النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
(١) - بَابٌ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ - حديث رقم (٤٤٦٣)
ومنها: إذا ادعى رجل على امرأة نكاحاً، لم يجب له عليها اليمين في
ذلك، قال سحنون منهم: إلا أن يكونا طارئین.
ومنها: أن بعض الأمناء - ممن يَجعل القول قوله - لا يوجبون عليه يميناً.
ومنها: دعوى المرأة طلاقاً على الزوج.
وكل من خالفهم في شيء من هذا يستدل بعموم هذا الحديث. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما ذهب إليه الجمهور هو
الأرجح؛ لعموم حديث الباب، والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): ما تقدّم في قصّة المرأتين، أن فيه مشروعيّة وَعْظ من تتوجّه
عليه اليمين بالآية الكريمة، ونحوها؛ ليرتدع عن الإقدام على اليمين الكاذبة،
كما اتّفق لهذه المرأة، فقد اعترفت لَمّا وعظوها بالآية.
٧ - (ومنها): أن في أمر ابن عبّاس ﴿ه بتلاوة الآية الإشارة إلى
العمل بعموم الآية، دون النظر إلى خصوص سببها، فإنها كما تقدّم نزلت
في الأشعث بن قيس به كانت بينه وبين رجل أرض، فجحده إياها، وقد
تقدّمت قصّته في ((المساقاة))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٦٣] (.) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ،
عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنٍ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَضَى
بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (نَافِعُ بْنُ عُمَرَ) بن عبد الله بن جَمِيل بن عامر بن حِذْيَم بن سلامان بن
ربيعة بن سعد بن جُمَح الْجُمَحيّ المكيّ الحافظ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] تقدم
في ((المقدمة)) ٢٢/٤.
(١) ((إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام)) ١٦١/٣ - ١٦٢.

٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن
عثمان العبسيّ الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، صاحب تصانيف [١٠]
(ت٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/ ١.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩]
(ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٧/١.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة، وله الفضل والنعمة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾.
(٢) - (بَابُ الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٦٤] (١٧١٢) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ
نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا زَيْدٌ - وَهُوَ ابْنُ حُبَابٍ - حَدَّثَنِي سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَخْبَرَنِي
قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَضَى
بِمِينٍ وَشَاهِدٍ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ،
ثقةٌ حافظ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٢ - (زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ) أبو الحسين الْعُكليّ، أصله من خُراسان، وكان
بالكوفة، صدوقٌ يُخطىء في حديث الثوريّ [٩] (ت٢٠٣) (م ٤) تقدم في
((الطهارة)) ٦/ ٥٦٠.
٣ - (سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ) أو ابن أبي سليمان المخزوميّ المكيّ، ثم
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، [٦] مات بالبصرة بعد (١٥٠) (خ م د س ق)
تقدم في ((الصلاة)) ١٦/ ٩٠٦.

٢٣
(٢) - بَابُ الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ - حديث رقم (٤٤٦٤)
٤ - (قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ) المكيّ، أبو عبد الملك، أو أبو عبد الله
الحبشيّ، ثقةٌ [٦] مات سنة بضع عشرة ومائة (خت م د س ق) تقدم في
((المقدمة)) ٢١/٤.
٥ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الْجُمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ
ثبتٌ [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٤/٢١.
والباقيان ذُكرا في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه مسلسل بالمکیین من سیف، والباقون کوفیّون، وفیه ابن عبّاس
تقدّم الكلام فيه قبل حدیث.
شرح الحديث:
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ)؛ أي:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍٍ)
حَكَم بيمين المدّعي مع شاهد واحد، والحقّ أن هذا تقعيد لقاعدة عامّة
يُعمل بها دائماً، لا كما يقول بعضهم: هذه قضيّة عين، لا عموم لها،
وقال القرطبيّ ◌َُّ: ظاهره: أنَّه وَّهِ حكم في قضية معيَّنة تُحُوكِمَ عنده فيها
بيمين وشاهد، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك عبارة عن تقعيد هذه القاعدة، فكأنه
قال: أوجب رسول الله * الحكم باليمين والشاهد، ومِمَّا يشهد لهذا
التأويل: ما زاده أبو داود في حديث ابن عباس ﴿يا: ((أن رسول الله وليد
قضى بشاهد ويمين في الحقوق))، وهذا الذي يظهر من حديث أبي
هريرة ظبه الذي قال فيه: ((قضى رسول الله (وَ ل﴿ باليمين مع الشاهد))، فعلى
الظاهر الأول من حديث مسلم لا يكون له عموم؛ لأنَّها قضيَّة في عين،
وعلى زيادة أبي داود، وظاهر حديث أبي هريرة يكون له عموم. انتهى كلام
القرطبيّ(١).
(١) ((المفهم)) ١٥٠/٥ - ١٥١.

٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن كون الحديث من باب تقعيد
القواعد هو الحقّ؛ لِمَا يشهد له من رواية أبي داود، ومن حديث أبي
هريرة ، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الثالثة - إن شاء الله
تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﴿مّ هذا من أفراد المصنّف ◌َّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤٦٤/٢] (١٧١٢)، و(أبو داود) في
((الأقضية)) (٣٦٠٨)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٦٠١١ و٦٠١٢)، و(ابن
ماجه) في ((الأحكام)) (٢٣٧٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٨/٦ و٧/
٣٠٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٨/١ و٣١٥ و٣٢٣)، و(أبو يعلى) في
(مسنده)) (٣٩٠/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٦٦/٧)، و(أبو عوانة) في
(مسنده)) (٥٥/٤ و٥٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٧٢/١٠)، والله تعالى
أعلم.
[تنبيه]: قال العلامة ابن الملقّن تَخْلَثُ في كتابه ((البدر المنير)): هذا
الحديث - أعني ((قضى بشاهد ويمين)) ـ رواه جماعة من الصحابة، قال
الماورديّ: رواه من الصحابة عن رسول الله وَلقر ثمانية: عليّ، وابن عبّاس،
وأبو هريرة، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأُبيّ بن
كعب، وزيد بن ثابت، وسعد بن عبادة.
قال ابن الملقّن: قلت: بل رواه من الصحابة أكثر من عشرين
صحابيّاً، قال ابن الجوزيّ في ((تحقيقه)): عن النبيّ وَلقر أنه ((قضى بشاهد
ويمين)): عمر بن الخطّاب، وعليّ، وأبو هريرة، وابن عبّاس، وجابر، وابن
عمر، وابن عمرو، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدريّ، وسعد بن عبادة،
وعامر بن ربيعة، وسهل بن سعد، وعُمارة بن حزم، والمغيرة بن شعبة،
وبلال بن الحارث، وسلمة بن قيس، وأنس بن مالك، وتميم الداريّ،
وزبيب بن ثعلبة، وسُرَّق.

