النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
(٧) - بَابُ بَيَانِ إِثْم مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ - حديث رقم (٤٣٧٢)
في ((الكبرى)) (١٥/٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (١١١)، و((التفسير)) (٢/
٣١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان إثم من سنّ القتل.
٢ - (ومنها): بيان تحريم دم المسلم إلا بالحق، كما قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِآلْحَقِّ﴾ الآية [الإسراء: ٣٣].
٣ - (ومنها): أن من سنّ شيئاً، كُتب له، أو عليه، وقد أخرج مسلم،
وأصحاب السنن، من حديث جرير بن عبد الله البجليّ به: قال رسول الله ويليه:
((من سنّ في الإسلام سُنَّة حسنة، فعُمِل بها بعده، كُتِب له مثلُ أجر من عمل
بها، ولا يَنْقُص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سُنَّة سيئة، فعُمل بها
بعده، كُتب عليه مثل وِزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء)).
وهذا محمولٌ على إذا ما لم يَتُبْ ذلك القاتل الأول من تلك المعصية؛
فإن آدم عظّها أول من خالف في أكل ما نُهي عنه، ولا يكون عليه شيء من
أوزار من عصى بأكل ما نُهي عنه، ممن بعدَه بالإجماع؛ لأن آدم لعلّ* تاب من
ذلك الذنب، وتاب الله عليه، فصار كأن لم يَجْنِ، فإن التائب من الذنب، كمن
لا ذنب له، أفاده القرطبيّ(١).
٤ - (ومنها): أن هذا الحديث أصل في أن المعونة على ما لا يحلّ حرام،
قاله في ((الفتح)) (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٣٧٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ،
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثٍ جَرِيرٍ، وَعِيسَى بْنِ
يُونُسَ: ((لأَنَّهُ سَنَّ الْقَتْلَ))، لَمْ يَذْكُرَا(٣) أَوَّلَ).
(١) ((المفهم)) ٤١/٥.
(٣) وفي نسخة: ((ولم يذكرا)) بالواو.
(٢) ((الفتح)) ١٦/١٦.

٢٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان
الْعَبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠](ت٢٣٩) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٦/٣٥.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قريباً.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
وقوله: (كُلَّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ)؛ يعني: أن جرير بن عبد الحميد، وعيسى بن
يونس، وسفيان بن عيينة رووا هذا الحديث عن الأعمش بسنده السابق.
[تنبيه]: رواية جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، ساقها الحميديّ ◌َقْتُهُ
في ((مسنده))، فقال:
(١١٨) - حدّثنا الحميديّ(١)، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن
عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله وَله :
((ما من نفس تُقْتَل ظلماً، إلا كان على ابن آدم الأولِ كِفْلٌ منها؛ لأنه سَنَّ القتل
(٢)
أوّلاً)). انتهى(٢).
وأما رواية عيسى بن يونس، عن الأعمش، فساقها ابن ماجه تَخُّْ في
((سننه))، فقال:
(٢٦١٦) - حدّثنا هِشَامُ بن عَمَّارٍ، ثنا عِيسَى بن يُونُسَ، ثنا الْأَعْمَشُ، عن
عبد اللهِ بن مُرَّةَ، عن مَسْرُوقٍ، عن عبد اللهِ، قال: قال رسول اللهِ وَله: ((لَا
تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْماً، إلا كان على ابن آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ من دَمِهَا؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ من سَنَّ
الْقَتْلَ)). انتهى(٣).
وأما رواية سفيان بن عيينة، عن الأعمش، فقد ساقها البخاريّ كَّتُهُ في
((صحيحه))، فقال:
(٦٨٩٠) - حدّثنا الْحُمَيْدِيُّ، حدّثنا سُفْيَانُ، حدّثنا الْأَعْمَشُ، عن
عبد اللهِ بن مُرَّةَ، عن مَسْرُوقٍ، عن عبد اللهِ، قال: قال النبيّ ◌َّ: ((ليس من
(١) هذا كلام الراوي عن الحميديّ، فتنبّه.
(٢) ((مسند الحميديّ)) ٦٥/١.
(٣) ((سنن ابن ماجه)) ٨٧٣/٢.

٢٦٣
(٨) - بَابُ الْمُجَازَاةِ بِالدِّمَاءِ فِي الآخِرَةِ، وَأَنَّهَا أَوَّلُ مَا يُقْضَى فِيهِ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٧٣)
نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْماً، إلا كان على ابن آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ منها - وَرُبَّمَا قال سُفْيَانُ -
منَ دَمِهَا؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ من سَنَّ الْقَتْلَ أَوَّلاً)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(٨) - (بَابُ الْمُجَازَاةِ بِالدِّمَاءِ فِي الآخِرَةِ، وَأَنَّهَا أَوَّلُ مَا يُقْضَى
فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٣٧٣] (١٦٧٨) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، جَمِيعاً عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ الأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو
بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَوَكِيَّعْ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ،
عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
فِي الدِّمَاءِ»).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار
[٨] (ت١٨٧) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٩/٦١.
٢ - (أَبُو وَائِلِ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، مخضرمٌ، ثقةٌ [٢]
(ت٨٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
والباقون تقدّموا في البابين الماضيين.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ◌َظُه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((أَوَّلُ مَا
يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ((أول)) مبتدأ، و((ما)) موصول حرفيّ، والفعل مبنيّ
للمفعول، والظرفان متعلّقان به، وقوله: (فِي الدِّمَاءِ))) متعلق بمحذوف، خبر
(١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٦٦٩/٦.

