النص المفهرس
صفحات 101-120
(٥) - بابُ التَّهْيٍ عَنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٧٥) ١٠١ [المائدة: ١٠١] فذلك خاصّ بزمان نزول الوحي، ويشير إليه حديثُ: ((أعظم الناس جُرْماً عند الله من سأل عن شيء لم يُحَرَّم، فحُرِّم من أجل مسألته)). وثبت أيضاً ذمّ السؤال للمال، ومدحُ من لا يُلْحِف فيه، كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْعَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافً﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وفي ((الصحيحين)): حديث: ((لا تزال المسألة بالعبد حتى يأتي يوم القيامة، وليس في وجهه مُزْعة لحم)). وفي ((صحيح مسلم)): ((إن المسألة لا تَحِلّ إلا لثلاثة: لذي فقر مُدْقِع، أو غُرْم مُفْظِعٍ، أو جائحة)). وفي ((جامع الترمذيّ)): قوله وَل لابن عباس: ((إذا سألت فاسأل الله))، وفي ((سنن أبي داود)): ((إن كنت لا بد سائلاً، فاسأل الصالحين)). وقد اختلف العلماء في ذلك، والمعروف عند الشافعية أنه جائز؛ لأنه طلب مباح، فأشبه العارية، وحملوا الأحاديث الواردة على من سأل من الزكاة الواجبة، ممن ليس من أهلها، لكن قال النوويّ في اتفاق العلماء على النهي عن السؤال من غير ضرورة، قال: واختلف أصحابنا في سؤال القادر على الكسب على وجهين: أصحهما التحريم؛ لظاهر الأحاديث، والثاني يجوز مع الكراهة بشروط ثلاثة: أن لا يُلِحّ، ولا يُذِلّ نفسه زيادة على ذلّ نفس السؤال، ولا يؤذي المسؤول، فإن فُقِد شرط من ذلك حَرُم. وقال الفاكهانيّ: يُتَعَجَّب ممن قال بكراهة السؤال مطلقاً، مع وجود السؤال في عصر النبيّ وَّ، ثم السلف الصالح من غير نكير، فالشارع لا يُقِرّ على مكروه. قال الحافظ: لعل من كره مطلقاً أراد أنه خلاف الأولى، ولا يلزم من وقوعه أن تتغير صفته، ولا من تقريره أيضاً، وينبغي حمل حال أولئك على السداد، وأن السائل منهم غالباً ما كان يسأل إلا عند الحاجة الشديدة. وفي قوله: من غير نكير نَظَر، ففي الأحاديث الكثيرة الواردة في ذم السؤال كفاية في إنكار ذلك. [تنبيه]: جميع ما تقدم فيما سأل لنفسه، وأما إذا سأل لغيره، فالذي يظهر أيضاً أنه يختلف باختلاف الأحوال. انتهى (١). (١) ((الفتح)) ٥٠٣/١٣ - ٥٠٤، كتاب ((الأدب)) رقم (٥٩٧٥). ١٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية (وَإِضَاعَةَ الْمَالِ))) قال في (الفتح)): حَمَله الأكثر على الإسراف في الإنفاق، وقَيَّده بعضهم بالإنفاق في الحرام، والأقوى أنه ما أُنفق في غير وجهه المأذون فيه شرعاً، سواء كانت دينية، أو دنيوية، فمُنِع منه؛ لأن الله تعالى جعل المال قياماً لمصالح العباد، وفي تبذيرها تفويت تلك المصالح، إما في حق مضيِّعها، وإما في حق غيره، ويستثنى من ذلك كثرة إنفاقه في وجوه البرّ؛ لتحصيل ثواب الآخرة، ما لم يفوت حقّاً أخروياً أهم منه. والحاصل في كثرة الإنفاق ثلاثة أوجه: الأول: إنفاقه في الوجوه المذمومة شرعاً، فلا شك في منعه. والثاني: إنفاقه في الوجوه المحمودة شرعاً، فلا شك في كونه مطلوباً بالشرط المذكور. والثالث: إنفاقه في المباحات بالأصالة، كملاذّ النفس، فهذا ينقسم إلى قسمین : أحدهما: أن يكون على وجه يليق بحال المنفق، وبقَدْر ماله، فهذا ليس بإسراف. والثاني: ما لا يليق به عُرفاً، وهو ينقسم أيضاً إلى قسمين: أحدهما: ما يكون لدفع مفسدة، إما ناجزة، أو متوقّعة، فهذا ليس بإسراف. والثاني: ما لا يكون في شيء من ذلك، فالجمهور على أنه إسراف، وذهب بعض الشافعية إلى أنه ليس بإسراف، قال: لأنه تقوم به مصلحة البدن، وهو غرض صحيح، وإذا كان في غير معصية فهو مباح له. قال ابن دقيق العيد: وظاهر القرآن يمنع ما قال. انتهى، وقد صرّح بالمنع القاضي حسين، فقال في ((كتاب قسم الصدقات)): هو حرام، وتبعه الغزاليّ، وجزم به الرافعيّ في الكلام على المغارم، وصحح في باب الحَجْر من الشرح، وفي المحرَّر أنه ليس بتبذير، وتبعه النوويّ، والذي يترجح أنه ليس مذموماً لذاته، لكنه يفضي غالباً إلى ارتكاب المحذور، كسؤال الناس، وما أدی إلی المحذور فهو محذور. وقد تقدم في ((كتاب الزكاة)) البحث في جواز التصدق بجميع المال، وأن ١٠٣ (٥) - بابُ النَّهْىٍ عَنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٧٥) ذلك يجوز لمن عَرَفَ من نفسه الصبر على المضايقة، وجزم الباجيّ من المالكية بمنع استيعاب جميع المال بالصدقة، قال: ويُكره كثرة إنفاقه في مصالح الدنيا، ولا بأس به إذا وقع نادراً لحادث يحدث، كضيف، أو عيد، أو وليمة. ومما لا خلاف في كراهته: مجاوزة الحد في الإنفاق على البناء زيادة على قدر الحاجة، ولا سيما إن أضاف إلى ذلك المبالغة في الزخرفة. ومنه احتمال الغبن الفاحش في البياعات بغير سبب. وأما إضاعة المال في المعصية فلا يختص بارتكاب الفواحش، بل يدخل فيها سوء القيام على الرقيق، والبهائم حتى يهلكوا، ودفع مال من لم يؤنس منه الرشد إليه، وقَسْمه ما لا ينتفع بجزئه، كالجوهرة النفيسة. وقال السبكيّ الكبير في ((الحلبيات)): الضابط في إضاعة المال أن لا يكون لغرض دينيّ، ولا دنيويّ، فإن انتفيا حَرُم قطعاً، وإن وُجد أحدهما وجوداً له بال، وكان