النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
(٤) - بَابُ قَضِيَّةِ هِنْدٍ - حديث رقم (٤٤٦٩)
لَمْ يَكُ مُعْتَلاً كَـ«رَام»، و((قَذَى)»
آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا اكْسِرْ إِذَا
جَمِيعُهَا الْيَا بَعْدُ فَتْحُهَا اخْتُذِي
أَوْ يَكُ كَـ(ابْنَيْنٍ))، و((زَيْدِينَ)) فَذِي
مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ فَاكْسِرْهُ يَهُنْ
وَتُدْغَمَ الْيَا فِيهِ وَالْوَاوُ وَإِنْ
هُذَيْلِ انْقِلَابُهَا يَاءً حَسَنْ
وَأَلِفاً سَلِّمْ وَفِي الْمَقْصُورِ عَنْ
(إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرٍ عِلْمِهِ) زاد الشافعيّ في روايته: ((سرّاً، فهل
عليّ في ذلك من شيء؟)). (فَهَلْ عَلَيّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟) ((من)) زائدة،
و(الْجُناح)) - بضمّ الجيم، وتخفيف النون -: الإثم، وفي رواية معمر: ((فهل
عليّ حرجٌ أن أنفق على عياله من ماله بغير إذنه؟))، وفي رواية ابن أخي
الزهريّ: ((فهل عليّ حرجٌ من أن أُطعم من الذي له عيالنا؟)) (فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((خُذِيٍ مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ، مَا يَكْفِيكِ، وَيَكْفِي بَنِيكِ))) وفي
رواية معمر: ((لا حرج عليك أن تنفقي عليهم بالمعروف))، وفي رواية ابن أخي
الزهريّ: ((لا إلا بالمعروف))، وسيأتي الكلام عليه.
قال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((خذي)): أمر إباحة، بدليل قوله: ((لا حرج))،
والمراد بالمعروف: القَدْر الذي عُرِف بالعادة أنه الكفاية، قال: وهذه الإباحة،
وإن كانت مطلقةً لفظاً، لكنها مقيدة معنًى، كأنه قال: إن صحّ ما ذكرت، وقال
غيره: يَحْتَمِل أن يكون وَِّ، عَلِم صدقها فيما ذكرتْ، فاستغنى عن التقييد.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال الأخير هو الظاهر عندي؛
إذ هو مقتضى سياق الحديث، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة
هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤٦٩/٤ و٤٤٧٠ و٤٤٧١ و٤٤٧٢] (١٧١٤)،
و(البخاريّ) في ((البيوع)) (٢٢١١) و((المظالم والغصب)) (٣٤٦٠) و((النفقات))
(٥٣٥٩ و٥٣٦٤) و((الأيمان والنذور)) (٦٦٤١) و((الأحكام)) (٧١٦١ و٧١٨٠)،
و(أبو داود) في ((البيوع)) (٣٥٣٢ و٣٥٣٣)، و(النسائيّ) في («آداب القضاة)) (٨)

٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
٢٤٦ - ٢٤٧) و((الكبرى)) (٥٩٨٢)، و(ابن ماجه) في ((التجارات)) (٢٣٩٣)،
و(الشافعيّ) في ((مسنده)) ٦٤/٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٢٦/٩)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٥٦/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٩/٦ و٦٤
و٥٠ و٢٠٦)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٢٢٤/٢)، و(الدارميّ) في ((سننه))
(١٥٩/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٢٥٥ و٤٢٥٦ و٤٢٥٧ و ٤٢٥٨)،
و(ابن الجارود) في ((المنتقى) (٢٥٦/١)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢٣٤/٤)،
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٦٤/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٧١/٢٥ -
٧٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٩٨/٨)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (١/
٣٩٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٦٦/٧ و٤٧٧ و٢٦٩/١٠ - ٢٧٠)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢١٤٩ و٢٣٩٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز حكم الحاكم على الغائب إذا تيقّن ثبوت الحقّ
عليه، وسيأتي بيان المذاهب في القضاء على الغائب في المسألة التالية - إن
شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): جواز ذِكر الإنسان بما لا يُعجبه، إذا كان على وجه
الاستفتاء والاشتكاء، ونحو ذلك، وهو أحد المواضع التي تباح فيها الغيبة،
وهي ستة مواضع ذكرها النوويّ في كتابه ((رياض الصالحين)) (ص٦٧٣)،
فقال تَخُّْهُ: إن غِيبة الرجل حيّاً وميتاً تُباح لغرض شرعيّ، لا يمكن الوصول
إليه إلا بها، وهي ستّةٌ:
[الأول]: التظلّم، فيجوز للمظلوم أن يتظلّم إلى السلطان، والقاضي،
وغيرهما، فيقول: ظلمني فلانٌ بكذا .
[الثاني]: الاستعانة على تغيير المنكر، وردّ العاصي إلى الصواب، فيقول
لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا، فازجره عنه، ونحو ذلك،
ويكون مقصده التوصّل إلى إزالة المنكر.
[الثالث]: الاستفتاء، فيقول للمفتي: ظلمني أبي، أو أخي، أو زوجي،
أو فلان بكذا، فهل يحلّ له ذلك؟، فهذا جائز للحاجة.
[الرابع]: تحذير المسلمين من الشرّ، ونصيحتهم، وذلك من وجوه:

٦٣
(٤) - بَابُ قَضِيَّةِ هِنْدٍ - حديث رقم (٤٤٦٩)
[منها]: جرح المجروحين من الرواة والشهود، وذلك جائزٌ بإجماع
المسلمين، بل واجب للحاجة.
[ومنها]: المشاورة في مصاهرة إنسان.
[ومنها]: إذا رأى متفقّهاً يتردّد إلى مبتدع، أو فاسق يأخذ عنه العلم.
[ومنها]: أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها .
[الخامس]: أن يكون مجاهراً بفسقه، أو بدعته، كالمجاهر بشرب
الخمر، ومُصادرة الناس، وأخذ المُكس، وجباية الأموال ظلماً.
[السادس]: التعريف، فإذا كان الإنسان معروفاً بلقب، كالأعمش،
والأعرج، والأصمّ، والأعمى، والأحول، وغيرهم جاز تعريفهم بذلك، ويحرُم
إطلاقه على جهة التنقيص، ولو أمكن تعريفه بغير ذلك كان أولى. انتهى كلام
النوويّ ◌َُّ مختصراً .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وقد نظمت هذه المواضع الستة بقولي:
اعْلَمْ هَدَاكَ اللهُ لِلْفَضِيلَهْ
مُحَرَّمٌ قَطْعاً بِنَصِّ يُتْلَى
أُبِيحَ عَذَّهَا ذَوُو الترجِيحِ
وَاسْتَفْتِ وَاسْتَعِنْ لِرَدْعِ مُجْرِمٍ
بِمَا بِهِ جَاهَرَ لَا بِمَا امْتَنَعْ
بِهِ كَقَوْلِكَ رَأَيْتُ الأَحْنَفَا(١)
تَخَافُ أَنْ يُلْحِقَ بِالنَّاسِ الأَذَى
تَكُنْ مُوَقَّقاً لِنَيْلِ الأَرَبِ
يَا طَالباً فَائِدَةً جَلِيلَهْ
أَنَّ اغْتِيَابَ الشَّخْصِ حَيّاً أَوْ لَا
لكِنَّهُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ
فَذَكَرُوهَا سِتَّةً تَظَلَّمَ
وَعِبْ مُجَاهِراً بِفِسْقٍ أَوْ بِدَغُ
وَعَرْفَنْ بِلَقَبٍ مَنْ عُرفَا
وَحَذِّرَنْ مِنْ شَرِّ ذِي الشَّرِّ إِذَا
وَفِي سِوَى هَذَا احْذَرَنْ لَا تَغْتَبِ
٣ - (ومنها): جواز ذِكر الإنسان بالتعظيم، كاللقب والكنية، كذا قيل،
وفيه نظر لأن أبا سفيان كان مشهوراً بكنيته، دون اسمه، فلا يدل قولها: إن أبا
سفيان على إرادة التعظيم.
٤ - (ومنها): جواز استماع كلام أحد الخصمين في غَيبة الآخر.
(١) ((الأحنف)): هو الأعرج، أو الذي يمشي على ظهر قدميه.

٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
٥ - (ومنها): أن من نَسب إلى نفسه أمراً عليه فيه غضاضة، فليقرُنه بما
يقيم عُذره في ذلك.
٦ - (ومنها): جواز سماع كلام الأجنبية عند الحكم والإفتاء، عند من
يقول: إن صوتها عورة، ويقول: جاز هنا للضرورة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بكون صورة المرأة عورة قول
ضعيف، كما سبق بيانه في غير موضع، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): أن القول قول الزوجة في قبض النفقة؛ لأنه لو كان القول
قول الزوج: إنه منفق، لكُلِّفت هذه البينة على إثبات عدم الكفاية. وأجاب
المازري عنه بأنه من باب تعليق الفتيا، لا القضاء.
٨ - (ومنها): وجوب نفقة الزوجة، وأنها مقدَّرة بالكفاية، وهو قول أكثر
العلماء، وهو قول للشافعيّ، حكاه الجوينيّ، والمشهور عن الشافعيّ، أنه
قدّرها بالأمداد، فعلى الموسر كل يوم مُدّان، والمتوسط مُدٌّ ونصف، والمعسر
مُدّ، وتقريرها بالأمداد رواية عن مالك أيضاً، قال النووي في ((شرح مسلم)):
وهذا الحديث حجة على أصحابنا .
قال الحافظ: وليس صريحاً في الرد عليهم، لكن التقدير بالأمداد محتاج
إلى دليل، فإن ثبت حُملت الكفاية في حديث الباب على القَدْر المقدَّر
بالأمداد، فكأنه كان يعطيها، وهو موسر ما يعطي المتوسط، فأَذِن لها في أخذ
الكمية، وقد اختلف في ذلك.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تعقُّب الحافظ على النوويّ مما لا وجه
له؛ فإن النوويّ إنما اعترض على أصحابه لعدم وجود دليل يدلّ على التقدير
بالأمداد، وقد اعترف الحافظ نفسه بذلك، فكيف يتأتّى له التعقّب بالاحتمال؟،
فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٩ - (ومنها): اعتبار النفقة بحال الزوجة، وهو قول الحنفية، واختار
الخصاف منهم أنها معتبرة بحال الزوجين معاً، قال صاحب («الهداية»: وعليه
الفتوى، والحجة فيه ضمّ قوله تعالى: ﴿لِنُفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِةٍ﴾ الآية
[الطلاق: ٧] إلى هذا الحديث. وذهبت الشافعية إلى اعتبار حال الزوج؛ تمسكاً
بالآية، وهو قول بعض الحنفية.

٦٥
(٤) - بَابُ قَضِيَّةِ هِنْدٍ - حديث رقم (٤٤٦٩)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول هو الظاهر؛ لقوّة دليله، والله
تعالى أعلم.
١٠ - (ومنها): وجوب نفقة الأولاد بشرط الحاجة، والأصح عند
الشافعية اعتبار الصغر، أو الزمانة.
١١ - (ومنها): وجوب نفقة خادم المرأة على الزوج، قال الخطابيّ: لأن
أبا سفيان كان رئيس قومه، ويَبْعُد أن يمنع زوجته وأولاده النفقة، فكأنه كان
يعطيها قَدْر كفايتها وولدها، دون من يخدمهم، فأضافت ذلك إلى نفسها؛ لأن
خادمها داخل في جملتها .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الخطّابيّ محلّ نظر، فليتأمّل، والله
تعالى أعلم.
وقال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يُتمسك لذلك بقوله في بعض طرقه: ((أَنْ
أُطعم من الذي له عيالنا)).
١٢ - (ومنها): أنه يدلّ على وجوب نفقة الابن على الأب، ولو كان
الابن كبيراً .
وتُعُقّب بأنها واقعة عين، ولا عموم في الأفعال، فَيَحْتَمِل أن يكون المراد
بقولها: ((بنيّ)) بعضهم: أي: من كان صغيراً، أو كبيراً زَمِناً، لا جميعهم.
١٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن من له عند غيره حقّ، وهو عاجز
عن استيفائه، جاز له أن يأخذ من ماله قَدْر حقه بغير إذنه، وهو قول الشافعيّ،
وجماعة، وتُسمَّى ((مسألة الّفَر))، والراجح عندهم: لا يأخذ غیر جنس حقه،
إلا إذا تعذر جنس حقه، وعن أبي حنيفة: المنع، وعنه: يأخذ جنس حقه، ولا
يأخذ من غير جنس حقه، إلا أحد النقدين بدل الآخر، وعن مالك ثلاث
روايات، كهذه الآراء، وعن أحمد المنع مطلقاً.
قال الخطابيّ: يؤخذ من حديث هند جواز أخذ الجنس، وغير الجنس؛
لأن منزل الشحيح لا يجمع كل ما يحتاج إليه من النفقة، والكسوة، وسائر
المرافق اللازمة، وقد أطلق لها الإذن في أخذ الكفاية من ماله، قال: ويدل
على صحة ذلك قولها في رواية أخرى: ((وأنه لا يدخل على بيتي ما يكفيني
وولدي)).

٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
وتعقّبه الحافظ بأنه لا دلالة فيه لِمَا ادّعاه من أن بيت الشحيح لا يحتوي
على كل ما يحتاج إليه؛ لأنها نفت الكفاية مطلقاً، فتناول جنس ما يحتاج إليه،
وما لا يحتاج إليه، ودعواه أن منزل الشحيح كذلك مسلّمة، لكن من أين له أن
منزل أبي سفيان كان كذلك؟ والذي يظهر من سياق القصة أن منزله كان فيه كل
ما يحتاج إليه، إلا أنه كان لا يمكّنها إلا من القَدْر الذي أشارت إليه،
فاستأذنت أن تأخذ زيادة على ذلك بغير علمه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن تعقّب الحافظ على استدلال
الخطّابيّ محلّ نظر، فإن استدلاله واضح، والله تعالى أعلم.
وقد وجه ابن الْمُنَيِّر قوله: إن في قصة هند دلالةً على أن لصاحب الحق
أن يأخذ من غير جنس حقه، بحيث يحتاج إلى التقويم؛ لأنه وَ و أذن لهند، أن
تفرض لنفسها وعيالها قَدْر الواجب، وهذا هو التقويم بعينه، بل هو أدقّ منه،
وأعسر.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله ابن المنيّر تَخْتُ تحقيق حسن
جدّاً، والله تعالى أعلم.
١٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن للمرأة مدخلاً في القيام على
أولادها، وكفالتهم، والإنفاق عليهم.
١٥ - (ومنها): أنه استُدلّ به على جواز حكم الحاكم بعلمه، وقد اختلف
أهل العلم فيه، وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة الخامسة - إن شاء الله
تعالى -
١٦ - (ومنها): اعتماد العُرف في الأمور التي لا تحديد فيها من قِبَل
الشرع، قال القرطبيّ تَُّهُ: فيه اعتبار العرف في الشرعيات، خلافاً لمن أنكر
ذلك لفظاً، وعمل به معنًى، كالشافعية. كذا قال، والشافعية إنما أنكروا العمل
بالعرف، إذا عارضه النص الشرعي، أو لم يُرشد النص الشرعي إلى العرف.
[تنبيه]: قال الحافظ تَخّْتُهُ: أشكل على بعضهم استدلال البخاريّ تَُّ
بهذا الحديث على مسألة الظّفر، في ((كتاب الإشخاص))، حيث ترجم له:
(قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه))، واستدلاله به على جواز القضاء على
الغائب؛ لأن الاستدلال به على مسألة الظفر، لا تكون إلا على القول بأن

٦٧
(٤) - بَابُ قَضِيَّةِ هِنْدٍ - حديث رقم (٤٤٦٩)
مسألة هند كانت على طريق الفتوى، والاستدلال به على مسألة القضاء على
الغائب، لا يكون إلا على القول بأنها كانت حُكماً.
[والجواب]: أن يقال: كل حكم يصدر من الشارع، فإنه ينزَّل منزلة
الإفتاء بذلك الحكم في مثل تلك الواقعة، فيصح الاستدلال بهذه القصة
للمسألتين. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في القضاء على الغائب:
قال الموفّق ◌َخَذُهُ: من ادَّعى حقاً على غائب في بلد آخر، وطلب من
الحاكم سماع البينة، والحكم بها عليه، فعلى الحاكم إجابته، إذا كملت
الشرائط، وبهذا قال شبرمة، ومالك، والأوزاعيّ، والليث، وسَوّار، وأبو
عبيد، وإسحاق، وابن المنذر. وكان شُريح لا يرى القضاء على الغائب، وعن
أحمد مثله، وبه قال ابن أبي ليلى، والثوريّ، وأبو حنيفة، وأصحابه، ورُوي
ذلك عن القاسم، والشعبيّ، إلا أن أبا حنيفة قال: إذا كان له خصم حاضر من
وكيل، أو شفيع جاز الحكم عليه، واحتجوا بما رُوي عن النبيّ وَّ، أنه قال
لعليّ رَظُه: ((إذا تقاضى إليك رجلان، فلا تقض للأول حتى تسمع كلام
الآخر، فإنك تدري بما تقضي))، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح،
ولأنه قضاء لأحد الخصمين وحده فلم يَجُز، كما لو كان الآخر في البلد،
ولأنه يجوز أن يكون للغائب ما يُبطل البينة ويقدح فيها، فلم يَجُز الحكم عليه.
قال: ولنا أن هنداً قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس
يعطيني ما يكفيني وولدي، قال: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف))، متفق
عليه، فقضى لها ولم يكن حاضراً، ولأن هذا له بيّنة مسموعة عادلة، فجاز
الحكم بها كما لو كان الخصم حاضراً، وقد وافقنا أبو حنيفة في سماع البينة،
ولأن ما تأخر عن سؤال المدعي إذا كان حاضراً يقدَّم عليه إذا كان غائباً،
كسماع البينة، وأما حديثهم فنقول به إذا تقاضى إليه رجلان لم يجز الحكم قبل
سماع كلامهما، وهذا يقتضي أن يكونا حاضرين، ويفارق الحاضر الغائب، فإن
البينة لا تُسمع على حاضر إلا بحضرته، والغائب بخلافه، وقد ناقض أبو حنيفة
(١) ((الفتح)) ٢٦٧/١٢ - ٢٧١، كتاب ((النفقات)) رقم (٥٣٦٤).

٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
أصله، فقال: إذا جاءت امرأة، فادعت أن لها زوجاً غائباً، وله مال في يد
رجل، وتحتاج إلى النفقة، فاعترف لها بذلك، فإن الحاكم يقضي عليه بالنفقة،
ولو ادعى رجل على حاضر، أنه اشترى من غائب ما فيه شفعة، وأقام بينة
بذلك حَكَم له بالبيع والأخذ بالشفعة، ولو مات المدَّعَى عليه، فحضر بعض
ورثته، أو حضر وكيل الغائب، وأقام المدعي بينة بذلك حَكّم له بما ادعاه.
إذا ثبت هذا فإنه إن قَدِمَ الغائب قبل الحكم وقف الحكم على حضوره،
فإن جَرَحَ الشهود لم يحكم عليه، وإن استنظر الحاكمَ أجّله ثلاثاً، فإن جرحهم
وإلا حَكم عليه، وإن ادعى القضاء أو الإبراء فكانت له بينة برىء، وإلا حَلّف
المدعي وحَكم له، وإن قَدِم بعد الحكم فجرح الشهود بأمر كان قبل الشهادة
بَطَل الحكم، وإن جرحهم بأمر بعد أداء الشهادة أو مطلقاً لم يبطل الحكم،
ولم يقبله الحاكم؛ لأنه يجوز أن يكون بعد الحكم فلا يقدح فيه، وإن طلب
التأجيل أجّل ثلاثاً، فإن جرحهم وإلا نَفَذ الحكم، وإن ادعى القضاء أو
الإبراء، فكانت له به بينة، وإلا حلف الآخَر ونفذ الحكم. انتهى كلام ابن
قُدامة نَظّفُ(١).
وقال في ((الفتح)) في ((كتاب الأحكام)): قال ابن بطال: أجاز مالك،
والليث، والشافعيّ، وأبو عبيد، وجماعة الحكم على الغائب، واستثنى ابن
القاسم عن مالك ما يكون للغائب فيه حجج، كالأرض والعقار، إلا إن طالت
غيبته، أو انقطع خبره، وأنكر ابن الماجشون صحة ذلك عن مالك، وقال:
العمل بالمدينة على الحكم على الغائب مطلقٌ، حتى لو غاب بعد أن توجه
عليه الحكم، قُضي عليه، وقال ابن أبي ليلى، وأبو حنيفة: لا يُقضَى على
الغائب مطلقاً، وأما من هرب، أو استتر بعد إقامة البينة، فينادي القاضي عليه
ثلاثاً، فإن جاء والا أنفذ الحكم عليه، وقال ابن قدامة: أجازه أيضاً ابن
شُبْرمة، والأوزاعيّ، وإسحاق، وهو أحد الروايتين عن أحمد، ومنعه أيضاً
الشعبيّ، والثوريّ، وهي الرواية الأخرى عن أحمد، قال: واستثنى أبو حنيفة
من له وكيل مثلاً، فيجوز الحكم عليه بعد الدعوى على وكيله، واحتج من منع
(١) ((المغني)) ١٤ / ٩٣ - ٩٥.

