النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ (٩) - بَابُ تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ، وَالأَعْرَاضِ، وَالأَمْوَالِ - حديث رقم (٤٣٧٥) وقال في موضع آخر: قيل في الجمع بين الحديثين: لعلهما واقعتان، وليس بشيء؛ لأن الخطبة يوم النحر إنما تُشْرَع مرة واحدةً، وقد قال في كل منهما: إن ذلك كان يوم النحر، وقيل في الجمع بينهما: إن بعضهم بادر بالجواب، وبعضهم سكت، وقيل في الجمع: إنهم فوَّضوا أوّلاً كلهم بقولهم: الله ورسوله أعلم، فلما سكت أجاب بعضهم دون بعض، وقيل: وقع السؤال في الوقت الواحد مرتين بلفظين، فلما كان في حديث أبي بكرة فخامة ليست في الأول؛ لقوله فيه: ((أتدرون)) سكتوا عن الجواب، بخلاف حديث ابن عباس؛ لخلوّه عن ذلك، أشار إلى ذلك الكرمانيّ تَخَّثُهُ، وقيل: في حديث ابن عباس اختصار، بيَّنته رواية أبي بكرة، وابن عمر، فكأنه أطلق قولهم: ((يوم حرام)) باعتبار أنهم قرروا ذلك بقولهم: ((بلى))، وسكت في رواية ابن عمر عن ذِكر جوابهم، وهذا جمعٌ حسن. انتهى ما في ((الفتح))(١). (قَالَ: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ) هذا الكلام على تقدير مضاف؛ أي: سفك دمائكم، وأخذ أموالكم، وثَلْبَ أعراضكم (قَالَ مُحَمَّدٌ)؛ أي: ابن سيرين (وَأَحْسِبُهُ)؛ أي: أظنّ ابن أبي بكرة، كأنه شكّ في قوله: ((وأعراضكم))، أقالها ابن أبي بكرة أم لا؟، ووقع في الرواية التالية الجزم بها، ولفظه: ((فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام ... )). (قَالَ: وَأَعْرَاضَكُمْ) و((الْعِرْضُ)) - بكسر العين المهملة، وسكون الراء، آخره ضاد معجمة -: هو موضع المدح والذّمّ من الإنسان، سواء كان في نفسه، أو سَلَفه، وقيل: العِرْض: الْحَسَب، وقيل: الخُلُق، وقيل: النفس، قاله في ((العمدة))(٢). وقال التوريشيّ: قوله: و((أعراضكم))؛ أي: أنفسكم وأحسابكم، فإن العِرض يقال للنفس، وللحسب، يقال: فلانٌ نَقِيُّ العِرْض؛ أي: بريء أن يُشتم، أو يُعاب، والعِرض: رائحة الجسد، وغيره، طيّبة كانت أو خبيثة. انتھی . (١) (الفتح)) ٦٩٩/٤، كتاب ((الحجّ)) رقم (١٧٤١). (٢) ((عمدة القاري)) ٥٥/٢. ٢٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ وقال في ((شرح السُّنّة)): لو كان المراد من العرض النفوس لكان تكراراً؛ لأن ذكر الدماء كافٍ؛ إذ المراد به النفوس. قال الطيبيّ: الظاهر أنه أراد بالأعراض الأخلاق النفسانيّة، والكلام فيه يحتاج إلى فضلٍ تأمّل، فالمراد بالعرض هنا: الخُلُقُ كما سبق، وفي قول الحماسيّ [من الطويل]: إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَدْنَسْ(١) مِنَ اللَّوْمِ عِرْضُهُ فَكُلُّ رِدَاءٍ يَرْتَدِيهِ جَمِيلٌ وفي قول أبي ضمضم: اللهمّ إني تصدّقت بعرضي على عبادك ما يرجع عليه عيبه، والتحقيق ما ذكره صاحب ((النهاية)): العرض موضع المدح والذّمّ من الإنسان، سواء كان في نفسه، أو في سلفه، ولَمّا كان موضع العِرض النفس قال من قال: العرض النفس؛ إطلاقاً للمحلّ على الحالّ، وحين كان المدح نسبة الشخص إلى الأخلاق الحميدة، والذمّ نسبته إلى الذميمة، سواء كانت فيه، أو لا قال من قال: العِرض الْخُلُق؛ إطلاقاً لاسم اللازم على الملزوم. انتهى قول الطيبيّ كَذِفُ(٢). (حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةٍ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ) قال القرطبيّ كَُّهُ: أي: ستوقفون في موقف العَرض موقف مَن لَقِي، فحَبَس حتَّى تُعْرَض عليه أعماله، فيُسأل عنها، وهذا إخبارٌ بمقام عظيم، وأمر هائل، لا يُقْدَرُ قدرُه، ولا يُتصوَّر هوله، أصبح الناس عن التذكر فيه معرضين، وعن الاستعداد له متشاغلين، فالأمر كما قال في كتابه المكنون: ﴿قُلْ هُوَ نَبَوَأْ عَظِيمٌ ﴿ أَنْتُ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦)﴾ [ص: ٦٧، ٦٨]، فنسأل الله تعالى من فضله أن يوقظنا من رقدتنا، وينبهنا من غفلتنا، ويجعلنا ممن استعدَّ للقائه، وكُفِي فواجِىءَ نِقْمَه وبلائه. انتهى(٣). (فَلَا تَرْجِعُنَّ) قال ابن مالك ◌َّتُهُ: رجع هنا استُعمل كصار معنى وعملاً؛ أي: لا تصيرُنَّ بعدي كفّاراً، ومنه قول الشاعر [من البسيط]: (١) من باب فَرِحَ. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٠١٥/٦ - ٢٠١٦. (٣) ((المفهم)) ٤٨/٥. ٢٨٣ (٩) - بَابُ تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ، وَالأَعْرَاضِ، وَالأَمْوَالِ - حديث رقم (٤٣٧٥) بِالْحِلْمِ فَادْرَأُ بِهِ بَغْضَاءَ ذِي إِحَنْ قَدْ يَرْجِعُ الْمَرْءُ بَعْدَ الْمَقْتِ ذَا مِقَةٍ (بَعْدِي)؛ أي: بعد موتي، أو بعد مقامي هذا، (كُفَّاراً (١) - أَوْ ضُلَّالاً) ((أو)) للشكّ من الراوي، و((الضلّال)) بضم الضاد المعجمة، وتشديد اللام: جمع ضالّ، كالكفّار: جمع كافر، كما قال في ((الخلاصة)): وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَازِلَهْ وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ وَذَانِ فِي الْمُعَلِّ لَاماً نَدَرَا وَمِثْلُهُ الْفُعَالُ فِيمَا ذُكِّرًا قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم في ((كتاب الإيمان)) في شرح حديث جرير بن عبد الله ظه [٢٣٠/٣١] (٦٥) بيان ما قيل في قوله وَليلى: «فلا ترجعنّ بعدي كفّاراً ... إلخ)، وهي عشرة أقوال، فراجعها تستفد(٢). وأقرب الأقوال عندي قول من قال: لا تفعلوا فعل الكفّار؛ لأنهم الذين يقتل بعضهم بعضاً، أما المسلم فواجبه أن ينصر أخاه المسلم، فإذا ترك ذلك، وقاتَله فقد فَعل فِعل الكفّار، والله تعالى