النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ (٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُغَيِّرُ الْبَاطِنَ - حديث رقم (٤٤٦٥) و(البخاريّ) في ((المظالم والغصب)) (٢٤٥٨) و((الشهادات)) (٢٦٨٠) و((الحيل)) (٦٩٦٧) و((الأحكام)) (٧١٦٩ و٧١٨١)، و(أبو داود) في ((الأقضية)) (٣٥٨٣)، و(الترمذيّ) في ((الأحكام)) (١٣٣٩)، و(النسائيّ) في ((آداب القضاة)) (٥٤٠٣ و٥٤٢٤) و(«الكبرى» (٥٩٥٦ و٥٩٨٤)، و(ابن ماجه) في ((الأحكام)) (٢٣١٧)، و(مالك) في ((الموطأ)) (١٤٢٤)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (١٧٨/٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٣٣/٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٠٣/٦ و٢٩٠ - ٢٩١ و٣٠٧)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٦٠/٤)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٩٩٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٠٧٠)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٨٠٣/٢٣ و١٩٠٢ و٩٠٣)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٤/ ١٥٤) و((شرح مشكل الآثار)) (٣٢٩/١ و٣٣٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤/ ١٦٣ و١٦٤ و١٩٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٢٦/١٠ و٣٤٦ و٣٠٥/١٢ و٣٠٨)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢٣٩/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦٦/٦ و١٤٩/١٠)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢٥٠٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن حكم الحاكم على الظاهر، لا على باطن الأمور، فلا يُحلّ، حراماً، ولا يحرم حلالاً، قال الإمام الشافعي كَّتُهُ - لَمّا ذكر هذا الحديث -: فيه دلالة على أن الأمة إنما كُلِّفوا القضاء على الظاهر، وفيه أن قضاء القاضي لا يحرّم حلالاً، ولا يحل حراماً. انتهى. ٢ - (ومنها): بيان إثم من خاصم في باطل، حتى استحقّ به في الظاهر شيئاً هو في الباطن حرام عليه. ٣ - (ومنها): أن من ادّعى مالاً، ولم يكن له بينة، فحلف المدعَی علیه، وحكم الحاكم ببراءة الحالف، أنه لا يبرأ في الباطن، وأن المدعي لو أقام بينة بعد ذلك، تُنافي دعواه سُمعت، وبَطَل الحُكم. ٤ - (ومنها): أن من احتال لأمر باطل بوجه من وجوه الحيل، حتى يصير حقّاً في الظاهر، ويُحكَم له به، أنه لا يحل له تناوله في الباطن، ولا يرتفع عنه الإثم بالحكم. ٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية ٥ - (ومنها): أن المجتهد قد يخطىء، فَيُرَدُّ به على من زعم أن كل مجتهد مصيب . ٦ - (ومنها): أن المجتهد إذا أخطأ لا يلحقه إثم، بل يؤجر كما ثبت في حديث أبي هريرة ◌ُبه، مرفوعاً: ((إذا حكم الحاكم، فاجتهد، فأصاب، فله أجران، وإذا اجتهد، فأخطأ، فله أجر))، متّفقٌ عليه. ٧ - (ومنها): أنه ◌َّ* كان يقضي بالاجتهاد فيما لم يَنزل عليه فيه شيء، وخالف في ذلك قوم، وهذا الحديث من أصرح ما يُحتَجُّ به عليهم. ٨ - (ومنها): أنه ربما أداه اجتهاده إلى أمر، فيحكم به، ويكون في الباطن بخلاف ذلك، لكن مثل ذلك لو وقع، لم يُقَرَّ عليه بَِّ؛ لثبوت عصمته. واحتج من منع مطلقاً بأنه لو جاز وقوع الخطأ في حكمه، للزم أمر المكلفين بالخطأ؛ لثبوت الأمر باتباعه في جميع أحكامه، حتى قال تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٥]، وبأن الإجماع معصوم من الخطأ، فالرسول وَ﴿ أولى بذلك؛ لعلوّ رُتبته. [والجواب]: عن الأول: أن الأمر إذا استلزم إيقاع الخطإ، لا محذور فيه؛ لأنه موجود في حق المقلِّدين، فإنهم مأمورن باتباع المفتي والحاكم، ولو جاز عليه الخطأ . [والجواب]: عن الثاني: أن الملازمة مردودة، فإن الإجماع إذا فُرض وجوده دلّ على أن مُستَنَدهم ما جاء عن الرسول ◌َّ، فرجع الاتباع إلى الرسول وَله، لا إلى نفس الإجماع. ٩ - (ومنها): أن الحديث حجة لمن أثبت أنه قد يُحكم بالشيء في الظاهر، ويكون الأمر في الباطن بخلافه، ولا مانع من ذلك، إذ لا يلزم منه مُحال عقلاً، ولا نقلاً. وأجاب من منع بأن الحديث، يتعلّق بالحكومات الواقعة، في فصل الخصومات، المبنية على الإقرار، أو البينة، ولا مانع من وقوع ذلك فيها، ومع ذلك فلا يُقَرّ على الخطإ، وإنما الممتنعة أن يقع فيه الخطأ أن يُخبِر عن أمرٍ بأن الحكم الشرعيّ فيه كذا، ويكون ذلك ناشئاً عن اجتهاده، فإنه لا يكون الآية [النجم: ٣]. إلاَ حقّاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنَطِقُ عَنِ الْمَوَقَ (#) ٤٣ (٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُغَيِّرُ الْبَاطِنَ - حديث رقم (٤٤٦٥) [وأجيب]: بأن ذلك يستلزم الحكم الشرعيّ، فيعود الإشكال، كما كان، ومن حجج من أجاز ذلك قوله والجير: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم))، فيُحكم بإسلام من تلفظ بالشهادتين، ولو كان في نفس الأمر يُعتقد خلاف ذلك. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي ترجيح القول بثبوت الاجتهاد له وَ﴾، لوضوح الأدلة المذكورة، ولكنه لا يُقرّ على خطئه، ولا ينافي الآية [النجم: ٣]؛ لأن ذلك إذا أخبر ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنَطِقُ عَنِ الْمَوَءَ عن الله تُخَلَ، لا عن اجتهاداته. والحكمة في ذلك مع أنه كان يمكن اطّلاعه وَ ل * بالوحي على كل حكومة، أنه لما كان مُشَرِّعاً، كان يحكم بما شُرع للمكلِّفين، ويعتمده الحكام بعده، ومن ثَمَّ قال: ((إنما أنا بشر)): أي: في الحكم بمثل ما كُلّفوا به، وقد أشبعت الكلام في هذه المسألة في ((التحفة المرضيّة))، و((شرحها))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. قال الحافظ: وإلى هذه النكتة أشار البخاريّ بإيراده حديث عائشة في قصة ابن وليدة زَمْعَة، حيث حكم وَّ بالولد لعبد بن زمعة، وألحقه بزمعة، ثم لَمّا رأى شَبَهه بعتبة أمر سودة أن تحتجب منه؛ احتياطاً، ومثله قوله في قصة المتلاعِنَين، لمّا وَضَعت التي لوعنت، ولداً يُشبه الذي رُميت به: ((لولا الأيمان لكان لي ولها شأن))، فأشار البخاريّ إلى أنه ◌َلي حكم في ابن وليدة زمعة بالظاهر، ولو كان في نفس الأمر ليس من زمعة، ولا يسمى ذلك خطأ في الاجتهاد، ولا هو من موارد الاختلاف في ذلك، وسَبَقه إلى ذلك الشافعيّ، فإنه لَمّا تكلم على حديث الباب قال: وفيه أن الحكم بين الناس يقع على ما يُسمع من الخصمين بما لَفَظوا به، وإن كان يُمكن أن يكون في قلوبهم غير ذلك، وأنه لا يُقضَى على أحد بغير ما لَفَظ به، فمن فعل ذلك فقد خالف كتاب الله، وسُنَّة نبيه وَّهِ، قال: ومثل هذا قضاؤه لعبد بن زمعة بابن الوليدة، فلما رأى الشبه بَيِّناً بعتبة، قال: ((احتجبي منه يا سودة)). انتهى. قال الحافظ: ولعل السر في قوله: ((إنما أنا بشر)) امتثال قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَأْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠]؛ أي: في إجراء الأحكام على الظاهر، ٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية الذي يَستوي فيه جميع المكلفين، فأُمر أن يَحكم بمثل ما أُمروا أن يحكموا به؛ ليتم الاقتداء به، وتطيب نفوس العباد للانقياد إلى الأحكام الظاهرة، من غير نظر إلى الباطن. والحاصل أن هنا مقامين: [أحدهما]: طريق الحكم، وهو الذي كُلِّف المجتهد بالتبصر فيه، وبه يتعلق الخطأ والصواب، وفيه البحث. [والآخر]: ما يُبطنه الخصم، ولا يطلع عليه إلا الله، ومن شاء من رسله، فلم یقع التكليف به. ١٠ - (ومنها): أنه استُدِلَّ بالحديث لمن قال: إن الحاكم لا يحكم بعلمه، بدليل الحصر في قوله: ((إنما أقضي له بما أسمع)). ١١ - (ومنها): أن التعمق في البلاغة بحيث يحصل اقتدار صاحبها على تزيين الباطن في صورة الحق، وعكسه مذموم، فإن المراد بقوله: ((أبلغ))؛ أي: أكثر بلاغةً، ولو كان ذلك في التوصل إلى الحق لم يذمّ، وإنما يُذمّ من ذلك ما يُتوصل به إلى الباطل في صورة الحق، فالبلاغة إذن لا تُذمّ لذاتها، وإنما تذم بحسب التعلق الذي يُمدح بسببه، وهي في حد ذاتها ممدوحة، وهذا كما يذم صاحبها إذا طرأ عليه بسببها الإعجاب، وتحقير غيره، ممن لم يصل إلى درجته، ولا سيما إن كان الغير من أهل الصلاح، فإن البلاغة إنما تذم من هذه الحيثية، بحسب ما ينشأ عنها من الأمور الخارجية عنها، ولا فرق في ذلك بين البلاغة، وغيرها، بل كل فتنة توصِل إلى المطلوب محمودة في حد ذاتها، وقد تُدم، أو تُمدح بحسب متعلقها . [تنبيه]: اختلف في تعريف البلاغة، فقيل: أن يبلغ بعبارة لسانه، كُنْهَ ما في قلبه. وقيل: إيصال المعنى إلى الغير بأحسن لفظ. وقيل: الإيجاز مع الإفهام، والتصرف من غير إضمار. وقيل: قليل لا يبهم، وكثير لا يسأم. وقيل: إجمال اللفظ، واتساع المعنى. وقيل: تقليل اللفظ، وتكثير المعنى. وقيل: حُسن الإيجاز مع إصابة المعنى. وقيل: سهولة اللفظ مع البديهة. وقيل: لمحة دالة، أو كلمة تكشف عن البغية. وقيل: الإيجاز من غير عجز، والإطناب من غير خطأ. وقيل: النطق في موضعه، والسكوت في موضعه. ٤٥ (٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُغَيِّرُ الْبَاطِنَ - حديث رقم (٤٤٦٥) وقيل: معرفة الفصل والوصل. وقيل: الكلام الدال أوله على آخره وعكسه. وهذا كله عن المتقدِّمين. وعَرَّف أهل المعاني والبيان البلاغة بأنها: ((مطابقة الكلام لمقتضى الحال والفصاحةُ))، وهي خلوّه عن التعقيد. وقالوا: المراد بالمطابقة: ما يحتاج إليه المتكلم، بحسب تفاوت المقامات، كالتأکید وحذفه، والحذف وعدمه، أو الإيجاز والإسهاب، ونحو ذلك. والله أعلم. ١٢ - (ومنها): الرد على من حَكَم بما يقع في خاطره، من غير استناد إلى أمر خارجيّ، من بيّنة ونحوها، واحتج بأن الشاهد المتصل به، أقوى من المنفصل عنه. ووجه الرد عليه كونه وّ ر، أعلى في ذلك من غيره مطلقاً، ومع ذلك فقد دل حديثه هذا على أنه إنما يَحكم بالظاهر في الأمور العامة، فلو كان المدعَى صحيحاً لكان الرسول أحق بذلك، فإنه أعلمَ أنه تجري الأحكام على ظاهرها، ولو كان يمكن أن الله يطلعه على غيب كل قضية، وسبب ذلك أن تشريع الأحكام واقع على يده، فكأنه أراد تعليم غيره من الحكام أن يعتمدوا ذلك، نعم لو شهدت البينة مثلاً بخلاف ما يعلمه