٢٥
(٢) - بَابُ الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ - حديث رقم (٤٤٦٤)
قال المنذريّ: و((زُبيب)) - بضمّ الزاي، وفتح الباء الموحّدة، ثم مثنّاة
تحتُ ساكنة، ثم باء موحّدة - قال الحاكم في ((علوم الحديث)): ليس في الرواة
من يُسمَّى بهذا الاسم غيره.
واعتَرَض المنذريّ عليه، فقال: ذكر بعضهم أنه من الأسماء المفردة،
وفيه نظرٌ، وفي الرواة من اسمه زُبيب غيره على خلاف فيه، قال: وقد قيل في
زبيب بن ثعلبة: زُنيب - بالنون - قاله ابن منده في ((مستخرجه)).
وفي الباب أيضاً عن أم سلمة.
قال ابن الملقّن: فتلخّص من كل ذلك أن جملة الصحابة الذين رووه
اثنان وعشرون.
ورواه الحافظ أبو سعيد محمد بن عليّ بن عمر في ((كتاب الشهود
بشهادة رجل ويمين الطالب))، رواه من طريق عبد الله بن يزيد مولى
المنبعث، عن رجل من أهل مصر، عن سُرَّق، وهو ابن أسد. انتهى كلام
ابن الملقّن ◌َّهُ(١).
(المسألة الثالثة): في الكلام على هذا الحديث:
قال الحافظ الزيلعيّ نَّثُ في كتابه ((نصب الراية)) - عند الكلام في مسألة
القضاء بشاهد ويمين - ما حاصله: قال به مالك، وأحمد، والشافعيّ،
وحجتهم في ذلك حديث ابن عباس، أخرجه مسلم، عن سيف بن سليمان،
أخبرني قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس: ((أن رسول الله وَلتر
قضی بیمین وشاهد)). انتھی.
وأخرجه أبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وأخرجه أبو داود أيضاً عن
عبد الرزاق، أنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، بإسناده ومعناه، قال
عمر: وفي الحقوق. انتهى.
(١) ((البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير)) ٦٦٩/٩ - ٦٧٠.

٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
قال النسائي: وقيس بن سعد ثقة، وسيف بن سليمان ثقة، وأخرجه
الدار قطنيّ، ثم البيهقيّ في ((سننيهما))، ووثّق البيهقيّ سيف بن سليمان نقلاً
عن يحيى القطان، وأسند عن الشافعيّ أنه قال: حديث ابن عباس ثابت
عن رسول الله وَ﴿ لا يَرُدّ أحد من أهل العلم مثله، لو لم يكن فيها
غيره، مع أن غيره يشهد له، قال الشافعيّ: واليمين مع الشاهد لا يخالف
من ظاهر القرآن شيئاً؛ لأنا نحكم بشاهدين، وبشاهد وامرأتين ولا يمين،
فإذا كان شاهدٌ حكمنا بشاهد ويمين، وليس هذا بخلاف ظاهر القرآن؛
لأنه لم يُحَرِّم أن يجوز أقل مما نص عليه في كتابه، ورسول الله وَلقر أعلم
بمعنى ما أراد الله، وقد أمرنا الله تعالى أن نأخذ ما آتانا، وننتهي عما
نهانا. انتهى.
وقال ابن عبد البر: هذا حديث صحيح لا مطعن لأحد في إسناده،
ولا خلاف بين أهل العلم في صحته، وقد رُوي القضاء باليمين والشاهد
عن النبيّ ( 18 من حديث أبي هريرة، وعمر، وابن عمر، وعليّ، وابن
عباس، وزيد بن ثابت، وجابر بن عبد الله، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن
عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وعمارة بن حزم، وسُرَّق بأسانيد
حسان.
قال: والجواب(١) عن حديث ابن عباس من وجهين:
أحدهما: أنه معلول بالانقطاع، قال الترمذيّ في ((علله الكبير)): وسألت
محمداً عن هذا الحديث فقال: إن عمرو بن دينار لم يسمعه من ابن عباس.
انتھی.
قلت(٢): ويدل على ذلك ما أخرجه الدارقطنيّ، عن عبد الله بن محمد بن
أبي ربيعة، ثنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن
(١) يعني الجواب من جهة الحنفيّة، ومن قال بقولهم، ممن لا يرى العمل بشاهد
ویمین .
(٢) القائل هو الزيلعيّ.