الإنفاق لائقاً بالحال، ولا معصية فيه جاز قطعاً، وبين الرتبتين وسائط كثيرة، لا تدخل تحت ضابط، فعلى المفتي أن يرى فيما تيسّر منها رأيه، وأما ما لا يتيسر فقد تعرض له، فالإنفاق في المعصية حرام كله، ولا نظر إلى ما يحصل في مطلوبه من قضاء شهوة، ولذة حسنة، وأما إنفاقه في الملاذّ المباحة فهو موضع الاختلاف، فظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَّذِيِنَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ [الفرقان: ٦٧] أن الزائد الذي لا يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَفْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا يليق بحال المنفق إسراف، ثم قال: ومن بذل مالاً كثيراً في غرض يسير تافه عَدَّه العقلاء مضيّعاً، بخلاف عكسه، والله أعلم(١). وقال الطيبيّ تَخْتُ: قيل: والتقسيم الحاصر فيه - أي: في إضاعة المال - الحاوي بجميع أقسامه أن تقول: إن الذي يُصْرَف إليه المال إما أن يكون واجباً، كالنفقة، والزكاة، ونحوهما، فهذا لا ضياع فيه، وهكذا إذا كان مندوباً إليه، وإما أن يكون حراماً، أو مكروهاً، وهذا قليله وكثيره إضاعة وسرف، وإما أن يكون مباحاً، ولا إشكال إلا في هذا القسم؛ إذ كثير من الأمور يَعُدّه (١) ((الفتح)) ٥٠٤/١٣ - ٥٠٥، كتاب ((الأدب)) رقم (٥٩٧٥). ١٠٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية بعض الناس من المباحات، وعند التحقيق ليس كذلك، كتشييد الأبنية، وتزيينها، والإسراف في النفقة، والتوسع في لبس الثياب الناعمة، والأطعمة الشهيّة اللذيذة، وأنت تعلم أن قساوة القلب، وغِلَظ الطبع يتولد من لبس الرِّقَاق، وأكل الرِّقَاق، وسائر أنواع الارتقاق، ويدخل فيه تمويه الأواني، والسقوف بالذهب، والفضة، وسوء القيام على ما يملكه من الرقيق، والدوابّ حتى تضيع، وتهلك، وقسمة ما لا ينتفع الشريك به، كاللؤلؤة، والسيف يُكْسَران، وكذا احتمال الغبن الفاحش في البياعات، وإيتاء المال صاحبه، وهو سفیه، حقيقٌ بالحجر. قال: وهذا الحديث أصل في معرفة حُسن الخُلُق الذي هو منبع الأخلاق الحميدة، والخلال الجميلة. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث المغيرة بن شعبة ◌ُ هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤٧٥/٥ و٤٤٧٦ و٤٤٧٧ و٤٤٧٨] (٥٩٣)، و(البخاريّ) في ((الصلاة)) (٨٤٤) و((الزكاة)) (١٤٧٧)، و((الاستقراض)) (٢٤٠٨) و((الأدب)) (٥٩٧٥) و((الدعوات)) (٦٣٣٠) و((الرقاق)) (٦٤٧٣) و((القدر)) (٦٦١٥) و((الاعتصام)) (٧٢٩٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٦/٤ و٢٥٠ - ٢٥١ و٢٥٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣١٠/٢ - ٣١١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١/ ٣٦٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٥٥ و٥٥٥٦ و٥٧١٩)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٩٠١/٢)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٢٣٣/٤ - ٢٣٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٦٦/٤)، و(البيهقيّ) في ((الآداب)) (١٠٥) و((شُعب الإيمان)) (١٩١/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٣٤٢٦)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: هذا الحديث أورده المحدّثون مقطّعاً في عدّة مواضع، ولعل (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣١٥٨/١٠، و((مرقاة المفاتيح)) ١٩٦/١٤. ١٠٥ (٥) - بابُ النَّهْىٍ عَنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٧٥) أجمع الروايات - كما قال بعضهم - ما أخرجه الإمام أحمد في ((مسنده))، فقال : (١٨٢٥٨) - حدّثنا عليّ بن عاصم، ثنا المغيرة بن شِبْل، أخبرنا(١) عامر، عن ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة، قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: اكتب إليّ بما سمعت من رسول الله وَلجر، فدعاني المغيرة، قال: فكتبت إليه: إني سمعت رسول الله و 18 يقول إذا انصرف من الصلاة قال: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لِمَا منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ))، وسمعته ينهى عن قيل وقال، وعن كثرة السؤال، وإضاعة المال، وعن وأد البنات، وعقوق الأمهات، ومَنْع وهات. انتهى(٢). (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): تحريم عقوق الأمهات، وهو من الكبائر بإجماع العلماء، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على عدّه من الكبائر، وكذلك عقوق الآباء من الكبائر، وإنما اقتصر هنا على الأمهات؛ لأن حرمتهن آكد من حرمة الآباء، ولهذا قال وَله حين قال له السائل: مَن أَبَرّ؟ قال: ((أمك، ثم أمك))، ثلاثاً، ثم قال في الرابعة: ((ثم أباك))، ولأن أكثر العقوق يقع للأمهات. ٢ - (ومنها): تحريم وأد البنات - بالهمز - وهو دفنهن في حياتهن، فيمتن تحت التراب، وهو من الكبائر الموبقات؛ لأنه قتل نفس بغير حقّ، ويتضمن أيضاً قطيعة الرحم، وإنما اقتصر على البنات؛ لأنه المعتاد الذي كانت الجاهلية تفعله غالباً . ٣ - (ومنها): تحريم ((منع، وهات))، وهو أن يمنع الرجل ما توجّه عليه من الحقوق، أو يطلب ما لا يستحقه. ٤ - (ومنها): تحريم كثرة السؤال، وقد مضى تفصيله. (١) سقط لفظ ((أخبرنا)) من النسخة، وهو موجود في نسخة تحقيق شعيب الأرنؤوط، فتنبه . (٢) ((مسند أحمد بن حنبل)) ٢٥٤/٤. ١٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية ٥ - (ومنها): تحريم إضاعة المال، وقد مضى تفصيله أيضاً. ٦ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَُّ: وفي قوله بَّهُ: ((حرّم ثلاثاً))، و((كَرِهِ ثلاثاً)) دليل على أن الكراهة في هذه الثلاثة الأخيرة للتنزيه، لا للتحريم. (١) انتھی قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((لا للتحريم)) محلّ تأمّل، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٤٧٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِبَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ رَسُولُ اللهِوَهِ، وَلَمْ يَقُلْ: ((إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ))). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، وربما نُسب لجدّه، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام الْعَبسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ يتشيّع [٩] (ت٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤. ٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ صاحب كتاب [٧] (ت١٦٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤. و((منصور)) هو: ابن المعتمر، ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية شيبان عن منصور هذه ساقها الإمام أحمد تكذّثهُ في («مسنده))، فقال: (١٨١٧٢) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا حسين، ثنا شيبان، عن منصور، عن الشعبيّ، عن ورّاد، عن المغيرة بن شعبة، قال: قال رسول الله يقول: ((إن الله كَرِه لكم ثلاثاً: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، وحَرَّم عليكم رسول الله بَّر: وأد البنات، وعقوق الأمهات، ومَنْع (١) ((شرح النوويّ)) ١٢/ ١٢. ١٠٧ (٥) - بابُ النَّهْىٍ عَنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٧٧) وهات)). انتهى(١). وساقها البخاريّ كَّلُ في ((صحيحه))(٢)، وإنما عدلت عنها؛ لمخالفتها رواية المصنّف، حيث جعلته: عن شيبان عن منصور، عن المسيّب بن رافع، ولذا انتقد الدارقطنيّ الرواية بأن سعد بن حفص شيخ البخاريّ فيها أخطأ في ذلك، والصواب: عن شيبان، عن منصور، عن الشعبيّ، كما هو عند مسلم، فتنبّه(٣)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٤٧٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَشْوَعَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَنِي كَاتِبُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ: اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ لَّهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثاً: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسم الأسديّ (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٤٦/٤. (٢) قال كخّثُ: (٥٦٣٠) - حدّثنا سعد بن حفص، حدّثنا شيبان، عن منصور، عن المسيَّب، عن وراد، عن المغيرة، عن النبيّ وَّ قال: ((إن الله حَرّم عليكم عقوق الأمهات، ومنعاً وهات، ووأد البنات، وكَرِه لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)). انتهى. (٣) ذكر الحافظ في ((النكت الظراف)) (٤٩٦/٧) ما نصّه: قوله: وفي الأدب عن سعد بن حفص ... إلى آخره، قلت: ذكر الدارقطنيّ أن سعد بن حفص أخطأ فيه، والصواب رواية عبيد الله بن موسى ((الشعبي))، لا المسيّب بن رافع. انتهى. قال الجامع: مما يؤيّد اعتراض الدارقطنيّ صنيع الإمام مسلم كَُّ حيث أحال رواية شيبان على رواية جرير السابقة، وهي عن منصور، عن الشعبيّ، لا عن المسيّب، ومن الغريب ما نبّه الحافظ في ((الفتح)) على هذا، فليُتفطّن. ١٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ حافظ [٨] (ت١٩٣)، وهو ابن (٨٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٣ - (خَالِدُ الْحَذَّاءُ) ابن مِهْران، أبو الْمُنازل البصريّ، ثقةٌ حافظ، تغير حفظه في الأخير [٥] (ت١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٤/١٠. ٤ - (ابْنُ أَشْوَعَ) هو: سعيد بن عمرو بن أشوع الْهَمْدانيّ الكوفيّ، قاضيها، ثقةٌ رُمي بالتشيّع [٦] مات في حدود (١٢٠) (خ م ت) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٩/٨٣. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: قال النوويّ كَعْدَثُ: هذا الحديث فيه أربعةٌ تابعيّون يروي بعضهم عن بعض، وهم: خالد، وسعيد بن عمرو بن أشوع، وهو تابعيّ، سمع يزيد بن سلمة الْجُعفيّ الصحابيّ ◌َ﴿ه، والثالث: الشعبي، والرابع: كاتب المغيرة، وهو ورّاد. انتھی . قال الجامع عفا الله عنه: قول النوويّ: ((إن سعيد بن عمرو بن أشوع تابعيّ، سمع يزيد ... إلخ)) فيه نظر، فقد نصّ الترمذيّ في ((الجامع)) (٤٩/٥) على أنه لم يدركه، وحكم على الحديث الذي أخرجه من طريقه مرسلاً، وكذا نصّ عليه الحافظ المزيّ في ((تهذيب الكمال)) (١٥/١١)، والحافظ ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (٣٥/٢)، ولذا جعله في ((التقريب)) من الطبقة السادسة، كما أسلفته آنفاً، وعلى هذا فرواية خالد الحذاء عنه هنا من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأنه من الطبقة الخامسة، كما أسلفته أيضاً آنفاً، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق. وقوله: (كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ: الْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴿) وفي رواية للبخاريّ: ((عن ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة، قال: أملى عليّ المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية أن النبيّ وَطّ ... ))، قال في (الفتح)): وكان المغيرة إذ ذاك أميراً على الكوفة من قِبَل معاوية، وقد جاء بيان سبب الكتابة في رواية أخرى، وهو أن معاوية كتب إليه: اكتب لي بحديث سمعته من رسول الله وَلفر، وفي رواية قال: ((كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إليّ ما سمعت النبيّ وَّ يقول خلف الصلاة)). واستُدِلّ به على العمل بالمكاتبة، وإجرائها مجرى السماع في الرواية، ١٠٩ (٥) - بابُ النَّهْيٍ عَنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٧٧) ولو لم تقترن بالإجازة، وعلى الاعتماد على خبر الشخص الواحد. انتهى(١). وقال في ((الفتح)) في موضع آخر: قوله: ((فكتب إليه المغيرة)) ظاهره أن المغيرة باشر الكتابة، وليس كذلك، فقد أخرجه ابن حبان من طريق عاصم الأحول، عن الشعبيّ أن معاوية كتب إلى المغيرة: اكتب إلي بحديث سمعته، فدعا غلامه ورّاداً، فقال: اكتب فذكره. قال الحافظ: ولم أقف على تسمية من كتب لمعاوية صريحاً، إلا أن المغيرة كان معاوية أَمَّره على الكوفة في سنة إحدى وأربعين إلى أن مات سنة خمسين، أو في التي بعدها، وكان كاتب معاوية إذ ذاك عُبيد بن أوس الْغَسّاني. وفي الحديث حجة على من لم يعمل في الرواية بالمكاتَبة، واعتلّ بعضهم بأن العمدة حينئذ على الذي بَلَّغ الكتاب، كأن يكون الذي أرسله أمَرَه أن يوصل الكتاب، وأن يبلّغ ما فيه مشافهة. وتُعُقِّب بأن هذا يحتاج إلى نقل، وعلى تقدير وجوده، فتكون الرواية عن مجهول، ولو فُرِض أنه ثقة عند من أرسله، ومن أرسل إليه فتجيء فيه مسألة التعديل على الإبهام، والمرجَّح عدم الاعتداد به. انتهى(٢). [تنبيه]: زاد البخاريّ في ((القدر)) في آخر هذا الحديث أن ورّاداً قال: ((ثم وَفَدت بعدُ على معاوية، فسمعته يأمر الناس بذلك)). وذكر بعضهم أن معاوية ره كان قد سمع الحديث المذكور، وإنما أراد استثبات المغيرة، واحتجّ بما في ((الموطأ)) من وجه آخر عن معاوية ظلاله أنه كان يقول على المنبر: أيها الناس إنه لا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع الله، ولا ينفع ذا الجَد منه الجَد، من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، ثم يقول: سمعته من رسول الله على هذه الأعواد، أفاده في ((الفتح))(٣). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. (١) راجع: ((الفتح)) ٨٥/٣ - ٨٦، كتاب ((الأذان)) رقم (٨٤٤). (٢) ((الفتح)) ٦١٧/١٤، كتاب ((الرقاق)) رقم (٦٤٧٣). (٣) ((الفتح)) ٨٥/٣ - ٨٦، كتاب ((الأذان)) رقم (٨٤٤). ١١٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَُّ أوّل الكتاب قال: [٤٤٧٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سُوقَةَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ وَرَّادٍ قَالَ: كَتَبَ الْمُغِيرَةُ إِلَى مُعَاوِيَةَ: سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ اللّهَ حَرَّمَ ثَلَاثاً، وَنَهَى عَنْ ثَلَاثٍ: حَرَّمَ عُقُوقَ الْوَالِدِ(١)، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَلَا وَهَاتٍ، وَنَهَى عَنْ ثَلَاثٍ: قِيلِ وَقَالٍ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، صدوقٌ [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥. ٢ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ) أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دِمشق، ثقةٌ حافظٌ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٨/٨. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ) - بضمّ السين المهملة - الْغَنَويّ - بفتح الغين المعجمة، والنون الخفيفة - أبو بكر الكوفيّ العابد، ثقةٌ مرضيّ، عابد [٥]. رَوَى عن أنس، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن دينار، وأبي صالح السمان، ونافع بن جبير بن مُطعم، وإبراهيم النخعيّ، ونافع مولى ابن عمر، وغيرهم. ورَوَى عنه مالك بن مِغْوَل، والثوريّ، وابن المبارك، ومروان بن معاوية الفزاريّ، وأبو المغيرة النضر بن إسماعيل، وعطاء بن مسلم الخفاف، وابن عيينة، وغيرهم. قال محمد بن عبيد: سمعت الثوريّ يقول: حدّثني الرضيّ محمد بن سوقة، قال: ولم أسمعه يقول ذلك العربيّ، ولا لمولى، وقال الحسين بن حفص: قال الثوريّ: أُخرج إليكم كتاب خير رجل بالكوفة، فأخرج كتاب محمد بن سوقة، وقال طلحة بن مُصَرِّف: ما بالكوفة رجلان يزيدان على محمد بن سوقة، وعبد الجبار بن وائل بن حجر، وقال الحميديّ، عن ابن عيينة: كان بالكوفة ثلاثة لو قيل لأحدهم: إنك تموت غداً ما كان يقدر أن (١) وفي نسخة: ((حرّم عقوق الوالدات)). ١١١ (٥) - بابُ النَّهْىٍ عَنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٧٨) يزيد في عمله: محمد بن سوقة، وعمرو بن قيس الْمُلائيّ، وأبو حيّان التيميّ، قال سفيان: وكان محمد بن سوقة لا يُحسن أن يعصي الله، وقال العجليّ: كوفيّ ثَبْت، وكان خزازاً جمع من الخز مائة ألف، ثم أتى مكة، فقال: ما اجتمعت هذه لخير، فتصدق بها، وكان صاحب سُنَّة، وعبادة، وخير كثير، في عداد الشيوخ، وليس بكثير الحديث، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائيّ: ثقةٌ مرضيّ، وذكره ابن حبان في (الثقات)) في الطبقة الثالثة في أتباع التابعين، وقال: قد قيل: إنه رأى أنساً، وأبا الطفيل، ومقتضاه أن تكون روايته عنده عن أنس مرسلة، وقال أيضاً: كان من أهل العبادة، والفضل، والدِّين، والسخاء، وقال يعقوب بن سفيان: محمد بن سوقة من خيار أهل الكوفة، وثقاتهم، وقال الدارقطنيّ: كوفيّ، فاضلٌ، ثقةٌ. أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الثَّقَفِيُّ) أبو عون الكوفيّ الأعور، ثقة [٤] (خ م د ت س) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٢٣/٣٥. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (كَتَبَ الْمُغِيرَةُ إِلَى مُعَاوِيَةَ) فيه استحباب المكاتَبة على هذا الوجه، فيبدأ: ((سلام عليك))، كما كتب النبيّ وَّل إلى هرقل: ((سلامٌ على من اتبع الهدى))(١). وقوله وَّه: (إِنَّ اللهَ حَرَّمَ ثَلَاثاً، وَنَهَى عَنْ ثَلَاثٍ ... إلخ)، قال النوويّ ◌َُّهُ: هذا الحديث دليل لمن يقول: إن النهي لا يقتضي التحريم، والمشهور أنه يقتضي التحريم، وهو الأصح، ويجاب عن هذا بأنه خرج بدليل آخر. انتهى(٢). وقوله: (حَرَّمَ عُقُوقَ الْوَالِدِ) وفي بعض النسخ: ((عقوق الوالدات)). وقوله: (وَلَا وَهَاتٍ)؛ أي: وحرّم ((لا))؛ يعني: الامتناع عن أداء ما توجّه عليه من الحقوق، يقول في الحقوق الواجبة: لا أُعطي، ويقول فيما ليس له حقّ فيه: أَعْطِ . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١) (شرح النوويّ)) ١٢/ ١٣. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٢/ ١٢. ١١٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية (٦) - (بَابُ بَيَانِ أَجْرِ الْحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ، فَأَصَابَ، أَوْ أَخْطَأَ) (اعلم): أن ((الحكم)) - بضمّ، فسكون -: القضاء، وأصله: المنع، يقال: حكمتُ عليه بكذا: إذا منعته من خلافه، فلم يَقدِر على الخروج من ذلك، وحكمتُ بين القوم: فَصَلت بينهم، فأنا حاكمٌ، وحَكَم - بفتحتين -، والجمع: حُكّام، وحُكّامون، أفاده في ((المصباح)). وقال في ((الفتح)): الحكم الشرعيّ عند الأصوليين: خطاب الله تعالى المتعلّق بأفعال المكلّفين بالاقتضاء، أو التخيير، ومادّة الحُكْم من الإحكام، وهو الإتقان للشيء، ومَنْعه من العيب. انتهى. وقد ترجم الإمام البخاريّ كَُّ في ((صحيحه))، فقال: ((باب أجر الحاكم، إذا اجتهد فأصاب، أو أخطأ)). قال في ((الفتح)): يشير به إلى أنه لا يلزم مِنْ ردّ حكمه، أو فتواه إذا اجتهد فأخطأ، أن يأثم بذلك، بل إذا بذل وسعه أُجِر، فإن أصاب ضوعف أجره، لكن لو أقدم فحكم، أو أفتى بغير علم، لَحِقه الإثم، كما تقدمت الإشارة إليه. قال ابن المنذر: وإنما يؤجر الحاكم إذا أخطأ، إذا كان عالماً بالاجتهاد فاجتهد، وأما إذا لم يكن عالماً فلا، واستدَلّ بحديث: («القضاة ثلاثة)) وفيه: ((وقاضٍ قضى بغير حق فهو في النار، وقاض قضى، وهو لا يعلم فهو في النار))، وهو حديث أخرجه أصحاب ((السنن))، عن بريدة ظته بألفاظ مختلفة، قال الحافظ: وقد جمعت طرقه في جزء مفرد، ویؤید حديث الباب ما وقع في قصة سليمان في حُكم داود - عليهما الصلاة والسلام - في أصحاب الحرث. وقال الخطابي في ((معالم السنن)): إنما يؤجَر المجتهد إذا كان جامعاً لآلة الاجتهاد، فهو الذي نعذره بالخطإ، بخلاف المتكلف فيُخاف عليه الإثم، وإنما يؤجر العالم؛ لأن اجتهاده في طلب الحق عبادة، هذا إذا أصاب، وأما إذا أخطأ فلا يؤجر على الخطإ، بل يوضع عنه الإثم فقط، كذا قال، وكأنه يرى ١١٣ (٦) - بَابُ بَيَانِ أَجْرِ الْحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ، فَأَصَابَ، أَوْ أَخْطَأَ - حديث رقم (٤٤٧٩) أن قوله: ((فله أجر واحد)) مجاز عن وضع الإثم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قول الخطابيّ: ((فلا يؤجر)) فيه نظر لا يخفى؛ لمصادمته ظاهر النصّ، فلا تلتفت إليه، والله تعالى أعلم بالصواب. [٤٤٧٩] (١٧١٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِوَلِ قَالَ: ((إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ (٢) فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانٍ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْتَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الدراورديّ المدنيّ، تقدّم