النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ (١) - بَابُ حَدِّ السَّرِقَةِ، وَنِصَابِهَا - حديث رقم (٤٣٩٠) ٣ - (ومنها): أنه استَدلّ به من قال بوجوب قطع يد السارق، ولو لم يَسْرِق من حرز، وهو قول الظاهرية، وأبي عبد الله البصري، من المعتزلة، وخالفهم الجمهور، فقالوا: العامّ إذا خُصّ منه شيء بدليل، بقي ما عداه على عمومه، وحجيته، سواء كان لفظه ينبىء عما ثبت في ذلك الحكم بعد التخصيص، أم لا؛ لأن آية السرقة عامة، في كل مَن سَرق، فخَصّ الجمهور منها مَن سَرق من غير حرز، فقالوا: لا يُقطع، وليس في الآية ما ينبىء عن اشتراط الحرز، وطَرَد البصري أصله في الاشتراط المذكور، فلم يشترط الحرز، ليستمر الاحتجاج بالآية. نعم زعم ابن بطال أن شرط الحرز مأخوذ من معنى السرقة، فإن صح ما قال، سقطت حجة البصريّ أصلاً. ٤ - (ومنها): أنه استُدِل به على أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب؛ لأن آية السرقة نزلت في سارق رداء صفوان، أو سارق المجنّ، وعَمِل ـّ في غيرهما من السارقين. بها الصحابة ٥ - (ومنها): أنه استُدل بإطلاق حديث عائشة رضيها: ((قطع رسول الله وَّ في ربع دينار))، على أن القطع يجب بما صَدَق عليه ذلك، من الذهب، سواء كان مضروباً، أو غير مضروب، جَيِّداً كان، أو رديئاً، وقد اختَلَف فيه الترجيح عند الشافعية، ونصّ الشافعي في ((الزكاة)) على ذلك، وأطلق في ((السرقة))، فجزم الشيخ أبو حامد، وأتباعه بالتعميم هنا، وقال الإصطخري: لا يقع إلا في المضروب، ورجحه الرافعي، وقيَّد الشيخ أبو حامد النقل عن الإصطخري بالقدر الذي ينقص بالطبع. ٦ - (ومنها): أنه استُدِل بالقطع في الْمِجَنّ، على مشروعية القطع في كل ما يُتَمَوَّل قياساً، واستثنى الحنفية ما يُسرع إليه الفساد، وما أصله الإباحة؛ كالحجارة، واللَّبِن، والخشب، والملح، والتراب، والكلإ، والطير، وفيه رواية عن الحنابلة، والراجح عندهم في مثل السرجين القطع، تفريعاً على جواز بيعه، وفي هذا تفاريع أخرى، محل بسطها كتب الفقه، وبالله التوفيق(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول بالتعميم هو الأظهر؛ لإطلاق النصوص، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((الفتح)) ٥٨٧/١٥، كتاب ((الحدود)) (٦٨٠٠). ٣٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في اعتبار النصاب لوجوب قطع السارق : قال ابن قدامة تَخْتُ: الشرط الثاني: أن يكون المسروق نصاباً، ولا قطع في القليل، في قول الفقهاء كلهم، إلا الحسن، وداود، وابن بنت الشافعي، والخوارج، قالوا: يُقطع في القليل والكثير؛ لعموم الآية؛ ولِمَا روى أبو هريرة رظُه، أن النبيّ وَلقوله قال: ((لعن الله السارق يَسرِق الحبل، فتقطع يده، ويسرق البيضة، فتقطع يده))، متفق عليه، ولأنه سارق من حرز، فتقطع يده كسارق الكثير. قال: ولنا قول النبيّ وَلير: ((لا قطع إلا في ربع دينار، فصاعداً))، متفق عليه، وإجماعُ الصحابة على ما سنذكره، وهذا يخص عموم الآية، والحبل يَحْتَمِل أن يساوي ذلك، وكذلك البيضة يَحْتَمِل أن يراد بها بيضة السلاح، وهي تساوي ذلك. واختلفت الرواية عن أحمد في قدر النصاب، الذي يجب القطع بسرقته، فَرَوَى عنه أبو إسحاق الْجُوزَجانيّ، أنه ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الوَرِق، أو ما قيمته ثلاثة دراهم، من غيرهما، وهذا قول مالك، وإسحاق. ورَوَى عنه الأثرم: أنه إن سرق من غير الذهب والفضة ما قيمته ربع دينار، أو ثلاثة دراهم قُطع، فعلى هذا يُقَوَّم غير الأثمان بأدنى الأمرين، من ربع دينار، أو ثلاثة دراهم. وعنه أن الأصل الورق، ويُقَوَّم الذهب به، فإن نَقَص ربع دينار عن ثلاثة دراهم، لم يقطع سارقه، وهذا يُحكى عن الليث، وأبي ثور، وقالت عائشة: ((لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً))، ورُوي هذا عن عمر، وعثمان، وعليّ ه، وبه قال الفقهاء السبعة، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وابن المنذر؛ لحديث عائشة رضيها: أن رسول الله وَلانه قال: ((لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً)). وقال عثمان البتيّ: تقطع اليد في درهم، فما فوقه، وعن أبي هريرة، وأبي سعيد: أن اليد تقطع من أربعة دراهم فصاعداً، وعن عمر: ((أن الخَمْس لا تُقطع إلا في الخَمْس))، وبه قال سليمان بن يسار، وابن أبي ليلى، وابن شُبْرُمة، ورُوي ذلك عن الحسن. وقال أنس: قطع أبو بكر في مجن، قيمته خمسة دراهم، رواه الْجُوزَجانيّ بإسناده. وقال عطاء، وأبو حنيفة، وأصحابه: لا تقطع اليد، إلا في دينار، أو عشرة دراهم؛ لِمَا روى الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن ٣٦٣ (١) - بَابُ حَدِّ السَّرِقَةِ، وَنِصَابِهَا - حديث رقم (٤٣٩٠) شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ وَّر، أنه قال: ((لا قطع إلا في عشرة دراهم))، ورَوَى ابنُ عباس، قال: قطع رسول الله وَّ، يد رجل في مجن، قيمته دينار، أو عشرة دراهم. وعن النخعيّ: لا تقطع اليد إلا في أربعين درهماً. قال: ولنا ما رَوَى ابْنُ عمر ط﴿ه: أن رسول الله وَّ، قطع في مجن، ثمنه ثلاثة دراهم، متفق عليه، قال ابن عبد البر: هذا أصحّ حديث، يُروَى في هذا الباب، لا يختلف أهل العلم في ذلك. وحديثُ أبي حنيفة الأول، يرويه الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، والذي يرويه عن الحجاج ضعيف أيضاً، والحديث الثاني، لا دلالة فيه على أنه لا يُقطع بما دونه، فإن من أوجب القطع بثلاثة دراهم، أوجبه بعشرة. انتهى كلام ابن قدامة كَذَتُهُ(١). وقال في ((الفتح)): وقد تمسك مالك تَخّتُهُ بحديث ابن عمر ظًّا في اعتبار النصاب بالفضة، وأجاب الشافعية، وسائر من خالفه، بأنه ليس في طرقه أنه لا يقطع في أقل من ذلك، وأورد الطحاويّ حديث سعد، الذي أخرجه مالك أيضاً، وسنده ضعيف، ولفظه: ((لا يُقطع السارق، إلا في المجنّ))، قال: فعلمنا أنه لا يُقطع في أقل من ثمن المجنّ، لكن اخْتُلف في ثمن المجنّ، ثم ساق حديث ابن عباس ، قال: كان قيمة المجن الذي قَطع فيه رسول الله وَله عشرة دراهم، قال: فالاحتياط أن لا يُقطع إلا فيما اجتمعت فيه هذه الآثار، وهو عشرة، ولا يقطع فيما دونها؛ لوجود الاختلاف فيه. وتُعُقّب بأنه لو سُلِّم في الدراهم، لم يُسَلَّم في النصّ الصريح في ربع دينار، كما تقدم إيضاحه، ودفعُ ما أعلّه به، والجمع بين ما اختلفت الروايات في ثمن المجنّ ممكن، بالحمل على اختلاف الثمن والقيمة، أو على تعدد المجانّ التي قطع فيها، وهو أولی. وقال ابن دقيق العيد: الاستدلال بقوله: ((قطع في مجنّ)) على اعتبار النصاب ضعيف؛ لأنه حكاية فعل، ولا يلزم من القطع في هذا المقدار، عدم القطع فيما دونه، بخلاف قوله: ((يُقطع في ربع دينار فصاعداً))، فإنه بمنطوقه يدلّ على أنه يُقطع فيما إذا بلغ، وكذا فيما زاد عليه، وبمفهومه على أنه لا (١) ((المغنى)) ٤١٨/١٢ - ٤٢٠. ٣٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود قطع فيما دون ذلك، قال: واعتمادُ الشافعيّ على حديث عائشة ◌َّا - وهو قول - أقوى في الاستدلال، من الفعل المجرد، وهو قويّ في الدلالة على الحنفية؛ لأنه صريح في القطع في دون القدر الذي يقولون بجواز القطع فيه، ويدل على القطع فيما يقولون به بطريق الفحوى، وأما دلالته على عدم القطع في دون ربع دينار، فليس هو من حيث منطوقه، بل من حيث مفهومه، فلا يكون حجة على من لا يقول بالمفهوم. قال الحافظ: وقرر الباجيّ طريق الأخذ بالمفهوم هنا، فقال: دلّ التقويم على أن القطع يتعلق بقدر معلوم، وإلا فلا يكون لذكره فائدة، وحينئذ فالمعتمد ما ورد به النصّ صريحاً مرفوعاً، في اعتبار ربع دینار. وقد خالف من المالكية في ذلك من القدماء ابنُ عبد الحكم، وممن بعدهم ابن العربي، فقال: ذهب سفيان الثوريّ مع جلالته في الحديث، إلى أن القطع لا يكون إلا في عشرة دراهم، وحجته أن اليد محترمة بالإجماع، فلا تستباح إلا بما أجمع عليه، والعشرة متفق على القطع فيها عند الجميع، فُيُتَمَسَّك به ما لم يقع الاتفاق على ما دون ذلك. وتُعُقّب بأن الآية دلت على القطع، في كل قليل وكثير، وإذا اختلفت الروايات في النصاب، أُخِذ بأصح ما ورد في الأقل، ولم يصح أقل من ربع دینار، أو ثلاثة دراهم، فكان اعتبار ربع دينار أقوى من وجهين: [أحدهما]: أنه صريح في الحصر، حيث ورد بلفظ: ((لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعداً))، وسائر الأخبار الصحيحة الواردة حكاية فعل، لا عموم فيها . [والثاني]: أن المعوَّل عليه في القيمة الذهب؛ لأنه الأصل في جواهر الأرض كلها، ويؤيده ما نَقَل الخطابي استدلالاً على أن أصل النقد في ذلك الزمان الدنانير، بأن الصكاك القديمة، كان يُكتب فيها عشرة دراهم، وزن سبعة مثاقيل، فعُرفت الدراهم بالدنانير، وحُصرت بها، والله أعلم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اتَّضح بما سبق أن الحقّ اعتبار النصاب لوجوب القطع في السرقة؛ لصحّة الأحاديث الواردة في ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((الفتح)) ٥٨٣/١٥ - ٥٨٤. ٣٦٥ (١) - بَابُ حَدِّ السَّرِقَةِ، وَنِصَابِهَا - حديث رقم (٤٣٩٠) (المسألة الخامسة): في ذكر المذاهب في القدر الذي يُقطع فيه السارق: [الأول]: يقطع في كل قليل وكثير، تافهاً كان أو غير تافه، نُقل ذلك عن أهل الظاهر، والخوارج، ونُقل عن الحسن البصريّ، وبه قال أبو عبد الرحمن ابن بنت الشافعيّ. [الثاني]: وهو مقابل هذا القول في الشذوذ: ما نقله عياض، ومن تبعه، عن إبراهيم النخعيّ: أن القطع لا يجب إلا في أربعين درهماً، أو أربعة دنانير. [الثالث]: مثل الأول، إلا إن كان المسروق شيئاً تافهاً؛ لحديث عروة: ((لم يكن القطع في شيء من التافه))، ولأن عثمان قطع في فَخارة خسيسة، وقال لمن يسرق السياط: (لَئِن عُدتم لأقطعن فيه))، وقطع ابن الزبير في نعلين، أخرجهما ابن أبي شيبة. وعن عمر بن عبد العزيز: أنه قطع في مُدّ، أو مدّين. [الرابع]: تُقطع في درهم فصاعداً، وهو قول عثمان الْبَنِّيّ - بفتح الموحدة، وتشديد المثناة - من فقهاء البصرة، وربيعة من فقهاء المدينة، ونسبة القرطبي إلى عثمان، فأطلق ظناً منه أنه الخليفة، وليس كذلك. [الخامس]: في درهمين، وهو قول الحسن البصريّ، جزم به ابن المنذر عنه. [السادس]: فيما زاد على درهمين، ولو لم يبلغ الثلاثة، أخرجه ابن أبي شيبة بسند قويّ، عن أنس: أن أبا بكر ◌ّ قطع في شيء ما يساوي درهمين، وفي لفظ: لا يساوي ثلاثة دراهم. [السابع]: في ثلاثة دراهم، ويُقَوَّم ما عداها بها، ولو كان ذهباً، وهي رواية عن أحمد، وحكاه الخطابيّ عن مالك. [الثامن]: مثله، لكن إن كان المسروق ذهباً، فنصابه ربع دينار، وإن