أعلم. (يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) بجزم ((يضرب)) على أنه جواب النهي، وبرفعه على الاستئناف، أو يُجعَل حالاً، فعلى الأول يَقْوَى الحمل على الكفر الحقيقيّ، ويُحتاج إلى التأويل بالمستحلّ مثلاً، وعلى الثاني لا يكون متعلقاً بما قبله، ويَحْتَمِل أن يكون متعلقاً، وجوابه ما تقدم، قاله في ((الفتح))(٣). وقال الطيبيّ نَّهُ بعد ذكر جواز الوجهين: أقول: على الرفع جملة مستأنفة مبيّنة لقوله: ((فلا ترجعنّ بعدي ضُلّالاً))، فينبغي أن يُحمل على العموم، وأن يقال: لا يظلم بعضكم بعضاً، فلا تسفكوا دماءكم، ولا تهتكوا أعراضكم، ولا تستبيحوا أموالكم، ونحوه ــ أي: في إطلاق الخاصّ، وإرادة العامّ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى كُلْمًا﴾ الآية [النساء: ١٠]. انتهى (٤). قال النوويّ نَّثُهُ: لا حجة فيه لمن يقول بالتكفير بالمعاصي، بل المراد (١) وفي نسخة: ((فلا ترجعنّ بعدي ضُلّالاً)). (٢) راجع: ٢/ ٤٤٧ من هذا الشرح. (٣) ((الفتح)) ١٦/ ٤٤٧، كتاب ((الفتن)) رقم (٧٠٧٨). (٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٠١٦/٦. ٢٨٤ = البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ به: كفران النِّعم، أو هو محمول على من استحلّ قتال المسلمين بلا شبهة. (١) انتھی(١) . وقال القرطبيّ تَّهُ: بهذا وأشباهه كَفّر الخوارج عليّاً، ومعاوية، وأصحابهما، وهذا إنما صدر عنهم؛ لأنَّهم سمعوا الأحاديث ولم يُحِطْ بها فهمهم، كما قرؤوا القرآن، ولم يجاوز تراقيهم، فكأنهم ما قرؤوا قول الله رأيك: ﴿وَإِن ◌َاِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠]، فأبقى عليهم اسم الإيمان وأخوّته، مع أنهم قد تقاتلوا، وبغت إحداهما على الأخرى، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨ و١١٦]، والقتل ليس بشرك بالاتفاق والضرورة، وكأنهم لم يسمعوا قول رسول الله ويليه: ((تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، فمن وفّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئاً من ذلك فعوقب به فهو كفارةٌ له))، وقد تقدم هذا المعنى في ((كتاب الإيمان)). وإنَّما يُحْمَل الحديث على التشبيه تغليظاً؛ وذلك: أن المسلمين إذا تحاجزوا، وتقاتلوا؛ فقد ضلَّت الطائفة الباغية منهما، أو كلاهما إن كانتا باغيتين عن الحق، وكفرت حقّ الأخرى وحرَّمتها، وقد تشبّهوا بالكفار، وكأنه وَ﴿ اطّلع على ما يكون في أمَّته من الْمِحَن والفتن، فحذَّر من ذلك، وغلَّظه بذلاً للنصيحة، ومبالغة في الشفقة. انتهى (٢). (أَلَا، لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ)؛ أي: الحاضر في هذا المجلس (الْغَائِبَ)؛ أي: الذي غاب عنه، والمراد: إما تبليغ الخطبة المذكورة، أو تبليغ جميع الأحكام، (فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلَّغُهُ) بضمّ أوله، وتشديد اللام، مبنيّاً للمفعول، (يَكُونُ أَوْعَى)؛ أي: أحفظ، من الوعي، وهو الحفظ والفهم(٣). (لَهُ مِنْ بَعْضٍٍ مَنْ سَمِعَهُ))) ((من)) صلة لأفعل التفضيل، وجاز الفصل بينهما؛ لأنَّ يُتوسّع في الظرف، وأيضاً فليس الفاصل أجنبيّاً . (١) ((شرح النوويّ)) ١٦٩/١١. (٣) ((عمدة القاري)) ٥٥/٢. (٢) ((المفهم)) ٤٨/٥ - ٤٩. ٢٨٥ (٩) - بَابُ تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ، وَالأَعْرَاضِ، وَالأَمْوَالِ - حديث رقم (٤٣٧٥) ووقع في رواية: ((فربّ مُبَلَّغ أوعى من سامع))، والْمُبَلَّغ - بفتح اللام - أي: رب شخص بَلَغَه كلامي، فكان أحفظ له، وأفهم لمعناه من الذي نقله له، قال المهلَّب ◌َّتُهُ: فيه أنه يأتي في آخر الزمان من يكون له من الفهم في العلم ما ليس لمن تقدمه، إلا أن ذلك يكون في الأقل؛ لأن ((رُبّ)) موضوعة للتقليل. قال الحافظ: هي في الأصل كذلك، إلا أنها استُعملت في التكثير بحيث غلبت على الاستعمال الأول، لكن يؤيد أن التقليل هنا مرادٌ أنه وقع في رواية أخرى: ((عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه)). انتهى(١). (ثُمَّ قَالَ) ◌ِ ((أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟))) قال القرطبيّ ◌َخَُّ: هذا استفهام على جهة التقرير؛ أي: قد بلّغتكم ما أُمرت بتبليغه لكم، فلا عُذر لكم؛ إذ لم يقع مني تقصير في التبليغ. ويَحْتَمِل: أن يكون على جهة استعلام ما عندهم، واستنطاقهم بذلك، كما تقدَّم في حديث جابر ظُه، حيث ذكر خطبته وَّهُ بعرفة، فقال: ((وأنتم تسألون عنِّي، فما أنتم قائلون؟))، قالوا: نشهد: أنك قد بلَّغت، وأدَّيت، ونصحت، فقال بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء، ويَنْكُبُها إلى الناس: ((اللهم! اشهد - ثلاث مرات )). انتهى(٢). وقوله: (قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ) هو يحيى شيخه الثاني (فِي رِوَايَتِهِ: ((وَرَجَبُ مُضَرَ))، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ: ((فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي))) هذا كلّه بيان لاختلاف شيخيه: أبي بكر بن أبي شيبة، ويحيى بن حبيب في بعض ألفاظ المتن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي بكرة حبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣٧٥/٩ و٤٣٧٦ و٤٣٧٧ و٤٣٧٨] (١٦٧٩)، (١) ((الفتح)) ٧٠١/٤، كتاب ((الحجّ)) رقم (١٧٣٩). (٢) ((المفهم)) ٤٩/٥ - ٥٠. ٢٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ و(البخاريّ) في ((العلم)) (٦٧ و١٠٥) و((الحجّ)) (١٧٤١) و((بدء