أيضاً قبل باب. ٣ - (يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ) الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت١٣٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣. ٥ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) العابد، مولى ابن الحضرميّ المدنيّ، ثقةٌ جليلٌ [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٠١/٣١. ٦ - (أَبُو قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) اسمه عبد الرحمن بن ثابت، وقيل: ابن الحكم، وهو غلطٌ [٢] (ت٥٤) (ع) تقدم في ((الصيام)) ٩/ ٢٥٥٠. ٧ - (عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ) بن وائل السَّهْمَيّ الصحابيّ المشهور، أسلم عام الحديبية، وولي إمرة مصر مرّتين، وهو الذي فتحها، ومات بها سنة نيّف وأربعين، وقيل: بعد الخمسين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٨/٥٧. (١) ((الفتح)) ٢٤١/١٧ - ٢٤٢، كتاب ((الاعتصام)) رقم (٧٣٥٢). (٢) وفي نسخة: ((وإذا حكم الحاكم)) بزيادة عاطف. ١١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن فيه أربعة من التابعين روى بعضهم عن بعض: يزيد، عن محمد بن إبراهيم، عن بُسر، عن أبي قيس، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الخامسة، ليس لأبي قيس عند مسلم في ((صحيحه)) إلا حديثان، هذا، وحديث آخر مضى في ((الصيام)) برقم (١٠٩٦)، وليس له في ((صحيح البخاريّ)) إلا حديث الباب، كما نَّه عليه في ((الفتح)) (١). شرح الحديث: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) هو التيميّ التابعيّ المدنيّ، المشهور، وأبو صحابيّ، (عَنْ بُسْرٍ) بضمّ الموحّدة، وسكون المهملة، (ابْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) قال في ((الفتح)): لا يُعرف اسمه، كذا قاله البخاريّ، وتبعه الحاكم أبو أحمد، وجزم ابن يونس في ((تاريخ مصر)) بأنه عبد الرحمن بن ثابت، وهو أعرف بالمصريين من غيره، ونَقَلَ عن محمد بن سحنون أنه سَمَّى أباه الحكم، وخطّأه في ذلك، وحَكَى الدمياطيّ أن اسمه سعد، وعزاه لمسلم في ((الكنى))، قال الحافظ: وقد راجعت نُسخاً من ((الكنى)) لمسلم، فلم أر ذلك فيها، منها نسخة بخط الدارقطنيّ الحافظ، وقرأت بخط المنذريّ: وقع عند البستيّ - يعني: ابن حبان في ((صحيحه)) - عن أبي قابوس بدل أبي قيس، كذا جزم به، قال الحافظ: وقد راجعت عدّة نسخ من ((صحيح ابن حبان)) فوجدت فيها عن أبي قيس، إحداها صححها ابن عساكر. انتهى (٢). (عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) ظُهُ (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَّرَّ قَالَ: ((إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ)؛ أي: أراد أن يحكم، ووقع في بعض النسخ: ((وإذا حكم الحاكم)) بواو العطف، والظاهر أنه غلط، والله تعالى أعلم. (فَاجْتَهَدَ)؛ أي: بذل وسعه وطاقته في طلب الحقّ؛ ليبلغ مجهوده، ويَصِل إلى نهايته، والجهد بالضمّ في الحجاز، وبالفتح في غيرهم: الوسع والطاقة. وقيل: المضموم: الطاقة، والمفتوح: المشقّة، والجهد بالفتح، لا غير: النهاية، والغاية، وهو مصدرٌ من (١) ((الفتح)) ٢٤٢/١٧ رقم (٧٣٥٢). (٢) ((الفتح)) ٢٤٢/١٧ رقم (٧٣٥٢). ١١٥ (٦) - بَابُ بَيَانِ أَجْرِ الْحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ، فَأَصَابَ، أَوْ أَخْطَأَ - حديث رقم (٤٤٧٩) جَهَد في الأمر جَهْداً، من باب نفع: إذا طلب حتى بلغ غايته في الطلب، وجَهَده الأمرُ والمرضُ جَهداً أيضاً: إذا بلغ منه المشقّة. قاله الفيّوميّ(١). (ثُمَّ أَصَابَ) وفي رواية أحمد: ((فأصاب))، قال القرطبيّ تَخْذُ: هكذا وقع في الحديث، بدأ بالحكم قبل الاجتهاد، والأمر بالعكس، فإن الاجتهاد يتقدم الحكم؛ إذ لا يجوز الحكم قبل الاجتهاد اتفاقاً، لكن التقدير في قوله: ((إذا حكم)): إذا أراد أن يحكم، فعند ذلك يجتهد، قال: ويؤيده أن أهل الأصول قالوا: يجب على المجتهد أن يجدد النظر عند وقوع النازلة، ولا يعتمد على اجتهاده المتقدّم؛ لإمكان أن يظهر له ثانياً خلاف ما ظهر له أوّلاً، اللهمّ إلا أن يكون ذاكراً لأركان اجتهاده، مائلاً إليه، فلا يحتاج إلى استئناف نظر في إمارة أخرى. انتهى (٢). قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن تكون الفاء - أي: في قوله: فاجتهد - تفسيرية، لا تعقيبية، وقوله: ((فأصاب))؛ أي: صادف ما في نفس الأمر، من حكم الله تعالى، يقال: أصاب بغيته إصابةً: نالها، وأصاب السهمُ إصابةً: وصل الغرَضَ، وفيه لغتان أُخريان: إحداهما: صابه صوباً، من باب قال، والثانية: يصيبه صَيْباً، من باب باع. انتهى(٣) . (فَلَهُ أَجْرَانٍ) أجر لاجتهاده، وأجر لإصابته الحقّ، (وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَخْطَأَ)؛ أي: ظنّ أن الحقّ في جهة، فصادف أن الذي في نفس الأمر بخلاف ذلك (فَلَهُ أَجْرٌ)))؛ أي: له أجر اجتهاده فقط، وقد تقدمت الإشارة إلى وقوع الخطأ في الاجتهاد في حديث أم سلمة رضيها: ((إنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض)). وقال القرطبيّ ◌َُّهُ: قوله: ((فأصاب))؛ أي: حكم، فأصاب