إليه، ولم يتنبه
له، فقاس الشيء على غير نظيره، فإن اللقطة إنما هي اسم الشيء الذي يسقط
من صاحبه، ولا يدري أين موضعه؟ وليس كذلك الإبل، فإنها مخالفة للُّقطة
اسماً، وصفةً، فإنها غير عادمة أسباب القدرة على العود إلى ربها؛ لقوة
سيرها، وكون الحذاء والسقاء معها؛ لأنها تَرِد الماء رِبْعاً، وخِمْساً، وتمتنع من
الذئاب، وغيرها من صغار السباع، ومن التردّي، وغير ذلك، بخلاف الغنم،
فإنها بالعكس، فجعل سبيل الغنم سبيل اللقطة.
وتعقّبه العينيّ في بعض ما ذكر، راجع: ((شرح البخاريّ)) له (١).
وقوله: (حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ) ((حتى)) للغاية بمعنى ((إلى))، و((الوجنتان)):
تثنية الوَجْنة، وهو: ما ارتفع من الخدّ، ويقال: ما علا من لحم الخدين يقال
فيه: وجنة - بفتح الواو، وكسرها، وضمها -، وأُجْنة - بضم الهمزة - ذكره
الجوهري وغيره، ذكره في ((العمدة))(٢).
وقال الفيّوميّ كَّتُهُ: ((الْوَجْنَةُ)) من الإنسان: ما ارتفع من لحم خدّه،
والأشهر فتح الواو، وحُكي التثليث، والجمع: وَجَنَاتٌ، مثلُ سَجْدة
وسَجَدات. انتهى(٣).
وقوله: (أَوِ احْمَرَّ وَجْهُهُ) ((أو)) للشكّ من الراوي، هل قال هذا، أو قال
هذا؟ .
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٩٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
سُفْيَانُ الثَّوْرِبُّ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، وَغَيْرُهُمْ، أَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي
(١) ((عمدة القاري)) ١٦٥/٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ٤٦٩/٢.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٦٤/٢.
٢١٩
(١) - بَابُ بَيَانِ وُجُوبٍ تَعْرِيفِ اللُّقَطَة حَوْلاً، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٩٢)
عَبْدِ الرحمن، حَدَّثَهُمْ بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثٍ مَالِكِ، غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ: قَالَ: أَتَّى
رَجُلٌ رَسُولَ اللهِن ◌َّهِ، وَأَنَا مَعَهُ، فَسَأَلَهُ عَنِ اللَّقَطَةِ؟ قَالَ: وَقَالَ عَمْرٌو فِي
الْحَدِيثِ: ((فَإِذَا لَمْ يَأْتِ لَهَا طَالِبٌ، فَاسْتَنْفِقْهَا))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم قبل حديث.
٥ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب
المصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٩/١٦.
و«ربيعة)) ذُكر قبله.
وقوله: (وَغَيْرُهُمْ) الظاهر أنه أراد به ابن لهيعة، كما تقدّم نظيره غير مرّة،
والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، ومالك بن أنس، وعمرو بن الحارث
وغيرهم كلّهم عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن هذه ساقها البيهقيّ كَظُّهُ في
(الکبری))، فقال:
(١١٨٤٥) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن
يعقوب، أنبأ محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين المصريّ، أنبأ ابن
وهب، أخبرني مالك بن أنس، وعمرو بن الحارث، وسفيان بن سعيد الثوريّ،
وغيرهم، أن ربيعة بن أبي عبد الرحمن حدثهم، عن يزيد مولى المنبعث، عن
زيد بن خالد الجهنيّ، أنه قال: أتى رجل إلى رسول الله صل﴿، وأنا معه، فسأله
عن اللقطة؟ فقال: ((اعرِفْ عِفَاصها، ووِكاءها، ثم عَرِّفها سنةً، فإن جاء
صاحبها، وإلا فشأنك بها))، قال: فضالَّة الغنم؟ قال: ((لك، أو لأخيك، أو
للذئب))، قال: فضالَّة الإبل؟ قال: ((معها حذاؤها، وسقاؤها، وتَرِد الماء،
٢٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللقطة
وتأكل الشجر، حتى يلقاها ربها)). انتهى (١).
ورواية عمرو بن الحارث وحده، عن ربيعة التي أشار إليها المصنّف،
ساقها ابن حبّان ◌َُّ في (صحيحه))، فقال:
(٤٨٩٠) - أخبرنا عمر بن محمد الهمدانيّ، قال: حدّثنا أبو الربيع،
قال: حدّثنا ابن وهب، حدّثني عمرو بن الحارث، أن ربيعة بن أبي عبد الرحمن
حدثهم، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهنيّ، أنه قال: أتى
رجل إلى رسول الله وَ﴿، وأنا معه، فسأله عن اللقطة؟ قال: ((اعرِفْ عِفاصها،
ووِكاءها، ثم عرِّفها سنةً - قال ــ: فإن لم يأت لها طالب، فاستنفقها))، قال:
فضالَّة الغنم؟ قال: ((لك، أو لأخيك، أو للذئب))، قال: فضالَّة الإبل؟ قال:
((معها سقاؤها، وحذاؤها، تَرِد الماء، وتأكل الشجر، حتى يأتيها ربها)).
قال ابن حبّان تَُّ: أبو الربيع هذا اسمه: سليمان بن داود بن حماد بن
سعد بن أخي رِشَدين بن سعد، مصريّ، وأبو الربيع الزهرانيّ اسمه: سليمان بن
داود، بصريّ. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٩٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيم الأَوْدِيُّ، حَدَّثَنَا
خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ - وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ - عَنْ رَبِيَّعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ
الرحمن، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ خَالِدِ الْجُهَنِيَّ، يَقُولُ:
أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللهِوَّ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ:
((فَاحْمَارَّ وَجْهُهُ، وَجَبِينُهُ، وَغَضِبَ))، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: (ثُمَّ عَرَّفْهَا سَنَةً)): ((فَإِنْ لَمْ
يَجِئْ صَاحِبُهَا، كَانَتْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمِ الأَوْدِيُّ) أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ [١١]
(ت٢٦١) (خ م س ق) تقدم في ((الزكاة)) ٢٣٤٤/١٩.
٢ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) البجليّ مولاهم، أبو الْهَيثم الكوفيّ القَطَوانيّ،
(١) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ١٨٩/٦.
(٢) ((صحيح ابن حبان)) ١١/ ٢٥٢.