علماً حسياً بمشاهدة، أو سماع يقينياً، أو ظنياً راجحاً، لم يَجُز له أن يحكم بما قامت به البينة، ونَقَل بعضهم الاتفاق، وإن وقع الاختلاف في القضاء بالعلم. ١٣ - (ومنها): أنه يستفاد من قوله: ((وتَوَخَّيا الحقّ)) جواز الإبراء من المجهول؛ لأن التوخي لا يكون في المعلوم. ١٤ - (ومنها): أن في الحديث أيضاً موعظةَ الإمام الخصومَ؛ ليعتمدوا الحق، والعمل بالنظر الراجح، وبناء الحكم عليه، وهو أمر إجماعي للحاكم والمفتي(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة)؛ في بيان أن حكم الحاكم لا يُحلّ حراماً، ولا يُحرّم حلالاً مطلقاً : قال ابن قدامة تَظْلَقُ: حكم الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته، في قول (١) راجع: ((الفتح)) ٧/١٧ - ١٢، كتاب ((الأحكام)) رقم (٧١٨١). ٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية جمهور العلماء، منهم: مالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، ومحمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة: إذا حكم الحاكم بعقد، أو فسخ أو طلاق، نفذ حكمه ظاهراً وباطناً، فلو أن رجلين تعمّدا الشهادة على رجل، أنه طلّق امرأته، فَقَبِلهما القاضي بظاهر عدالتهما، ففرَّق بين الزوجين، لجاز لأحد الشاهدين نكاحها، بعد انقضاء عدتها، وهو عالم بتعمّده الكذب، ولو أن رجلاً ادّعى نكاح امرأة، وهو يعلم أنه كاذب، وأقام شاهدي زور، فحَكَم الحاكم، حَلّت له بذلك، وصارت زوجته. قال ابن المنذر: وتفرّد أبو حنيفة، فقال: لو استأجرت امرأة شاهدين شهدا لها بطلاق زوجها، وهما يعلمان گذِبهما، وتزويرهما، فحَكَم الحاكم بطلاقها لحلَّ لها أن تتزوج، وحَلّ لأحد الشاهدين نكاحها، واحتج بما رُوي عن عليّ ◌َُّه، أن رجلاً ادّعى على امرأة نكاحها، فرفعها إلى عليّ ظُه، فشهد له شاهدان بذلك، فقضى بينهما بالزوجية، فقالت: والله ما تزوجني يا أمير المؤمنين، اعقد بيننا عقداً حتى أحل له، فقال: ((شاهداك زوّجاك))(١)، فدل على أن النكاح ثبت بحكمه، ولأن اللِّعان يَنفسخ به النكاح، وإن كان أحدهما كاذباً، فالحكم أولى. قال: ولنا قول النبيّ وَّ ه: ((إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحوٍ ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذ منه شيئاً، فإنما أقطع له قطعة من النار))، متّفقٌ عليه، وهذا يدخل فيه ما إذا ادّعى أنه اشترى منه شيئاً، فحُكم له، ولأنه حكمٌ بشهادة زور، فلا يحل له ما كان محرَّماً عليه، كالمال المُظْلَق، وأما الخبر عن عليّ رَظُه، إن صح فلا حجة لهم فيه؛ لأنه أضاف التزويج إلى الشاهدين، لا إلى حكمه، ولم يُجِبها إلى التزويج؛ لأن فيه طعناً على الشهود، فأما اللعان فإنما حصلت الفرقة به، لا بصدق الزوج، ولهذا لو قامت البينة به، لم ینفسخ النكاح. إذا ثبت هذا فإذا شهد على امرأة بنكاح، وحَكَم به الحاكم، ولم تكن (١) سيأتى أن أثر عليّ ضربه هذا غير ثابت، فتنبّه. ٤٧ (٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُغَيِّرُ الْبَاطِنَ - حديث رقم (٤٤٦٥) زوجته، فإنها لا تحل له، ويلزمها في الظاهر، وعليها أن تمتنع ما أمكنها، فإن أكرهها عليه، فالإثم عليه دونها، وإن وطئها الرجل، فقال أصحابنا، وبعض الشافعية: عليه الحدّ؛ لأنه وطئها، وهو يعلم أنها أجنبية، وقيل: لا حد عليه؛ لأنه وطءٌ مختلف في حِلّه، فيكون ذلك شبهة، وليس لها أن تتزوج غيره، وقال أصحاب الشافعيّ: تحل لزوج ثان، غير أنها ممنوعة منه في الحكم، وقال القاضي: يصح النكاح. ولنا أن هذا يفضي إلى الجمع بين الوطء للمرأة من اثنين: أحدهما يطؤها بحكم الظاهر، والآخر بحكم الباطن، وهذا فساد، فلا يُشرع، ولأنها منكوحة لهذا الذي قامت له البينة في قول بعض الأئمة، فلم يَجُز تزويجها لغيره، كالمتزوجة بغير ولي، وحكى أبو الخطاب عن أحمد، رواية أخرى مثل مذهب أبي حنيفة، في أن حكم الحاكم يزيل الفسوخ والعقود، والأول هو المذهب. انتهى (١). وقال في ((الفتح)): قال الطحاويّ: ذهب قوم إلى أن الحكم بتمليك مال، أو إزالة ملك، أو إثبات نكاح، أو فُرقة، أو نحو ذلك، إن كان في الباطن كما هو في الظاهر، نَفَذ على ما حكم به، وإن كان في الباطن، على خلاف ما استند إليه الحاكم، من الشهادة، أو غيرها، لم يكن الحكم موجباً للتمليك، ولا الإزالة، ولا النكاح، ولا الطلاق، ولا غيرها، وهو قول الجمهور، ومعهم أبو يوسف. وذهب آخرون إلى أن الحكم إن كان في مال، وكان الأمر في الباطن، بخلاف ما استند إليه الحاكم من الظاهر، لم يكن ذلك موجباً لحله، للمحكوم له، وإن كان في نكاح، أو طلاق، فإنه ينفذ باطناً وظاهراً، وحملوا حديث الباب، على ما ورد فيه، وهو المال، واحتجوا لِمَا عَدَاه بقصة المتلاعِنَيْن، فإنه وََّ فَرّق بين المتلاعنين مع احتمال أن يكون الرجل، قد صَدَق فيما رماها به. قال: فيؤخذ من هذا أن كلَّ قضاء، ليس فيه تمليك مال أنه على الظاهر، (١) ((المغني)) ٣٧/١٤ - ٣٩. ٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية ولو كان الباطن بخلافه، وأنّ حكم الحاكم يُحدِث في ذلك التحريم والتحليل، بخلاف الأموال. وتُعُقِّب