٦٩
(٤) - بَابُ قَضِيَّةِ مِنْدٍ - حديث رقم (٤٤٦٩)
بحديث عليّ ◌َظُهُ رفعه: ((لا تَقْضِي لأحد الخصمين حتى تسمع من الآخر))،
وهو حديث حسن أخرجه أبو داود، والترمذي، وغيرهما، وبحديث الأمر
بالمساواة بين الخصمين، وبأنه لو حضر لم تُسمع بينة المدعي حتى يسأل
المدعى عليه، فإذا غاب فلا تُسمع، وبأنه لو جاز الحكم مع غَيبته لم يكن
الحضور واجباً عليه.
وأجاب من أجاز: بأن ذلك كله لا يمنع الحكم على الغائب؛ لأن حجته
إذا حضر قائمة، فتُسمع، ويُعمل بمقتضاها، ولو أدى إلى نقض الحكم السابق،
وحديث عليّ رَُّه محمول على الحاضرين، وقال ابن العربي: حديث علي
إنما هو مع إمكان السماع، فأما مع تعذره بمغيب، فلا يمنع الحكم كما لو
تعذر بإغماء، أو جنون، أو حَجْر، أو صِغَر، وقد عمل الحنفية بذلك في
الشفعة، والحكم على من عنده للغائب مال أن يدفع منه نفقة زوج الغائب، ثم
ذكر البخاريّ حديث عائشة ﴿ّا في قصة هند، وقد احتجّ بها الشافعيّ،
وجماعة لجواز القضاء على الغائب.
وتُعُقّب بأن أبا سفيان كان حاضراً في البلد(١).
وقال في ((الفتح)) أيضاً في ((كتاب النفقات)) ما حاصله: استَدَلّ به
الخطابي على جواز القضاء على الغائب، وقد ترجم البخاري في ((كتاب
الأحكام)): ((القضاء على الغائب))، وأورد هذا الحديث من طريق سفيان
الثوري، عن هشام بلفظ: ((إن أبا سفيان رجل شحيح، فأحتاج أن آخذ من
ماله، قال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف))، وذكر النوويّ أن جمعاً من
العلماء من أصحاب الشافعيّ، ومِن غيرهم استدلوا بهذا الحديث لذلك، حتى
قال الرافعي في القضاء على الغائب: احتج أصحابنا على الحنفية في منعهم
القضاء على الغائب بقصة هند، وكان ذلك قضاء من النبيّ وَ لّ على زوجها،
وهو غائب، قال النوويّ: ولا يصح الاستدلال؛ لأن هذه القصة كانت بمكة،
وكان أبو سفيان حاضراً بها، وشَرْط القضاء على الغائب، أن يكون غائباً عن
البلد، أو مستتراً لا يُقدر عليه، أو متعزِّزاً، ولم يكن هذا الشرط في أبي سفيان
(١) ((الفتح)) ٧٠٧/١٦ - ٧٠٨، كتاب ((الأحكام)) رقم (٧١٨٠).

٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
موجوداً، فلا يكون قضاء على الغائب، بل هو إفتاء، وقد وقع في كلام
الرافعي في عدة مواضع: أنه كان إفتاء. انتهى.
واستَدَلّ بعضهم على أنه كان غائباً بقول هند: لا يعطيني، إذ لو كان
حاضراً لقالت: لا ينفق عليّ؛ لأن الزوج هو الذي يباشر الإنفاق، وهذا
ضعيف؛ لجواز أن يكون عادته أن يعطيها جملة، ويأذن لها في الإنفاق مفرقاً،
نعم قول النووي: إن أبا سفيان كان حاضراً بمكة حق، وقد سبقه إلى الجزم
بذلك السهيليّ، بل أورد أخص من ذلك، وهو أن أبا سفيان كان جالساً معها
في المجلس، لكن لم يسق إسناده، قال الحافظ: وقد ظَفِرت به في ((طبقات
ابن سعد))، أخرجه بسند رجاله رجال الصحيح، إلا أنه مرسل عن الشعبيّ: أن
هنداً لمّا بايعت، وجاء قوله: ((ولا يسرقن))، قالت: ((قد كنت أصبت من مال
أبي سفيان، فقال أبو سفيان: فما أصبت من مالي فهو حلال لك)). قال:
ويمكن تعدد القصة، وأن هذا وقع لما بايعت، ثم جاءت مرة أخرى، فسألت
عن الحكم، وتكون فهمت من الأول إحلال أبي سفيان لها ما مضى، فسألت
عما يُستقبل، لكن يشكل على ذلك ما أخرجه ابن منده في ((المعرفة)) من طريق
عبد الله بن محمد بن زاذان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قالت هند
لأبي سفيان: إني أريد أن أبايع، قال: فإن فعلت فاذهبي معك برجل من
قومك، فذهبت إلى عثمان، فذهب معها، فدخلت منتقبة، فقال: ((بايعي أن لا
تشركي ... )) الحديث، وفيه: فلما فرغت، قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان
رجل بخيل ... الحديث، قال: ما تقول يا أبا سفيان؟ قال: أما يابساً فلا،
وأما رطباً فأحله. وذكر أبو نعيم في ((المعرفة)) أن عبد الله تفرد به بهذا السياق،
وهو ضعيف، وأول حديثه يقتضي أن أبا سفيان لم يكن معها، وآخره يدل على
أنه كان حاضراً، لكن يَحْتَمِل أن يكون كلٌّ منهما توجّه وحده، أو أرسل إليه
لمّا اشتكت منه، ويؤيد هذا الاحتمال الثاني، ما أخرجه الحاكم في ((تفسير
الممتحنة)) من ((المستدرك)) عن فاطمة بنت عتبة، أن أبا حذيفة بن عتبة ذهب
بها، وبأختها هند يبايعان، فلما اشترط: ((ولا يسرقن))، قالت هند: لا أبايعك
على السرقة، إني أسرق من زوجي، فكفّ، حتى أرسل إلى أبي سفيان يتحلل
لها منه، فقال: أما الرطب فنَعَم، وأما اليابس فلا.