كان غيرهما، فإن بلغت قيمته ثلاثة دراهم قطع به، وإن لم تبلغ لم يقطع، ولو كان نصف دينار، وهذا قول مالك، عند أتباعه، وهي رواية عن أحمد، واحتُجَّ له بما أخرجه أحمد، من طريق محمد بن راشد، عن يحيى بن يحيى الغسّاني، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة رضينا، مرفوعاً: ((اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا في أدنى من ذلك، قالت: وكان ربع دينار، قيمته يومئذ ثلاثة دراهم))، والمرفوع من هذه الرواية نصّ، في أن المعتمَد والمعتبَر في ذلك الذهب، والموقوف منه يقتضي أن الذهب يُقَوَّم بالفضة، وهذا يمكن تأويله، فلا يرتفع به النصّ الصريح. ٣٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود [التاسع]: مثله إلا إن كان المسروق غيرهما قطع به، إذا بلغت قيمته أحدهما، وهو المشهور عن أحمد، ورواية عن إسحاق. [العاشر]: مثله، لكن لا يُكْتَفَى بأحدهما، إلا إذا كانا غالبين، فإن كان أحدهما غالباً، فهو المعوَّل عليه، وهو قول جماعة من المالكية، وهو [الحادي عشر]. [الثاني عشر]: ربع دينار، أو ما يبلغ قيمته، من فضة، أو عَرَض، وهو مذهب الشافعيّ، وقد تقدم تقريره، وهو قول عائشة، وعمرة، وأبي بكر ابن حزم، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعيّ، والليث، ورواية عن إسحاق، وعن داود، ونقله الخطابيّ وغيره عن عمر، وعثمان، وعليّ، وقد أخرج ابن المنذر عن عمرٍ بسند منقطع، أنه قال: ((إذا أَخَذ السارق ربع دينار قُطع))، ومن طريق عمرة: أُتي عثمان بسارق سرق أُتْرُجّة، قُوِّمت بثلاثة دراهم، من حساب الدينار باثني عشر، فقُطع. ومن طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، أن عليّاً عَظُه: ((قطع في ربع دينار، كانت قيمته درهمين ونصفاً)). [الثالث عشر]: أربعة دراهم، نقله عياض عن بعض الصحابة، ونقله ابن المنذر عن أبي هريرة، وأبي سعيد. [الرابع عشر]: ثلث دينار، حكاه ابن المنذر، عن أبي جعفر الباقر. [الخامس عشر]: خمسة دراهم، وهو قول ابن شُبْرُمة، وابن أبي ليلى، من فقهاء الكوفة، ونُقل عن الحسن البصريّ، وعن سليمان بن يسار، أخرجه النسائيّ، وجاء عن عمر بن الخطاب: ((لا تقطع الْخَمْس إلا في خَمْس))، أخرجه ابن المنذر، من طريق منصور، عن مجاهد، عن سعيد بن المسيِّب عنه. وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبي هريرة، وأبي سعيد مثله، ونقل أبو زيد الدبوسيّ، عن مالك، وشذَّ بذلك. [السادس عشر]: عشرة دراهم، أو ما بلغ قيمتها، من ذهب، أو عَرَض، وهو قول أبي حنيفة، والثوريّ، وأصحابهما . [السابع عشر]: دينارٌ، أو ما بلغ قيمته، من فضّة، أو عرض، حكاه ابن حزم، عن طائفة، وجزم ابن المنذر بأنه قول النخعيّ. [الثامن عشر]: دينار، أو عشرة دراهم، أو ما يساوي أحدهما، حكاه ابن حزم أيضاً، وأخرجه ابن المنذر عن علي، بسند ضعيف، وعن ابن مسعود بسند منقطع، قال: وبه قال عطاء. ٣٦٧ (١) - بَابُ حَدِّ السَّرِقَةِ، وَنِصَابِهَا - حديث رقم (٤٣٩١) [التاسع عشر]: ربع دينار فصاعداً، من الذهب، على ما دلّ عليه حديث عائشة ◌َّا، ويُقطع في القليل والكثير، من الفضة، والعُروض، وهو قول ابن حزم، ونقل ابن عبد البر نحوه عن داود، واحتَجَّ بأن التحديد في الذهب ثبت صريحاً، في حديث عائشة، ولم يثبت التحديد صريحاً في غيره، فبقي عموم الآية على حاله، فيقطع فيما قل أو كثر، إلا إذا كان الشيء تافهاً، وهو موافق للشافعي، إلا في قياس أحد النقدين على الآخر، وقد أيده الشافعيّ بأن الصرف يومئذ، كان موافقاً لذلك، واستَدَلَّ بأن الدية على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الفضة اثنا عشر ألف درهم، وتقدم في قصة الأترجة قريباً ما يؤيده، ويخرج من تفصيل جماعة من المالكية، أن التقويم يكون بغالب نقد البلد، إن ذهباً فبالذهب، وإن فضة فبالفضة، تمام العشرين مذهباً. وقد ثبت في حديث ابن عمر، أنه وَله، قطع في مِجَنّ قيمته ثلاثة دراهم، وثبت: ((لا قطع في أقل من ثمن المجنّ))، وأقل ما ورد في ثمن المجنّ ثلاثة دراهم، وهي موافقة للنص الصريح في القطع، في ربع دينار، وإنما ترك القول بأن الثلاثة دراهم نصاب، يُقطع فيه مطلقاً؛ لأن قيمة الفضة بالذهب تختلف، فبقي الاعتبار بالذهب، كما تقدم، والله أعلم، ذكر ذلك كلّه في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح هو ما ذهب إليه أحمد، وإسحاق، من أنه إذا كان المسروق ذهباً، فالنصاب ربع دينار، وإن كان فضّةً، فالنصاب ثلاثة دراهم، وإن كان غيرهما، يُقطع إذا بلغت قيمته أحدهما، فإن هذا القول هو الموافق للحديث المتّفق عليه: ((تُقطع اليد في ربع دينار))، وحديث: ((قطع رسول الله وَّ في مجنّ قيمته ثلاثة دراهم))، فالحديث الثاني يدلّ على أن غير الذهب والفضّة يقوّم بهما، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [٤٣٩١] (.) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرْنَا مَعْمَرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ كُلَّهُمْ عَنِ الزُّهْرَيِّ، بِمِثْلِهِ فِي هَذَا الإِسْنَادِ). (١) راجع: ((الفتح)) ٥٨٤/١٥ - ٥٨٦، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٧٨٩). ٣٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود رجال هذا الإسناد: تسعةٌ: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليّ ابن راهويه المذكور في السند السابق. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم قريباً. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد اليمنيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٥ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) اسمه عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قبل حدیث. ٦ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌّ عابدٌ [٩] (ت٢٠٦هـ) وقارب التسعين (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٤٥/٦. ٧ - (سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ) الْعَبْديّ البصريّ، أبو داود، ويقال: أبو محمد، لا بأس به في غير الزهريّ [٧]. روى عن حُصين بن عبد الرحمن، وحميد الطويل، وعمرو بن دينار، والزهريّ، ويحيى بن سعيد، وداود بن أبي هند، وغيرهم. وروى عنه حَبّان بن هلال، وعبد الرحمن بن مهديّ، ويزيد بن هارون، وأخوه محمد بن كثير، وأبو الوليد الطيالسيّ، وسعيد بن سليمان، وغيرهم. قال ابن معين: ضعيف. وقال الآجريّ عن أبي داود: وسليمان بن كثير أخو محمد بن كثير أصله من واسط، يقال له: أبو داود الواسطيّ، كان يصحب سفيان بن حسين. وقال النسائيّ: ليس به بأس، إلا في الزهريّ، فإنه يخطئ عليه. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه. وقال العجليّ: جائز الحديث، لا بأس به. وقال العُقيليّ: واسطِيّ سكن البصرة، مضطرب الحديث عن ابن شهاب، وهو في غيره أثبت. وقال الذّهْليّ نحو ذلك قبله. وقال ابن حبان: كان يخطئ كثيراً، فأما روايته عن الزهريّ فقد اختلطت عليه صحيفته، فلا يُحتج بشيء ينفرد به عن الثقات. مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٦٨٤)، وحديث رقم (٢٢٦٩). ٨ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ تُكُلّم فيه بلا قادح [٨] (ت١٨٥ هـ) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. ٣٦٩ (١) - بَابُ حَدِّ السَّرِقَةِ، وَنِصَابِهَا - حديث رقم (٤٣٩٢) ٩ - (الزُّهْرِيّ) محمد بن مسلم الإمام الشهير، ذُكر في السند الماضي. وقوله: (كُلَّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي: كلّ هؤلاء الثلاثة: معمر، وسليمان بن كثير، وإبراهيم بن سعد رووا هذا الحديث عن الزهريّ. وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي: بمثل الحديث السابق. وقوله: (فِي هَذَا الإِسْنَادِ) ((في)) بمعنى الباء؛ أي: بهذا الإسناد السابق، وهو: ((عن الزهريّ، عن عمرة، عن عائشة [تنبيه]: رواية معمر عن الزهريّ ساقها النسائيّ في ((سننه))، فقال: (٧٤٠٦) - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن عمرة، عن عائشة، عن رسول الله وَ الر قال: ((تُقطع يد السارق في ربع دينار، فصاعداً))(١). وأما رواية إبراهيم بن سعد عن الزهريّ، فقد ساقها البخاريّ في «صحیحه))، فقال: (٦٤٠٧) - حدّثنا عبد الله بن مسلمة، حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عمرة، عن عائشة، قال النبيّ وَل: ((تُقطع اليد في ربع دينار، فصاعداً))(٢). وأما رواية سليمان بن كثير عن الزهريّ، فساقها البيهقيّ في ((الكبرى))، مقروناً بإبراهيم بن سعد، فقال: (١٦٩٣٤) - وأخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي، أنبأ أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه، قال: قُرئ على أبي عليّ الحسن بن مكرم البصريّ ببغداد، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ سليمان بن كثير، وإبراهيم بن سعد، قالا: ثنا الزهريّ، عن عمرة، عن عائشة، عن النبيّ نَّ قال: ((القطع في ربع دينار، فصاعداً))(٣). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٩٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَحَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعِ - وَاللَّفْظُ لِلْوَلِيدِ، وَحَرْمَلَةَ - قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي (١) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٣٣٧/٤. (٣) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ٢٥٤/٨. (٢) ((صحيح البخاريّ)) ٢٤٩٢/٦. ٣٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ، إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ ، فَصَاعِداً)). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاع) بن قيس السَّكُونيّ، أبو همّام ابن أبي بدر الکوفيّ، نزیل بغداد، ثقةٌ [١٠] (٢٤٣) علَى الصحيح (م دت ق) تقدم في ((الإيمان)) ٧٧/ ٤٠٢. والباقون ذُكروا في الباب والباب الماضي. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٩٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيَّلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى - وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ، وَأَحْمَدَ - قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَمْرَةَ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تُحَدِّثُ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: ((لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ، فَمَا فَوْقَهُ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٥٣)، وله (٨٣) سنةً (مد س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩. ٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المعروف بابن التستريّ المصريّ، صدوقٌ تُكلم في بعض سماعاته، قال الخطيب: بلا حجة [١٠] (ت٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٤/٨. ٣ - (مَخْرَمَةُ) بن بكير بن عبد الله بن الأشجّ، أبو الْمِسْوَر المدنيّ، وروايته عن أبيه وجادة من كتابه، قاله أحمد، وابن معين، وغيرهما، وقال ابن المدينيّ: سمع من أبيه قليلاً. انتهى، صدوقٌ [٧] (ت١٥٩) (بخ م د س) تقدم في ((الطهارة)) ٤/ ٥٥٤. ٤ - (أَبُوهُ) بُكير بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت١٢٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٤/٤. ٣٧١ (١) - بَابُ حَدِّ السَّرِقَةِ، وَنِصَابِهَا - حديث رقم (٤٣٩٤) ٥ - (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، مولى ميمونة، أو أم سلمة، ثقةٌ فاضلٌ فقيهٌ، من كبار [٣] مات بعد المائة، أو قبلها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٩. والباقون ذُكروا قبله. [فإن قلت]: كيف أخرج مسلم لمخرمة، عن أبيه، مع أنه متكلَّم فيه؟. [قلت]: إنما أخرج له متابعة، لا أصالةً، فلا يضرّ، وقد تقدّم مثل هذا كثيراً، فتنبّه، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٩٤] (.) - (حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْهَادِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا سَمِعَتِ النبيّ ◌َّهِ يَقُولُ: ((لَا تُقْطَعُ بَدُ السَّارِقِ، إِلَّ فِي رُبْعِ دِينَارٍ ، فَصَاعِداً))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَبْدِيُّ) أبو عبد الرحمن النيسابوريّ، ثقةٌ فقيهٌ زاهدٌ [١٠] (ت٧ أو ٢٣٨) (خ مَ س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٣٧. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عُبيد الدراورديّ، الْجُهنيّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كُتُب غيره، فيُخطىء [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨. ٣ - (يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت١٣٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣. ٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عمرو بن حزم الأنصاريّ النجّاريّ المدنيّ القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: يُكنى أبا محمد، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت١٢٠) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٨٠/ ٤٢٢. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة. ٣٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٩٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، جَمِيعاً عَنْ أَبِي عَامِرِ الْعَقَدِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ - مِنْ وَلَدِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ - عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْهَادِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكَوْسَج، تقدّم قريباً. ٣ - (أَبُو عَامِرِ الْعَقَدِيُّ) عبد الملك بن عمرو القيسيّ البصريّ، تقدّم قبل بابين. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ) بن عبد الرحمن بن الْمِسْوَر بن مَخْرمة، أبو محمد المدنيّ الْمَخْرَميّ، ثقةٌ(١) [٨] (ت١٧٠) وله بضع وسبعون سنةً (خت م ٤) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٣١٨/٢٢. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: رواية عبد الله بن جعفر، عن يزيد بن الهاد هذه ساقها أبو عوانة تَخْذَتُ في ((مسنده))، فقال: (٦٢١٦) - حدّثنا إبراهيم بن مرزوق، قثنا أبو عامر العَقَديّ، قئنا عبد الله بن جعفر، وهو الْمَخْرَميّ، من ولد الْمِسْوَر بن مَخْرَمَة، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبيّ ◌َ ر أنها سمعت النبيّ وَلهو يقول: ((لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار، فصاعداً)). انتهى (٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٩٦] (١٦٨٥) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمْ تُقْطَعْ بَدُ سَارِقٍ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ◌ِّهِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِجَنِّ، حَجَفَةٍ، أَوْ تُرْسٍ، وَكِلَاهُمَا ذُو ثَمَنٍ). (١) هذا أولى من قول ((التقريب)): لا بأس به، فقد وثّقه الأئمة، كما في ((التهذيب))، فتنبّه. (٢) ((مسند أبي عوانة)) ١١٣/٤. ٣٧٣ (١) - بَابُ حَدِّ السَّرِقَةِ، وَنِصَابِهَا - حديث رقم (٤٣٩٦) رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ) أبو عوف الكوفيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٢٠/ ٩٣٤. ٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) تقدّم في الباب الماضي. والباقيان ذُكرا في الباب. وقولها: (فِي أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِجَنِّ) بكسر الميم، وفتح الجيم: هو اسم لکل ما يُجنّ؛ أي: يُستتر به. وقوله: (حَجَفَةٍ، أَوْ تُرْسٍ) مجروران على البدليّة من ((المِجَنّ)). وقولها: (وَكِلَاهُمَا ذُو ثَّمَنٍ) إشارة إلى أن القطع لا