بأن الفرقة في اللعان، إنما وقعت عقوبةً للعلم بأن أحدهما كاذب، وهو أصل برأسه، فلا يقاس عليه. وأجاب غيره من الحنفية، بأن ظاهر الحديث يدل على أن ذلك مخصوص، بما يتعلق بسماع كلام الخصم، حيث لا بينة هناك، ولا يمين، وليس النزاع فيه، وإنما النزاع في الحكم المرتَّب على الشهادة، وبأن ((مَنْ)) في قوله: ((فمن قضيت له)) شرطية، وهي لا تستلزم الوقوع، فيكون مِنْ فَرْضٍ ما لم يقع، وهو جائز فيما تعلق به غَرَضٌ، وهو هنا مُحْتَمِل لأن يكون للتهديد والزجر، عن الإقدام على أخذ أموال الناس باللَّسَن، والإبلاغ في الخصومة، وهو وإن جاز أن يستلزم عدم نفوذ الحكم باطناً، في العقود والفسوخ، لكنه لم يُسَق لذلك، فلا يكون فيه حجة لمن منع، وبأن الاحتجاج به، يستلزم أنه وتليه يُقَرُّ على الخطإ؛ لأنه لا يكون ما قضى به قطعة من النار، إلا إذا استمر الخطأ، وإلا فمتى فُرِض أنه يطَّلع عليه، فإنه يجب أن يُبطِل ذلك الحكم، ويَرُدّ الحق لمستحقه، وظاهر الحديث يخالف ذلك، فإما أن يسقط الاحتجاج به، ويُؤَوّل على ما تقدم، وإما أن يستلزم استمرار التقرير على الخطإ، وهو باطل. والجواب عن الأول: أنه خلاف الظاهر، وكذا الثاني، والجواب عن الثالث: أن الخطأ الذي لا يُقَرّ عليه هو الحكم الذي صدر عن اجتهاد فيما لم يُؤْحَ إليه فيه، وليس النزاع فيه، وإنما النزاع في الحكم الصادر منه بناء على شهادة زور، أو يمين فاجرة، فلا يسمى خطأ؛ للاتفاق على وجوب العمل بالشهادة، وبالأيمان، وإلا لكان الكثير من الأحكام يسمى خطأ، وليس كذلك، كما تقدمت الإشارة إليه في حديث: ((أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله))، وحديث: ((إني لم أُومر بالتنقيب عن قلوب الناس))، وعلى هذا فالحجة من الحديث ظاهرة، في شمول الخبر: الأموال، والعقود، والفسوخ، والله أعلم. ومن ثَمّ قال الشافعيّ: إنه لا فرق في دعوى حل الزوجة لمن أقام بتزويجها بشاهدي زور، وهو يعلم بكذبهما، وبين من ادّعى على حُرّ أنه في ٤٩ (٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ حُكْمَ الْحَالِمِ لَا يُغَيِّرُ الْبَاطِنَ - حديث رقم (٤٤٦٥) مُلكه، وأقام بذلك شاهدي زور، وهو يعلم حريته، فإذا حَكَم له الحاكم بأنه مُلكه، لم يحل له أن يسترقّه بالإجماع. قال النووي: والقول بأن حكم الحاكم يُحِلّ ظاهراً وباطناً مخالف لهذا الحديث الصحيح، وللإجماع السابق على قائله، ولقاعدةٍ أجمع العلماء عليها، ووافقهم القائل المذكور، وهو أن الأبضاع أولى بالاحتياط من الأموال. وقال ابن العربيّ: إن كان حاكماً نَفَذ على المحكوم له، أو عليه، وإن كان مفتياً لم يَحِل، فإن كان المفتي له مجتهداً، يرى بخلاف ما أفتاه به، لم يجز، وإلا جاز. والله أعلم. وقال القرطبيّ: شنَّعوا على من قال ذلك قديماً وحديثاً؛ لمخالفة الحديث الصحيح، ولأن فيه صيانة المال، وابتذال الفروج، وهي أحق أن يُحتاط لها وتُصان. واحتج بعض الحنفية بما جاء عن عليّ ظُبه أن رجلاً خطب امرأة فأبت، فادعى أنه تزوجها، وأقام شاهدين، فقالت المرأة: إنهما شهدا بالزور، فزوِّجني أنت منه، فقد رضيت، فقال: ((شاهداك زوَّجاك))، وأمضى عليها النكاح. وتُعُقّب بأنه لم يثبت عن علي ظُه، واحتج المذكور من حيث النظر، بأن الحاكم قضى بحجة شرعية، فيما له ولاية الإنشاء فيه، فجعل الإنشاء تحرزاً عن الحرام، والحديث صريح في المال، وليس النزاع فيه، فإن القاضي لا يملك دفع مال زيد إلى عمرو، ويملك إنشاء العقود والفسوخ، فإنه يملك بيع أمَة زيد مثلاً من عمرو، حال خوف الهلاك للحفظ، وحال الغَيْبة، ويملك إنشاء النكاح على الصغيرة، والفرقة على العنّين، فيجعل الحكم إنشاء؛ احترازاً عن الحرام، ولأنه لو لم ينفذ باطناً، فلو حكم بالطلاق لبقي حلالاً للزوج الأول باطناً، وللثاني ظاهراً، فلو ابتلى الثاني مثل ما ابتلى الأول، حَلّت للثالث، وهكذا فتحلّ لِجَمْع متعدد في زمن واحد، ولا يخفى فُحشه، بخلاف ما إذا قلنا بنفاذه باطناً، فإنها لا تحل إلا لواحد. انتهى. وتُعُقّب بأن الجمهور إنما قالوا في هذا: تحرم على الثاني مثلاً، إذا عَلِم أن الحُكم ترتَّب على شهادة الزور، فإذا اعتمد الحكم، وتعمَّد الدخول بها، فقد ارتكب مُحَرَّماً، كما لو كان الحكم بالمال فأكله، ولو ابتلى الثاني كان ٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية حكم الثالث كذلك، والفحش إنما لزم من الإقدام على تعاطي المحرَّم، فكان كما لو زَنَوْا ظاهراً، واحد بعد واحد. وقال ابن السمعانيّ: شرط صحة الحكم وجودُ الحجة، وإصابة المَحلّ، وإذا كانت البينة في نفس الأمر شهود زور، لم تحصل الحجة؛ لأن حجة الحكم هي البينة العادلة، فإن حقيقة الشهادة إظهار الحق، وحقيقة الحكم إنفاذ ذلك، وإذا كان الشهود كَذَبَةً، لم تكن شهادتهم حقاً، قال: فإن احتجوا بأن القاضي حَكُم بحجة شرعية، أمر الله بها، وهي البينة العادلة في عِلمه، ولم يكلّف بالاطلاع على صِدْقهم في باطن الأمر، فإذا حكم بشهادتهم، فقد امتثل ما أُمر به، فلو قلنا: لا يَنْفَذ في باطن الأمر، للزم إبطال ما وجب بالشرع؛ لأن صيانة الحكم عن الإبطال