٧١
(٤) - بَابُ قَضِيَّةِ هِنْدٍ - حديث رقم (٤٤٦٩)
قال الحافظ: والذي يظهر لي أن البخاريّ لم يُرِد أن قصة هند كانت
قضاء على أبي سفيان، وهو غائب، بل استَدَلّ بها على صحة القضاء على
الغائب، ولو لم يكن ذلك قضاء على غائب بشرطه، بل لمّا كان أبو سفيان غير
حاضر معها في المجلس، وأذن لها أن تأخذ من ماله بغير إذنه قَدْر كفايتها،
كان في ذلك نوع قضاء على الغائب، فيحتاج مَنْ مَنَعه أن يجيب عن هذا.
وقد انبنى على هذا خلاف يتفرع منه، وهو أن الأب إذا غاب، أو امتنع
من الإنفاق على ولده الصغير، أذن القاضي للأم إذا كانت فيها أهلية ذلك في
الأخذ من مال الأب، إن أمكن، أو في الاستقراض عليه، والإنفاق على
الصغير، وهل لها الاستقلال بذلك بغير إذن القاضي؟ وجهان، ينبنيان على
الخلاف في قصة هند، فإن كانت إفتاءً جاز لها الأخذ بغير إذن، وإن كانت
قضاء، فلا يجوز إلا بإذن القاضي.
ومما رُجّح به أنه كان قضاء لا فتيا التعبير بصفة الأمر، حيث قال لها:
(خذي))، ولو كان فتيا لقال مثلاً: لا حرج عليك، إذا أخذت، ولأن الأغلب
من تصرفاته ◌ّلقر إنما هو الحُكم.
ومما رُجّح به أنه كان فتوى، وقوع الاستفهام في القصة في قولها: ((هل
عليّ جناح))، ولأنه فَوّض تقدير الاستحقاق إليها، ولو كان قضاء لم يفوّضه إلى
المدعي، ولأنه لم يستحلفها على ما ادّعته، ولا كلّفها البينة.
والجواب: أن في ترك تحليفها، أو تكليفها البينة حجةً لمن أجاز للقاضي
أن يَحْكم بعلمه، فكأنه وَّوَ عَلِم صدقها في كل ما ادّعت به، وعن الاستفهام
أنه لا استحالة فيه من طالب الحكم، وعن تفويض قدر الاستحقاق أن المراد
الموكول إلى العُرف، كما تقدم. انتهى ما في ((الفتح)) في كتاب النفقات(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح ما ذهب إليه الجمهور من
جواز القضاء على الغائب، وأن الاستدلال بحديث الباب صحيح، كما صنعه
البخاريّ، والنسائيّ، وقبلهما الشافعيّ - رحمهم الله تعالى - والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((الفتح)) ٢٦٩/١٢ - ٢٧١ رقم (٥٣٦٤).

٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في جواز حكم الحاكم
بعلمه :
قال أبو العبّاس القرطبيّ تَخَّهُ: تمسَّك بالحديث الماضي، وهو حديث أم
سلمة فيها من قال: إن الحاكم لا يحكم بعلمه في شيء من الأشياء إلا بما
يعلمه في مجلس حكمه، ووجه تمسُّكه: أن كلامه وَ لَ يفضي إلى أنَّه لا يحكم
إلا بما سمع في حال حكمه، وقد رُوي بلفظ: ((إنما أحكم بما أسمع))،
و ((إنما)) للحصر، فكأنه قال: لا أحكم إلا بما أسمع.
وقد اختلف في هذا، فقال مالك في المشهور عنه: إن الحاكم لا يحكم
بعلمه في شيء، وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، والشعبيّ، وروي عن
شُريح. وذهبت طائفة إلى أنه يقضي في كلّ شيء من الأموال، والحدود، وغير
ذلك مطلقاً، وبه قال أبو ثور، ومن تبعه، وهو أحد قولي الشافعيّ.
وذهبت طوائف إلى التفريق، فقالت طائفة: يقضي بما سمعه في مجلس
قضائه خاصّة، لا قبله، ولا في غيره إذا لم تحضر مجلسه بيّنة، وفي الأموال
خاصّة، وبه قال الأوزاعيّ، وجماعة من أصحاب مالك، وحكوه عنه.
وقالت طائفة: يحكم بما سمعه في مجلس قضائه، وفي غيره، لا قبل
قضائه، ولا في غير مصره، في الأموال خاصّة، وبه قال أبو حنيفة.
وقالت طائفة: إنه يقضي بعلمه في الأموال خاصّة، سواء سمع ذلك في
مجلس قضائه، وفي غيره، قبل ولايته، أو بعدها، وبه قال أبو يوسف،
ومحمد، وهو أحد قولي الشافعيّ.
وذهب بعض المالكيّة إلى أنه يقضي بعلمه في الأموال، والقذف خاصّة،
ولم يشترط مجلس القضاء، واتّفقوا على أنه يحكم بعلمه في الجرح والتعديل؛
لأن ذلك ضروريّ في حقّه.
قال القرطبيّ كَّلُهُ: والصحيح الأول؛ لقوله { ل# في حديث هلال بن
أميّة ر﴿ه لمّا لا عَن زوجته: ((أبصروها، فإن جاءت به - يعني: الولد - على
نعت كذا، فهو لهلال، وإن جاءت به على نعت كذا، فهو لشريك))، فجاءت به
على النعت المكروه، وقال: ((لو كنت راجماً بغير بيّنة، لرجمت هذه))، فلم
يحكم بعلمه؛ لعدم قيام البيّنة، وعند المخالف يجب أن يرجُمها إذا علم ذلك،