٢٧
(٢) - بَابُ الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ - حديث رقم (٤٤٦٤)
عباس: ((أن النبيّ وَّ))، فذكره، قال الدارقطنيّ: وخالفه عبد الرزاق فلم يذكر
طاوساً، ومنهم من زاد جابر بن زيد، ورواية الثقات لا تعلِّل برواية الضعفاء.
انتھی.
وقال الطحاويّ: لا أعلم قيس بن سعد يحدث عن عمرو بن دينار بشيء
- يعني: فيصير فيه انقطاعان - قال ابن القطان في ((كتابه)): وهذا الحديث - وإن
کان مسلم قد أخرجه في «صحيحه)) عن قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار،
عن ابن عباس - فهو يُرْمَى بالانقطاع في موضعين، قال الترمذيّ: قال
البخاريّ: عمرو بن دينار لم يسمع من ابن عباس هذا الحديث، وقال
الطحاويّ: قيس بن سعد لا نعلمه يحدّث عن عمرو بن دينار بشيء، وقد أخرج
الدارقطنيّ في ((سننه)) ما يوافق قول البخاريّ، عن عبد الله بن محمد بن ربيعة،
ثنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، قال:
قضى عل باليمين مع الشاهد الواحد، ولكن هذه الرواية لا تصح من جهة
عبد الله بن محمد بن ربيعة، وهو القدامي، يروي عن مالك، وهو متروك، قاله
الدار قطني. انتهى كلامه.
قال الجامع عفا الله عنه: فتبيّن بهذا أن إعلال الحديث بالانقطاع لا
يصحّ، فتنبّه.
وقال البيهقيّ في ((المعرفة)): قال الطحاويّ: لا أعلم قيس بن سعد
يحدّث عن عمرو بن دينار بشيء، وهذا مدخول، فإن قيساً ثقة أخرج له
الشيخان في (صحيحيهما))، وقال ابن المديني: هو أثبت، وإذا كان الراوي
ثقة، وروی حدیثاً عن شیخ یحتمله سنّه، ولَقِیه، وکان غیر معروف بالتدلیس
وجب قبوله، وقد روى قيس بن سعد عمن هو أكبر سنّاً وأقدم موتاً من عمرو بن
دینار، کعطاء بن أبي رباح، ومجاهد بن جبر، وقد روی عن عمرو بن دينار من
كان في قرن قيس، وأقدم لُقِيّاً منه، كأيوب السختيانيّ، فإنه رأى أنس بن
مالك، وروى عن سعيد بن جبير، ثم روى عن عمرو بن دينار، فكيف يُنكر
رواية قيس بن سعد عن عمرو بن دينار؟ غير أنه روى ما يخالف مذهبه، ولم
يجد له مطعناً سوى ذلك.

٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
وقد روى جرير بن حازم - وهو ثقة - عن قيس بن سعد، عن عمرو بن
دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن رجلاً وَقَصَتْه ناقة، وهو مُحْرِم،
فذكر الحديث، فقد علمنا قيساً روى عن عمرو بن دينار غير حديث: اليمين مع
الشاهد، ثم قد تابع قيساً على روايته هذه: محمد بن مسلم الطائفيّ، ثم ساقه
من طريق أبي داود بسنده عن محمد بن مسلم الطائفيّ، عن عمرو بن دينار،
عن ابن عباس بلفظ حديث قيس، ثم قال: وقد رُوي من وجه آخر، ثم ساق
من طريق الشافعيّ، ثنا إبراهيم بن محمد الأسلميّ، عن ربيعة بن عثمان، عن
معاذ بن عبد الرحمن، عن ابن عباس: ((أن رسول الله وَ﴿ قضى باليمين مع
الشاهد)). انتهى.
الجواب الثاني(١): أن الحديث على تقدير صحته لا يفيد العموم، قال
الإمام فخر الدين: قول الصحابيّ: نَهَى النبيّ وَّر عن كذا، وقضى بكذا، لا
يفيد العموم؛ لأن الحجة في المحكيّ، لا في الحكاية، والمحكي قد يكون
خاصّاً، وأيضاً فالقضاء له معانٍ، أقربها في هذا الموضع ((فصل الخصومات))،
وهذا مما يتعيّن فيه الخصوص؛ إذ لا يتأتى فيه الحكم بكل شاهد من النبيّ وَليه
إلى قيام الساعة، بل إنما يقضي بشاهد خاصّ، وعلى هذا يكون الراوي قد
اعتَمَد على قرينة الحال الدالة على أن المراد بالشاهد واليمين حقيقة الجنس،
لا استغراق الجنس، ويكون معناه أنه ظلّ قضى بجنس الشاهد، وجنس
الیمین.
وقد يُعْتَرض على هذا بما وقع في الترمذيّ، وسنن الدارقطنيّ، ثم
البيهقيّ: ((أنه علّ قضى باليمين مع الشاهد الواحد)»، وأخرج الدارقطنيّ، ثم
البيهقيّ، عن عليّ: ((أن النبيّ وَلّ قضى بشهادة شاهد واحد، ويمين صاحب
الحقّ))، وأخرج الدارقطنيّ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه عبد الله بن
عمرو، قال: قال رسول الله وَله: ((قضى الله ورسوله في الحقّ بشاهدين، فإن
جاء بشاهدين أخذ حقّه، وإن جاء بشاهد واحد حَلَف مع شاهده)).
(١) أي من جوابي الحنفيّة ونحوهم الذين لا يرون العمل بحديث الشاهد واليمين.

٢٩
(٢) - بَابُ الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ - حديث رقم (٤٤٦٤)
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن حديث ((قضى بشاهد ويمين))
بيان لقاعدة كلّية تعمّ الأمة كلها، وليس واقعة عين فقط، فتبصّر، والله تعالى
أعلم.
ثم ذكر الزيلعيّ كَّثُ الأحاديث التي وردت عن بعض الصحابة بمعنى
حديث ابن عبّاس ﴿ها المذكور في الباب، فقال:
فحديث أبي هريرة: أخرجه أبو داود في ((القضاء))، والترمذيّ، وابن
ماجه في ((الأحكام)) عن عبد العزيز بن محمد الدراورديّ، عن ربيعة بن أبي
عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: ((أن النبيّ وَّلـ
قضی بالیمین مع الشاهد). انتهى.
قال الترمذيّ: حديث حسن غريب، وأخرجه أبو داود أيضاً عن
سليمان بن بلال، عن ربيعة بإسناده نحوه، وزاد فيه: قال سليمان: فلقيت
سهيلاً، فسألته عن هذا الحديث، فقال: ما أعرفه، فقلت: إن ربيعة أخبرني به
عنك، فقال: إن كان ربيعة أخبرك به عني، فحدِّث به عن ربيعة عني، قال:
وكان سهيل أصابته عِلّة أذهبت بعض عقله، ونسي بعض حديثه، فكان سهيل
بعدُ یحدِّث به عن ربيعة عنه، عن أبيه. انتهى.
وحديث جابر: فأخرجه الترمذيّ، وابن ماجه، عن عبد الوهاب الثقفيّ،
عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: ((أن النبيّ وَ * قضى باليمين مع
الشاهد)). انتهى.
ثم أخرجه الترمذيّ عن إسماعيل بن جعفر، عن جعفر بن محمد، عن
أبيه: ((أن النبيّ وَ ﴿ قضى باليمين مع الشاهد الواحد، قال: وقضى به عليّ
فيكم))، قال الترمذيّ: وهذا أصح، وهكذا روى سفيان الثوريّ، عن جعفر بن
محمد، عن أبيه، عن النبيّ وَل﴿ مرسلاً، ورواه عبد العزيز بن أبي سلمة،
ويحيى بن سليم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عليّ، عن النبيّ ◌َّهِ.
انتھی.
وحديث سعد بن عبادة: رواه الترمذيّ: حدّثنا يعقوب بن إبراهيم
الدَّوْرقيّ، عن عبد العزيز بن محمد الدراورديّ، عن ربيعة بن أبي