وجه الحكم، وهو أن يحكم بالحقّ لمستحقّه في نفس الأمر عند الله تعالى، فهذا يكون له أجر بحسب اجتهاده، وأجر بسبب إصابة ما هو المقصود لنفسه، والخطأ الذي يناقض هذا هو أن يجتهد في حُجج الخصمين، فيظنّ (١) ((المصباح المنير)) ١/ ١١٢. (٢) ((المفهم)) ١٦٦/٥ - ١٦٧. (٣) ((الفتح)) ٢٤٢/١٧ رقم (٧٣٥٢) بزيادة من غيره. ١١٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية أن الحقّ لأحدهما، وذلك بحَسَب ما سَمع من كلامه وحجته، فيقضي له، وليس كذلك عند الله تعالى، فهذا له أجر اجتهاده خاصّةً؛ إذ لا إصابة، وهذا المعنى هو الذي أراده النبيّ وَّ بقوله: ((فلعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض، فأقضي له على حسب ما أسمع))، وفي الأخرى: ((فأحسب أنه صادق، فأقضي له))، وهذا في الحاكم بين الخصوم واضحٌ؛ لأن هناك حقّاً معيّناً عند الله تعالى، تنازعه الخصمان؛ لأن أحد الخصمين مُبطلٌ قطعاً؛ لأنهما تقاسما الصدق والكذب، فمتى صَدَق أحدهما كذب الآخر، والحاكم إنما يجتهد في تعيين الحقّ، فقد يصيبه، وقد يُخطئه، وعلى هذا فلا ينبغي أن يُختَلَف هنا في أن المصيب واحدٌ، وأن الحقّ في طرف واحد، وإنما ينبغي أن يختصّ الخلاف بالمجتهد في استخراج الأحكام من أدلّة الشريعة؛ بناءً على الخلاف في أن النوازل غير المنصوص عليها، هل الله تعالى فيها أحكام معيّنة، أم لا؟، وللمسألة غور، وفيها أبحاث، استوفيناها في كتابنا في الأصول. انتهى كلام القرطبيّ ◌َُّ(١). [تنبيه]: وقد ذُكر لحديث الباب سبب، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبيه: ((قال: جاء رجلان إلى رسول الله ولا يختصمان، فقال لعمرو: اقض بينهما يا عمرو، قال: أنت أولى بذلك مني يا رسول الله، قال: وإن كان، قال: فإذا قضيتُ بينهما فما لي؟)) فذكر نحوه، لكن قال في الإصابة: ((فلك عشر حسنات)). وعن عقبة بن عامر نحوه بغير قصة، بلفظ: ((فلك عشرة أجور))، قال الحافظ: وفي سند كل منهما ضَعف، قال: ولم أقف على اسم من أُبهم في هذين الحديثين. انتهى(٢). (١) ((المفهم)) ١٦٧/٥. (٢) ((الفتح)) ٢٤٢/١٧ - ٢٤٣ رقم (٧٣٥٢). ١١٧ (٦) - بَابُ بَيَانِ أَجْرِ الْحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ، فَأَصَابَ، أَوْ أَخْطَأَ - حديث رقم (٤٤٧٩) [تنبيه]: حديث أبي هريرة له هذا أخرجه النسائيّ كَّثُهُ في ((المجتبى))، فقال : (٥٣٨١) - أخبرنا إسحاق بن منصور، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ويلات: ((إذا حكم الحاكم، فاجتهد، فأصاب، فله أجران، وإذا اجتهد، فأخطأ، فله أجر)). (١) . انتھی [تنبيه آخر]: رواية مسلم صريحة في كون حديث أبي هريرة څبه متّصلاً، وهكذا رواية البخاريّ، لكنه أشار بعدها إلى رواية الإرسال، حيث قال: ((وقال عبد العزيز بن المطلب، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبي سلمة، عن النبيّ وَل ؤل مثله)» . قال في ((الفتح)): قوله: ((وقال عبد العزيز بن المطلب)؛ أي: ابن عبد الله بن حنطب المخزوميّ قاضي المدينة، وكنيته أبو طالب، وهو من أقران مالك، ومات قبله، وليس له في البخاريّ سوى هذا الموضع الواحد المعلَّق، وعبد الله بن أبي بكر، وهو ولد الراوي المذكور في السند الذي قبله، أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وكان قاضي المدينة أيضاً . قوله: ((عن أبي سلمة، عن النبيّ وَّ) يريد أن عبد الله بن أبي بكر خالف أباه في روايته عن أبي سلمة، وأرسل الحديث الذي وصله، قال الحافظ: وقد وجدت ليزيد بن الهاد فيه متابعاً، أخرجه عبد الرزاق، وأبو عوانة من طريقه، عن معمر، عن يحيى بن سعيد، هو الأنصاريّ، عن أبي بكر بن محمد، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكر الحديث مثله، بغير قصة، وفيه: ((فله أجران اثنان))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) (سنن النسائيّ، المجتبى)) ٢٢٣/٨، وأخرجه الترمذيّ أيضاً في ((الجامع)) برقم (١٣٢٦). ١١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمرو بن العاص، وأبي هريرة ها هذا متّفقٌ عليه . (المسألة الثانية): في ((تخريجه)): أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤٧٩/٦ و٤٤٨٠ و٤٤٨١] (١٧١٦)، و(البخاريّ) في ((الاعتصام)) (٧٣٥٢)، و(أبو داود) في ((الأقضية)) (٣٥٧٤)، و(الترمذيّ) في ((الأحكام)) (١٣٢٦)، و(النسائيّ) في ((آداب القضاة)) (٢٢٣/٨ - ٢٢٤) و((الكبرى)) (٤٦١/٣)، و(ابن ماجه) في ((الأحكام)) (٢٣١٤)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (١٧٦/٢ - ١٧٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٩٨/٤ و٢٠٤ و٢٠٥)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٩٩٦)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٥٠٦٠ و٥٠٦١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٦٧/٤ - ١٦٨)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٩٢/٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٠٩/١٠)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢٠٤/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١١٩/١٠)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢٥٠٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الحاكم