الخلق)) (٣١٩٧) و((المغازي)) (٤٤٠٦) و((التفسير)) (٤٦٦٢) و((الأضاحي)) (٥٥٥٠) و((الفتن)) (٧٠٧٨) و((التوحيد)) (٧٤٤٧)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (١٩٤٨)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٦٩/٢)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (٢٣٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٧/٥ و٣٩ و٤٥ و٤٩)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٩٥٢)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٣٨٤٨ و٥٩٧٣ و٥٩٧٤)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١٠٣/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٩٦/٣)، و(البزّار) في (مسنده) (٨٥/٩ و٢٩٩/١٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٤٠/٥ و١٦٥ و١٦٦) و((المعرفة)) (١٥٢/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (١٩٦٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحث على تبليغ العلم، قال النوويّ تَخْثُهُ: فيه وجوب تبليغ العلم، وهو فرض كفاية، فيجب تبليغه بحيث ينتشر، وقال القرطبيّ ◌َظّتُهُ: فيه الأمر بتبليغ العلم، ونَشْره، وهو فرضٌ من فروض الكفايات. انتهى. ٢ - (ومنها): جواز التحمل قبل كمال الأهلية، وأن الفهم ليس شرطاً في الأداء. ٣ - (ومنها): أنه قد يأتي في الآخِر من يكون أفهم ممن تقدَّمه، لكن بقلّة؛ لقوله: ((ربّ مبلَّغ ... إلخ)). ٤ - (ومنها): أنه استنبط ابن الْمُنِّير ◌َُّ من تعليل كون المتأخّر أرجح نظراً من المتقدِّم أن تفسير الراوي أرجح من تفسير غيره. ٥ - (ومنها): تأكيد التحريم، وتغليظه بأبلغ ممكن من تكرار ونحوه. ٦ - (ومنها): مشروعية ضرب المَثَل، وإلحاق النظير بالنظير؛ ليكون أوضح للسامع، وإنما شبَّه وَّه حرمة الدم، والعرض، والمال بحرمة اليوم، والشهر، والبلد؛ لأن المخاطَبين بذلك كانوا لا يرون تلك الأشياء، ولا يرون هتك حرمتها، ويعيبون على من فعل ذلك أشد العيب، وإنما قدم السؤال عنها تذكاراً لحرمتها، وتقريراً لِمَا ثبت في نفوسهم ليبني عليه ما أراد تقريره على ٢٨٧ (٩) - بَابُ تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ، وَالأَعْرَاضِ، وَالأَمْوَالِ - حديث رقم (٤٣٧٥) سبيل التأكيد، قاله في ((الفتح)) (١). ٧ - (ومنها): جواز القعود على ظهر الدواب، وهي واقفة إذا احتيج إلى ذلك، وحُمِل النهي الوارد في ذلك على ما إذا كان لغير ضرورة. ٨ - (ومنها): استحباب الخطبة على موضع عال؛ ليكون أبلغ في إسماعه للناس، ورؤيتهم إياه. ٩ - (ومنها): ما قاله القرطبي من أن قوله وَلفيه: ((فلعل بعض من يبلَّغه ... إلخ)): فيه حجة على جواز أخذ العلم والحديث عمَّن لا يفقه ما ينقل؛ إذا أدَّاه كما سمعه، وهذا كما قال ◌َ له فيما خرَّجه الترمذي: ((نضَّر الله امرءاً سمع منَّا حديثاً فبلَّغه غيره كما سمعه، فربَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه، وربَّ حامل فقه ليس بفقيه))، فأمَّا نقلُ الحديث بالمعنى، فمن جوَّزه إنَّما جوَّزه من الفقيه العالم بمواقع الألفاظ، ومن أهل العلم من مَنع ذلك مطلقاً، وقد تقدّم ذلك. انتھی. ١٠ - (ومنها): ما قال القرطبيّ تَخْتُ: وفيه حجّة على أن المتأخر قد يَفْهَم من الكتاب والسُّنّة ما لم يخطر للمتقدم؛ فإن الفهم فضل الله يؤتيه من يشاء، لكن هذا يندر ويَقِلّ، فأين البحر من الوَشَل(٢)، والعَلُّ من العَلَلِ؟ ليس التكّل في العينين كالكحل. انتهى(٣). ١١ - (ومنها): أن العالم يجب عليه تبليغ عِلمه لمن لم يبلغه، وتفهيمه لمن لم يفهمه، وهذا هو الميثاق الذي أخذه الله تعالى على العلماء بقوله رَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبِيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٧]. ١٢ - (ومنها): أن من كان حافظاً للعلم غير عالم بمعناه محسوب في زمرة أهل العلم. (١) ((الفتح)) ٧٠١/٤ رقم (١٧٣٩). (٢) ((الوشل)): الماء القليل يتحلّب من جبل، أو صخرة، يقطر منه قليلاً، لا يتّصل قطره . (٣) ((المفهم)) ٤٩/٥. ٢٨٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ ١٣ - (ومنها): استحباب الخطبة يوم النحر لقول أبي بكرة وظيفته: ((خطبنا النبيّ وَ ﴿ يوم النحر ... ))، وفيه ردّ على من قال: إنها لا تُشرع، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفَّى في ((كتاب الحجّ))، ولله الحمد والمنّة. ١٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ تَّلهُ: وقد أجمع المسلمون على أن الأشهر الحرم الأربعة، هي هذه المذكورة في الحديث، ولكن اختلفوا في الأدب المستحبّ في كيفية عَدِّها، فقالت طائفة من أهل الكوفة، وأهل الأدب: يقال: المحرم، ورجب، وذو القعدة، وذو الحجة؛ لتكون الأربعة من سنة واحدة، وقال علماء المدينة، والبصرة، وجماهير العلماء: هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، ثلاثة سردٌ، وواحد فردٌ، وهذا هو الصحيح الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة، منها هذا الحديث الذي نحن فيه، وعلى هذا الاستعمال أطبق الناس من الطوائف كلها. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَقْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٧٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَبْع، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةُ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ، فَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَأَخَذَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ، فَقَالَ: (أَتَدْرُونَ أَُ يَوْمِ هَذَا؟))، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، حَتَّى ظَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّبِهِ سِوَى اسْمِهِ، فَقَالَ: ((أَلَيْسَ بِيَوْمِ النَّحْرِ؟))، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟))، قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهَ أَعْلَمُ، قَالَ: ((أَلَيْسَ بِذِي الْحِجَّةِ؟))، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((فَأَّ بَلَدٍ هَذَا؟))، قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ - قَالَ -: حَتَّى ظَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: ((أَلَيْسَ بِالْبَلْدَةِ؟))، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ یَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ))، قَالَ: ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنٍ، فَذَبَحَهُمَا، وَإِلَى جُزَيْعَةٍ مِنَ الْفَنَمِ، فَقَسَمَهَا بَيْنَنَا). (١) ((شرح النوويّ)) ١٦٨/١١. ٢٨٩ (٩) - بَابُ تَغْلِيظِ تَحْرِيم الدِّمَاءِ، وَالأَعْرَاضِ، وَالأَمْوَالِ - حديث رقم (٤٣٧٦) رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، طُلب للقضاء، فامتنع [١٠] (ت٢٥٠) أو بعدها (ع) أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) الْعَيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ) بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ فقيهٌ [٥] (ت١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٣. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (لَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ) أراد به يوم النحر، كما بيّنه في الرواية الثالثة، بقوله: ((خطبنا رسول الله وَ﴾ يوم النحر)). وقوله: (قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ) بفتح الموحّدة، وبعض العرب يكسرها، وهو الجمل، ويُطلق على الأنثى أيضاً. وقوله: (وَأَخَذَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ) ووقع في رواية للبخاريّ: ((وأمسك إنسان بخطامه، أو بزمامه)) على الشكّ، قال في (الفتح)): الشك من الراوي، والزمام، والخطام بمعنى، وهو الخيط الذي تُشَدّ فيه الحلقة التي تُسَمَّى بِالْبُرَة - بضم الموحدة، وتخفيف الراء المفتوحة - في أنف البعير. وهذا المُمْسِك سمّاه بعض الشراح بلالاً ظَته، واستَنَد إلى ما رواه النسائيّ من طريق أم الحصين ها، قالت: حججت، فرأيت بلالاً يقود بخطام راحلة النبيّ ◌َّر. انتهى. وقد وقع في ((السنن)) من حديث عمرو بن خارجة عظته قال: كنت آخذاً بزمام ناقة النبيّ ◌َ﴿. انتهى، فذكر بعض الخطبة، فهو أولى أن يفسّر به المبهَمِ من بلال، لكن الصواب أنه هنا أبو بكرة، فقد ثبت ذلك في رواية الإسماعيليّ، من طريق ابن المبارك، عن ابن عون، ولفظه: ((خطب رسول الله ◌َ﴿ على راحلته يوم النحر، وأمسكتُ، إما قال: بخطامها، وإما قال: بزمامها))، واستفدنا من هذا أن الشك ممن دون أبي بكرة، لا منه، ٢٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ وفائدة إمساك الخطام صون البعير عن الاضطراب، حتى لا يشوّش على راكبه. (١) انتھی وقوله: (قَالَ: ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنٍ، فَذَبَحَهُمَا، وَإِلَى جُزَيْعَةٍ مِنَ الْغَنَمِ، فَقَسَمَهَا بَيْتَنَا). قال النوويّ تَخُّْ: قوله: (انكفأ) بهمز آخره؛ أي: انقلب، والأملح هو الذي فيه بياض وسواد، والبياض أكثر. وقوله: (جزيعة) بضم الجيم، وفتح الزاي، ورواه بعضهم: جَزِيعة بفتح الجيم، وكسر الزاي، وكلاهما صحيح، والأول هو المشهور في رواية المحدِّثين، وهو الذي ضبطه الجوهريّ وغيره من أهل اللغة، وهي القطعة من الغنم، تصغير جِزْعة، بكسر الجيم، وهي القليل من الشيء، يقال: جَزَعَ له من ماله؛ أي: قطع، وبالثاني ضبطه ابن فارس في ((المجمل))، قال: وهي القطعة من الغنم، وكأنها فَعِيلة بمعنى مفعولة، كضَفِيرة بمعنى مضفورة. قال القاضي عياض: قال الدارقطنيّ: قوله: ((ثم انكفأ)) إلى آخر الحديث وَهَمّ من ابن عون فيما قيل، وإنما رواه ابن سيرين، عن أنس، فأدرجه ابن عون هنا في هذا الحديث، فرواه عن ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبيّ وَّ، قال القاضي: وقد رَوَى البخاريّ هذا الحديث عن ابن عون، فلم يَذكر فيه هذا الكلام، فلعله تركه عمداً، وقد رواه أيوب، وقُرّة، عن ابن سيرين في كتاب مسلم في هذا الباب، ولم يذكروا فيه هذه الزيادة، قال القاضي: والأشبه أن هذه الزيادة إنما هي في حديث آخر في خطبة عيد الأضحى، فوَهِم فيها الراوي، فذَكَرها مضمومة إلى خُطبة الحَجة، أو هما حديثان ضمّ أحدهما إلى الآخر. وقد ذكر مسلم هذا بعد هذا في ((كتاب الضحايا)) من حديث أيوب، وهشام، عن ابن سيرين، عن أنس، أن النبيّ وَّ ه صلى، ثم خطب، فأمر من كان ذبح قبل الصلاة أن يعيد، ثم قال في آخر الحديث: ((فانكفأ رسول الله وَله إلى كبشين أملحين، فذبحهما، فقام الناس إلى غُنيمة، فتوزّعوها))، فهذا هو (١) ((الفتح)) ٢٨٠/١، كتاب ((العلم)) رقم (٦٧). ٢٩١ (٩) - بَابُ تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ، وَالأَعْرَاضِ، وَالأَمْوَالِ - حديث رقم (٤٣٧٧ -٤٣٧٨) الصحيح، وهو دافع للإشكال. انتهى(١). والحديث متّفقٌ عليه دون قوله: ((ثم انكفأ ... إلخ))، كما سمعته آنفاً، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٧٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدٌ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ، جَلَسَ النَِّيُّ وَهِ عَلَى بَعِيرٍ - قَالَ -: وَرَجُلٌ آخِذٌ بِزِمَامِهِ - أَوْ قَالَ بِخِطَامِهِ - فَذَكَرِ نَحْوَ حَدِيثٍ يَزِيدَ بْنِ زُرَبْعٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ) التميميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٢) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١١٤٠/٥١. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْع) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير حمّاد بن مسعدة . [تنبيه]: رواية حمّاد بن مسعدة، عن ابن عون هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَفُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٧٨] ( ... ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيَرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَعَنْ رَجُلِ آخَرَ، هُوَ فِي نَفْسِي أَفْضَلُ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ، وَأَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، بِإِسْنَادِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ - وَسَمَّى الرَّجُلَ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَوْمَ النَّحْرِ، (١) ((شرح النوويّ)) ١٧٠/١١ - ١٧٢. ٢٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ فَقَالَ: ((أَّ يَوْمِ هَذَا؟))، وَسَاقُوا الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عَوْنٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ: ((وَأَعْرَاضُكُمْ))، وَلَا يَذْكُرُ: ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنٍ، وَمَا بَعْدَهُ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: ((كَحُرْمَةٍ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، إِلَى يَوْمٍ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، أَا، هَلْ بَلَّغْتُ؟))، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ((اللَّهُمَّ اشْهَدْ)). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم بْنِ مَيْمُونٍ) البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوق فاضلٌ، ربما وَهِم [١٠] (ت٥َ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٤. ٢ - (يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قريباً. ٣ - (قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ) السَّدُوسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظ [٦] (ت١٥٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٦/٦. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ) هو: محمد بن عمرو بن عبّاد بن جَبَلَةَ بن أبي رَوّاد الْعَتَكيّ، أبو جعفر البصريّ، صدوقٌ [١١] (ت٢٣٤) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ٣٤٨/٦٣. ٥ - (أَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ) هو: أحمد بن الحسن بن خِرَاش البغداديّ، أبو جعفر، صدوقٌ [١١] (٢٤٢) (م ت) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٠/٤٢. ٦ - (أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو) القيسيّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت٤ أو ٢٠٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢١/٤. ٧ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الْحِمْيَريّ البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ع) تقدم في ((المقدمة)) جـ٢ ص٤٩١. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَعَنْ رَجُلِ آخَرَ، هُوَ فِي نَفْسِي أَفْضَلُ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ) الرجل هو: حميد بن عبد الرحمن الحميريّ، كما في الرواية التالية، وإنما كان عند ابن سيرين أفضل من عبد الرحمن بن أبي بكرة؛ لأنه دخل في الولايات، وكان حميد زاهداً، قاله في ((الفتح))(١). (١) ((الفتح)) ٧٠٠/٤، كتاب ((الحجّ)) رقم (١٧٤١). ٢٩٣ (٩) - بَابُ تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ، وَالأَعْرَاضِ، وَالأَمْوَالِ - حديث رقم (٤٣٧٨) وقوله: (وَسَمَّى الرَّجُلَ ... إلخ) فاعل ((سَمَّى)) ضمير لأبي عامر عبد الملك بن عمرو. وقوله: (وَسَاقُوا الْحَدِيثَ ... إلخ) هكذا النُّسخ، والظاهر أن الصواب أن يقول: ((وساق الحديث)) بإفراد الضمير، وهو ضمير قُرّة، وكذا الضمير في ((لم يذكر)) في الموضعين بعده، وإنما جزمت بالتصويب؛ لأنه هكذا وقع بالإفراد في ((مستخرج أبي عوانة على صحيح مسلم)) (١٠٣/٤ - ١٠٤). ويمكن أن يكون لِمَا هنا وجه أيضاً، وهو أن الواو ضمير شيوخه الثلاثة: محمد بن حاتم، ومحمد بن عمرو، وأحمد بن خِراش، ولكن لا بعده، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ) في الموضعين الظاهر أن الفاعل ضمير قُرّة، وكذا قوله الآتي: ((وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ ... إلخ))، والله تعالى أعلم. وقوله: (اللَّهُمَّ اشْهَدْ) إنما قال ذلك؛ لأنه كان فرضاً عليه أن يبلِّغ، فأشهد الله على أنه أَذَّى ما أوجبه عليه، والله تعالى أعلم. وقوله: (إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ) بفتح ((يومَ)) وكسره مع التنوين وعدمه، وترك التنوين مع الكسر هو الذي ثبتت به الرواية، قاله في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا الله عنه: وإنما جاز في ((يوم) الوجهان؛ لأنه أضيف إلى جملة فعليّة، فِعلها معرَّب، فجاز فيه الوجهان على الأصحّ، كما أشار إليه ابن مالك في ((الخلاصة)): وَاخْتَرْ بِنَا مَتْلُوِّ فِعْلٍ بُنِيَا وَابْنِ أَوَ اعْرِبْ مَا كَـ«إِذْ)) قَدْ أُجْرِيَا أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا [تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد القطّان، عن قرّة بن خالد، عن محمد بن سيرين، ساقها البخاريّ ◌َُّ في ((صحيحه))، فقال: (٦٦٦٧) - حدّثنا مسدّد، حدّثنا يحيى، حدّثنا قُرّة بن خالد، حدّثنا ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبي بكرة، وعن رجل آخر، هو (١) ((الفتح)) ٧٠١/٤، كتاب ((الحجّ)) رقم (١٧٤١). ٢٩٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ أفضل في نفسي(١) من عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبي بكرة: أن رسول الله ◌َ* خطب الناس، فقال: ((ألا تدرون أيُّ يوم هذا؟))، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: ((أليس بيوم النحر؟))، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: ((أيّ بلد هذا؟ أليست بالبلدة؟))، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: ((فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، وأبشاركم(٢)، عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟))، قلنا: نعم، قال: ((اللهم اشهد، فليبلغ الشاهدُ الغائبَ، فإنه ربّ مُبَلَّغ يبلِّغه من هو أوعى له))، فكان كذلك(٣)، قال: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض)). فلما كان يومُ حُرِّقَ ابنُ الحضرميّ(٤) حين حرَّقه جارية بن قدامة، قال: أَشْرِفوا على أبي بكرة(٥)، فقالوا: هذا أبو بكرة يراك (٦)، قال عبد الرحمن: فحدثتني أمي (٧)، عن أبي بكرة، أنه قال: لو دخلوا عليّ ما بَهِشتُ بِقَصَبَةٍ (٨). انتهى(٩). (١) قوله: ((رجل آخر)) هو حميد بن عبد الرحمن بن عوف. (٢) (أبشاركم) جمع بشرة وهي ظاهر الجلد من الإنسان. (٣) (فكان كذلك) من كلام محمد بن سيرين؛ أي: وقع ما قاله وَّر، فقد بلّغ كثيرون غيرهم، وكان المبلَّغون أحفظ وأكثر فهماً من المبلِّغين. (٤) (ابن الحضرمي) هو: عبد الله بن عمرو بن الحضرمي. وكان معاوية به أرسل ابن الحضرمي يستنصر أهل البصرة على علي ﴿ه، فوجّه علي ظه جارية بن قدامة فحصره، فتحصَّن ابن الحضرمي في دار فأحرقها عليه. وكان هذا سنة ثمان وثلاثين. راجع: ((الفتح)) ١٦/ ٤٧٣، كتاب ((الفتن)) رقم (٧٠٧٨). (٥) (أشرفوا على أبي بكرة) ليروا هل هو منقاد لعلي ظه أم لا؟ وكان أبو بكرة يسكن البصرة. (٦) (يراك) وما صنعت بابن الحضرمي؛ أي: ولم يُنكر عليك بكلام ولا بسلاح. (٧) (أمي) هالة بنت غليظ العجلية (٨) (ما بهشت بقصبة) بفتح الهاء، وقيل: بفتحها؛ أي: ما دفعتهم بها، قال ذلك حين سمعهم قالوا ما قالوا؛ لأنه ظُه كان يكره الفتنة بين المسلمين، ولا يرى التحرك إليها مع إحدى الطائفتين، بل يُؤثِر العزلة في هذا. (٩) ((صحيح البخاريّ)) ٢٥٩٣/٦. ٢٩٥ (١٠) - بَابُ صِحَّةِ الإِقْرَارِ بِالْقَتْلِ، وَتَمْكِينٍ وَلِيِّ الْقَبِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٧٩) وأما رواية أبي عامر عبد الملك بن عمرو، عن قرّة بن خالد، عن محمد بن سيرين، فقد ساقها البخاريّ كَُّهُ في ((صحيحه)) أيضاً، فقال: (١٦٥٤) - حدّثني عبد الله بن محمد، حدّثنا أبو عامر، حدّثنا قُرّة، عن محمد بن سيرين، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبي بكرة، ورجل أفضل في نفسي من عبد الرحمن، حميد بن عبد الرحمن، عن أبي بكرة حظه قال: خطبنا النبي وَ* يوم النحر، قال: أتدرون أيّ يوم هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت، حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: ((أليس يوم النحر؟)) قلنا: بلى، قال: ((أي شهر هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت، حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: ((أليس ذو الحجة؟)) قلنا: بلى، قال: ((أي بلد هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت، حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: ((أليست بالبلدة الحرام؟)) قلنا: بلى، قال: ((فإن دماءكم، وأموالكم، عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟)) قالوا: نعم، قال: ((اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلّغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾. (١٠) - (بَابُ صِحَّةِ الإِقْرَارِ بِالْقَتْلِ، وَتَمْكِينٍ وَلِيِّ الْقَتِيلِ مِنَ الْقِصَاصِ، وَاسْتِحْبَابٍ طَلَبِ الْعَفْوِ مِنْهُ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْ أوّل الكتاب قال: [٤٣٧٩] (١٦٨٠) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو يُونُسَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ وَائِلِ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، قَالَ: إِنِّي لَقَاعِدٌ مَعَ النَّبِيِّ نَّهِ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ (٢) يَقُودُ آخَرَ بِنِسْعَةٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا قَتَلَ أَخِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَقَتَلْتَهُ؟))، فَقَالَ: إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ أَقَمْتُ (١) ((صحيح البخاريّ)) ٦٢٠/٢. (٢) وفي نسخة: ((إذ جاءه رجل)). ٢٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ عَلَيْهِ الْبَيْئَةَ، قَالَ: نَعَمْ قَتَلْتُهُ، قَالَ: ((كَيْفَ قَتَلْتَهُ؟))، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَهُوَ نَخْتَبِطُ مِنْ شَجَرَةٍ، فَسَبَّنِي، فَأَغْضَبَنِي، فَضَرَبْتُهُ بِالْفَأْسِ عَلَى قَرْنِهِ، فَقَتَلْتُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ: (هَلْ لَكَ مِنْ شَيْءٍ تُؤَدِّيهِ عَنْ نَفْسِكَ؟))، قَالَ: مَا لِي مَالُ، إِلَّا كِسَائِي، وَفَأْسِي، قَالَ: ((فَتَرَى قَوْمَكَ يَشْتَرُونَكَ؟))، قَالَ: أَنَا أَهْوَنُ عَلَى قَوْمِي مِنْ ذَاكَ، فَرَمَى إِلَيْهِ بِسْعَتِهِ، وَقَالَ: ((دُونَكَ صَاحِبَكَ))، فَانْطَلَقَ بِهِ الرَّجُلُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: (إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ))، فَرَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنََّكَ(١) قُلْتَ: ((إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ))، وَأَخَذْتُهُ بِأَمْرِلَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((أَمَا تُرِيدُ أَنْ يَبُوءَ بِإِثْمِكَ، وَإِثْمِ صَاحِبِكَ))، قَالَ: يَا نَبِيَّ اللّهِ - لَعَلَّهُ، قَالَ : - بَلَى، قَالَ: ((فَإِنَّ ذَاكَ كَذَاَكَ))، قَالَ: فَرَمَى بِنِسْعَتِهِ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضاً قبل باب. ٣ - (أَبُو يُونُسَ) حاتم بن أبي صغيرة البصريّ، وأبو صغيرة اسمه مسلم، وهو جدّه لأمه، وقيل: زوج أمه، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في ((الحج)) ٣٢٤٩/٦٧. ٤ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريباً. ٥ - (عَلْقَمَةُ بْنُ وَائِلِ) بن حُجْر الحضرميّ الكوفيّ، صدوقٌ [٣] (ي م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤. ٦ - (أَبُوهُ) وائل بن حُجْر - بضمّ المهملة، وسكون الجيم - ابن سعد بن مسروق الْحَضْرميّ، صحابيّ جليلٌ، وكان من ملوك اليمن، ثم سكن الكوفة، مات رَبه في ولاية معاوية الله (رم ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤. شرح الحديث: (عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ وَائِلِ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ) فيه تصريح بسماع علقمة من أبيه، وفيه خلاف، والأصحّ أنه سمع منه، فقد ذكر الإمامان: (١) وفي نسخة: ((يا رسول الله، بلغني أنك قلت)). ٢٩٧ (١٠) - بَابُ صِحَّةِ الإِقْرَارِ بِالْقَتْلِ، وَتَمْكِينٍ وَلِيِّ الْقَتِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٧٩) البخاريّ في ((تاريخه))، والترمذيّ في ((جامعه)) أنه سمع من أبيه، وإنما الذي لم يسمع من أبيه هو أخوه عبد الجبّار، وهو مذهب الإمام مسلم تَخْثُهُ، حيث أخرج حديثه هنا مصرِّحاً بتحديث أبيه له، فما قاله في ((تقريب التهذيب)): إنه لم يسمع من أبيه غير صحيح، فليُتَنّه، والله تعالى أعلم. (قَالَ) وائل تَظُبه (إِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في الابتداء، كما قال في «الخلاصة» : فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ وَحَيْثُ ((إِنَّ) لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ (لَقَاعِدٌ مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ) وفي بعض النسخ: ((إذ جاءه رجلٌ) (يَقُودُ آخَرَ)؛ أي: رجلاً آخر، قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرف الرجلين، ولا المقتول. انتهى(١). (بِنِسْعَةٍ) - بنون مكسورة، ثم سين ساكنة، ثم عين مهملة -: هي حبلٌ من جلود مضفورة، قاله النوويّ تَّهُ(٢). وقال القرطبيّ تَقَّتُهُ: ((النِّسْعَةُ)): ما ضُفّر من الأَدَم كالحبال، وجمْعُها أنساع، فإذا قُتل، ولم يُضفَّر، فهو الجديل، والْجَدْلُ: الفتل، وفيه من الفقه: العنف على الجاني، وتوثيقه، وأخذ الناس له، حتى يُحضروه إلى الإمام، ولو لم يُجعل ذلك للناس لفرّ الْجُناة، وفاتوا، ولَتعذّر نصر المظلوم، وتغيير المنكر. انتهى (٣). (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا قَتَلَ أَخِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَقَتَلْتَهُ؟)))؛ أي: أخا المدّعي (فَقَالَ) الرجل المدّعي (إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ)؛ أي: يُقرّ بقتله (أَقَمْتُ عَلَيْهِ الْبَيِّئَةَ) قال القرطبيّ ◌َُّ: فيه بيان أن الأصل في ثبوت الدماء الإقرار، أو البيّنة، وأما القسامة فعلى خلاف الأصل، كما تقدّم، وفيه استقرار المحبوس، والمتهدّد، وأَخْذه بإقراره، وقد اختَلفَ في ذلك العلماء، واضطرب مذهب مالك في إقراره بعد الحبس والتهديد، هل يُقبل جملةً، أو لا يقبل جملةً؟، والفرق: فيُقبل إذا عيَّن ما اعترف به، من قَتْل، أو سرقة، ولا يُقبل إذا لم يُعيِّن، ثلاثة أقوال. انتهى (٤). (١) (تنبيه المعلم)) ص٢٨٨. (٣) ((المفهم)) ٥٢/٥. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٧٢/١١. (٤) ((المفهم)) ٥٢/٥ - ٥٣. ٢٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((وأما القسامة ... إلخ)) فيه نظر لا يخفى، وقد قدّمنا تحقيقه في بابه، ثم إن القول بأخذه بالإقرار هو الظاهر؛ لهذا الحديث، فتأمل، والله تعالى أعلم. (قَالَ) الرجل المدّعَى عليه (نَعَمْ قَتَلْتُهُ، قَالَ) وَلِهِ مستثبتاً كيفيّة قتله («كَيْفَ قَتَلْتَهُ؟)))؛ أي: هل قتلته عمداً، أو خطأ؟ قال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((كيف قتلته؟)): سؤال استكشاف عن حال القتل؛ لإمكان أن يكون خطأً، أو عمداً، ففيه من الفقه وجوب البحث عن تحقيق الأسباب التي تنبني عليها الأحكام، ولا يُكتفَى بالإطلاق، وهذا كما فعله النبيّ وَّ مع ماعزِ ظُه، حين اعترف على نفسه بالزنى. انتهى(١). (قَالَ) الرجل (كُنْتُ أَنَا) أتى بـ((أنا))؛ ليُمكنه عطف ((هو)) على الضمير المتّصل، كما قال في ((الخلاصة)): عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعِ مُتَّصِلْ فِي النَّظْم فَاشِياً وَضَعْفَهُ اعْتَقِدْ أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَضْلٍ يَرِدْ (وَهُوَ نَخْتَبِطُ مِنْ شَجَرَةٍ)؛ أي: نجمع الْخَبَّط، وهو بفتحتين: ورق السَّمُر، بأن يُضرب الشجر بالعصا، فيسقط ورقه، فيجمعه عَلَفاً - أي: للدوابّ - قاله النوويّ(٢). وقال القرطبيّ: ((نختبط)) نفتعل من الخبط، وهو ضرب الشجر بالعصا ليقع يابس ورقها، فتأكله الماشية. وقال الفيّوميّ كَّتُ: خَبَظْتُ الورَقَ من الشجر خَبْطاً، من باب ضَرَب: أسقطته، فإذا سقط، فهو خَبَطٌ، بفتحتين، فَعَلٌ بمعنى مفعول، مسموع كثيراً. (٣) انتھی(٣). ووقع عند النسائيّ بلفظ: ((نحتطب من شجرة)) - بالحاء المهملة - من الاحتطاب، يقال: حَطَب الْحَطَب حَظْباً، من باب ضربَ: إذا جمع الحطب، واحتطب مثله. (١) ((المفهم)) ٥/ ٥٣. (٣) ((المصباح المنير)) ١٦٣/١. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٧٢/١١ - ١٧٣. ٢٩٩ (١٠) - بَابُ صِحَّةِ الإِقْرَارِ بِالْقَتْلِ، وَتَمْكِينٍ وَلِيِّ الْقَتِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٧٩) ولا تعارض بين الروايتين؛ لاحتمال أن يكونا يجمعان الحطب، والْخَبَط معاً، والله تعالى أعلم. (فَسَبَّنِي، فَأَغْضَبَنِي، فَضَرَبْتُهُ بِالْفَأْسِ) قال الفيّوميّ: هي أنثى، وهي مهموزة، ويجوز التخفيف، وجَمْعُها أَفْؤُسٌ، وفُؤُسٌ، مثلُ فَلْسٍ، وأَقْلُسٍ، وفُلُوس. انتهى(١). (عَلَى قَرْنِهِ) بفتح، فسكون؛ أي: جانب رأسه، وقال في ((المفهم)): قرنُ الرأس جانبه الأعلى، قال الشاعر: وَضَرَبْتُ قَرْنَيْ كَبْشِهَا فَتَجَدَّلَا (فَقَتَلْتُهُ، فَقَالَ لَهُ)؛ أي: لهذا القاتل (النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((هَلْ لَكَ مِنْ شَيْءٍ)؛ أي: من مالك (تُؤَدِّيهِ عَنْ نَفْسِكَ؟)))؛ أي: ديةً للمقتول، قال القرطبيّ تَظّثُهُ: هذا يدلّ على أنه وَ ﴿ قد ألزمه حُكم إقراره، وأن قَتْله كان عمداً، إذ لو كان خطأً لَمَا طالبه بالدية، ولطولب بها العاقلة، ويدلّ على هذا أيضاً قوله: ((أترى قومك يشترونك؟))؛ لأنه لَمّا استحقّ أولياء المقتول نفسه بالقتل العمد، صاروا كالمالكين له، فلو دَفع أولياء القاتل عنه عِوَضاً، فقَبِله أولياء المقتول، لكان كالبيع، وهذا كله إنما عَرَضه النبيّ وَّ على القاتل بناء منه على أنه إذا تيسّر له ما يؤدّي إلى أولياء المقتول، سألهم في العفو عنه، ففيه من الفقه السعي في الإصلاح بين الناس، وجواز الاستشفاع، وإن رُفعت حقوقهم للإمام، بخلاف حقوق الله تعالى، فإنه لا تجوز الشفاعة فيها، إذا بلغت الإمام. انتهى(٢). (قَالَ) الرجل (مَا لِي مَالٌ، إِلَّا كِسَائِي، وَفَأْسِي) فيه من الفقه أن المال يُقال لكلّ ما يُتَمَوّل من العُروض وغيرها، وأن ذلك ليس مخصوصاً بالإبل، ولا بالعين، قاله القرطبيّ كَُّمُ(٣) . (قَالَ) بَّهِ ((فَتَرَى) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أفتعلم أن (قَوْمَكَ يَشْتَرُونَكَ؟)))؛ أي: يؤدّون عنك دية المقتول، فينقذونك من القتل قصاصاً؟ (قَالَ) الرجل (أَنَا أَهْوَنُ عَلَى قَوْمِي مِنْ ذَاَ)؛ أي: من أن يشتروني (فَرَمَى) وَّهِ، (١) ((المصباح المنير)) ٤٨٣/٢. (٣) ((المفهم)) ٥٤/٥. (٢) ((المفهم)) ٥٣/٥ - ٥٤. ٣٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ فيه أنه و ﴿ كان آخذاً بنسعته (إِلَيْهِ)؛ أي: إلى أخي المقتول (بِنِسْعَتِهِ، وَقَالَ) وَهل ((دُونَكَ صَاحِبَك)))؛ أي: خذه، فاصنع به ما شئت، و(دون)) من أسماء الأفعال، كما قال في ((الخلاصة)): وَالْفِعْلُ مِنْ أَسْمَائِهِ ((عَلَيْكًا)) وَهَكَذَا (دُونَكَ)) مَعْ ((إِلَيْكًا)) قال القرطبيّ ◌َخَُّ: إنما حَكَم بهذا النبيّ ◌َ﴿ لَمّا تحقّق السبب، وتعذّر عليه الإصلاح، وبعد أن عَرَض على الوليّ العفو، فأبى، كما قاله ابن أشوع، وبعد أن عَلِم أنه لا مُستحقّ للدم إلا ذلك الطالب خاصّةً، ولو كان هناك مستحقّ آخر لتعيّن استعلام ما عنده من القصاص، أو العفو. وفيه ما يدلّ على أن القاتل إذا تحقّق عليه السبب، وارتفعت الموانع لا يقتله الإمام، بل يدفعه للوليّ يفعل به ما يشاء، من قتل، أو عفو، أو حبس، إلى أن يرى رأيه فيه، ولا يسترقّه بوجه؛ لأن الحرّ لا يُملَك، قال القرطبيّ: ولا خلاف فيه فيما أعلمه. انتهى(١). (فَانْطَلَقَ)؛ أي: ذهب (بِهِ الرَّجُلُ) أخو المقتول؛ ليقتله قصاصاً (فَلَمَّا وَلَّى)؛ أي: أدبر من مجلسه بَّهِ (قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: ((إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ))) وفي الرواية التالية: ((القاتل والمقتول في النار))، وهذا قاله لي بعد أن شفع إليه، وطلب منه أن يأخذ الدية، فيعفو عنه، ففي رواية النسائيّ: ((فقال رسول الله إليه: لوليّ المقتول: أتعفو؟ قال: لا، قال: أتأخذ الدية؟ قال: لا، قال: فتقتله؟ قال: نعم، قال: اذهب به، فلما ذهب به، فولّى من عنده دعاه، فقال له: أتعفو؟ قال: لا، قال: أتأخذ الدية؟ قال: لا، قال: فتقتله؟ قال: نعم، قال: اذهب به ... )) الحديث. وقال النوويّ ◌َّتُهُ: أما قوله وَله: ((إن قتله فهو مثله)) فالصحيح في تأويله أنه مثله في أنه لا فَضْل، ولا مِنّة لأحدهما على الآخر؛ لأنه استوفى حقه منه، بخلاف ما لو عَفَى عنه، فإنه كان له الفضل والمنة، وجزيل ثواب الآخرة، وجميل الثناء في الدنيا، وقيل: فهو مثله في أنه قاتل، وإن اختلفا في التحريم والإباحة، لكنهما استويا في طاعتهما الغضب، ومتابعة الهوى، لا سيما وقد (١) ((المفهم)) ٥٤/٥.