٧٣
(٤) - بَابُ قَضِيَّةِ هِنْدٍ - حديث رقم (٤٤٦٩)
قاله عبد الوهّاب، فهذا ظاهر قويّ في الحدود، وأما في غيرها، فيدلّ عليه
حديث خزيمة ظه، حيث اشترى النبيّ وَ﴿ من أعرابيّ فرساً، فمشى معه
ليعطيه ثمنه، فعرض للأعرابيّ من زاده في الثمن، فأراد أن يبيعه، فقال له
رسول الله وَر: ((قد بعته منّي))، فأنكر الأعرابيّ، وقال: من يشهد لك؟
فاستدعى النبيّ وَل من يشهد، فشهد خزيمة، فهذا النبيّ وَ ﴾ لم يحكم بعلمه،
حتّى قامت الشهادة، ولا يُنفَصل عن هذا بأن النبيّ ◌َهو فعل ذلك؛ لأن الحقّ
كان له، ولا يشهد أحدٌ لنفسه، ولا يحكم لها، ولأنه لا يُعطى أحدٌ بدعواه،
ولأنه قد قطع حجة الأعرابيّ لَمّا طلب منه الشهادة؛ لأنا نقول: إنما اعتُبر ذلك
كله في حقّ غير النبيّ وَّ ه لإمكان ادّعاء الباطل والكذب، وإرادة أخذ مال
الغير، ودفعه عن حقّه، وكلّ ذلك معدوم في حقّ النبيّ وَ لّ قطعاً، ولذلك
قال ◌َ ◌ّ﴿ للمنافقين: ((أيأمَنُني الله تعالى على أهل الأرض، ولا تَأْمَنُوني؟ والله
إني لأمين من في السماء))، متّفقٌ عليه.
وأما قوله: إنما فعله لقطع حجة الخصم، فإنه باطلٌ، إذ لا حجة له، ولا
لغيره على خلاف ما قاله النبيّ وَ ﴿، فإن هذا الأعرابيّ إن كان مسلماً، فقد علم
صدق النبيّ ◌َّ، وإن كان كافراً، فلا مبالاة بقوله، إذ قد قام دليلٌ على
صدقه، وعلمه العقلاء، كما لم يبال بقول من كذّبه من الكفّار، ولا بقول الذي
اتّهمه في القسمة، حيث قال: يا محمد اعدل، فإن هذه قسمة ما أريد بها
وجه الله.
ومِن أوضح ما يدلّ على المطلوب، وأصحّه حديث قصّة أبي جهم
حيث بعثه رسول الله و ﴿ مصَدِّقاً، فلاجّه رجلان، فشجّهما، فأتيا النبيّ وَال
يطلبان القصاص، فبذل لهما مالاً، فرضيا به، فقال: ((إني أخطب الناس،
وأذكر لهم ذلك، أفرضيتما؟)) قالا: نعم، فخطب الناس، ثم قال: ((أرضيتما؟))
قالا: لا، فهمّ بهما المهاجرون والأنصار، فمنعهم النبيّ ◌َّ، ثم نزل،
فزادهما، فرضيا، ثم صعد المنبر، فقال: ((أرضيتما؟)) قالا: نعم. وموضع
الحجة: أنه ◌َّ لم يحكم عليهما بعلمه لَمّا جحدا، وهو المطلوب، ذكره أبو
داود من حديث عائشة پا، وهو صحيح.
والحاصل أن النبيّ وَلو لم يحكم بعلمه؛ تعليماً لأمته، وسعياً في سدّ

٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
باب التُّهَم والظنون. والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ تَخْذّتُهُ(١).
وقال ابن قُدامة تَخْذَتُهُ: ظاهر المذهب أن الحاكم لا يحكم بعلمه، في حَدّ
ولا غيره، لا فيما علمه قبل الولاية، ولا بعدها، هذا قول شُريح، والشعبيّ،
ومالك، وإسحاق، وأبي عبيد، ومحمد بن الحسن، وهو أحد قولي الشافعيّ.
وعن أحمد رواية أخرى: يجوز له ذلك، وهو قول أبي يوسف، وأبي
ثور، والقول الثاني للشافعيّ، واختيار المزنيّ؛ لأن النبيّ وَّهِ، لَمّا قالت له
هند: إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي، قال:
((خذي ما يكفيك، وولدك بالمعروف))، فحكم لها من غير بينة، ولا إقرار؛
لِعِلْمِه بصدقها، ورَوَى ابنُ عبد البر في ((كتابه)): أن عروة، ومجاهداً، رويا أن
رجلاً من بني مخزوم، استعدى عمر بن الخطاب على أبي سفيان بن حرب،
أنه ظلمه حَدّاً في موضع كذا وكذا، وقال عمر: إني لأعلم الناس بذلك،
وربما لعبت أنا وأنت فيه، ونحن غلمان، فَأُتني بأبي سفيان، فأتاه به، فقال له
عمر: يا أبا سفيان انهض بنا إلى موضع كذا وكذا، فنهضوا، ونظر عمر،
فقال: يا أبا سفيان خذ هذا الحجر من ها هنا، فضعه ها هنا، فقال: والله لا
أفعل، فقال: والله لتفعلن، فقال: والله لا أفعل، فَعَلَاه بالدِّرّة، وقال: خذه لا
أُمّ لك، فضعه ههنا، فإنك ما علمتُ قديمُ الظلم. فأخذ أبو سفيان الحجر،
ووضعه حيث قال عمر، ثم إن عمر استقبل القبلةَ، فقال: اللهم لك الحمد،
حيث لم تُمِتْني حتى غلبتُ أبا سفيان على رأيه، وأذللتَهُ لي بالإسلام، قال:
فاستقبل القبلة أبو سفيان، وقال: اللهم لك الحمد، إذ لم تمتني حتى جعلت
في قلبي من الإسلام ما أَذِلُّ به لعمر. قالوا: فحَكَم بعلمه، ولأن الحاكم يحكم
بالشاهدين؛ لأنهما يغلبان على الظن، فما تحققه وقطع به كان أولى، ولأنه
يحكم بعلمه في تعديل الشهود وجَرْحهم، فكذلك في ثبوت الحق قياساً عليه.
وقال أبو حنيفة: ما كان من حقوق الله لا يحكم فيه بعلمه؛ لأن
حقوق الله تعالى مبنية على المساهلة والمسامحة، وأما حقوق الآدميين، فما
علمه قبل ولايته لم يحكم به، وما علمه في ولايته حكم به؛ لأن ما علمه قبل
(١) ((المفهم)) ١٥٦/٥ - ١٥٨.