=
٣٠
F
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
عبد الرحمن، قال: أخبرني ابن سعد بن عبادة، قال: وجدنا في كتاب
سعد: ((أن النبيّ ( ﴿ قضى باليمين مع الشاهد)». انتهى، ورواه الطبراني في
((معجمه) .
وحديث سُرَّق: رواه ابن ماجه في ((سننه)): حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة،
عن يزيد بن هارون، عن جويرية بن أسماء، عن عبد الله بن يزيد مولى
المنبعث، عن رجل من أهل مصر، عن سُرَّق: ((أن النبيّ ◌َ ﴿ أجاز شهادة
رجل، ويمين الطالب)). انتهى.
وحديث عليّ الذي أشار إليه الترمذيّ: أخرجه الدارقطنيّ في ((سننه)) عن
: ((أن
عبد العزيز بن أبي سلمة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عليّ
النبيّ وَ ﴿ قضى بشهادة شاهد واحد، ويمين صاحب الحقّ، وقضى به عليّ
بالعراق)). انتهى، وهذا إسناد منقطع، فإن محمد بن علي بن الحسين لم يُدرك
جدّ أبيه عليّ بن أبي طالب، وقد أطال الدارقطنيّ الكلام على هذا الحديث في
(كتاب العلل)) قال: وكان جعفر بن محمد ربما أرسل هذا الحديث، وربما
وصله عن جابر؛ لأن جماعة من الثقات حفظوه عن أبيه، عن جابر، والقول
قولهم؛ لأنهم زادوا وَهُم ثقات، وزيادة الثقة مقبولة. انتهى.
وأخرجه الدار قطنيّ، ثم البيهقيّ عن عليّ: ((أن رسول الله وَله، وأبا بكر،
وعمر، وعثمان، كانوا يقضون بشهادة الشاهد الواحد، ويمين المدعي)). انتهى
ما كتبه الحافظ الزيلعيّ ◌َُّ(١)، وهو بحث مفيدٌ.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تلخّص مما سبق أن حديث ابن عبّاس
المذكور في الباب: ((أن رسول الله ﴿ ﴿ قضى بيمين وشاهد)) حديث صحيح،
كما هو رأي مسلم، والمحقّقين، وأن المطاعن التي وُجهت نحوه لا قيمة لها،
ولا سيّما، وهو مرويّ عن جماعة من الصحابة ﴿، كما سَلَف آنفاً.
وقد أجاد صاحب ((تكملة فتح الملهم)) (٢) في شرحه لهذا الكتاب هنا،
حيث رجّح العمل بهذا الحديث، وردّ ما ردّ به الحنفيّة عليه، مع أنه كثير
(١) ((نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية)) ٩٦/٤ - ١٠٠.
(٢) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٥٥٨/٢ - ٥٦٥.

٣١
(٢) - بَابُ الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ - حديث رقم (٤٤٦٤)
المناضلة لمذهبه الحنفيّ، إلا أنه دقّق في دراسة أحاديث الباب، فتوصّل إلى
تصويب مذهب الجمهور، ويا ليته سلك هذا المسلك في جميع الأبواب، فإنه
واجب كلّ مسلم، إذا صحت سُنَّة رسول الله وَطيِ أن يقبلها، ولا يدفعها، وإن
خالفها أهل مذهبه، بل وكلّ الناس قاطبة، إلا بحجة تسوّغ مخالفتها، فإن
السُّنّة حجة قائمة بنفسها، لا تحتاج إلى من يدعمها، كما صرّح به الشافعيّ
وغيره، فتبصّر بالإنصاف، نسأل الله تعالى أن يهدينا سبيل الرشاد، ويُبعدنا عن
طريق الغيّ والعناد، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في القضاء بشاهد ويمين:
قال النوويّ كَّتُهُ: اختَلَف العلماء في ذلك، فقال أبو حنيفة كَّلُهُ،
والكوفيون، والشعبيّ، والْحَكَم، والأوزاعيّ، والليث، والأندلسيون من
أصحاب مالك: لا يُحْكّم بشاهد ويمين في شيء من الأحكام.
وقال جمهور علماء الإسلام، من الصحابة، والتابعين، ومَنْ بعدهم، من
علماء الأمصار: يُقضَى بشاهد ويمين المدعِي في الأموال، وما يُقصد به
الأموال، وبه قال أبو بكر الصديق، وعليّ، وعمر بن عبد العزيز، ومالك،
والشافعيّ، وأحمد، وفقهاء المدينة، وسائر علماء الحجاز، ومعظم علماء
الأمصار
وحجتهم أنه جاءت أحاديث كثيرة في هذه المسألة، من رواية عليّ، وابن
عباس، وزيد بن ثابت، وجابر، وأبي هريرة، وعُمارة بن حزم، وسعد بن
عبادة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة ، قال الحفاظ:
أصح أحاديث الباب حديث ابن عباس، قال ابن عبد البرّ: لا مطعن لأحد في
إسناده، قال: ولا خلاف بين أهل المعرفة في صحته، قال: وحديث أبي
هريرة، وجابر، وغيرهما حِسَان، والله أعلم بالصواب. انتهى(١).
وقال القرطبيّ كَّهُ: أحاديث هذا الباب كلُّها حِجَّة للجمهور على
الكوفيين، والأوزاعيّ، والنَّخعيّ، وابن أبي ليلى، والزهريّ، والليث،
والْحَكَم، والشعبيّ، حيث نَفَوا الْحُكْم بالشاهد واليمين، ونَقَضوا حُكم من
(١) ((شرح النوويّ)) ٤/١٢.

٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
حَكم به، وبَدَّعُوه، وقال الحكم: الشاهد واليمين بدعة، وأول من حكم به
معاوية.
قلت(١): يا للعجب! ولِضَيعة العلم والأدب! كيف ردَّ هؤلاء القوم هذه
الأحاديث مع صحتها، وشهرتها؟! وكيف اجترؤوا على تبديع من عَمِل بها حتى
نقضوا حكمه، واستقصروا علمه؟ مع أنَّه قد عَمِل بذلك الخلفاء الراشدون
وغيرهم: أبو بكر، وعمر، وعليّ، وأُبَيّ بن كعب، ومعاوية، وشُريح، وعمر بن
عبد العزيز، - وكتب به إلى عمَّاله -، وإياس بن معاوية، وأبو سلمة بن
عبد الرحمن، وأبو الزناد، وربيعة. ولذلك قال مالك: وإنَّه ليكفي من ذلك ما
مضى من السُّنة، أترى هؤلاء تُنْقَض أحكامهم، ويُحكم ببدعتهم؟ !.
قالوا: والذي حَمَل هؤلاء المانعين على هذا اللَّجَاج ما اغترُّوا به من
واهن الحِجَاج، وذلك أنَّهم وقع لهم: أن الْحُكْم باليمين مع الشاهد زيادة على
نصِّ قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ
وَأَمْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ووجه تمسُّكهم: أنها حاصرة للوجوه التي يُستحَقُّ بها
المالُ، نصٌّ في ذلك، والزيادة على ذلك نَسْخ، ونَسْخ القاطع بخبر الواحد لا
يجوز إجماعاً، والقضاء بالشاهد واليمين إنَّما جاء بخبر الواحد فلا يُقبل.
والجواب: منعُ كون الزيادة على النصِّ نسخاً؛ إذ الجمع بين النصّ
والزيادة يصحّ، وليس ذلك نسخاً لحكم شرعيّ، كما بيَّنَّه في الأصول.
سلَّمناه، لكن لا نُسلِّم: أن الآية نصّ في حصر ذلك؛ لأنَّ ذلك يَبْطُل
بنكول المطلوب، ويمين الطالب، فإن ذلك يُستَحَق به المال إجماعاً، وهذا معنى
ما أشار إليه مالك في ((الموطأ)»، وهو واضح، ثمَّ نقول بموجب الآية؛ إذ نصُّها
الأمر بمن يستشهد في المعاملات، لا ما يُقضى به عند الدَّعاوي والخصومات.
انتهى كلام القرطبيّ ◌َّفُ(٢)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
وقد حقّق(٣) الإمام أبو عمر بن عبد البرّ نَّثُ هذا الموضع في كتابه
(١) القائل هو القرطبيّ
(٢) ((المفهم)) ١٥٢/٥ - ١٥٣.
(٣) وقد أجاد ابن حزم تتُّ أيضاً في الردّ على هؤلاء الذين ردّوا حديث: ((قضى
بشاهد ويمين)) في كتاب ((المحلّى))، فراجعه ٩/ ٤٠٤ - ٤٠٥.

٣٣
(٢) - بَابُ الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ - حديث رقم (٤٤٦٤)
((التمهيد))، فقال - بعد ذكر الأحاديث المرفوعة - ما حاصله:
قال أبو عمر: أصحّ إسناد لهذا الحديث إسناد حديث ابن عباس، وأما
حديث أبي هريرة، وحديث جعفر بن محمد، وغيرها فَحِسان، وإنما ذكرنا في
هذا الباب الآثار المرفوعة لا غير، ولو ذكرنا الأسانيد عمن قَضَى بذلك من
الصحابة، والتابعين، وعلماء المسلمين لطال ذلك.
وممن رُوي عنه القضاء باليمين مع الشاهد منصوصاً من الصحابة: أبو
بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وأَبَيّ بن كعب، وعبد الله بن عمر، وإن كان في
الأسانيد عنهم ضعف، فإنّا لم نذكرهم على سبيل الحجة؛ لأن الحجة قد لَزِمت
بالسُّنَّة الثابتة، ولا تحتاج السُّنَّة إلى من يتابعها؛ لأن من خالفها محجوج بها،
ولم يأت عن أحد من الصحابة أنه أنكر اليمين مع الشاهد، بل جاء عنهم
القول به، وعلى القول به جمهور التابعين بالمدينة: سعيد بن المسيِّب، وأبو
سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، وعروة، وسالم، وأبو بكر بن
عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله، وخارجة بن زيد، وسليمان بن يسار،
وعليّ بن حسين، وأبو جعفر محمد بن عليّ، وأبو الزناد، وعمر بن عبد العزيز،
ولم يُختَلَف عن واحد من هؤلاء في ذلك، إلا عروة، فإنه اختُلِف فيه عنه،
وكذلك اختُلف فيه عن ابن شهاب، فقال معمر: سألت الزهريّ عن اليمين مع
الشاهد، فقال: هذا شيء أحدثه الناس، لا بُدّ من شهيدين، وقد رُوي عنه أنه
أول ما وَلِي القضاء حَكَمَ بشاهد ويمين، وبه قال مالك، وأصحابه، والشافعيّ،
وأتباعه، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد، وأبو ثور،
وداود بن عليّ، وجماعة أهل الأثر، وهو الذي لا يجوز عندي خلافه؛ لتواتر
الآثار به عن النبيّ بَّهِ، وعَمَل أهل المدينة به قرناً بعد قرن، وقال مالك تَّهُ:
يُقْضَى باليمين مع الشاهد في كل البلدان، ولم يَحتَجّ في ((موطئه)) لمسألة
غيرها، ولم يُختَلَف عنه في القضاء باليمين مع الشاهد، ولا عن أحد من
أصحابه بالمدينة، ومصر، وغيرها، ولا يَعرف المالكيون في كل بلد غير ذلك
من مذهبهم، إلا عندنا بالأندلس، فإن يحيى بن يحيى تركه، وزَعَم أنه لم ير
الليث بن سعد يفتي به، ولا يذهب إليه، وخالف يحيى مالكاً في ذلك، مع
خلافه السُّنَّةَ، والعملَ بدار الهجرة، وقد كان مالك يقول: لا يقضى بالعُهْدة في

٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
الرقيق إلا بالمدينة خاصّةً، أو على من اشتُرِطت عليه، ويُقْضَى باليمين مع
الشاهد الواحد في كل بلد، وقد أفرد الشافعيّ تَخُّْ لذلك كتاباً بَيَّنَ فيه الحجة
على من ردّه، وأكثر من ذلك أصحابه.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ، والأوزاعيّ: لا يُقضَى باليمين مع
الشاهد الواحد، وهو قول عطاء، والحكم بن عتيبة، وطائفة، وزعم عطاء أن
أول من قضى به عبد الملك بن مروان، وهذا غلطٌ، وظنٌّ لا يغني من الحقّ
شيئاً، وليس من نَفَى وجَهِلَ، كمن أثبت وعَلِم، وقد ذكرنا من سمَّينا من
الصحابة، والتابعين، وليس فيهم من يَدَعُ عِلْمه لعبد الملك بن مروان، وقد ذكر
عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة أن مروان قضى بشهادة ابن
عمر وحده لبني صهيب - يعني: مع أيمانهم -.
وزَعَم بعض من رَدّ اليمين مع الشاهد أن الحديث المروي فيه منسوخ
بقول الله رَ: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنٍ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، قالوا: ولم
يقل: فإن لم يكن رجل وامرأتان فشهادة ويمين.
ومن حجتهم أيضاً أن اليمين إنما جُعِلت للنفي، لا للإثبات، وجعلها
النبيّ ◌َِّ على المدعَى عليه، فلا سبيل للمدعِي إليها.
قال أبو عمر: وفي هذا إغفال شديد، وذهابٌ عن طريق النظر والعلم
وما في قول لك: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمٌّ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ
وَأَمْرَأَتَانِ﴾ ما يُرَدّ به قضاء رسول الله وَّل في اليمين مع الشاهد، وإنما في هذا
أن الحقوق يُتوصل إلى أخذها بذلك، وليس في الآية أنه لا يُتوصل إليها، ولا
تُستَحَقّ إلا بما ذُكر فيها لا غير، واليمين مع الشاهد زيادة حُكم على لسان
رسول الله وص له، كنهيه وَلقول عن نكاح المرأة على عمتها، وعلى خالتها، مع
قول الله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وكنهيه بَّر عن أكل لحوم
الْحُمُر، وكلِّ ذي ناب من السباع، مع قول الله رَى: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَا أُوْحِىَ
إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥]، وكالمسح على الخفين،
والقرآن إنما وَرَدَ بغسل الرجلين، أو مسحهما، ومثل هذا كثير، ولو جاز أن
يقال: إن القرآن نَسَخَ حكم رسول الله وَّ باليمين مع الشاهد، لجاز أن يقال:
إن القرآن في قوله رَّ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرِّبَوْ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وفي قوله:

٣٥
(٢) - بَابُ الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ - حديث رقم (٤٤٦٤)
﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِحَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ناسخ لنهيه وَ لّ عن
المزابنة، وبيع الْغَرَر، وبيع ما لم يُخلَق إلى سائر ما نَهَى عنه في البيوع، ولجاز
أن يقال: إن قول الله رَك: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةُ﴾ [التوبة: ١٠٣] ناسخ لقول
رسول الله : ((لا صدقة في الخيل والرقيق))، وهذا لا يسوغ لأحد؛ لأن
السُّنَّة مُبَيِّنة للكتاب، زائدة عليه، ما(١) أَذِنَ الله لرسوله وَليه في الحكم به، ولو
جاز ذلك لارتفع البيان، والله رَك يقول: ﴿وَأَنْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا
نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، والله يَفترِض في كتابه، وعلى لسان رسوله وَل﴾ ما
شاء .
وقد أمر الله بطاعة رسوله و ﴿ أمراً مطلقاً، وأخبر أنه لا ينطق عن الهوى
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى ﴾ [النجم: ٤]، وقال ◌َله: ((أوتيت الكتاب، ومثله
معه))، وقال رَمّ: ﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِىِ بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اَللَّهِ وَاَلْحِكْمَةِ﴾
[الأحزاب: ٣٤]، قالوا: القرآن والسُّنَّة.
ومن القياس والنظر: أنّا وجدنا اليمين أقوى من المرأتين؛ لأنهما لا
مدخل لهما في اللِّعان، واليمين تدخل في اللعان، ولَمّا أثبت أن يُحكَم بشهادة
امرأتين ورجل في الأموال، كان كذلك اليمين مع شهادة رجل.
وفي الأصول: أن من قَوِيَ سببه حَلَفَ واستَحَقّ، ألا ترى أن الشيء إذا
كان في يد أحد حَلَف صاحب اليد، فكذلك الشاهد الواحد.
وما ذكروا من أن الزيادة من حُكم النبيّ وَّ منسوخة بآية الدَّين ينتقض
عليهم بالإقرار، والنكول، ومعاقر القِمْط، وأنصاب اللَّبِن والجذوع الموضوعة
في الحيطان، فإنهم قد حَكَموا بكل ذلك، وليس مذكوراً في الآية، فإذا
استجازوا أن يستحسنوا، ويزيدوا على النصّ ذلك كله استحساناً، فكيف
ينكرون الزيادة عليه بالأخبار الثابتة عن النبيّ وَّ ر، وعن الخلفاء، وجمهور
العلماء، وصحيح الأثر والنظر؟ والأمر في هذا أوضح من أن يُحتاج فيه إلى
إكثار، وفيما ذكرنا منه كفاية لمن فَهِمَ، وبالله التوفيق. انتهى كلام ابن
عبد البرّ ◌َخْدَثُمُ(٢).
(١) ((ما)) بدل من ((الكتاب)).
(٢) ((التمهيد)) ١٥٣/٢ - ١٥٦.