٢٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
للمبتدإ، والتقدير: أول القضاء بين الناس يوم القيامة كائن في الأمر المتعلّق
بالدماء؛ أي: التي وقعت بينهم في الدنيا، ويَحْتمل أن تكون ((ما)) موصولاً
اسميّاً، ويكون التقدير: أول الأمر الذي يُقضَى فيه بينهم هو الأمر الكائن في
الدماء، ويَحْتَمل أن تكون نكرة موصوفة، والتقدير: أول شيء يُقضى فيه الأمر
الكائن في الدماء.
[فإن قلت]: هذا يعارض حديث أبي هريرة تظله رفعه: ((إن أول ما
يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته ... )) الحديث، أخرجه أصحاب السنن،
فكيف يُجمع بينهما؟ .
[قلت]: يُجمع بينهما بأن هذا محمول على ما يتعلق بمعاملات الخلق،
والثاني فيما يتعلق بعبادة الخالق، أو هذا من فعل السيّئات، وذاك من ترك
العبادات، وقيل: المحاسبة غير القضاء، فتكون المحاسبة أوّلاً في الصلاة،
ويكون القضاء أوّلاً في الدماء، وقيل غير ذلك.
وقد جمع النسائيّ في روايته في حديث ابن مسعود ظُه بين الخبرين،
ولفظه: ((أول ما يحاسب العبد عليه صلاته، وأول ما يقضى بين الناس في
الدماء)) .
قال في ((الفتح)): وتقدّم في تفسير ((سورة الحجّ)) ذكر هذه الأولية بأخصّ
مما في حديث الباب، وهو عن عليّ ظُه قال: ((أنا أول من يجثو للخصومة
يوم القيامة، يعني هو ورفيقاه: حمزة، وعُبيدة، وخصومهم: عتبة، وشيبة، ابنا
ربيعة، والوليد بن عتبة، الذين بارزوا يوم بدر، قال أبو ذرّ رَظُه: فيهم نزلت:
﴿هَذَانِ خَصْمَانِ أَخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمَّ﴾ الآية [الحج: ١٩]، قال: وفي حديث الصُّوْر
الطويل، عن أبي هريرة رُّبه رفعه: «أول ما يُقْضَى بين الناس في الدماء،
ويأتي كلُّ قتيل قد حَمَل رأسه، فيقول: يا رب سَلْ هذا فيم قتلني ... ))،
الحديث، وفي حديث نافع بن جبير، عن ابن عباس ظما رفعه: ((يأتي المقتول
مُعَلِّقاً رأسَهُ بإحدى يديه، مُلَبِّباً قاتله بيده الأخرى، تَشْخُب أوداجه دماً، حتى
يقفا بين يدي الله ... )) الحديث، ونحوه عند ابن المبارك، عن عبد الله بن
مسعود راه موقوفاً.

٢٦٥
(٨) - بَابُ الْمُجَازَاةِ بِالدُّمَاءِ فِي الآخِرَةِ، وَأَنَّهَا أَوَّلُ مَا يُقْضَى فِيهِ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٧٣)
وأما كيفية القصاص فيما عدا ذلك فيُعلم من الحديث الثاني(١).
وأخرج ابن ماجه عن ابن عباس ﴿ما رفعه: ((نحن آخر الأمم، وأول من
يحاسب يوم القيامة ... ))(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ظراته هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣٧٣/٨ و٤٣٧٤] (١٦٧٨)، و(البخاريّ) في
((الرقاق)) (٦٥٣٣) و((الديات)) (٦٨٦٤)، و(الترمذيّ) في ((الديات)) (١٣٩٦
و١٣٩٧)، و(النسائيّ) في ((تحريم الدم)) (٨٣/٧) و((الكبرى)) (٢٨٥/٢ و٢٨٦)،
و(ابن ماجه) في ((الديات)) (٢٦١٥ و٢٦١٧)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده))
(٢٦٩)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٧١٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))
(٤٢٦/٩ و١٠٠/١٤)، و(أحمد) في («مسنده)) (٤٤٠/١ و٤٤١ و٤٤٢)، و(أبو
يعلى) في ((مسنده)) (٥٢١٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٣٤٤)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٠٤٢٥)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٨٨/٧)، و(ابن
المبارك) في ((الزهد)) (١٣٥٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٠٠/٤)،
و(الشاشيّ) في ((مسنده)) (٦٤/٢ و٦٥ و٦٦)، و(القضاعيّ) في ((مسند الشهاب))
(٢١٢)، و(ابن أبي عاصم) في ((الأوائل)) (٣٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨)
٢١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): تعظيم أمر الدم، فإن البداءة إنما تكون بالأهم، والذنبُ
(١) أشار به إلى ما أخرجه البخاريّ في (صحيحه)) عن أبي هريرة له: أن
رسول الله وَ * قال: ((من كانت عنده مظلمة لأخيه، فليتحلَّله منها، فإنه ليس ثَمَّ
دينار، ولا درهم، من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات،
أُخِذ من سيئات أخيه، فطرحت عليه)). انتهى.
(٢) ((الفتح)) ٥١/١٥ - ٥٢، كتاب ((الرقاق)) رقم (٦٥٣٣).

٢٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
يَعْظُم بحسب عُظْم المفسدة، وتفويت المصلحة، وإعدام البنية الإنسانية غاية في
ذلك، وقد ورد في التغليظ في أمر القتل آيات كثيرة وآثار شهيرة مذكورة في
كتب السُّنَّة.
٢ - (ومنها): ما قال القرطبيّ تَخْلَتُهُ: هذا الحديث يدلّ على أنه ليس في حقوق
الآدميين أعظم من الدماء، ولا تعارض بين هذا وبين قوله صل9: ((أول ما يحاسب به
العبد من عمله الصلاة))؛ لأنَّ كل واحد منهما أولٌ في بابه، فأول ما يُنظر فيه من
حقوق الله: الصلاة؛ فإنَّها أعظم قواعد الإسلام العملية، وأول ما ينظر فيه من حقوق
الآدميين: الدِّماء؛ لأنَّها أعظم الجرائم، وقد تقدم هذا في كتاب الصلاة. انتهى(١).
٣ - (ومنها): أنه قد استَدَلّ به بعضهم على أن القضاء يختص بالناس،
ولا مدخل فيه للبهائم، وهو غلطً؛ لأن مفاده حصر الأولية في القضاء بين
الناس، وليس فيه نفي القضاء بين البهائم، بل غاية ما يفيده أن يكون القضاء
بين البهائم بعد القضاء بين الناس، وقد وردت النصوص الدالّة على ثبوت
القصاص بين البهائم، فقد أخرج مسلم في ((صحيحه)) من حديث أبي
هريرة رضيه، أن رسول الله وَ ﴿ه قال: ((لتُؤَدَّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة،
حتى يقاد للشاة الْجَلْحاء من الشاة القرناء)).
وفي لفظ لأحمد: ((حتى يُقتصّ للشاة الجمّاء من الشاة القرناء تنطحها))،
وإسناده صحيح، وله طريق أخرى عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: ((ألا والذي
نفسي بيده ليختصمن كلُّ شيء يوم القيامة، حتى الشاتان فيما انتطحتا))، قال
الشيخ الألبانيّ كَُّ: وإسناده حسن لغيره، وورد أيضاً: ((يَقْتَصّ الخلق بعضهم
من بعض، حتى الجماء من القرناء، وحتى الذّرّة من الذرّة))، وإسناده صحيح،
وعن أبي ذرّ ◌َظُبه قال: رأى رسول الله وَله شاتين تنتطحان، فقال: ((يا أبا ذر
أتدري فيما تنتطحان؟)) قلت: لا، قال: ((لكن ربك يدري، وسيقضي بينهما يوم
القيامة))، وإسناده صحيح، أورد ذلك كلّه الشيخ الألبانيّ كَُّهُ في ((السلسلة
الصحيحة))(٢)، والله تعالى أعلم.
(١) ((المفهم)) ١٥/ ١٢٢.
(٢) راجع: ((السلسلة الصحيحة)) ١١٥/٤.