إذا اجتهد يستحقّ أجرين، أجراً على اجتهاده، وأجراً على إصابته الحقّ، وإذا اجتهد، فأخطأ فله أجر على اجتهاده . ٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَخَّتُهُ: قال العلماء: أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهلٍ للحكم، فإن أصاب فله أجر باجتهاده، وأجر بإصابته، وإن أخطأ فله أجر باجتهاده، وفي الحديث محذوف، تقديره: إذا أراد الحاكم فاجتهد، قالوا: فأما من ليس بأهل للحكم، فلا يحل له الحكم، فإن حكم فلا أجر له، بل هو آثم، ولا ينفذ حكمه، سواء وافق الحق أم لا؛ لأن إصابته اتفاقيّة، ليست صادرة عن أصل شرعي، فهو عاص في جميع أحكامه، سواء وافق الصواب أم لا، وهي مردودة كلها، ولا يُعذَر في ١١٩ (٦) - بَابُ بَيَانِ أَجْرِ الْحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ، فَأَصَابَ، أَوْ أَخْطَأَ - حديث رقم (٤٤٧٩) شيء من ذلك، وقد جاء في الحديث في ((السنن)): ((القضاة ثلاثة: قاض في الجنة، واثنان في النار: قاض عرف الحق، فقضى به، فهو في الجنة، وقاض عرف الحق فقضى بخلافه، فهو في النار، وقاض قضى على جهل، فهو في النار)). ٣ - (ومنها): ما قال ابن العربيّ كَّهُ: عندي في هذا الحديث فائدة زائدة حاموا عليها، فلم يُسْقَوا، وهي: أن الأجر على العمل القاصر على العامل واحد، والأجر على العمل المتعدي يضاعَف، فإنه يؤجر في نفسه، وينجرّ له كل ما يتعلق بغيره من جنسه، فإذا قضى بالحق، وأعطاه لمستحقه، ثبت له أجر اجتهاده، وجرى له مثل أجر مستحق الحق، فلو كان أحد الخصمين ألحن بحجته من الآخر، فقضى له والحق في نفس الأمر لغيره، كان له أجر الاجتهاد فقط. انتهى. قال الحافظ - مؤيّداً لكلام ابن العربيّ المذكور -: وتمامه: أن يقال: ولا يؤاخذ بإعطاء الحقّ لغير مستحقه؛ لأنه لم يتعمد ذلك، بل وِزر المحكوم له قاصر عليه، ولا يخفى أن محل ذلك أن يبذل وُسعه في الاجتهاد، وهو من أهله، وإلا فقد يَلْحَق به الوزر إن أخلّ بذلك، والله أعلم. انتهى (١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان شروط المجتهد: قال العلامة ابن قدامة تَخُّْ: يُشترط في القاضي ثلاثة شروط: [أحدها]: الكمال، وهو نوعان: كمال الأحكام، وكمال الْخِلْقة: أما كمال الأحكام فيُعتبر في أربعة أشياء: أن يكون بالغاً عاقلاً حرّاً ذكراً، وحُكي عن ابن جرير أنه لا تشترط الذكورية؛ لأن المرأة يجوز أن تكون مُفتية، فيجوز أن تكون قاضية، وقال أبو حنيفة: يجوز أن تكون قاضية في غير الحدود؛ لأنه يجوز أن تكون شاهدة فيه، ولنا قول النبيّ وَ ل ـ: ((ما أفلح قوم وَلَّوا أمرهم امرأة))، ولأن القاضي يحضره محافل الخصوم والرجال، ويحتاج فيه إلى كمال الرأي، وتمام العقل والفطنة، والمرأة ناقصة العقل قليلة الرأي، (١) ((الفتح)) ٢٤٣/١٧ - ٢٤٤ رقم (٧٣٥٢). ١٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية ليست أهلاً للحضور في محافل الرجال، ولا تُقبل شهادتها، ولو كان معها ألف امرأة مثلها، ما لم يكن معهنّ رجل، وقد نبَّه الله تعالى على ضلالهن ونسيانهن، بقوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ولا تصلح للإمامة العظمى، ولا لتولية البلدان، ولهذا لم يُوَلّ النبيّ ◌َّه ولا أحد من خلفائه، ولا مَنْ بَعدهم امرأة قضاءً، ولا ولاية بلدٍ فيما بَلَغنا، ولو جاز ذلك لم يخلُ منه جميع الزمان غالباً . وأما كمال الخلقة: فأن يكون متكلماً، سميعاً، بصيراً؛ لأن الأخرس لا يمكنه النطق بالحكم، ولا يفهم جميعُ الناس إشارته، والأصم لا يسمع قول الخصمين، والأعمى لا يعرف المدعي من المدعى عليه، والمُقَرّ له من المُقِرّ، والشاهد من المشهود له. وقال بعض أصحاب الشافعي: يجوز أن يكون أعمى؛ لأن شعيباً غالتيلا كان أعمى، ولهم في الأخرس الذي تفهم إشارته وجهان. ولنا أن هذه الحواس تؤثّر في الشهادة، فيَمنع فَقْدها ولاية القضاء كالسمع، وهذا لأن منصب الشهادة دون منصب القضاء، والشاهد يشهد في أشياء يسيرة، يُحتاج إليها فيها، وربما أحاط بحقيقة علمها، والقاضي ولايته عامة، ويَحكم في قضايا الناس عامة، فإذا لم يُقبل منه الشهادة، فالقضاء أولى، وما ذكروه عن شعيب ظلَّا فلا نسلِّم فيه فإنه لم يثبت أنه كان أعمى، ولو ثبت فيه ذلك، فلا يلزم ههنا، فإن شعيباً فَلَّا كان مَنْ آمن معه من الناس قليلاً، وربما لا يحتاجون إلى حَكَم بينهم؛ لقلّتهم، وتناصفهم فلا يكون حجة في مسألتنا . [الشرط الثاني]: العدالة، فلا يجوز تولية فاسق، ولا من فيه نقص يمنع الشهادة، وحُكي عن الأصم أنه قال: يجوز أن يكون القاضي فاسقاً؛ لِمَا رُوي عن النبيّ وَ ﴿ أنه قال: ((سيكون بعدي أمراء، يؤخرون الصلاة عن أوقاتها، فصَلُّوها لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم سُبْحَة)). ولنا قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَلٍ فَتَبَيَّنوا﴾ الآية [الحجرات: ٦]، فأمر بالتبيّن عند قول الفاسق، ولا يجوز أن يكون الحاكم ممن لا يُقبل قوله، ويجب التبيّن عند حُكمه، ولأن الفاسق لا يجوز أن يكون