مطلوبة، فهو بمنزلة القاضي في مسألة اجتهادية، على مُجتَهِد لا يعتقد ذلك، وأنه يجب عليه قبول ذلك، وإن كان لا يعتقده؛ صيانةً للحكم. وأجاب ابن السمعاني، بأن هذه الحجة للنفوذ، ولهذا لا يأثم القاضي، وليس من ضرورة وجوب القضاء نفوذ القضاء حقيقة في باطن الأمر، وإنما يجب صيانة القضاء عن الإبطال إذا صادف حجة صحيحة، والله أعلم. انتھی(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من الحجج أن ما ذهب إليه الجمهور، من أن حديث الباب على إطلاقه، فيشمل جميع الأحكام عقوداً، وفسوخاً، وغير ذلك، أموالاً، وفروجاً هو الحقّ، وأن القول بالتفرقة بين المال والبُضع قول ضعيفٌ، بل باطلٌ؛ لمخالفته لهذا الحديث، وغيره، والله تعالى أعلم. ومن العجائب ما كتبه صاحب ((تكملة فتح الملهم)) في هذا المحلّ تأييداً لمذهبه الحنفيّ، مع ظهور ضَعفه، فقد تعصّب تعصّباً شديداً، قاتل الله التعصّب، وقد تقدّم قريباً أنه أحسن في مسألة خالف فيها مذهبه؛ للأدلة، إلا أنه وقع هنا في التعصّب الممقوت. (١) ((الفتح)) ١١/١٧، كتاب ((الأحكام)) رقم (٧١٨١). ٥١ (٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُغَيِّرُ الْبَاطِنَ - حديث رقم (٤٤٦٦) ومن أعجب ما صنعه أنه نقل عن صاحب ((الفتح)) عدم ثبوت أثر عليّ رَوُّه المتقدّم في قصّة المرأة، ثم تعقّبه نقلاً عن شيخه بأن محمد بن الحسن قال: بلغنا عن عليّ ... إلخ، ثم قال: وبهذا نأخذ، فقال: هذا دليل على ثبوت الرواية عند محمد بوجه يحتجّ به إلى آخر ما كتبه، فالعجب كيف يتعقّب قول صاحب ((الفتح)) بقول محمد: ((بلغنا))؟، فهل هذا طريق المحدثين في تصحيح الحديث؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون، هذا مبلغ علم المتعصّبين، نسأل الله تعالى السلامة والعافية. [فرع]: لو كان المحكوم له يعتقد خلاف ما حكم له به الحاكم، هل يحل له أخذ ما حكم له به، أو لا؟ كمن مات ابن ابنه، وترك أخاً شقيقاً، فرفعه لقاض يَرى في الجد رأي أبي بكر الصديق ظه، فحكم له بجميع الإرث، دون الشقيق، وكان الجد المذكور يرى رأي الجمهور، نقل ابن المنذر تَّقُ عن الأكثر أنه يجب على الجد أن يشارك الأخ الشقيق؛ عملاً بمعتقده، والخلاف في المسألة مشهور، ذكره في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [٤٤٦٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح)، وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ(٢)). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت٢٤٧)، وهو ابن (٨٧) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤، وهو أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، وهم تسعة، كما تقدّم. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبت، سنّيّ، من كبار [٩] (ت١٩٩)، وله (٨٤) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. (١) ((الفتح)) ١١/١٧ رقم (٧١٨١). (٢) وفي نسخة: ((بمثله)). ٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية و((ابن أبي شيبة)) ذُكر قبل حديث. [تنبيه]: رواية وكيع، عن هشام، ساقها ابن ماجه تكّثُ في ((سننه))، فقال : (٢٣١٧) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله وَلي: ((إنكم تختصمون إليّ، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي لكم على نحوٍ مما أسمع منكم، فمن قَضَيت له من حقّ أخيه شيئاً، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار، يأتي بها يوم القيامة)). انتهى (١). وأما رواية عبد الله بن نُمير، عن هشام بن عروة، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٤٦٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ زَيْتَبَ بِنْتٍ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ سَمِعَ جَلَبَةَ خَصْمِ بِبَابٍ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْتِنِي الْخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضُهُمْ (٢) أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَأَقْضِي لَهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقٌّ مُسْلِمٍ، فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلْيَحْمِلْهَا، أَوْ يَذَرْهَا))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ، فقيهٌ، عابد [٩] (ت١٩٧)، وله (٧٢) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. (١) ((سنن ابن ماجه)) ٢/ ٧٧٧. (٢) وفي نسخة: ((ولعلّ بعضكم)). ٥٣ (٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُغَيِّرُ الْبَاطِنَ - حديث رقم (٤٤٦٧) ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٩) أو بعدها (ع) تقدم في (المقدمة)) ١٤/٣. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة فقيه إمام مشهور، رأس الطبقة [٤] (ت١٢٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (سَمِعَ جَلَبَةَ خَصْم) ((الْجَلَبَة)) - بفتح الجيم، واللام، والموحّدة -: اختلاط الأصوات، وفي الروايَّة الآتية: (((اللَّجَبَةَ)) - بتقديم اللام على الجيم - وهي لغة في ((الجلبة)). و((الخَصْم)) - بفتح الخاء وسكون الصاد -: الجماعة المتخاصمون، وهو اسم مصدر يستوي فيه الواحد والجمع والمثنى، مذكراً ومؤنثاً، ويجوز جمعه وتثنيته، كما في رواية: ((خُصُوم))، وكما في قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج: ١٩]. وقوله: (بِبَابِ حُجْرَتِهِ) وفي رواية: ((عند بابه))، والحجرة المذكورة: هي منزل أم سلمة ﴿ها، كما وقع مفسّراً في رواية معمر الآتية. وقوله: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) ((البشر)): الخلق، يُطلق على الجماعة والواحد، بمعنى أنه منهم، والمراد أنه مشارك للبشر في أصل الخلقة، ولو زاد عليهم بالمزايا التي اختصّ بها في ذاته، وصفاته، والحصر هنا مجازي؛ لأنه يختص بالعلم الباطن، ويسمى قصر قلب؛ لأنه أتى به ردّاً على من زعم أنّ من كان رسولاً، فإنه يعلم كل غيب، حتى لا يخفى عليه المظلوم، قاله في ((الفتح)). وقال أبو العبّاس القرطبيّ تَخُّْهُ: قوله وَّه: ((إنما أنا بشرٌ)): تنبيه على أن أصل البشرية عدم العلم بالغيب، وبما يخفى من البواطن، إلا من أطلعه الله تعالى على شيء من ذلك، وعلى جواز الغلط والسهو عليهم، إلا من عصمه الله تعالى من ذلك، وقد كان الله تعالى قادراً أن يُطلع نبيّه وَّهِ على بواطن كلّ من يتخاصم إليه، فيحكم بخفيّ ذلك، ويُخبر به، كما اتّفق له في مواضع، كقصّة حاطب بن أبي بلتعة، وحديث فَضالة بن عُمير، وذلك أنه أراد قتل النبيّ وَّ﴾، وهو يطوف بالبيت، قال: فلما دنوت منه، قال: ((أفضالةُ؟))، قلت: نعم، قال: ٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية ((ما كنت تحدّث به نفسك؟))، قلت: لا شيء، فضحك، وأخبرني بذلك، واستغفر لي، ووضع يده على صدري، فسكن قلبي، وغير ذلك من الوقائع التي أخبر بها، فؤُجدت كما أخبر، وكما اتّفق ذلك للخضرلعلّلا في قصّة السفينة، والغلام، والجدار، لكن إنما كان ذلك للأنبياء من جملة كراماتهم، ومعجزاتهم، ولم يجعل الله ذلك طريقاً عامّاً، ولا قاعدة كلّيّةً، لا لهم، ولا لغيرهم؛ لاستمرار العادة بأنّ ذلك لا يقع من غير الأنبياء، ولأن وقوع ذلك من الأنبياء نادرٌ، وتلك سُنّة الله، ولن تجد لسُنَّة الله تبديلاً . قال القرطبيّ: وقد شاهدت بعض الممخرقين، وسمعنا منهم أنهم يُعرضون عن القواعد الشرعيّة، ويحكمون بالخواطر القلبيّة، ويقول: الشاهد المتّصل بي أعدل من الشاهد المنفصل عنّي، وهذه مخرقةٌ أبرزتها زندقة، يُقتَل صاحبها، ولا يُستتاب من غير شكّ، ولا ارتياب. وهذا خير البشر النبيّ وَل يقول في مثل هذا الموطن: ((إنما أنا بشر))، معترفاً بالقصور عن إدراك المغيّبات، وعاملاً بما نصبه الله تعالى له من الأيمان والبيّنات. انتهى كلام القرطبيّ كَذَتْهُ(١). [تنبيه]: مما ينبغي أن يُتنبّه له أن هذا الحديث فيه بيان واضح، وردّ فاضح، على غلاة الصوفيّة، وجَهَلتهم، حيث إنهم يصفون النبيّ وَ﴿ بما لا يليق أن يوصف به، فيقولون: إنه ليس كالبشر، بل هو أرفع من ذلك، يعلم الغيب، وأنه يحضر كلّ مجالسهم، ويقضي حوائجهم، بل صرّح بعضهم بأنه وَل لم يخرج من الدنيا حتى أعلمه الله تعالى الخمس التي استأثر الله تعالى بعلمها، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية [لقمان: ٣٤]، وكلّ هذا من الخرافات، والضلالات، فالنبيّ وَط ﴿ أرفع عند الله تعالى قدراً، ولكنه بشر، فلا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله، فعليك أيها العاقل أن تتنصّل من هذه الاعتقادات الفاسدة، وتصحّح عقيدتك على ضوء الكتاب والسُّنّة، فلا تصف النبيّ وَّ بما لم يثبت له في النصوص، ولا تَغْلُ في ذلك، فقد قال الله رَّ: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِىِ دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا (١) ((المفهم)) ١٥٣/٥ - ١٥٤. ٥٥ (٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُغَيِّرُ الْبَاطِنَ - حديث رقم (٤٤٦٧) اُلْحَقِّ﴾ الآية [النساء: ١٧١]، وقال ◌َّ: ((لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله))، متّفق عليه. وبالجملة فهذا الأمر من الأخطار التي سوّلها الشيطان لأوليائه، وأوقعهم في شبكتها، وهنّاهم، ومنّاهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله، فالواجب على العاقل الانتباه لها، والحذر، والتحذير منها، ﴿رَبَّا لَا تُرْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ ﴾ [آل عمران: ٨]، اللهم أرنا الحقّ حقّاً، لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ فَّ وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، آمين. وقوله: (فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ): هذا يُؤْذِن أن في الكلام حذفاً تقديره: وهو في الباطن كاذب، وفي رواية معمر: ((فأظنه صادقاً)). وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((فأحسب أنه صادق)) فيه دليل على العمل بالظنون، وبناء الأحكام عليها، وهو أمرٌ لم يُختلف فيه في حقّ الحاكم والمفتي. انتهى (١). وقوله: (فَأَقْضِي لَهُ) وفي رواية البخاريّ: ((فأقضي له بذلك))، وفي رواية