٢٦٧
(٨) - بَابُ الْمُجَازَاةِ بِالدِّمَاءِ فِي الآخِرَةِ، وَأَنَّهَا أَوَّلُ مَا يُقْضَى فِيهِ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٧٤)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٣٧٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنِي
يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ - (ح) وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ
خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ
الَّبِيِّ بَّهُ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ عَنْ شُعْبَةَ: ((يُقْضَى))، وَبَعْضُهُمْ قَالَ: ((يُحْكَمُ
بَيْنَ النَّاسِ))).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة عشر:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العنبريّ، أبو المثنّى
البصريّ، ثقة متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٣ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ) بن عربيّ البصريّ، تقدّم قريباً.
٤ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجَيميّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) الْعَسْكريّ، أبو محمد الفرائضيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ
يُغْرِب [١٠] (ت٣ أو ٢٥٥) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣/ ٢٠٠.
٦ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ) محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ البصريّ، تقدّم
قريباً .
والباقون تقدّموا قبل ثلاثة أبواب.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ)؛ يعني: أن معاذ بن معاذ، وخالد بن الحارث،
ومحمد بن جعفر غُندر، وابن أبي عديّ رووا هذا الحديث عن شعبة، عن
الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود
[تنبيه]: رواية خالد بن الحارث، عن شعبة، هذه ساقها النسائيّ ◌َّتُهُ في
((السنن الكبرى))، فقال:
(٣٤٥٤) - أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، حدّثنا شعبة، عن
سليمان، قال: سمعت أبا وائل، يحدِّث عن عبد الله، أن رسول الله وَ له قال:

٢٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
((أول ما يُحكَم بين الناس في الدماء)). انتهى(١).
وأما رواية ابن أبي عديّ، عن شعبة، فساقها البزّار ◌َُّ في ((مسنده))،
فقال :
(١٦٧٨) - حدّثنا محمد بن المثنى، قال: نا محمد بن أبي عديّ، عن
شعبة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله، أن رسول الله وَل قال:
((أول ما يُقْضَى بين الناس في الدماء))، يعني: يوم القيامة. انتهى (٢).
وأما رواية معاذ بن معاذ، عن شعبة فلم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر،
والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٩) - (بَابُ تَغْلِيظِ تَحْرِيم الدِّمَاءِ، وَالأَعْرَاضِ، وَالأَمْوَالِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٣٧٥] (١٦٧٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَيَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ
الْحَارِثِيُّ - وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ - قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ
ابْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَ، أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ
الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْتَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً،
مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ
شَهْرُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ - ثُمَّ قَالَ -: أَّ شَهْرِ هَذَا؟)). قُلْنَا: اللهُ
وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ - قَالَ -: فَسَكَتَ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: ((أَلَيْسَ
ذَا الْحِجَّةِ؟))، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: ((فَأَّ بَلَدٍ هَذَا؟))، قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ - قَالَ -:
فَسَكَتَ، حَتَّى ظَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: ((أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ؟»، قُلْنَا: بَلَى،
قَالَ: ((فَأَتُّ بَوْمِ هَذَا؟))، قُلْنَا: اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ - قَالَ -: فَسَكَتَ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ
سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: ((أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟))، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ:
(١) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٢٨٥/٢.
(٢) (مسند البزار)) ١٠٠/٥.

٢٦٩
(٩) - بَابُ تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ، وَالأَعْرَاضِ، وَالأَمْوَالِ - حديث رقم (٤٣٧٥)
(فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ -: وَأَعْرَاضَكُمْ، حَرَامٌ عَلَيْكُمْ،
كَحُرْمَةٍ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ
عَنْ أَعْمَالِكُمْ، فَلَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّاراً (١) - أَوْ ضُلَّالاً - يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ
بَعْضٍ، أَا، لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلَّغُهُ يَكُونُ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ
مَنْ سَمِعَهُ))، ثُمَّ قَالَ: ((أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟)).
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي رِوَايَتِهِ: ((وَرَجَبُ مُضَرَ)، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ: ((فَلَا
تَرْجِعُوا بَعْدِي))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) هو ابن عبد المجيد البصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (ابْنُ سِيرِينَ) هو: محمد الإمام الشهير، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (ابْنُ أَبِي بَكْرَةَ) هو: عبد الرحمن بن أبي بكرة الثقفيّ البصريّ، أول
مولود في الإسلام بالبصرة، ثقةٌ [٢] (ت ٩٦) (ع) تقدم في ((الإيمان) ٤٠/
٢٦٦.
٥ - (أَبُو بَكْرَةَ) نُفيع بن الحارث بن كَلَدَةَ بن عَمرو الثقفيّ الصحابيّ
الشهير، مشهور بكنيته، قيل: اسمه مَسْرُوح، أسلم بالطائف، ثم نزل البصرة،
ومات بها سنة (١ أو ٥٢) (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٨١.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه أبي بكر، فكوفيّ، وفيه ثلاثة من
التابعين روى بعضهم عن بعض: أيوب، عن ابن سيرين، عن ابن أبي بكرة،
وفيه رواية الراوي عن أبيه، وفيه أن صحابيّه ممن اشتهر بلقب هو بصورة
الكنية، فأبو بكرة لقب، وكنيته أبو عبد الرحمن، والله تعالى أعلم.
(١) وفي نسخة: ((فلا ترجعنّ بعدي ضُلّالاً)).