٧٥
(٤) - بَابُ قَضِيَّةِ هِنْدٍ - حديث رقم (٤٤٦٩)
ولايته بمنزلة ما سمعه من الشهود قبل ولايته، وما علمه في ولايته بمنزلة ما
سمعه من الشهود في ولا يته.
قال: ولنا قول النبيّ وَله: ((إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل
بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحوٍ ما أسمع منه»،
فدل على أنه إنما يقضي بما يَسمع، لا بما يَعلم، وقال النبيّ وَّ في قضية
الحضرمي، والكندي: ((شاهداك أو يمينه، ليس لك منه إلا ذاك)»، ورُوي عن
عمر رضيبه أنه تداعى عنده رجلان، فقال له أحدهما: أنت شاهدي، فقال: إن
شئتما شهدت ولم أحكم، أو أحكم ولا أشهد. وذكر ابن عبد البر في ((كتابه)) عن
عائشة ﴿نا: أن النبيّ وَل و بعث أبا جَهْم على الصدقة، فلاحاه رجل في فريضة،
فوقع بينهما شجاج، فأتوا النبيّ ◌ََّ، فأعطاهم الأَرْشَ، ثم قال: ((إني خاطب
الناس، ومخبرهم أنكم قد رضيتم، أرضيتم؟» قالوا: نعم، فَصَعِد النبيّ ◌َّ،
فخطب، وذكر القصة، وقال: ((أرضيتم؟)) قالوا: لا، فَهَمَّ بهم المهاجرون، فنزل
النبيّ ◌َّر، فأعطاهم، ثم صعد، فخطب الناس، ثم قال: ((أرضيتم؟)) قالوا:
نعم. وهذا يبيّن أنه لم يأخذ بعلمه. ورُوي عن أبي بكر الصديق حظُّبه أنه قال: لو
رأيت حَدّاً على رجل لم أَحُدّه حتى تقوم البينة، ولأن تجويز القضاء بعلمه يفضي
إلى تهمته، والحكم بما اشتهى، ويحيله على علمه، فأما حديث أبي سفيان فلا
حجة فيه؛ لأنه فتيا، لا حكمٌ بدليل أن النبيّ ◌َّ أفتى في حق أبي سفيان من غير
حضوره، ولو كان حُكماً عليه لم يحكم عليه في غَيبته، وحديث عمر الذي رووه
كان إنكاراً لمنكَر رآه، لا حكمٌ، بدليل أنه ما وُجدت منهما دعوى وإنكار
بشروطهما، ودليل ذلك ما رويناه عنه، ثم لو كان حكماً كان معارضاً بما رويناه
عنه، ويفارق الحكم بالشاهدين، فإنه لا يفضي إلى تهمة، بخلاف مسألتنا، وأما
الجرح والتعديل، فإنه يحكم فيه بعلمه بغير خلاف؛ لأنه لو لم يحكم فيه بعلمه
التسلسل، فإن المُزَكِّيَيْن يحتاج إلى معرفة عدالتهما وجرحهما، فإذا لم يعمل بعلمه
احتاج كلّ واحد منهما إلى مُزَكِّيَيْن، ثم كلّ واحد منهما يحتاج إلى مزكيين،
فيتسلسل، وما نحن فيه بخلافه. انتهى كلام ابن قُدامة دَخَذَتْهُ(١) .
(١) ((المغني)) ٣١/١٤ - ٣٣.

٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بعدم جواز حكم الحاكم
بعلمه هو الأرجح؛ لقوّة حجته، ومما يقوّي القول به أن فيه دفع التهمة عنه،
وسدّ باب الشرّ في وجوه الحكّام السوء؛ كيلا يتسلّطوا على حقوق الناس
بدعوى أنهم يحكمون بعلمهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٧٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنٍ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ،
كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنٍ نُمَيْرٍ، وَوَكِيع (ح)، وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بَحْبَى، أَخْبَرَنَا
عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ (ح)، وحَدَّثَنَا مُحَمُّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ، أَخْبَرَنَا
الضَّخَّكُ - يَعْنِي: ابْنَ عُثْمَانَ - كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ بِهِّذَا الإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الدراورديّ، أبو محمد الْجُهَنيّ مولاهم
المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كُتب غيره، فيُخطىء [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القُشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ
حافظٌ عابدٌ [١١] (ت٢٤٥) (خ م « ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٣ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ) محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الديليّ
مولاهم المدنيّ، أبو إسماعيل، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت٢٠٠) على
الصحيح (ع) تقدم في ((الحيض)) ١٦/ ٧٧٥.
٤ - (الضَّحَُّ بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد الله بن خالد بن حِزَام الأسديّ الْحِزَامَيّ،
أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِمُ [٧] (م ٤) تقدم في ((الحيض)) ١٦/ ٧٧٤.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ هِشَام) ضمير الجماعة لعبد الله بن نُمير، ووكيع،
وعبد العزيز الدراورديّ، والضَّحاك بن عثمان، فكلّ هؤلاء الأربعة رووا هذا
الحديث عن هشام بن عروة بسنده السابق.

٧٧
(٤) - بَابُ قَضِيَّةِ مِنْدٍ - حديث رقم (٤٤٧٠)
[تنبيه]: رواية عبد الله بن نمير، ووكيع، كلاهما عن هشام بن عروة
ساقها البيهقيّ دَّثُ في ((سننه الكبرى)) فقال:
(٢١٠٨٧) - أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، وأبو زكريا بن أبي
إسحاق، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأ الربيع بن سليمان، أنبأ
الشافعيّ، أنبأ أنس بن عياض، عن هشام بن عروة (ح)، وأخبرنا أبو عبد الله
الحافظ، أخبرني أبو الوليد، ثنا إبراهيم بن أبي طالب، ثنا أبو كريب، ثنا
وكيع، وابن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﴿نا، قالت:
جاءت هند إلى رسول الله وس﴿، فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل
شحيح، ولا ينفق عليّ، ولا على وَلَدِي ما يكفيني وبَنِيّ، أفآخذ من ماله، وهو
لا يشعر؟ فقال: ((خذي ما يكفيك، وولدك بالمعروف)».
وفي رواية أنس بن عياض: ((وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما
أخذت منه سرّاً، وهو لا يعلم، فهل عليّ في ذلك من شيء؟))، ثم ذكره.
انتھی(١).
وقد ساق ابن أبي شيبة تَخْثُ في ((مصنّفه))، رواية وكيع، عن هشام
مفردة، فقال:
(٢٢٠٨٢) - حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا وكيع، قال: حدّثنا هشام بن
عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: جاءت هند إلى النبيّ وَّر، فقالت: يا
رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، فلا يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما
أخذت من ماله، وهو لا يعلم، فقال: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)).
(٢)
انتھی
ورواية عبد العزيز بن محمد الدراورديّ، عن هشام، ساقها البيهقيّ دَّثُ
في «سننه الکبری)»، فقال:
(٢٠٢٧٦) - أخبرنا أبو الحسن عليّ بن أحمد بن عبدان، أنبأ سليمان بن
أحمد الطبرانيّ، ثنا عليّ بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن هشام
(ح)، وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني عليّ بن عيسى بن إبراهيم، ثنا
(١) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ٢٧٠/١٠.
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٥٦/٤.

٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
جعفر بن محمد بن الحسين، وإبراهيم بن عليّ قالا: ثنا يحيى بن يحيى، أنبأ
عبد العزيز بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة صوتًا أنها
قالت: جاءت هند أم معاوية إلى رسول الله وَله، فقالت: إن أبا سفيان رجل
شحيح، وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه، وهو لا يعلم،
فهل عليّ في ذلك من شيء؟ فقال لها النبيّ وَلهو: ((خذي ما يكفيك، وبنيك
بالمعروف))، لفظ حديث عبد العزيز. انتهى(١).
وأما رواية الضحاك بن عثمان، عن هشام، فلم أجد من ساقها، فليُنظر،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَّفُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٧١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَتْ مِنْدٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِ،
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلُ خِيَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ
يُذِلَّهُمُ اللهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، وَمَا عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ
يُعِزَّهُمُ اللهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِ: ((وَأَيْضاً وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ»، ثُمَّ
قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مُمْسِكٌ، فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أَنْفِقَ عَلَى
عِبَالِهِ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرٍ إِذْنِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّهِ: ((لَا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُنْفِقِي عَلَيْهِمْ
بِالْمَعْرُوفِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم ذُكروا في الباب وقبله.
وقولها: (مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ ... إلخ) ((الخِباء)) بكسر
الخاء المعجمة، وتخفيف الموحّدة، مع المدّ: هي خيمة من وَبَر، أو صوف،
ثم أُطلقت على البيت كيفما كان، ذكره في ((الفتح))(٢).
وقال القاضي عياض تَّثُ: أرادت بقولها: ((أهل خباء)) نفسه وَّةِ، فكَنَتْ
(١) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ١٤١/١٠.
(٢) ((الفتح)) ٥٣٢/٨، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٨٢٥).

٧٩
(٤) - بَابُ قَضِيَّةِ هِنْدٍ - حديث رقم (٤٤٧١)
عنه بأهل الخباء إجلالاً له وَسليه، قال: ويَحْتَمِل أن تريد بأهل الخباء أهل بيته،
والخباء يُعَبَّر به عن مسكن الرجل وداره. انتهى(١).
وقوله ◌َ﴾: ((وَأَيْضاً وَالَّذِي نَفْسِي بِبَدِهِ))) قال القاضي عياض تَذْتُ:
معناه: وستزيدين من ذلك، ويتمكّن الإيمان من قلبكِ، ويزيد حبك لله
ولرسوله وَّ، ويَقْوَى رجوعك عن بغضه، وأصل هذه اللفظة: آض يئيض
أيضاً: إذا رجع. انتهى(٢).
وقال الفيّوميّ تَخْلُهُ: آض يئيض أيضاً، مثل باع يبيع بيعاً: إذا رجع،
فقولهم: افعل ذلك أيضاً: معناه: افعله عَوْداً إلى ما تقدّم. انتهى (٣).
[فائدة]: في إعراب ((أيضاً)): قال ابن عابدين في ((الفوائد العجيبة)):
قولهم: أيضاً، ذكر ابن هشام في رسالة له أن جماعةً توهّموا أن ((أيضاً))
منصوب على الحال من ضمير ((قال))، وأن التقدير: وقال أيضاً؛ أي: راجعاً
إلى القول، وهذا لا يحسُن تقديره إلا إذا كان هذا القول صدر من القائل بعد
صدور القول السابق له، وليس ذلك بشرط، بل تقول: قلت اليوم كذا، وقلته
أمس أيضاً، وكتبت اليوم، وكتبت أمس أيضاً، قال: والذي يظهر لي أنه
مفعول مطلق حُذف عامله، أو حال، حُذف عاملها، وصاحبها؛ أي: أرجع
إلى الإخبار رجوعاً، ولا أقتصر على ما قدّمتُ، أو أُخبر راجعاً، فهذا هو
الذي يستمرّ في جميع المواضع، ومما يُؤْنِسُك بأن العامل محذوف أنك تقول:
عنده مال، وأيضاً عِلْم، فلا يكون قبلها ما يصلح للعمل فيها، فلا بدّ حينئذ من
التقدير.
(واعلم): أنها إنما تُستعمل في شيئين بينهما توافق، ويُغْني كلّ منهما عن
الآخَر، فلا يجوز: جاء زيد أيضاً، ولا: جاء زيد، ومضى عمرو أيضاً، ولا:
اختصم زيد وعمرو أيضاً. انتهى ملخّصاً (٤).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((قال: وأيضاً والذي نفسي بيده)): قال ابن
(١) ((إكمال المعلم)) ٥٦٦/٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٩/١٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ٣٣/١.
(٤) ((الفوائد العجيبة في إعراب الكلمات الغريبة)) ٣٣١/٢ - ٣٣٢.

٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
التين: فيه تصديق لها فيما ذَكَرَته، كأنه رأى أن المعنى: وأنا أيضاً بالنسبة إليك
مثل ذلك.
وتُعُقّب من جهة طرفي البغض والحب، فقد كان في المشركين من كان
أشدّ أذى للنبيّ وَلّ من هند وأهلها، وكان في المسلمين بعدَ أن أسلمت مَن هو
أحبّ إلى النبيّ وَّ منها ومن أهلها، فلا يمكن حمل الخبر على ظاهره.
وقال غيره: المعنى بقوله: ((وأيضاً)): ستزيدين في المحبة كلما تمكن
الإيمان من قلبك، وترجعين عن البغض المذكور حتى لا يبقى له أثرٌ، فـ((أيضاً))
خاصّ بما يتعلق بها، لا أن المراد بها: إني كنت في حقّك كما ذَكَرتِ في
البغض، ثم صِرْت على خلافه في الحبّ، بل ساكت عن ذلك، ولا يَعْكُر على
هذا قوله في بعض الروايات: ((وأنا)) إن ثبتت الرواية بذلك. انتهى(١).
وفي الحديث دلالة على وُفور عقل هند، وحسن تأتّيها في المخاطبة،
ويؤخذ منه أن صاحب الحاجة يُستحب له أن يُقَدِّم بين يدي نجواه اعتذاراً إذا
كان في نفس الذي يخاطبه عليه مَوْجِدة، وأن المعتَذِر يُستحب له أن يقدِّم ما
يتأكد به صِدْقه عند من يَعْتَذر إليه؛ لأن هنداً قدمت الاعتراف بذِكْر ما كانت
عليه من البُغض؛ ليعلم صدقها فيما ادّعته من المحبة، وقد كانت هند في
منزلة أمهات نساء النبيّ وَر؛ لأن أم حبيبة إحدى زوجاته بنت زوجها أبي
سفيان(٢) .
وقال القرطبيّ تَخّْتُهُ: قول هند: ((يا رسول الله! والله ما كان على ظهر
الأرض أهل خباءٍ))؛ أي: أهل بيت، كما قد جاء مفسَّراً في بعض طرقه،
وسُمِّي البيت: خباءً؛ لأنَّه يخبَّأ ما فيه. والخباء في الأصل: مصدر. تقول:
خبأتُ الشيء خَبَاءً، وخِبَاءً. ووصفُ هند في هذا الحديث حالها في الكفر،
وما كانت عليه من بغض رسول الله وَ له وبغض أهل بيته، وما آلت إليه حالها
لمّا أسلمت، تَذَكُّرٌ لنعمة الله تعالى عليها بما أنقذها الله منه، وبما أوصلها
إليه، وتعظيم لحرمة رسول الله وَّله ولتنبسط فيما تريد أن تسأل عنه، ولتزول
(١) ((الفتح)) ٥٣٢/٨ - ٥٣٣، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٨٢٥).
(٢) ((الفتح)) ٥٣٣/٨، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٨٢٥).