أبي داود من طريق الثوريّ: ((فأقضي له عليه على نحوٍ مما أسمع))، وفي رواية عبد الله بن رافع: ((إني إنما أقضي بينكم برأيي، فيما لم يُنزل عليَّ فيه)). وقوله: (بِحَقِّ مُسْلِم) قال النوويّ ◌َّتُهُ: التقييد بالمسلم خرج على الغالب، وليس المراد به الاحتراز من الكافر، فإن مال الذميّ، والمعاهد، والمرتدّ في هذا کَمالِ المسلم. انتهى(٢). وقوله: (فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ) الضمير للحالة، أو القصّة، وقال القرطبيّ كَّتُهُ: أي: ما يأخذه بغير حقّه سبب يوصل آخذه إلى النار، وهو تمثيل يُفهم منه شدّة العذاب والتنكيل. انتهى(٣). وقوله: (فَلْيَحْمِلْهَا) هو بمعنى قوله في الرواية الأخرى: ((فليأخذها)). وقوله: (أَوْ يَذَرْهَا) ؛ أي: يتركها . (١) «المفهم)) ١٥٨/٥. (٣) ((المفهم)) ١٥٨/٥. (٢) ((شرح النوويّ)) ٦/١٢ - ٧. ٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((فليحملها، أو يذرها)) لفظه لفظ الأمر، ومعناه التهديد والوعيد. انتهى(١). والحديث متفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبیان مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّل الكتاب قال: [٤٤٦٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِح (ح)، وحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ يُونُسَ، وَفِي حَدِيثٍ مَعْمَرٍ: قَالَتْ: سَمِعَ النَِّيُّ وَّ﴿ لَجَبَةَ خَصْم بِبَابٍ أُمِّ سَلَمَةَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، ثقة حافظٌ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. ٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] (ت١٨٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. ٤ - (صَالِحُ) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد (١٣٠) أو (١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤١. ٥ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسّيّ، أبو محمد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧. ٦ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ، صاحب ((المصنّف))، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. (١) ((المفهم)) ١٥٩/٥. ٥٧ (٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُغَيِّرُ الْبَاطِنَ - حديث رقم (٤٤٦٨) ٧ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. و ((الزهريّ)) ذُكر قبله. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ) ضمير التثنية لصالح بن كيسان، ومعمر بن راشد. [تنبيه]: رواية صالح بن كيسان، عن الزهريّ هذه ساقها البخاريّ ◌َّتُهُ في ((صحيحه))، فقال: (٢٣٢٦) - حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن زينب بنت أم سلمة أخبرته، أن أمها أم سلمة رضيها زوج النبيّ وَّه أخبرتها، عن رسول الله وَله أنه سَمِع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: ((إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صَدَقَ، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها، أو فليتركها)). انتهى(١). ورواية معمر، عن الزهريّ، ساقها الإمام أحمد رَّتُ في ((مسنده))، فقال: (٢٦٦٦٨) - حدثنا عبد الله (٢)، حدّثني أبي، ثنا عبد الرزاق، قال: ثنا معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن زينب ابنة أبي سلمة، عن أم سلمة، قالت: سمع رسول الله وَّ لَجَبَة خصم عند باب أم سلمة، قالت: فخرج إليهم، فقال: ((إنكم تختصمون، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون أعلم بحجته من بعض، فأقضي له بما أسمع منه، فأظنه صادقاً، فمن قضيت له بشيء من حقّ أخيه، فإنها قطعة من النار، فليأخذها، أو لِيَدَعْهَا)). انتهى(٣)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١) ((صحيح البخاريّ)) ٢/ ٨٦٧. (٢) هو ولد الإمام أحمد راوي ((المسند)) عنه. (٣) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٠٨/٦. ٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية (٤) - (بَابُ قَضِيَّةِ هِنْدٍ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٤٦٩] (١٧١٤) - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَتْ مِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحُ، لَا يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي، وَيَكْفِي بَنِيَّ، إِلَّ مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ، مَا يَكْفِيكِ، وَيَكْفِي بَنِيك))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت٢٤٤)، وقد قارب المائة (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِلِ، ثقةٌ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. ٣ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين رضيُنا تقدمت في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٣١٥. والباقيان تقدّما في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه، فمروزيّ، وابن مسهر، فكوفيّ، وأن فيه الابن