٢٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ) هو: عبد الرحمن، كما سيأتي التصريح به في الرواية
التالية.
[تنبيه]: قال الحافظ الرشيد العطّار ◌َّلُ في ((غرر الفوائد)): و((ابن أبي
بكرة) المبهم اسمه في هذا الإسناد هو عبد الرحمن، ثقةٌ متّفق عليه، بيّن ذلك
عبد الله بن عون وغيره في رواياتهم لهذا الحديث عن أيوب، وبنو أبي بكرة
ستة، فيما ذكر عليّ ابن المدينيّ، وهم: عبد الرحمن، ومسلم، وعبد العزيز،
ويزيد، وعبيد الله، وداود، وزاد غيره: كَيِّسَة بنت أبي بكرة، وهي بفتح
الكاف، وتشديد الياء المعجمة باثنتين من تحتها، وسين مهملة، وتشتبه بكبشة
- بالباء الموحدة، وبالشين المعجمة -.
فأما عبد الرحمن فاتَّفَقَ البخاريّ ومسلم على إخراج حديثه عن أبيه، وأما
مسلم فانفرد به مسلم، وأما عبد العزيز فأخرج له أبو داود، والترمذيّ، وابن
ماجه، وأما كيِّسة فأخرج لها أبو داود، عن أبيها، والباقون لم يُخرَّج لهم شيء
في الكتب الستة فيما أعلم، والله رحمت أعلم.
وقد ذكر عبد الغنيّ بن سعيد الحافظ كَيّسة هذه، وقيَّدها كما ذكرناه، إلا
أنه قال بإسكان الياء، وبالتشديد قيّدها الأمير أبو نصر ابن ماكولا، وذكر أن
غير ذلك تصحيف، والله أعلم(١).
(عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ
(عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفَيع بن الحارث ◌َظُ
كبة
الزَّمَانَ) المراد بالزمان: السنَة (قَدِ اسْتَدَارَ كَھَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ
وَالأَرْضَ) الكاف صفة مصدر محذوف، تقديره: استَدَار استدارةً مثلَ صفته يوم
خلق الله السماوات والأرض، ولفظ الزمان يُطلق على قليل الوقت وكثيره،
وزعم يوسف بن عبد الملك في كتابه ((تفضيل الأزمنة)) أن هذه المقالة صدرت
من النبيّ ◌َّ في شهر مارس، وهو آذار، وهو برمهات بالقبطيّة، وفيه يستوي
الليل والنهار عند حلول الشمس بُرْجَ الحمل، ووقع في حديث ابن عمر، عند
ابن مردويه: ((إن الزمان قد استدار، فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله السماوات
(١) ((غرر الفوائد المجموعة)) ٥٠/١.

٢٧١
(٩) - بَابُ تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ، وَالأَعْرَاضِ، وَالأَمْوَالِ - حديث رقم (٤٣٧٥)
والأرض))، قاله في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي زعمه يوسف بن عبد الملك سيأتي
ردّه في كلام القرطبيّ كَّتُهُ، فتنبّه.
وقال النوويّ تَخُّْ: وأما قوله وَّ: ((إن الزمان قد استدار ... إلخ)):
فقال العلماء: معناه أنهم في الجاهلية يتمسكون بملة إبراهيم * في تحريم
الأشهر الحُرُم، وكان يَشُقّ عليهم تأخير القتال ثلاثة أشهر متواليات، فكانوا إذا
احتاجوا إلى قتال أخّروا تحريم المحرَّم إلى الشهر الذي بعده، وهو صَفَر، ثم
يؤخرونه في السنة الأخرى إلى شهر آخر، وهكذا يفعلون في سنة بعد سنة،
حتى اختلط عليهم الأمر، وصادفت حَجة النبيّ وَّ تحريمهم، وقد تطابق
الشرع، وكانوا في تلك السنة قد حرَّموا ذا الحِجة لموافقة الحساب الذي
ذكرناه، فأخبر النبيّ ◌َ ﴿ أن الاستدارة صادفت ما حَكم الله تعالى به يوم خلق
السماوات والأرض، وقال أبو عبيد: كانوا يُنسئون؛ أي: يؤخّرون، وهو الذي
قال الله تعالى فيه: ﴿إِنَّمَا الشَِّىُّ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]، فربما
احتاجوا إلى الحرب في المحرم، فيؤخرون تحريمه إلى صفر، ثم يؤخرون صفر
في سنة أخرى، فصادف تلك السنة رجوع المحرم إلى موضعه، وذكر القاضي
عياض وجوهاً أُخَر في بيان معنى هذا الحديث، ليست بواضحة، ويُنكَر
بعضها. انتهى كلام النوويّ تقذفهُ(٢).
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((إن الزمان قد استدار كهيئته ... إلخ)):
اختُلِف في معنى هذا اللفظ على أقوال كثيرة، وأشبه ما فيها ثلاثة أقوال:
[أحدها]: قاله إياس بن معاوية، وذلك: أن المشركين كانوا يحسبون
السنة اثني عشر شهراً وخمسة عشر يوماً، فكان الحجّ يكون في رمضان، وفي
ذي القعدة، وفي كل شهر من السَّنة بحكم استدارة الشهر بزيادة الخمسة عشر
يوماً، فحجَّ أبو بكر ظُه سنة تسع في ذي القعدة، بحكم الاستدارة، ولم يحج
(١) ((الفتح)) ٤٩٨/٧، كتاب ((بدء الخلق)) رقم (٣١٩٧)، و١٧٦/١٠، كتاب ((التفسير))
رقم (٤٦٦٢).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦٨/١١ - ١٦٩.

٢٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
النبيّ وَ﴿، فلما كان في العام المقبل وافق الحجّ ذا الحجّة في العشر، ووافق
ذلك الأهلة، وقد رُوي أن أبا بكر إنما حجَّ في ذي الحجة.
[الثاني]: رُوي عن ابن عباس ﴿ّ أنَّه قال: كانوا إذا كانت السنة التي
يُنسأ فيها، قام خطيبهم وقد اجتمع إليه الناس يوم الصَّدر فقال: أيها الناس!
إني قد نسأت العام صَفَراً الأول، يعني: الْمُحَرَّم، فيطرحونه من الشهور، ولا
يعتدُّون به، ويبدؤون العدَّة، فيقولون لصفر وشهر ربيع الأول: صفران، ولربيع
الآخر وجمادى الأولى: شهرا ربيع، ولجمادى الآخرة ورجب: جمادیان،
ولشعبان: رجب، ولرمضان: شعبان، وهكذا إلى محرَّم. ويُبطلون من هذه
السَّنة شهراً، فيحجون في كل سنة حجتين، ثم ينسأ في السَّنة الثالثة صفراً
الأوّل في عدَّتهم، وهو الأخير في العدّة المستقيمة، حتى يكون حجهم في
صفر حجتين، وكذلك الشهور كلها حتى يستدير الحجَّ في كل أربع وعشرين
سنة إلى المحرم الشهر الذي ابتدؤوا فيه النَّساء، ونحوه قال ابن الزبير، إلا أنه
قال: يفعلون ذلك في كل ثلاث سنين، يزيدون شهراً، قيل: وكانوا يتصدون
بذلك موافقة شهور العجم لشهور الأهلة حتى تأتي الأزمان واحدة.
[الثالث]: قيل: كانت العرب تحجُّ عامين في ذي القعدة، وعامين في
ذي الحجة، فصادفت حجَّة أبي بكر به ذا القعدة من السَّنة الثانية، وصادفت
حجَّة النبيّ وَلِّ ذا الحجة بالاستدارة.
قال القرطبيّ: والأشبه القول الأول؛ لأنَّه هو الذي استفيد نفيه من
قوله وقلقه: ((إن الزمان قد استدار))؛ أي: زمان الحجِّ عاد إلى وقته الأصليّ؛
الذي عيّنه الله تعالى له يوم خلق السموات والأرض بأصل المشروعية التي سبق
بها علمه، ونفذ بها حكمه، ثم قال: ((السَّنة اثنا عشر شهراً)» ينفي بذلك الزيادة
التي زادوها في السَّنة؛ وهي الخمسة عشر يوماً بتحكمهم، ثمَّ هذا موافق لقوله
تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَبِ اَللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ
الشَمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، فتعيَّن الوقت الأصليّ،
وبَطَل التحكّم الجهليّ، والحمد لله.
قال: وهذه أقوال سلف هذه الأمَّة، وعلماء أهل السُّنّة، وقد تكلّم على
هذا الحديث بعض من يدَّعي علم التعديل بقولٍ صدر عنه من غير تحقيق ولا

٢٧٣
(٩) - بَابُ تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ، وَالأَعْرَاضِ، وَالأَمْوَالِ - حديث رقم (٤٣٧٥)
تحصيل، فقال: إن الله سبحانه أول ما خلق الشمس أجراها في برج الحمل،
وكان الزمان الذي أشار إليه النبيّ وَ ل صادف حلول الشمس في برج الحمل.
قال القرطبيّ: وهذا تقوُّل بما لم يصحّ نقله؛ إذ مقتضى قوله: إن الله تعالى
خلق البروج قبل الشمس، وأنه أجراها في أول برج الحمل، وهذا لا يُتَوَصَّل إليه
إلا بالنقل عن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ولا نَقْلَ صحيحاً عنهم بشيء
من ذلك، ومن ادَّعاه فليُسْنده، ثمَّ: إن العقل يُجَوِّز خلاف ما قال، وهو: أن
يخلق الله تعالى الشمس قبل البروج، ويجوز أن يخلق كل ذلك دفعة واحدة، ثم
إن علماء التعديل قد اختبروا كلام ذلك الرجل فوجدوه خطأ صراحاً؛ لأنَّهم
اعتبروا بحساب التعديل اليوم الذي قال فيه النبيّ وَّ ر ذلك القول، فوجدوا
الشمس فيه في برج الحوت، بينها وبين الحمل عشرون درجة، ومنهم من قال:
عشر درجات. انتهى كلام القرطبيّ كَّهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(السَّنَةُ)؛ أي: العربية الهلالية (اثْنَا عَشَرَ شَهْراً) قال في ((الفتح)): ذَكَر
الطبريّ في سبب ذلك من طريق حُصين بن عبد الرحمن، عن أبي مالك:
(كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهراً))، ومن وجه آخر: كانوا يجعلون السنة
اثني عشر شهراً وخمسة وعشرين يوماً، فتدور الأيام والشهور كذلك. انتهى.
وقال التوربشتيّ كَخْتُهُ: قوله: ((إن الزمان قد استدار ... إلخ)): الزمان
اسم لقليل الوقت وكثيره، وأراد به هنا السنةَ. انتهى، قال الطيبيّ تَخْذّتُهُ: وذلك
أن قوله: ((السنة اثنا عشر شهراً)) إلى آخره جملة مستأنفة مبيّنة للجملة الأولى،
فالمعنى أن الزمان في انقسامه إلى الأعوام، والأعوام إلى الأشهر عاد إلى
أصل الحساب والوضع الذي اختاره الله، ووضَعه يوم خلق السماوات
والأرض، والهيئة صورة الشيء، وشكله، وحاله، والكاف صفة مصدر
محذوف؛ أي: استدار استدارة مثل حالته يوم خلق الله السماوات والأرض (٢).
(مِنْهَا)؛ أي: من الاثني عشر شهراً (أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ)؛ أي: محترمة، لا يجوز
انتهاكها، و((الْحُرُمُ)) بضمّتين: جمع حَرام بالفتح.
(١) ((المفهم)) ٤٣/٥ - ٤٤.
(٢) راجع: ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٠١٤/٦.

٢٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((منها أربعة حُرُم))؛ أي: من الاثني عشر
شهراً، وأولها المحرّم، سُمي بذلك: لتحريم القتال فيه، ثمَّ صفر، سُمي
بذلك: لخلوِّ مكة من أهلها فيه، وقيل: وقع فيه وباءٌ فاصفرَّت وجوههم، وقال
أبو عبيد: لِصِفْر الأواني من اللَّبن، ثم الربيعان: لارتباع الناس فيهما؛ أي:
لإقامتهم في الربيع، ثم جماديان، وسُمِّيا بذلك: لأن الماء جَمَد فيهما، ثم
رجب، وسُمي بذلك: لترجيب العرب إياه؛ أي: لتعظيمهم له، أو لأنَّه لا قتال
فيه، والأرجب: الأقطع، ثم شعبان، وسُمي بذلك: لتشعّب القبائل فيه. ثم
رمضان، وسمِّي بذلك: لشدَّة الرمضاء فيه، ثم شؤَّال، وسُمِّي بذلك: لأن
اللقاح تَشُول فيه أذنابها، ثم ذو القعدة، سُمِّي بذلك لقعودهم فيه عن الحرب،
ثم ذو الحجَّة، وسمِّي بذلك: لأن الحجَّ فيه، ويجوز في فاء ذي القعدة وذي
الْحِجَّة الفتح والكسر، غير أن الفتح في القعدة أفصح.
وسمِّيت الْحُرُمِ حُرُماً: لاحترامها وتعظيمها بما خُصَّت به من أفعال البِر،
وتحريم القتال، وتشديد أمر البغي والظلم فيها، وذلك: أن العرب كانت في
غالب أحوالها، ومعظم أوقاتها قبل مجيء الإسلام أهل غارة، ونهب، وقتال،
وحرب، يأكل القوي الضعيف، ويصول على المشروف الشريف، لا يرجعون
السلطان قاهر، ولا لأمر جامع، وكانوا فَوْضَى فَضاً (١)، من غلب سلب، ومن
عز بزَ(٢)، لا يأمن لهم سِرْب، ولا يستقر لهم حال، فلطف الله بهم أن جعل
في نفوسهم احترام أمور يمتنعون فيها من الغارة، والقتال، والبغي، والظلم،
فيأمن بها بعضهم من بعض، ويتصرَّفون فيها في حوائجهم، ومصالحهم، فلا
يهيِّج فيها أحدٌ أحداً، ولا يتعرَّض له، حتى إن الرَّجل يلتقي فيها بقاتل أبيه
وأخيه فلا يتعرض له بشيء، ولا بغدر؛ بما جعل الله في قلوبهم من تعظيم تلك
الأمور، ولا يبعد أن يكون أصل ذلك مشروعاً لهم من دين إبراهيم
وإسماعيل بْلَّهِ كالحجِّ، والعمرة، وغيرهما مما كان عندهم من شرائعهما.
وهذه الأمور من الزمان: الأشهر الحرم، ومن المكان: حَرَم مكة، ومن
(١) يقال: فوضى فضاً؛ أي: سواء بينهم، وأمرهم فضاً بينهم؛ أي: لا أمير عليهم.
(٢) أي: من غَلَب أخذ السَّلَب.