٣٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الإمام ابن عبد البرّ كَّلُهُ في هذا
البحث، وحقّق الموضوع تحقيقاً بالغاً.
وخلاصته أن الحقّ ما ذهب إليه الجمهور من العمل بحديث الباب، وهو
القضاء بشاهد واحد، ويمين المدّعِي؛ لصحّة الأحاديث في ذلك، وسُنّة
رسول الله 38 إذا صحّت فهي الحجة بنفسها، لا تحتاج إلى من يدعمها بالعمل
بها، كما تقدّم عن الإمام الشافعيّ رَُّ، فكيف وقد قال بمقتضاها الجمهور؟،
فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(٣) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِم لَا يُغَيِّرُ الْبَاطِنَ)
[٤٤٦٥] (١٧١٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى الَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ،
عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ
مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ(١) مِنْهُ، فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ
شَيْئاً، فَلاَ يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠]
(ت٢٢٦) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس
لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، ورمي بالإرجاء، من كبار [٩]
(ت١٩٥)، وله (٨٢) سنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير الأسديّ، أبو عبد الله، أو أبو المنذر
المدنيّ، ثقةٌ فقيه، ربّما دلّس [٥] (ت٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
ج١ ص٣٥٠.
٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ
(١) وفي نسخة: ((على ما أسمع)).

٣٧
(٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِم لَا يُغَيِّرُ الْبَاطِنَ - حديث رقم (٤٤٦٥)
ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في (شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٠٧.
٥ - (زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله بن عبد الأسد المخزوميّة، ربيبة النبيّ وَّ،
الصحابيّة بنت الصحابيين، ماتت سنة (٧٣) (ع) تقدمت في ((الحيض)) ٦٨٩/٢.
٦ - (أُمُّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميّة حذيفة، أو سُهيل بن المغيرة بن
عبد الله بن عُمر بن المغيرة بن مخزوم المخزوميّ، أم المؤمنين، تزوجها
النبيّ وَل سنة أربع، وقيل: ثلاث، وعاشت بعد ذلك ستين سنة، ماتت سنة
(٦٢) على الأصحّ (ع) تقدمت في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٧٣.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه مسلسل بالمدنیین، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وشيخ شيخه، فکوفيّ،
وأن فيه رواية صحابيّة، عن صحابيّة، وتابعيّ عن تابعيّ، والبنت عن أمها،
والابن عن أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ) ﴿هَا، وفي رواية البخاريّ: ((من طريق ابن
شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن زينب ابنة أبي سلمة أخبرته، أن أم
سلمة زوج النبيّ وَ﴿ أخبرتها))، (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هند بن أبي أميّة ◌َ﴿ّا (أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَ ﴿ِ قَالَ: ((إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ) وفي رواية ابن شهاب التالية: (أن
رسول الله وَ﴿ سمع جَلَبَة خَصْم بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: إنما أنا
بشر ... )). وفي رواية معمر الآتية: ((سمع النبيّ ◌َّ﴿ لَجَبَة خَضْم ببابِ أم
سلمة))، و((الْجَلَبَةُ)) - بفتح الجيم واللام -: اختلاط الأصوات، ومِثله: اللَّجَبَةُ
بتقديم اللام على الجيم.
قال الحافظ تَخّلُ: فأما الخصوم فلم أقف على تعيينهم، ووقع التصريح
بأنهما كانا اثنين، في رواية عبد الله بن رافع، عن أم سلمة، عند أبي داود،
ولفظه: ((أتى رسول الله وَ له رجلان يختصمان))، وأما الخصومة، فَبَيَّن في رواية
عبد الله بن رافع، أنها كانت ((في مواريث لهما))، وفي لفظ عنده: ((في
مواريث، وأشیاء قد دَرَست)).
(وَلَعَلَّ) بمعنى ((عسى))، (بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ)؛ أي:

٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
أفطن لها، وأعْرَف بها، أو أقدر على بيان مقصوده، وأبْيَن كلاماً، قال ابن
الأثير: اللحْنُ: الميل عن جهات الاستقامة، يقال: لَحَنَ في كلامه: إذا مال
عن صحيح المنطق، والمعنى: أن بعضكم يكون أعْرَف بالحجة، وأفطن لها من
غيره. ويقال: لَحَنتُ لفلان: إذا قلتَ له قولاً يفهمه عنك، ويخفى على غيره؛
لأنك تُميله بالتورية عن الواضح المفهوم، ومنه لَحِنَ الرجل، فهو لَحِنٌ، من
باب تعب: إذا فَهِمَ، وفِطِنَ لِمَا لا يَفْطَنُ له غيره. انتهى(١) .
وقال الفيّوميّ رَّتُهُ: اللحَنُ - بفتحتين -: الفِطنة، وهو مصدر، من باب
تَعِبَ، والفاعل لَحِنٌ، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: ألحنته عنّي، فلَحِن؛ أي:
أفطنته، ففطِن، وهو سُرعة الفهم، وهو ألحن من زيد؛ أي: أسْبَق فهماً منه.
انتھی.
وقال في ((القاموس)): ولَحَنَ له: قال له قولاً يُفهمه عنه، ويخفى على
غيره، ولَحَنَ إليه: مال، وألحنه القول: أفهمه إيّاه، فلَحِنه، كسَمِعه، وجعَله:
فهمه، ولَحِنَ کفرح: فَطِنَ لحجّته، وانتبه. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يُفهم مما سبق أن اللَّحَنَ بمعنى الفِطنة
للحُجَّة بالكسر من باب تَعِب، وأما بمعنى الفهم، فهو من بابَيْ سمع، وجعل.
وذكر القرطبيّ في ((المفهم)) (٢) جواز فتح الماضي وكَسْره إذا كان بمعنى
الفطنة، وفيه نظرٌ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقد جاء هذا اللفظ مفسَّراً في الرواية التالية، حيث قال: ((فلعلّ بعضهم
أن يكون أبلغ من بعض))؛ أي: أكثر بلاغةً، وإيضاحاً لحُجته، والمراد: أنه إذا
كان أفطن كان قادراً على أن يكون أبلغ في حُجته من الآخر(٣).
وقال الزرقانيّ في ((شرح الموطأ)): قوله: ((ألحن)) من اللَّحَن بفتح الحاء:
الفطنة؛ أي: أبلغ، وأفصح في تقرير مقصوده وأعلم ببيان دليله، وأقدر على
البرهنة على دفع دعوى خصمه، بحيث يُظَنّ أن الحق معه، وهو كاذب. هذا ما
عليه أكثر الشراح، وجوَّز بعضهم أنه من اللَّخْن بسكون الحاء، وهو الصرف
(١) ((النهاية)) ٢٤١/٤.
(٢) ((المفهم)) ١٥٥/٥.
(٣) راجع: ((الفتح)) ٢٥٨/١٦، كتاب ((الحيل)) رقم (٦٩٦٧).