عن أبيه، عن خالته، ورواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة ينا من المكثرين السبعة، روت من الأحاديث (٢٢١٠)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ◌ِّنا أنها (قَالَتْ: دَخَلَتْ مِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ) يجوز صرف ((هند))، وعدم صرفه؛ لكونه ساكن الوسط، ومنعُهُ أولى؛ لوجود العلّتين: العَلَميّة والتأنيث، وإن كان سكون الوسط قابَلَ أحدهما، كما قال في ((الخلاصة)): ٥٩ (٤) - بَابُ قَضِيَّةِ هِنْدٍ - حديث رقم (٤٤٦٩) وَجْهَانِ فِي الْعَادِمِ تَذْكِيراً سَبَقْ وَعُجْمَةً كَـ«مِنْدَ)) وَالْمَنْعُ أَحَقٌ وهي: هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، وفي رواية الشافعيّ، عن أنس بن عياض، عن هشام: ((أن هنداً أم معاوية))، وكانت(١) هند لَمّا قُتل أبوها عُتبة، وعمها شيبة، وأخوها الوليد يوم بدر، شَقّ عليها، فلما كان يوم أُحد، وقُتل حمزة فَرِحت بذلك، وعَمَدت إلى بطنه فشقّتها، وأخذت كبده فَلاكَتْها، ثم لَفَظَتْها، فلما كان يوم الفتح، ودخل أبو سفيان مكّة مسلماً، بعد أن أسرته خيل النبيّ ◌َ ﴿ تلك الليلة، فأجاره العباس، غَضِبت هند لأجل إسلامه، وأخذت بلحيته، ثم إنها بعد استقرار النبيّ وَل بمكة جاءت، فأسلمت، وبايعت، وقالت له: يا رسول الله، ما كان على ظهر الأرض من أهل خباء، أحب إليّ أن يَذِلّوا من أهل خبائك، وما على ظهر الأرض اليومَ أهل خباء أحب إليّ أن يَعِزّوا من أهل خبائك، فقال: ((أيضاً، والذي نفسي بيده))، ثم قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان ... إلخ. وذكر ابن عبد البر: أنها ماتت في المحرم، سنة أربع عشرة، يوم مات أبو قُحافة، والد أبي بكر الصديق رًُّا . وأخرج ابن سعد في ((الطبقات)): ما يدل على أنها عاشت بعد ذلك، فَرَوَى عن الواقديّ، عن ابن أبي سبرة، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم: أن عمر استعمل معاوية على عمل أخيه، فلم يزل والياً لعمر حتى قُتل، واستُخلف عثمان، فأقره على عمله، وأفرده بولاية الشام جميعاً، وشخص أبو سفيان إلى معاوية، ومعه ابناه: عتبة، وعنبسة، فكتبت هند إلى معاوية: قد قَدِم عليك (١) هي والدة معاوية، قُتل أبوها ببدر، وشهدت مع زوجها أبي سفيان أُحُداً، وحَرَّضت على قتل حمزة عمّ النبيّ وَّ؛ لكونه قتل عمها شيبة، وشارك في قتل أبيها عتبة، فقتله وحشيّ بن حرب، ثم أسلمت هند يوم الفتح، وكانت من عُقلاء النساء، وكانت قبل أبي سفيان عند الفاكه بن المغيرة المخزوميّ، ثم طلّقها في قصة جرت، فتزوجها أبو سفيان، فأنجبت عنده، وهي القائلة للنبيّ وَله لَمّا شرط على النساء في المبايعة: ((ولا يسرقن، ولا يزنين)): وهل تزني الحرة؟ وماتت هند في خلافة عمر ظته، ذكره في ((الفتح)) في ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٨٢٥). ٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية أبوك وأخواك، فاحمل أباك على فرس، وأعطه أربعة آلاف درهم، واحمل عتبة على بغل، وأعطه ألفي درهم، واحمل عنبسة على حمار، وأعطه ألف درهم، ففعل ذلك، فقال أبو سفيان: أشهد بالله، أن هذا عن رأي هند. وكان عتبة منها، وعنبسة من غيرها، أمه عاتكة بنت أبي أُزيهر الأزديّ، وفي ((الأمثال)) للميداني: أنها عاشت بعد وفاة أبي سفيان، فإنه ذكر قصة فيها: أن رجلاً سأل معاوية أن يزوجه أمه، فقال: إنها قعدت عن الولد، وكانت وفاة أبي سفيان في خلافة عثمان، سنة اثنتين وثلاثين. ذكره في ((الفتح)) (١). وقوله: (امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ) بدل من ((هند))، (عَلَى رَسُولِ اللهِ وَلَّ) متعلّق بـ((دخلت))، (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ) هو صَخْر بن حَرْب بن أمية بن عبد شمس، وهو زوجها، وكان قد رَأَس في قريش بعد وقعة بدر، وسار بهم في أُحُد، وساق الأحزاب يوم الخندق، ثم أسلم ليلة الفتح، ومات سنة (٣٢)، وقيل: بعدها، وقد تقدّمت ترجمته في ((الزكاة)) ٢٤٤٣/٤٤. (رَجُلٌ شَحِيحٌ) الشُّخُ: البُخْل مع حرص، والشح أعمّ من البخل؛ لأن البخل يختص بمنع المال، والشح بكل شيء، وقيل: الشح لازم كالطبع، والبخل غير لازم. وفي رواية معمر التالية: ((رجل مُمْسِك))، وفي رواية ابن أخي الزهريّ الثالثة: ((رجل مِسِّيك))، وسيأتي البحث فيه هناك. قال القرطبيّ ◌َثَّثُ: لم تُرد هند وصف أبي سفيان بالشحّ في جميع أحواله، وإنما وصفت حالها معه، وأنه كان يُقَتِّر عليها، وعلى أولادها، وهذا لا يستلزم البخل مطلقاً، فإن كثيراً من الرؤساء يفعل ذلك مع أهله، ويُؤْثِر الأجانب استئلافاً لهم. وسيأتي قريباً ذكر سبب لقول هند هذا، إن شاء الله تعالى. وقوله: (لَا يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ) بيان لمعنى شُحّه، وقوله: (مَا يَكْفِينِي) ((ما)) موصولة مفعول ((يُعطي))، (وَيَكْفِي بَنِيَّ) جمع ابن، أصله: بنين لي، فأُضيف إلى ياء المتكلّم، فحُذفت نون الجمع، واللام، وأدغمت الياء في الياء، وفُتحت، كما قال في ((الخلاصة)): (١) ((الفتح)) ٢٦٥/١٢ - ٢٦٦، كتاب ((النفقات)) رقم (٥٣٦٤).