٢٧٥
(٩) - بَابُ تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ، وَالأَعْرَاضِ، وَالأَمْوَالِ - حديث رقم (٤٣٧٥)
الأموال: الهدي والقلائد، ويشهد لِمَا ذكرناه قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ
الْحَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ﴾ [التوبة:
٣٦]، ثم قال: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦]، وقوله تعالى في الحَرَم:
﴿وَمَنْ دَخَلَهُ، كَانَ ءَامِنَا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنَّا
وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]، وقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ
وَأَمْنَا﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ اَللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ اُلْحَرَامَ قِيَمًا لِلنَّاسِ
وَالشَّهَرَ اُلْحَرَامَ وَاَلْهَدّىَ وَالْقَلَبِدَ﴾ [المائدة: ٩٧]، ومعنى كون هذه الأمور قياماً
ج
للناس؛ أي: تقوم بها أحوالهم، وتنتظم بها مصالحهم من أمر أديانهم
ومعايشهم، هذا معنى ما قاله المفسرون، فلما جاء الإسلام لم يزد تلك الأمور
إلا تعظيماً وتشريفاً، غير أنه لمّا حدَّ الحدود، وشرع الشرائع، ونصب
العقوبات والزواجر؛ اتفقت كلمة المسلمين، والتُزمت شرائع الدين، فأمِن
الناس على دمائهم ونفوسهم، وأموالهم، فامتنع أهل الظلم من ظُلِمهم، وكفَّ
أهل البغي عن بغيهم، واستوى في الحق القويُّ والضعيف، والمشروف
والشريف، فمن صدر عنه بغي، أو عدوان قمعته كلمة الإسلام، وأقيمت عليه
الأحكام، فحينئذ لا يعيده شيء من تلك المحرَّمات، ولا يحول بينه وبين
حُكم الله تعالى أحدٌ من المخلوقات، فالحمد لله الذي هدانا لهذا الدِّين
القويم، والمنهج المستقيم، وهو المسؤول بأن ينعم علينا بالدَّوام، والتَّمام،
ويحشرنا في زمرة واسطة النظام محمد - عليه الصلاة والسلام -.
والْهَدْي: ما يُهدى من الأنعام إلى البيت الحرام والقلائد؛ يعني به: ما
تُقُلَّدُ به الهدايا، وذلك بأن يُجعل في عنق البعير حبل يُعلَّق فيه نعل، كما تقدَّم
في كتاب الحج، ويعني بذلك: أن الهدي مهما أُشعر وقُلِّد لم يَجُز لأحد أن
يتملَّكه، ولا أن يأخذه إن وجده. بل يجب عليه أن يحمله إلى مكة إن أمكنه
ذلك حتى يُنْحَر هناك على ما تقدَّم. انتهى كلام القرطبيّ ◌َُّهُ(١).
وقوله: (ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ) تفسير لأربعة حُرُم؛ أي: يتلو بعضها بعضاً، كما
قال في الرواية الأخرى: ((ثلاثة سَرْدٌ، وواحدٌ فردٌ))، ووقع في البخاريّ بلفظ:
(١) ((المفهم)) ٤٤/٥ - ٤٦.

٢٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
(ثلاث متواليات))، فقال ابن التين: الصواب: ((ثلاثة متوالية))؛ يعني: لأن
المميِّز الشهرُ، قال: ولعله أعاده على المعنى؛ أي: ثلاث مُدَد متواليات.
انتهى، وزاد الحافظ: أو باعتبار العدة، مع أن الذي لا يُذْكَر التمييز معه يجوز
فيه التذكير والتأنيث. انتهى(١).
(ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ) قال النوويّ تَُّ: أما ذو القعدة،
فبفتح القاف، وذو الحجة، بكسر الحاء، هذه هي اللغة المشهورة، ويجوز في
لغة قليلة كسر القاف، وفتح الحاء. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: وإلى هذا الضبط أشار بعضهم بقوله:
وَفَتْحَ قَافِ قَعْدَةٍ قَدْ رَجَّحُوا وَكَسْرَ حَاءِ حِجَّةٍ قَدْ صَخَّحُوا
وقال في ((الفتح)): إنما ذكرها من سنتين لمصلحة التوالي بين الثلاثة،
وإلا فلو بدأ بالمحرّم لفات مقصود التوالي، وفيه إشارة إلى إبطال ما كانوا
يفعلونه في الجاهلية، من تأخير بعض الأشهر الحرم، فقيل: كانوا يجعلون
المحرَّم صَفَراً، ويجعلون صفراً المحرم؛ لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر، لا
يتعاطون فيها القتال، فلذلك قال: ((متواليات))، وكانوا في الجاهلية على
أنحاء: منهم من يسمى المحرَّم صفراً، فيُحِلّ فيه القتال، ويحرِّم القتال في
صفر، ويسميه المحرم، ومنهم من كان يجعل ذلك سنة هكذا، وسنة هكذا،
ومنهم من يجعله سنتين هكذا، وسنتين هكذا، ومنهم من يؤخّر صفراً إلى ربيع
الأول، وربيعاً إلى ما يليه، وهكذا إلى أن يصير شوال ذا القعدة، وذو القعدة
ذا الحجة، ثم يعود، فيعيد العدد على الأصل. انتهى(٢).
(وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ) قال في ((الفتح)): أضافه إليهم لأنهم كانوا متمسكين
بتعظيمه، بخلاف غيرهم، فيقال: إن ربيعة كانوا يجعلون بدله رمضان، وكان
من العرب من يجعل في رجب وشعبان ما ذُكر في المحرّم وصفر، فيحلّون
رجباً، ويحرِّمون شعبان، ووصفه بقوله: (الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ) تأكيداً،
وكان أهل الجاهلية قد نسئوا بعض الأشهر الحرم؛ أي: أخّروها، فيُحِلُّون
(١) ((الفتح)) ١٧٦/١٠ رقم (٤٦٦٢).
(٢) ((الفتح)) ١٧٦/١٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٦٦٢).

٢٧٧
(٩) - بَابُ تَغْلِيظِ تَحْرِيم الدِّمَاءِ، وَالأَعْرَاضِ، وَالأَمْوَالِ - حديث رقم (٤٣٧٥)
شهراً حراماً، ويحرِّمون مكانه آخر بدله، حتى رُفِض تخصيصُ الأربعة بالتحريم
أحياناً، ووقع تحريم أربعة مطلقة من السَّنَة، فمعنى الحديث أن الأشهر رجعت
إلى ما كانت عليه، وبطل النسيء.
وقال النوويّ تَخْلَّقُ: وأما قوله وَله: ((ورجب مضر الذي بين جمادى
وشعبان)): إنما قيّده هذا التقييد مبالغةً في إيضاحه، وإزالةً للَّبْس عنه. قالوا:
وقد كان بين بني مضر وبين ربيعة اختلاف في رجب، فكانت مضر تجعل رجباً
هذا الشهر المعروف الآن، وهو الذي بين جمادى وشعبان، وكانت ربيعة
تجعله رمضان، فلهذا أضافه النبيّ وَّ ه إلى مضر، وقيل: لأنهم كانوا يعظمونه
أكثر من غيرهم، وقيل: إن العرب كانت تسمي رجباً وشعبان الرجبين، وقيل:
كانت تسمي جمادى ورجباً جمادين، وتسمي شعبان رجباً. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَخَُّهُ: قوله: ((رجب شهر مُضَر الذي بين جمادى
وشعبان)): هذه مبالغةٌ في تعيين هذا الشهر؛ ليتميَّز عمَّا کانوا یتحكّمون به من
النَّساء، ومن تغيير أسماء الشهور، وقد تقدَّم: أنهم كانوا يُسقطون من السَّنة
شهراً، وينقلون اسم الشهر للَّذي بعده، حتى سَمُّوا شعبان رجباً، ونسبة هذا
الشهر لِمُضَر: إما لأنهم أول من عظّمه، أو لأنهم كانوا أكثر العرب له تعظيماً،
واشتهر ذلك حتى عُرِفَ بهم. انتهى (٢).
وقال الخطابيّ ◌َّهُ(٣): كانوا يخالفون بين أشهر السنة بالتحليل
والتحريم، والتقديم والتأخير لأسباب تَعْرِض لهم، منها استعجال الحرب،
فيستحلون الشهر الحرام، ثم يحرِّمون بدَلَه شهراً غيره، فتتحول في ذلك شهور
السنة، وتتبدل، فإذا أتى على ذلك عدة من السنين استدار الزمان، وعاد الأمر
إلى أصله، فاتفق وقوع حجة النبيّ وَّهِ عند ذلك.
[تنبيه]: أبدى بعضهم لِمَا استقر عليه الحال من ترتيب هذه الأشهر الحرم
مناسبةً لطيفةً، حاصلها أن للأشهر الحرم مزية على ما عداها، فناسب أن يبدأ
بها العام، وأن تتوسطه، وأن تُختَم به، وإنما كان الختم بشهرين لوقوع الحج
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦٨/١١.
(٣) راجع: ((الأعلام)) ١٧٨٢/٣.
(٢) ((المفهم)) ٤٧/٥.

٢٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
ختام الأركان الأربع؛ لأنها تشتمل على عمل مال محض، وهو الزكاة، وعمل
بدن محض، وذلك تارة يكون بالجوارح، وهو الصلاة، وتارة بالقلب، وهو
الصوم؛ لأنه كَفّ عن المفطرات، وتارة عمل مركّب من مال وبدن، وهو
الحج، فلمّا جمعهما ناسب أن يكون له ضُعف ما لواحد منهما، فكان له من
الأربعة الحرم شهران، والله أعلم، ذكره في ((الفتح)) (١).
(ثُمَّ قَالَ) بَِّ (أَيُّ شَهْرِ هَذَا؟)). قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) قال النوويّ كَُّهُ :
هذا السؤال، والسكوت، والتفسير أراد به التفخيم، والتقرير، والتنبيه على
عِظَم مرتبة هذا الشهر، والبلد، واليوم، وقولهم: ((الله ورسوله أعلم)) هذا من
حُسن أدبهم، وأنهم عَلِمُوا أنه ◌َّ لا يخفى عليه ما يعرفونه من الجواب،
فعرفوا أنه ليس المراد مطلق الإخبار بما يعرفون. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ كَخَّتُهُ: وقوله: ((أيُّ شهر هذا؟ ... إلخ))، وسكوته بعد كل
واحد منها؛ كان ذلك منه استحضاراً لفهومهم، وتنبيهاً لغفلتهم، وتنويهاً بما
يذكره لهم؛ حتى يُقبلوا عليه بكليتهم، ويستشعروا عظمة حرمة ما عنه يخبرهم،
ولذلك قال بعد هذا: ((فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة
يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا»، وهذا منه ◌ّر مبالغة في بيان
تحريم هذه الأشياء، وإغياءٌ في التنفير عن الوقوع فيها؛ لأنَّهم كانوا قد اعتادوا
فِعْلها، واعتقدوا حِلّيتها، كما تقدَّم من بيان أحوالهم، وقبح أفعالهم. انتهى(٣).
وقال في ((الفتح)) بعد ذكر كلام القرطبيّ المذكور ما نصّه: ومناط التشبيه
في قوله: ((كحرمة يومكم))، وما بعده ظهوره عند السامعين؛ لأن تحريم البلد،
والشهر، واليوم، كان ثابتاً في نفوسهم، مقرّراً عندهم، بخلاف الأنفس،
والأموال، والأعراض، فكانوا في الجاهلية يستبيحونها، فطرأ الشرع عليهم بأن
تحريم دم المسلم، وماله، وعرضه أعظم من تحريم البلد والشهر واليوم، فلا
يَرِد كون المشبّه به أخفض رتبة من المشبّه؛ لأن الخطاب إنما وقع بالنسبة لما
اعتاده المخاطبون قبل تقرير الشرع.
(١) ((الفتح)) ١٧٦/١٠ - ١٧٧ رقم (٤٦٦٢).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦٩/١١.
(٣) ((المفهم)) ٤٧/٥.

٢٧٩
(٩) - بَابُ تَغْلِيظِ تَحْرِيم الدِّمَاءِ، وَالأَعْرَاضِ، وَالأَمْوَالِ - حديث رقم (٤٣٧٥)
ووقع في هذه الرواية جوابهم عن كل سؤال بقولهم: ((الله ورسوله
أعلم))، وذلك من حُسْن أدبهم؛ لأنهم علموا أنه لا يخفى عليه ما يعرفونه من
الجواب، وأنه ليس مراده مطلق الإخبار بما يعرفونه، ولهذا قال: ((حتى ظننا
أنه سيسميه سوى اسمه))، ففيه إشارة إلى تفويض الأمور الكلية إلى الشارع،
ويستفاد منه الحُجة لمثبتي الحقائق الشرعية. انتهى ببعض تصرّف(١).
(قَالَ) أبو بكرة رَظُبه (فَسَكَتَ) النبيّ وَِّ (حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرٍ
اسْمِهِ، قَالَ) وَ ((أَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ؟))) بالنصب على أنه خبر ((ليس))، وقع في
بعض الروايات: ((أليس ذو الحجة؟))، وعليها فهو اسم ((ليس))، وخبرها
محذوف؛ أي: أليس ذو الحجة هو هذا الشهر؟، وقدّره ابن مالك تَقْذُ ضميراً
متّصلاً، والتقدير: أليسه ذو الحجة؟ ومِنْ حذف الضمير المتّصل خبراً لـ((كان))،
وأخواتها قول الشاعر [من الطويل]:
فَأَطْعَمَنَا مِنْ لَحْمِهَا وَسَدِيفِهَا(٢)
شِوَاءً وَخَيْرُ الْخَيْرِ مَا كَانَ عَاجِلُهْ
أراد: وخير الخير الذي كانه عاجلُه، ومثله قول الآخَر [من الطويل]:
أَخٌ مُخْلِصٌ وَافٍ صَبُورٌ مُحَافِظٌ عَلَى الْوُدِّ وَالْعَهْدِ الَّذِي كَانَ مَالِكُ
أراد الذي كانه مالك، والذي وَصِلَته مبتدأ، وقد أخبر عنه بخمسة أخبار
متقدّمة، ومثل هذا البيت في الاكتفاء بنيّة الخبر عن لفظه قوله [من الكامل]:
أَنَّ الْمُفَضَّلَ لَنْ يَزَالَ عَتِيقُ
شَهِدَتْ دَلَائِلُ جَمَّةٌ لَمْ أُخْصِهَا
أراد: لن يزاله(٣).
(قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: ((فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟))، قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ - قَالَ -:
فَسَكَتَ، حَتَّى ظَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: ((أَيْسَ الْبَلْدَةَ؟))) بالنصب أيضاً
على أنه خبر ((ليس))، ويحتمل الرفع على أنه اسمها، وخبرها محذوف؛ أي:
أليست البلدة هي هذه؟، وفي رواية البخاريّ: ((أليست بالبلدة الحرام؟))، قال
في ((الفتح)): كذا فيه بتأنيث البلدة، وتذكير الحرام، وذلك أن لفظ الحرام
اضمَحَلّ منه معنى الوصفية، وصار اسماً، قال الخطابيّ: يقال: إن البلدة اسم
(١) ((الفتح)) ٢٨١/١، كتاب ((العلم)) رقم (٦٧).
(٢) السديف: لحم السنام.
(٣) راجع: ((شواهد التوضيح)) ص٣٥.

٢٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
خاص بمكة، وهي المرادة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾
الآية [النمل: ٩١].
وقال التوربشتيّ تَخْلُهُ: وجه تسميتها بالبلدة - وهي تقع على سائر البلدان -
أنها البلدة الجامعة للخير، المستحقّة أن تُسمّى بهذا الاسم؛ لتفوّقها سائر
مسمّيات أجناسها تفوّقَ الكعبة في تسميتها بالبيت سائر مسمّيات أجناسها، حتى
كأنها هي المحلّ المستحقّ للإقامة بها، قال ابن جني: من عادة العرب أن
يوقعوا على الشيء الذي يختصّونه بالمدح اسم الجنس، ألا تراهم كيف سَمَّوا
الكعبة بالبيت، وكتاب سيبويه بالكتاب. انتهى (١).
(قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: ((فَأَّ يَوْمِ هَذَا؟))، قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ - قَالَ -:
فَسَكَتَ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرَّ اسْمِهِ، قَالَ: ((أَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟))) بالنصب،
ويَحتمل الرفع كسابقه، والتقدير عليه: أي: أليس يومُ النحر هذا اليومَ؟ (قُلْنَا:
بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ).
[فائدة]: وقع في حديث الباب: ((فسكتنا)) بعد السؤال، ووقع في حديث
ابن عباس ها، أن رسول الله وَ ل خطب الناس يوم النحر، فقال: ((أي يوم
هذا؟)) قالوا: ((يوم حرام))، وظاهرهما التعارض، والجمع بينهما أن الطائفة
الذين كان فيهم ابن عباس أجابوا، والطائفة الذين كان فيهم أبو بكرة لم
يجيبوا، بل قالوا: الله ورسوله أعلم، أو تكون رواية ابن عباس بالمعنى؛ لأن
في حديث أبي بكرة أنه لما قال: ((أليس يوم النحر؟)) قالوا: بلى، بمعنى
قولهم: ((يوم حرام)) بالاستلزام، وغايته أن أبا بكرة نَقَل السياق بتمامه،
واختصره ابن عباس، وكأن ذلك كان بسبب قرب أبي بكرة منه؛ لكونه كان
آخذاً بخطام الناقة .
وقال بعضهم: يَحْتَمِل تعدد الخطبة، فإن أراد أنه كررها في يوم النحر،
فيحتاج لدليل، فإن في حديث ابن عمر عند البخاريّ في ((الحج)) أن ذلك كان
يوم النحر بين الجمرات في حجته، أفاده في ((الفتح))(٢).
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٠١٥/٦، و((الفتح)) ٧٠١/٤ رقم (١٧٣٩).
(٢) راجع: ((الفتح)) ٢٨١/١ - ٢٨٢، كتاب ((العلم)) رقم (٦٧).