٣٩
(٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُفَيِّرُ الْبَاطِنَ - حديث رقم (٤٤٦٥)
عن الصواب؛ أي: يكون أعجز عن الإعراب بالحجة، وضَعفه لا يخفى، وجملة
((أن يكون)) خبر ((لعل))، من قبيل: رجل عدل؛ أي: كائن، أو ((أن)) زائدة، أو
المضاف محذوف؛ أي: لعل وصْفَ بعضكم أن يكون ألحن بحجته (١).
وزاد في رواية الزهريّ الآتية: ((فأحسب أنه صادقٌ، فأقضي له بذلك))؛
أي: أحكم للذي غلب بحجته على خصمه، فلا حاجة إلى قوله في
((الاستذكار)): ((فأقضي له))؛ أي: عليه، وإن كان الواقع أن الحقّ لخصمه، لكنه
لم يفطن لحجته، ولم يقدر على معارضته(٢).
(فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ) وفي بعض النسخ: ((على نحو ما
أسمع))؛ أي: لبناء الأحكام الشرعيّة على الظاهر، و((من)) في ((مما)) بمعنى
((لأجل))، أو بمعنى ((على))؛ أي: أقضي على الظاهر من كلامه، (فَمَنْ قَضَيْتُ
لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ)؛ أي: خصمه، فهو أخوّة بالمعنى الأعمّ، وهو الجنس؛ لأن
المسلم، والذمي، والمعاهد، والمرتدّ، في هذا الحكم سواء، فهو مُطّرد في
الأخ من النسب، ومن الرضاع، وفي الدِّين، وغير ذلك، ويَحْتَمِل أن يكون
تخصيص الأخوة بالذكر من باب التهييج، وفي رواية يونس: ((بحق مسلم)).
(شَيْئاً) هكذا بالنصب، وكأنه ضَمَّنَ ((قضيت)) معنى («أعطيت))، وفي رواية
مالك، ومعمر: ((فمن قضيت له بشيء من حق أخيه))، ووقع عند أبي داود
بلفظ: ((فمن قضيت له من حق أخيه بشيء، فلا يأخذه))، وفي رواية عبد الله بن
رافع، عند الطحاويّ، والدارقطنيّ: ((فمن قضيت له بقضية، أراها يقطع بها
قطعة ظلماً، فإنما يقطع له بها قطعة من نار إسطاماً، يأتي بها في عنقه يوم
القيامة))، و((الإسطام)) - بكسر الهمزة، وسكون السين المهملة، والطاء
المهملة -: قطعة، فكأنها للتأكيد، أفاده في ((الفتح))(٣).
(فَلَا يَأْخُذْهُ)؛ أي: لكونه حراماً، يستحقّ به العقاب، كما بيّنه بقوله:
(فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ)؛ أي: أقطع له بسببه، فالكلام من باب الحذف والإيصال
(١) ((شرح الزرقاني على الموطأ)) ٤٨٥/٣.
(٢) ((شرح الزرقانيّ)) ٤٨٥/٣.
(٣) راجع: ((الفتح)) ٧/١٧، كتاب ((الأحكام)) رقم (٧١٨١).

٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
(قِطْعَةً مِنَ النَّارِ))) وفي رواية الزهريّ: ((فإنما هي قطعة من النار))، وقوله:
((فإنما هي)): الضمير للحالة، أو القصة. وقوله: ((قطعة من النار))؛ أي: الذي
قضيت له به بحسب الظاهر، إذا كان في الباطن لا يستحقه، فهو عليه حرام،
يؤول به إلى النار. وقوله: ((قطعة من النار)): تمثيل يُفهم منه شدة التعذيب على
من يتعاطاه، فهو من مجاز التشبيه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُونَ فِ بُطُونِهِمْ
نَارً﴾ [النساء: ١٠].
زاد في رواية ابن شهاب: ((فليحملها، أو يذرها))، ولفظ البخاريّ:
((فليأخذها، أو ليتركها))، وفي رواية مالك، عن هشام: ((فلا يأخذه؛ فإنما أقطع
له قطعة من النار)).
قال الدارقطنيّ: هشام، وإن كان ثقة، لكن الزهريّ أحفظ منه، وحكاه
الدارقطنيّ عن شيخه أبي بكر النيسابوري. قال الحافظ: ورواية الزهريّ ترجع
إلى رواية هشام، فإن الأمر فيه للتهديد، لا لحقيقة التخيير، بل هو كقوله:
﴿فَمَنْ شَآءُ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. قال ابن التين: هو خطاب
للمَقْضِيّ له، ومعناه: أنه أعلم من نفسه، هل هو مُحِقّ، أو مبطل؟ فإن كان
محقّاً فليأخذ، وإن كان مبطلاً فليترك، فإن الحكم لا ينقل الأصل عما كان
عليه .
[تنبيه]: زاد عبد الله بن رافع، في آخر الحديث: ((فبكى الرجلان، وقال
كل منهما: حقي لك، فقال لهما النبيّ وَلّهِ: أَمّا إذا فعلتما، فاقتسما، وتَوَخّيا
الحقّ، ثم اسْتَهِما، ثم تحالَلا)). ذكره في ((الفتح)) (١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أمّ سلمة ﴿ّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤٦٥/٣ و٤٤٦٦ و٤٤٦٧ و ٤٤٦٨] (١٧١٣)،
(١) راجع: ((الفتح)) ١٥/ ٨٠.