يكون فيما قلّ، بل يختصّ بما له ثمنٌ، وهو ربع دينار، كما صُرّح به في الروايات، قاله النوويّ تَذَتُهُ(١) . وقال في ((الفتح)) عند قوله: ((لم يُقْطَع على عهد رسول الله وَلّ إلا في ثمن مِجَنّ: حَجَفة، أو تُرْس)) ما نصّه: الْمِجَنّ - بكسر الميم، وفتح الجيم -: مِفْعَل، من الاجتنان، وهو الاستتار مما يحاذره المستتِر، وكُسرت ميمه؛ لأنه آلة في ذلك. و((الْحَجَفة)) - بفتح المهملة، والجيم، ثم فاء -: هي الدَّرَقَة، وقد تكون من خشب، أو عظم، وتُغَلَّف بالجلد، أو غيره، و((التُّرْسُ)) مثله، لكن يُطَارَق فيه بین جلدين، وقيل: هما بمعنى واحد. وعلى الأول ((أو)) في الخبر للشكّ، وهو المعتمد، ويؤيده رواية عبد الله بن المبارك، عن هشام التي تلي رواية حميد بن عبد الرحمن - عند البخاريّ - بلفظ: ((في أدنى ثمن حَجَفة، أو تُرْس، كل واحد منهما ذو ثمن))، والتنوين في قوله: ((ثَمَن)) للتكثير، والمراد أنه ثمن يُرْغَب فيه، فأخرج الشيء التافه، كما فَهِمه عروة، راوي الخبر، وليس المراد تُرْساً بعينه، ولا حجفة بعينها، وإنما المراد الجنس، وأن القطع كان يقع في كل شيء يبلغ قدر ثمن المجنّ، سواء (١) ((شرح النوويّ)) ١٨٤/١١ - ١٨٥. ٣٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود كان ثمن المجنّ كثيراً، أو قليلاً، والاعتماد إنما هو على الأقل، فيكون نصاباً، ولا يقطع فیما دونه. ورواية أبي أسامة، عن هشام(١) جامعة بين الروايتين المذكورتين أوّلاً، وقوله فيها: ((كان كلُّ واحد منهما ذا ثمن))، كذا ثبت في الأصول، وأفاد الكرمانيّ أنه وقع في بعض النسخ: ((وكان كل واحد منهما ذو ثمن)) بالرفع، وخرّجه على تقدير ضمير الشأن في ((كان)). [تنبيه]: قال في ((الفتح)): لم تَخْتَلف الرواة عن هشام بن عروة، عن أبيه في هذا المتن، وأما الزهريّ فاختلف عليه في سنده، ولم يُختلف عليه في المتن أيضاً، كما تقدم، وهو حافظ، فيَحْتَمِل أن يكون عروة حدّثه به على الوجهين، كما تقدم، ويَحْتَمِل أن يكون لفظ عروة هو الذي حفظه هشام عنه، وحَمَل يونس حديث عروة على حديث عمرة، فساقه على لفظ عمرة، وهذا يقع لهم كثيراً، ويشهد للأول أن النسائيّ أخرجه من طريق حفص بن حسان، عن يونس، عن الزهريّ، عن عروة وحده، عن عائشة، بلفظ رواية ابن عيينة، ورواه أيضاً من رواية القاسم بن مبرور، عن يونس، بهذا السند، لكن لفظ المتن: ((أو نصف دينار فصاعداً))، وهي رواية شاذة. انتهى ما في ((الفتح)) (٢)، وهو بحث مفيد جدّاً، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٩٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيِّ، وَفِي حَدِيثٍ ء عَبْدِ الرَّحِيمِ، وَأَبِي أُسَامَةَ: وَهُوَ يَوْمَئِذٍ ذُو ثَمَنٍ). (١) أراد رواية البخاريّ، فإن مسلماً وإن أخرج رواية أبي أسامة، عن هشام، إلا أنه لم يسق لفظها، بل أحالها على رواية حميد بن عبد الرحمن الرؤاسيّ، فتنبّه. (٢) ((الفتح)) ٥٨٠/١٥ - ٥٨١، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٧٩٢). ٣٧٥ (١) - بَابُ حَدِّ السَّرِقَةِ، وَنِصَابِهَا - حديث رقم (٤٣٩٧) رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكنانيّ، أو الطائيّ، أبو عليّ الأشلّ المروزيّ، نزيل الكوفة،َ ثقةٌ، له تصانيف، من صغار [٨] (ت١٨٧) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٢٦/ ٨١٧. ٤ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (أَبُو أُسَامَةً) حمّاد بن أسامة، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا في الباب، و((حميد بن عبد الرحمن)) هو الرؤاسيّ المذكور قبله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ هِشَام) ضمير الجماعة يعود إلى عبدة بن سليمان، وحُميد بن عبد الرحمن، وعبدً الرحيم بن سليمان، وأبي أسامة، أربعتهم رووا هذا الحديث عن هشام بن عروة بسنده الماضي. [تنبيه]: أما رواية حُميد بن عبد الرحمن، عن هشام، فهي الرواية التي قبل هذه، وأما رواية عبدة بن سليمان، عن هشام، فقد ساقها إسحاق بن راهويه تَخْتُهُ في ((مسنده))، فقال: (٧٣٨) - أخبرنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، أن رجلاً سرق قَدَحاً، فأُتي به عمرُ بن عبد العزيز، قال هشام: فقال أبي: إنه لا يُقطع اليد في الشيء التافه، وقال أبي: أخبرتني عائشة: ((أنه لم تكن اليد تقطع في عهد رسول الله وَل﴿ في أدنى ثمن، من مِجَنّ، أو حَجَفَة، أو تُرْس)). انتهى(١). وأما رواية عبد الرحيم بن سليمان، فقد ساقها أبو عوانة تَخّْلُهُ في ((مسنده))، فقال : (٦٢٢١) - حدّثنا عبدان الجواليقيّ، قثنا مُشكدانة، قثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: ((أن يد السارق لم تكن تقطع في عهد رسول الله (َّله في الشيء التافه)). انتهى(٢). (١) ((مسند إسحاق بن راهويه)) ٢٣١/٢. (٢) ((مسند أبي عوانة)) ٤/ ١٤ ٣٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود وأما رواية أبي أسامة، عن هشام، فقد ساقها البخاريّ تَظُّ في ((صحيحه))، فقال: (٦٤١٠) - حدّثني يُوسُفُ بن مُوسَى، حدّثنا أبو أُسَامَةَ، قال: هِشَامُ بن عُرْوَةَ، أخبرنا عن أبيه، عن عَائِشَةَ ﴿ّا قالت: ((لم تُقْطَعْ يَدُ سَارِقٍ على عَهْدِ النبيّ وَّر في أدنى من ثَمَنِ الْمِجَنِّ: تُرْسٍ، أو حَجَفَةٍ، وكان كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَا ثَمَنٍ)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٩٨] (١٦٨٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ الله ◌َّهِ قَطَعَ سَارِقً فِي مِجَنٍّ، قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (نَافِعٌ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. ٢ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿يَا، مات سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٢. والباقيان تقدّما قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ◌َلَثُ، وهو (٢٩٠) من رباعيّات الكتاب، وهو مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة، وهو أصح الأسانيد على الإطلاق، وهو المسمّى بسلسلة الذهب، قال يحيى بن بُكير لأبي زرعة الرازيّ: يا أبا زرعة ليس ذا زعزعة عن زوبعة، إنما تَرْفع السِّتر، فتنظر إلى النبيّ وَ ﴿، وأصحابه: حدّثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر طًا(٢). شرح الحديث: (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر، قال ابن حزم تَّتُهُ: لم يروه عن ابن عمر إلا نافع، وقال ابن عبد البرّ تَخْتُ: هو أصحّ حديث رُوي في ذلك، ذكره في (١) ((صحيح البخاريّ)) ٦/ ٢٤٩٢. (٢) راجع: ((تدريب الراوي)) ٧٨٩/١. ٣٧٧ (١) - بَابُ حَدِّ السَّرِقَةِ، وَنِصَابِهَا - حديث رقم (٤٣٩٨) (الفتح))(١). (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﴿َهَا (أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِ قَطَعَ سَارِقاً) معناه: أَمَر بقطعه؛ لأنه وَ﴿ لم يكن يباشر القطع بنفسه، وسيأتي أن بلالاً ظه هو الذي باشر قطع يد المخزوميّ بأمره وَلّ، فَيَحْتَمِل أن يكون هو الذي كان موّلاً بذلك، ويَحْتَمِل أن يكون غيره(٢). (فِي مِجَنٍّ) تقدّم بكسر الميم، وفتح الجيم: التُّرْسُ، مِفْعَلٌ، من معنى الاجتنان، وهو الاستتار، والاختفاء، وما يقارب ذلك، ومنه الجنّ، وكُسرت ميمه؛ لأنه آلة في الاجتنان؛ كأن صاحبه يستتر به عما يُحاذره، قال الشاعر [من الطويل]: فَكَانَ مِجَنِّي دُونَ مَا كُنْتُ أَتَّقِي ثَلَاثُ شُخُوصِ كَاعِبَانِ وَمُعْصِرُ(٣) (قِيمَتُهُ) قيمةُ الشيء: ما تنتهي إليه الرغبة فيه، وأصله قوْمَةٌ، فأُبدلت الواو ياءً؛ لوقوعها بعد كسرة، والثمنُ: ما يُقابَلُ به المبيع عند البيع، والذي يظهر أن المراد هنا القيمة، وأن من رواه بلفظ الثمن إما تجوّزاً، وإما أن القيمة والثمن كانا حينئذ مستويين، قال ابن دقيق العيد نظُّهُ: القيمة والثمن قد يختلفان، والمعتبَر إنما هو القيمة، ولعل التعبير بالثمن؛ لكونه صادف القيمة في ذلك الوقت في ظن الراوي، أو باعتبار الغلبة، وإلا فلو اختَلَفت القيمة والثمن الذي اشتراه به مالكه لن تُعتبر إلا القيمة. انتهى (٤). (ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ) وفي رواية: ((ثمنه ثلاثة))، وقد اختلف الرواة في هذه اللفظة، فرواه بعضهم بلفظ القيمة، وبعضهم بلفظ الثمن، كما أشار إلى ذلك مسلم بعدُ. قال الإمام البخاريّ تَظُّ في ((صحيحه)) بعد أن أخرجه من طريق موسى بن عقبة، عن نافع بلفظ: ((ثمنه)) ما نصّه: وتابعه محمد بن إسحاق، وقال الليث: حدثني نافع: «قیمته)). انتھی. قال في ((الفتح)): قوله: ((تابعه محمد بن إسحاق))؛ يعني: عن نافع؛ أي: (١) ((الفتح)) ٥٨٢/١٥. (٢) ((الفتح)) ٥٨٢/١٥ - ٠٥٨٣ (٣) ((الكاعب)) هي التي بدت نُهُود ثدييها، والْمُعْصِر: المرأة التي بلغت شبابها، وأدركت، أو دخلت في الحيض، أو راهقت العشرين، أو وَلَدت، أو حُبست في البيت ساعة طَمِئَت، قاله في ((العدّة)) ٣٦٦/٤. (٤) ((إحكام الأحكام)) ٣٦٦/٤ بنسخة الحاشية ((العدّة)). ٣٧٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود في قوله: ((ثمنه))، وروايته موصولة عند الإسماعيليّ، من طريق عبد الله بن المبارك، عن مالك، ومحمد بن إسحاق، وعبيد الله بن عمر، ثلاثتهم عن نافع: ((عن النبيّ وََّ، أنه قطع في مِجَنّ ثمنه ثلاثة دراهم))، وقد أخرجه البخاريّ ◌َّتُهُ من رواية جُوَيرية، وهو ابن أسماء مثل هذا السياق سواء، ومن رواية عبيد الله، وهو ابن عمر؛ أي: العمريّ مثله، ومن رواية موسى بن عقبة، عن نافع، بلفظ: ((قطع النبيّ ◌َّو يد سارق ... )) مثله. وقوله: وقال الليث: حدثني نافع: ((قيمته))؛ يعني: أن الليث رواه عن نافع كالجماعة، لكن قال: ((قيمته)»، بدل قولهم: ((ثمنه)). ورواية الليث وصلها مسلم، عن قتيبة، ومحمد بن رمح، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر: ((أن النبيّ وَّ قطع سارقاً، في مِجَنّ، قيمته ثلاثة دراهم))، وأخرجه مسلم أيضاً، من رواية سفيان الثوريّ، عن أيوب السختيانيّ، وأيوب بن موسى، وإسماعيل بن أمية، ومن رواية ابن وهب، عن حنظلة بن أبي سفيان، ومالك، وأسامة بن زيد، كلهم عن نافع، قال بعضهم: ((ثمنه))، وقال بعضهم: ((قيمته))، هذا لفظ مسلم، ولم يُميِّز. وقد أخرجه أبو داود، من رواية ابن جريج، أخبرني إسماعيل بن أمية، عن نافع، ولفظه ((أن النبيّ وَّرَ قطع يد رجل سَرَق تُرْساً، من صُفَّة النساء، ثمنه ثلاثة دراهم)) . وأخرجه النسائي من رواية ابن وهب، عن حنظلة وحده، بلفظ: ((ثمنه))، ومن طريق مَخلَد بن يزيد، عن حنظلة، بلفظ: ((قيمته))، فوافق الليث، في قوله: ((قيمته))، لكن خالف الجميع، فقال: ((خمسة دراهم))، وقولُ الجماعة: (ثلاثة دراهم))، هو المحفوظ. وقد أخرجه الطحاويّ، من طريق عبيد الله بن عمر، بلفظ: ((قطع في مِجَنّ، قيمته))، ومن رواية أيوب، ومن رواية مالك، قال مثله، ومن رواية ابن إسحاق بلفظ: ((أُتي برجل سرق حَجَفَة قيمتها ثلاثة دراهم، فقطعه)). انتهى(١). وقال ابن دقيق العيد أيضاً: اختلف الفقهاء في النصاب في السرقة أصلاً وقَدْراً، أما الأصل: فجمهورهم على اعتبار النصاب، وشذّ الظاهرية فلم (١) ((الفتح)) ٥٨٢/١٥، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٧٩٥). ٣٧٩ (١) - بَابُ حَدِّ السَّرِقَةِ، وَنِصَابِهَا - حديث رقم (٤٣٩٨) يعتبروه، ولم يفرقوا بين القليل والكثير، وقالوا بالقطع فيهما، ونُقِل في ذلك وجه في مذهب الشافعيّ. والاستدلال بهذا الحديث على اعتبار النصاب ضعيف؛ فإنه حكاية فعل، ولا يلزم من القطع في هذا المقدار فعلاً عدم القطع فيما دونه نطقاً . وأما المقدار: فإن الشافعيّ يرى أن النصاب ربع دينار؛ لحديث عائشة المتقدّم، ويُقَوَّم ما عدا الذهب بالذهب، وأبو حنيفة يقول: إن النصاب عشرة دراهم، ويقوَّم ما عدا الفضة بالفضة، ومالك يرى: أن النصاب ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم، وكلاهما أصل، ويقوَّم ما عداهما بالدرهم. وكلا الحديثين يدل على خلاف مذهب أبي حنيفة، وأما هذا الحديث: فإن الشافعيّ بَيَّن أنه لا يخالف حديث عائشة ◌ّا، وأن الدينار كان اثني عشر درهماً وربعه ثلاثة دراهم، أعني صرفه ولهذا قُوِّمت الدية باثني عشر ألفاً من الوَرِق، وألف دينار من الذهب، وهذا الحديث يُستَدَلّ به لمذهب مالك في أن الفضة أصل في التقويم، فإن المسروق لمّا كان غير الذهب والفضة، وقوّم بالفضة دون الذهب دَلَّ على أنها أصل في التقويم، وإلا كان الرجوع إلى الذهب - الذي هو الأصل - أولى وأوجب، عند من يرى التقويم به. والحنفية في مثل هذا الحديث، وفیمن روی في حديث عائشة پا: ((القطع في ربع دينار فصاعداً)) يقولون - أو من قال منهم - في التأويل ما معناه: إن التقويم أمر ظنيّ تخمينيّ، فيجوز أن تكون قيمته عند عائشة ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، ويكون عند غيرها أكثر. وقد ضعّف غيرهم هذا التأويل، وشنّعه عليهم بما معناه: إن عائشة لم تكن لِتُخْبِر بما يدل على مقدار ما يُقطَع فيه، إلا عن تحقيق؛ لِعِظَم أمر القطع. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الردّ على الحنفيّة من أبلغ الردود عليهم، يقطع دابر رأيهم الضعيف، ويا للعجب لو رأيت ما كتبه صاحب ((تكملة فتح الملهم)) (٢) تبعاً لمن سبقه في هذا المحلّ، وحشد من الآثار الضعيفة في مقابلة ما في (١) ((إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام)) ٣٦٣/٤ - ٣٦٦. (٢) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٣٨٨/٢ - ٣٩٣. ٣٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحدود ((الصحيحين)) من حديث عائشة وغيرها، دفاعاً عنهم، وترجيحاً لرأيهم، لرأيت عجباً، ولولّيت هرباً، قاتل الله التعصّب، والله المستعان على تقليد يُعمِي، ويُصِمّ، اللهم أرنا الحقّ حقّاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، آمين. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر (المسألة الثانية): في تخريجه: هذا متّفقٌ عليه. أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣٩٨/١ و٤٣٩٩] (١٦٨٦)، و(البخاريّ) في ((الحدود)) (٦٧٩٥ و٦٧٩٦ و٦٧٩٧ و٦٧٩٨)، و(أبو داود) في ((الحدود)) (٤٣٨٥ و٤٢٨٦)، و(الترمذيّ) في ((الحدود)) (١٤٤٦)، و(النسائيّ) في ((قطع السارق)) (٤٩٠٨/٨ و٤٩٠٩ و٤٩١٠ و٤٩١١ و٤٩١٢) و((الكبرى)) (٧٣٩٣ و٧٣٩٤ و٧٣٩٥ و٧٣٩٦ و٧٣٩٧)، و(ابن ماجه) في ((الحدود)) (٢٥٨٤)، و(مالك) في ((الموطأ)) (١٥٧٢ و٢١٩٩)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٣٣٤/١)، و(عبد الرزاق) في ((مصنّفه)) (٢٣٦/١٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٧٤/٥)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٨٤٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦/٢ و٥٤ و٦٤ و٨٠ و٨٢ و١٤٥)، و(الدارميّ) في ((سُننه)) (٢٢٧/٢)، و(الطبريّ) في ((التفسير)) (٢٢٩/٦)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٢١٠/١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٠١/١٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣١٢/١٠ و٣١٤)، و(أبو عوانة) في (مسنده)) (١١٥/٤ - ١١٦)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٧٥/٦)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٦٢/٣)، و(الدارقطنيّ) في ((سُننه)) (١٩٠/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٥٦/٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٥٩٦)، وفوائد الحديث تقدّمت في شرح حديث عائشة ينا، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٩٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ رُمْح، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَخَّيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَذَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ (ح) وَحَذَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ؛ يَعْنِي: