النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ (٢) - بَابُ حُكْمِ الْمُحَارِبِينَ، وَالْمُرْتَدِّينَ - حديث رقم (٤٣٤٥) واحدةً يقال لها: الحنّاء، وهو في ذلك متابع للواقديّ، وقد ذكره الواقديّ في ((المغازي)) بإسناد ضعيف مرسل. انتهى (١). (فَتَشْرَبُوا) وفي بعض النسخ: ((فتشربون))، بإثبات النون، ووجه الأول أنه معطوف على ((تخرجوا))، فهو منصوب، ووجه الثاني أن يكون مستأنفاً؛ أي: فأنتم تشربون (مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا))) وفي رواية أبي رجاء عند البخاريّ: ((فاخرجوا، فاشربوا من ألبانها وأبوالها))، بصيغة الأمر، وفي رواية شعبة، عن قتادة عند البخاريّ: ((فرخص لهم رسول الله صل ﴿ أن يأتوا إبل الصدقة، فيشربوا من ألبانها، وأبوالها)). قال في ((الفتح)): فأما شربهم ألبان الصدقة فلأنهم من أبناء السبيل، وأما شربهم لبن لقاح النبيّ وَ ل﴿ فبإذنه المذكور، وأما شربهم البول فاحتجّ به من قال بطهارته، أما من الإبل فبهذا الحديث، وأما من مأكول اللحم فبالقياس عليه، وهذا قول مالك، وأحمد، وطائفة من السلف، ووافقهم من الشافعية ابن خزيمة(٢)، وابن المنذر، وابن حبان، والإصطخريّ، والرويانيّ، وذهب الشافعيّ، والجمهور إلى القول بنجاسة الأبوال، والأرواث كلها من مأكول اللحم وغيره. واحتجّ ابن المنذر لقوله بأن الأشياء على الطهارة حتى تثبت النجاسة، قال: ومن زَعَم أن هذا خاصّ بأولئك الأقوام فلم يُصب؛ إذ الخصائص لا تثبت إلا بدليل، قال: وفي ترك أهل العلم بيع الناس أبعار الغنم في أسواقهم، واستعمال أبوال الإبل في أدويتهم قديماً وحديثاً من غير نكير دليل على طهارتها . وتعقّبه صاحب ((الفتح))، فقال: وهو استدلال ضعيف؛ لأن المختلَف فيه لا يجب إنكاره، فلا يدلّ ترك إنكاره على جوازه فضلاً عن طهارته. (١) ((الفتح)) ٥٧٥/١ - ٥٧٦. (٢) عَدُّ ابن خزيمة، وابن حبّان، وابن المنذر من مقلدي الشافعيّ رأي باطل، وقول عاطل؛ فإن هؤلاء لا يقلّدون الشافعيّ، وإنما هم مجتهدون، متّبعون للأدلة، سواء وافقت قول الشافعيّ، أم لا، وقد فنّدت هذا القول في ((شرح مقدّمة صحيح مسلم))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ١٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ قال الجامع عفا الله عنه: هذا التعقّب مما لا معنى له، فكيف لا يجب الإنكار على المختلف فيه، ولا سيما ما خالف الأدلّة؟ وكم من مسائل اختلف فيها، قد أنكرها أهل العلم، وردّوها، وهذا مما لا يخفى على من أمعن النظر، فتأمل بالإنصاف. قال: وقد دلّ على نجاسة الأبوال كلها حديث أبي هريرة: الذي قدمناه قريباً . قال الجامع عفا الله عنه: أراد بحديث أبي هريرة: ما أخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه))، وغيره عنه مرفوعاً: ((استنزهوا من البول، فإن عامّة عذاب القبر منه))، واستدلاله بهذا غير صحيح، فإن المراد من البول في هذا الحديث بول الإنسان، فـ((أل)) فيه للعهد، وقد أشار إلى ذلك البخاريّ كَّثُ في ((صحيحه))، وأن المراد به بول الإنسان، بدليل حديث صاحبي القبرين. والحاصل أن الأصحّ طهارة الأبوال والأرواث؛ لقوّة حجته، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفّى في ((كتاب الطهارة))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (فَفَعَلُوا)؛ أي: ما أمرهم به، من شرب أبوالها، وألبانها (فَصَحُوا) زاد في رواية وُهيب عند البخاريّ: ((وسَمِنُوا))، وللإسماعيليّ من رواية ثابت: ((ورجعت إليهم ألوانهم)) (ثُمَّ مَالُوا عَلَى الرِّعَاءِ) وفي نسخة شرح النوويّ: ((على الرعاة))، قال: وفي بعض الأصول المعتمدة: ((على الرعاء))، وهما لغتان، يقال: راع ورُعاة، كقاض وقُضاة، وراع ورِعاء بكسر الراء، وبالمدّ، مثلُ صاحب وصِحاب. انتهى(١). (فَقَتَلُوهُمْ، وَارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلَامِ، وَسَاقُوا ذَوْدَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿) الذّود - بفتح الذال المعجمة، وسكون الواو، آخرهَ دال مهملة -: ما بين سن الثلاث إلى العشر من الإبل، وهي مؤنّثة، والجمع أذواد(٢). (فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ وََّ) وفي رواية للبخاريّ: ((فجاء الخبر في أول النهار))، وفي رواية: ((فجاء الصريخ)) بالخاء المعجمة، وهو فعيل بمعنى فاعل؛ أي: صرخ بالإعلام بما وقع منهم، وهذا الصارخ أحد الراعيين، كما ثبت في (١) ((شرح النوويّ)) ١٥٤/١١ - ١٥٥. (٢) راجع: ((المصباح)) ٢١١/١. ١٦٣ (٢) - بَابُ حُكْمِ الْمُحَارِبِينَ، وَالْمُرْتَدِّينَ - حديث رقم (٤٣٤٥) ((صحيح أبي عوانة)) من رواية معاوية بن قُرّة، عن أنس، وقد أخرج مسلم إسناده، ولفظه: ((فقتلوا أحد الراعيين، وجاء الآخر قد جَزِعَ، فقال: قد قتلوا صاحبي، وذهبوا بالإبل))، واسم راعي النبيّ وَّر المقتول يسار - بياء تحتانية، ثم مهملة خفيفة - كذا ذكره ابن إسحاق في ((المغازي))، ورواه الطبراني موصولاً من حديث سلمة بن الأكوع بإسناد صالح، قال: ((كان للنبيّ وَل غلام، يقال له: يسار)) زاد ابن إسحاق: ((أصابه في غزوة بني ثعلبة))، قال سلمة: ((فرآه يحسن الصلاة، فأعتقه، وبعثه في لِقاح له بالحرّة، فكان بها))، فذكر قصة العرنيين، وأنهم قتلوه، قال الحافظ: ولم أقف على تسمية الراعي الآتي بالخبر، والظاهر أنه راعي إبل الصدقة، ولم تختلف روايات البخاريّ في أن المقتول راعي النبيّ وَّر، وفي ذِكره بالإفراد، وكذا لمسلم لكن عنده من رواية عبد العزيز بن صهيب، عن أنس: ((ثم مالوا على الرُّعاة، فقتلوهم))، بصيغة الجمع، ونحوه لابن حبان من رواية يحيى بن سعيد، عن أنس، فَيَحْتَمِل أن إبل الصدقة كان لها رُعاة، فقُتل بعضهم مع راعي اللقاح، فاقتصر بعض الرواة على راعي النبيّ بِّه، وذكر بعضهم معه غيره، ويَحْتَمِل أن يكون بعض الرواة ذكره بالمعنى، فتجوّز في الإتيان بصيغة الجمع، وهذا أرجح؛ لأن أصحاب المغازي لم يذكر أحد منهم أنهم قتلوا غير يسار، والله أعلم. انتھی(١). (فَبَعَثَ) زاد في رواية للبخاريّ: ((الطَّلَبَ)) (فِي أَثْرِهِمْ)؛ أي: بعدهم، يقال: جئتُ في أَثَره - بفتحتين -، وإِثْرِهِ - بكسر، فسكون -؛ أي: تبعته عن قُرب(٢) . وفي حديث سلمة بن الأكوع عظاته: ((خيلاً من المسلمين، أميرهم كُرْز بن جابر الْفِهْريّ))، وكذا ذكره ابن إسحاق، والأكثرون، وهو بضم الكاف، وسكون الراء، بعدها زاي، وللنسائيّ من رواية الأوزاعيّ: ((فبعث في طلبهم قافةً))، وهو جمع قائف. وفي رواية معاوية بن قُرّة، عن أنس الآتية لمسلم: ((وعنده شباب من (١) (الفتح)) ٥٧٨/١. (٢) ((المصباح المنير)) ٤/١. ١٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ الأنصار، قريب من عشرين، فأرسلهم إليهم، وبعث معهم قائفاً يقتصّ أثرهم))، قال الحافظ: ولم أقف على اسم هذا القائف، ولا على اسم واحد من العشرين، لكن في مغازي الواقديّ: أن السرية كانت عشرين رجلاً، ولم يقل: من الأنصار، بل سَمَّى منهم جماعةً من المهاجرين، منهم بُريدة بن الْحُصَيب، وسلمة بن الأكوع الأسلميان، وجندب، ورافع ابنا مُكيث الْجُهنيان، وأبو ذرّ، وأبو رُهْم الغفاريان، وبلال بن الحارث، وعبد الله بن عمرو بن عوف، المزنيان، وغيرهم، والواقديّ لا يحتج به إذا انفرد، فكيف إذا خالف، لكن يَحْتَمِل أن يكون من لم يسمّه الواقديّ من الأنصار، فأطلق الأنصار تغليباً، أو قيل للجميع: أنصار بالمعنى الأعمّ. وفي مغازي موسى بن عقبة أن أمير هذه السرية سعيد بن زيد، كذا عنده بزيادة ياء، والذي ذكره غيره أنه سعد - بسكون العين - ابن زيد الأشهليّ، وهذا أيضاً أنصاريّ، فَيَحْتَمِل أنه كان رأس الأنصار، وكان كُرز أمير الجماعة. وروى الطبري وغيره من حديث جرير بن عبد الله البجليّ أن النبيّ وَلِّل بعثه في آثارهم، لكن إسناده ضعيف، والمعروف أن جريراً تأخر إسلامه عن هذا الوقت بمدة، والله أعلم. انتهى(١). (فَأَتِيَ بِهِمْ)؛ أي: إلى النبيّ ◌َل﴿ أُسارى، وفي رواية للبخاريّ: ((فلما ارتفع النهار جيء بهم))؛ أي: فأدركوا في ذلك اليوم، فأخذوا، فلما ارتفع النهار جيء بهم أسارى. (فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ) وفي رواية البخاريّ: ((فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم))، قال الداوديّ كَّتُهُ: يعني قطع يَدَيْ كلِّ واحد ورجليه، وتعقّبه الحافظ بأنه تردّه رواية الترمذيّ: ((من خلاف))، وكذا ذكره الإسماعيليّ، عن الفريابيّ، عن الأوزاعيّ، بسنده. (وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ) بتخفيف الميم، واللام، وفي رواية أبي قلابة: ((وَسُمِرت أعينهم))، قال الخطابيّ: السَّمْلُ: فَقْءُ العين بأي شيء كان، قال أبو ذؤيب الْهُذَليّ: (١) ((الفتح)) ٥٧٨/١ - ٥٧٩. ١٦٥ (٢) - بَابُ حُكْمِ الْمُحَارِبِينَ، وَالْمُرْتَدِّينَ - حديث رقم (٤٣٤٥) وَالْعَيْنُ بَعْدَهُمُ كَأَنَّ حِدَاقَهَا سُمِلَتْ بِشَوْكٍ فَهْيَ عُورٌ تَدْمَعُ قال: والسَّمْر لغة في السَّمْل، ومخرجهما متقارب، قال: وقد يكون من المسمار، يريد أنهم كُحِلوا بأميال، قد أُحميت، قال الحافظ: قد وقع التصريح بالمراد عند البخاريّ من رواية وهيب، عن أيوب، ومن رواية الأوزاعيّ، عن يحيى، كلاهما عن أبي قلابة، ولفظه: ((ثم أَمَرَ بمسامير، فأُحميت، فكَحَلهم بها))، فهذا يوضح ما تقدم، ولا يخالف ذلك رواية السَّمْل؛ لأنه فقء العين بأي شيء كان كما مضى. انتهى(١). وقال النوويّ كَّثُ: قوله: ((وسمل أعينهم)) هكذا هو في معظم النسخ: (سَمَلَ)) باللام، وفي بعضها: ((سَمَرَ)) بالراء، والميمُ مخفّفة، وضبطناه في بعض المواضع في البخاريّ: ((سَمَّرَ)) بتشديد الميم، ومعنى (سَمَلَ)) باللام: نَقّاها، وأذهب ما فيها، ومعنى ((سَمَرَ)) بالراء: كَحَلها بمسامير مَحْمِيّة، وقيل: هما بمعنی. انتھی(٢). (وَتَرَكَهُمْ فِي الْحَرَّةِ) - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء -: أرض ذات حجارة سُود، معروفة بالمدينة، وإنما أُلقوا فيها؛ لأنها قُرْبَ المكان الذي فَعَلوا فيه ما فعلوا (حَتَّى مَاتُوا) وفي رواية حجاج، عن أبي رجاء: ((ثم نُبِذوا في الشمس حتى ماتوا))، وفي رواية أيوب، عن أبي رجاء: ((وألقوا في الحرّة، يستسقون، فلا يُسقون))، وفي رواية شعبة عن قتادة عند البخاريّ: ((يَعَضُون الحجارة))، وعنده من رواية ثابت: ((قال أنس: فرأيت الرجل منهم يَكْدُم الأرض بلسانه حتى يموت))، ولأبي عوانة: ((يَعَضّ الأرض ليجد بَرْدَها، مما يجد من الحرّ والشدّة)). وزعم الواقديّ أنهم صُلِبُوا، والروايات الصحيحة ترُدّه، لكن عند أبي عوانة من رواية أبي عقيل، عن أنس: ((فصَلَب اثنين، وقَطَع اثنين، وسَمَل اثنين))، كذا ذكر ستة فقط، قال الحافظ تَّلُ: فإن كان محفوظاً، فعقوبتهم كانت مُوَزَّعةً. ومال جماعة، منهم ابن الجوزيّ إلى أن ذلك وَقَع عليهم على سبيل (١) ((الفتح)) ٥٧٩/١ - ٥٨٠. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٥٥/١١. ١٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ القصاص؛ لِمَا عند مسلم من حديث سليمان التيميّ، عن أنس ظبه: ((إنما سَمَل النبيّ ◌َّ﴿ أعينهم؛ لأنهم سَمَلوا أعين الرعاة))، وقَصَّر من اقتصر في عزوه للترمذيّ، والنسائيّ. وتعقبه ابن دقيق العيد بأن المُثلة في حقهم وقعت من جهات، وليس في الحديث إلا السمل، فيحتاج إلى ثبوت البقية. قال الحافظ: كأنهم تمسكوا بما نقله أهل المغازي أنهم مَثّلوا بالراعي. وذهب آخرون إلى أن ذلك منسوخ، قال ابن شاهين - عن حديث عمران بن حصين ظّ في النهي عن المثلة -: هذا الحديث ينسخ كلَّ مثلة. وتعقبه ابن الجوزيّ بأن ادّعاء النسخ يحتاج إلى تاريخ. قال الحافظ: يدل عليه ما رواه البخاريّ في ((الجهاد)) من حديث أبي هريرة ظه في النهي عن التعذيب بالنار بعد الإذن فيه، وقصة العرنيين قبل إسلام أبي هريرة ◌ُه، وقد حضر الإذن، ثم النهي، وروى قتادة، عن ابن سيرين أن قصتهم كانت قبل أن تُنْزَل الحدود، ولموسى بن عقبة في (المغازي)): وذكروا أن النبيّ وَّهُ نهى بعد ذلك عن المُثلة بالآية التي في ((سورة المائدة)، وإلى هذا مال البخاريّ، وحكاه إمام الحرمين في ((النهاية)) عن الشافعيّ. واستَشْكَل القاضي عياض تَخْتُهُ عدم سقيهم الماء للإجماع على أن من وجب عليه القتل، فاستسقى لا يُمنع. وأجاب بأن ذلك لم يقع عن أمر النبيّ بِّ، ولا وقع منه نهي عن سقیهم. انتهى. وتعقّبه الحافظ، فقال: وهو ضعيف جدّاً؛ لأن النبيّ وَّ اطَّلَع على ذلك، وسكوته كاف في ثبوت الحكم. وأجاب النوويّ: بأن المحارب المرتدّ لا حرمة له في سقي الماء، ولا غيره، ويدلّ عليه أن من ليس معه ماء إلا لطهارته، ليس له أن يسقيه للمرتد، ويتيممَ، بل يستعمله، ولو مات المرتد عطشاً. وقال الخطابيّ تَخُّْ: إنما فَعَل النبيّ وَّر بهم ذلك؛ لأنه أراد بهم الموت بذلك. ١٦٧ (٢) - بَابُ حُكْمِ الْمُحَارِبِينَ، وَالْمُرْتَدِّينَ - حديث رقم (٤٣٤٥) وقيل: إن الحكمة في تعطيشهم؛ لكونهم كفروا نعمة سقي ألبان الإبل التي حصل لهم بها الشفاء من الجوع، والوخم، ولأن النبيّ ◌َّ دعا بالعطش على من عَطَّش آل بيته في قصة رواها النسائيّ، فَيَحْتَمِل أن يكونوا في تلك الليلة مَنَعُوا إرسال ما جرت به العادة من اللبن الذي كان يُراح به إلى النبيّ ◌َِله من لقاحه في كل ليلة، كما ذكر ذلك ابن سعد، والله أعلم. انتهى(١). زاد في رواية البخاريّ: ((قال أبو قلابة: فهؤلاء سَرَقُوا، وقَتَلُوا، وكَفَرُوا بعد إیمانهم، وحاربوا الله ورسوله)). فقوله: قال أبو قلابة: ((فهؤلاء سرقوا))؛ أي: لأنهم أخذوا اللقاح من حِرز مثلها، وهذا قاله أبو قلابة استنباطاً، وسيأتي البحث فيه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: حديث أنس بن مالك ◌َهُ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣٤٥/٢ و ٤٣٤٦ و ٤٣٤٧ و ٤٣٤٨ و ٤٣٤٩ و٤٣٥٠ و٤٣٥١ و٤٣٥٢] (١٦٧١)، و(البخاريّ) في ((الوضوء)) (٢٣٣) و((الجهاد)) (٣٠١٨) و((المغازي)) (٤١٩٣) و((التفسير)) (٤٦١٠) و((الطبّ)) (٥٦٨٥) و((الحدود)) (٦٨٠٢ و٦٨٠٣ ٦٨٠٤ و٦٨٠٥) و((الديات)) (٦٨٩٩)، و(أبو داود) في ((الحدود)) (٤٣٦٤)، و(الترمذيّ) في ((الطهارة)) (٧٢ و٧٣) و((الأطعمة)) (١٨٤٥) و((الطبّ)) (٢٠٤٢)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (١٦٠/١ و١٦١) و((تحريم الدم)) (٩٣/٧ و٩٤ و٩٥ و٩٦) و((الكبرى)) (١٣٠/١ و٢٩٣/٢ و٢٩٤ و٢٩٥ و٢٩٦ و٣٧١/٤)، و(ابن ماجه) في ((الحدود)) (٢٥٧٨)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٧١٣٢)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٦٨/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٧٥/٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦١/٣ و١٨٦ و١٩٨ و١٠٧ و٢٠٥)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٨٠/٣)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٣٦/١٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٦٣/٦ و٢٢٤ و٤٦٥ و١٢/٧)، (١) ((الفتح)) ٣٤١/١. ١٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٧٨/٤ و٨٥ و٨٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٣٨٦ و١٣٨٧ و١٣٨٨)، و(الطبرانيّ) في ((الصغير)) (١٦٥/١) و((الأوسط)) (٢٩/٩)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (١٣١/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨/ ٦٢ و٢٨٢ و٦٩/٩ و٤/١٠) و((الصغرى)) (٣٢٩/٧ و٣٨٨/٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢٥٦٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان قدوم الوفود على الإمام، ونظره في مصالحهم، ومراعاة أحوالهم بما يصلح لهم، من طعام، أو شراب، أو غير ذلك. ٢ - (ومنها): أن الإمام مالكاً استدلّ بهذا الحديث على طهارة بول ما يؤكل لحمه، وبه قال أحمد، ومحمد بن الحسن، والإصطخريّ، والروياني الشافعيان، وهو قول الشعبيّ، وعطاء، والنخعيّ، والزهريّ، وابن سيرين، والحكم، والثوريّ، وغيرهم(١)، وهو مذهب الإمام البخاريّ، والنسائيّ، وهو المذهب الصحيح، وقد استوفيت البحث في هذا في ((كتاب الطهارة))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٣ - (ومنها): مشروعية الطبّ والتداوي بألبان الإبل وأبوالها. ٤ - (ومنها): أن كل جسد يُطَبّ بما اعتاده، ويلائمه إذا كان طاهراً. ٥ - (ومنها): مشروعيّة قتل الجماعة بالواحد، سواء قتلوه غِيلةً، أو حِرَابةً، إن قلنا: إن قتلهم كان قصاصاً. ٦ - (ومنها): مشروعية المماثلة في القصاص، وليس ذلك من المُثلة المنهيّ عنها. ٧ - (ومنها): جواز عقوبة المحاربين، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُاْ أَلَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المائدة: ٣٣]، وهل كلمة ((أو)) فيها للتخيير، أو للتنويع؟ قولان(٢) . ٨ - (ومنها): ثبوت حكم المحاربة في الصحراء، فإنه وّ* بعث في طلبهم لمّا بلغه فِعْلهم بالرعاء، واختَلَف العلماء في ثبوت أحكامها في (١) راجع: ((عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ)) للعلامة العينيّ ٩٢/٥. (٢) ((عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ)) ٩٤/٥. ١٦٩ (٢) - بَابُ حُكْمِ الْمُحَارِبِينَ، وَالْمُرْتَدِّينَ - حديث رقم (٤٣٤٥) الأمصار، فنفاه أبو حنيفة، وأثبته مالك، والشافعي(١). ٩ - (ومنها): مشروعيّة قتل المرتدّ من غير استتابة، وفي كونها واجبة، أو مستحبة خلاف مشهور، وقيل: هؤلاء حاربوا، والمرتدّ إذا حارب لا يستتاب؛ لأنه يجب قتله، فلا معنى للاستتابة. ١٠ - (ومنها): جواز استعمال أبناء السبيل إبل الصدقة في الشرب، وفي غيره قياساً عليه بإذن الامام. ١١ - (ومنها): مشروعيّة العمل بقول القائف، وللعرب في ذلك المعرفة التامة(٢) . ١٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ نَظّفُهُ: هذا الحديث أصل في عقوبة المحاربين، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَبُوَاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَبْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْأْ مِنَ الْأَرْضِّ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِ الذُّنْيَا وَلَهُمْ فِ الْآخِرَةِ عَذَابٌ [المائدة: ٣٣]. ٣٣ عَظِيمُ قال ابن بطال تَخَّتُهُ: ذهب البخاريّ إلى أن آية المحاربة نزلت في أهل الكفر والردّة، وساق حديث العرنيين، وليس فيه تصريح بذلك، ولكن أخرج عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة حديث العرنيين، وفي آخره: قال: بلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ الآية [المائدة: ٣٣]. ووقع مثله في حديث أبي هريرة ظه، وممن قال ذلك: الحسن، وعطاء، والضحاك، والزهري، قال: وذهب جمهور الفقهاء إلى أنها نزلت فيمن خرج من المسلمين، يسعى في الأرض بالفساد، ويقطع الطريق، وهو قول مالك، والشافعيّ، والكوفيين، ثم قال: وليس هذا منافياً للقول الأول؛ لأنها وإن نزلت في العرنيين بأعيانهم، لكن لفظها عام يدخل في معناه كل من فعل مثل فعلهم، من المحاربة والفساد. قال الحافظ دخّلُهُ: بل هما متغايران، والمرجع إلى تفسير المراد (١) راجع: ((عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ)) ٩٤/٥. (٢) راجع: ((الفتح)) ٥٨٢/١، كتاب ((الوضوء)) رقم (٢٣٣). ١٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ بالمحاربة، فمن حملها على الكفر خص الآية بأهل الكفر، ومن حملها على المعصية عمَّم، ثم نقل ابن بطال عن إسماعيل القاضي، أن ظاهر القرآن، وما مضى عليه عمل المسلمين، يدل على أن الحدود المذكورة في هذه الآية، نزلت في المسلمين، وأما الكفار فقد نزل فيهم: ﴿فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرِّقَابٍ﴾ إلى آخر الآية [محمد: ٤]، فكان حكمهم خارجاً عن ذلك. وقال تعالى في آية المحاربة: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَيِهِمْ﴾ الآية [المائدة: ٣٤]، وهي دالة على أن من تاب من المحاربين يسقط عنه الطلب بما ذُكر بما جناه فيها، ولو كانت الآية في الكافر لنفعته المحاربة، ولكن إذا أحدث الحرابة مع كفره اكتفينا بما ذُكر في الآية، وسَلِمَ من القتل، فتكون الحرابة خفَّفت عنه القتل. وأجيب عن هذا الإشكال بأنه لا يلزم من إقامة هذه الحدود على المحارب المرتدّ مثلاً، أن تسقط عنه المطالبة بالعود إلى الإسلام، أو القتل، وقد نقل البخاريّ في تفسير ((سورة المائدة))، عن سعيد بن جبير أن معنى المحاربة لله: الكفر به. وأخرج الطبريّ من طريق رَوْح بن عبادة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس في آخر قصة العرنيين، قال: فذُكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَّاقُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ [المائدة: ٣٣]، وأخرج نحوه من وجه آخر عن أنس. وأخرج الإسماعيلي هناك من طريق مروان بن معاوية، عن معاوية بن أبي العباس، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس رَُّه، عن النبيّ وَ﴿ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال: هم من ◌ُكْل. قال الحافظ رَّتُهُ: والمعتمد أن الآية نزلت أولاً فيهم، وهي تتناول بعمومها من حارب من المسلمين بقطع الطريق، لكن عقوبة الفريقين مختلفة، فإن كانوا كفاراً يخيَّر الإمام فيهم إذا ظَفِرَ بهم، وإن كانوا مسلمين فعلى قولين: أحدهما: وهو قول الشافعيّ، والكوفيين: يُنظر في الجناية، فمن قَتل قُتل، ومن أخذ المال قُطع، ومن لم يقتل ولم يأخذ مالاً نُفي، وجعلوا ((أو)) للتنويع. وقال مالك: بل هي للتخيير، فيتخيَّر الإمام في المحارب المسلم بين الأمور ١٧١ (٢) - بَابُ حُكْمِ الْمُحَارِبِينَ، وَالْمُرْتَدِّينَ - حديث رقم (٤٣٤٦) الثلاثة، ورجَّح الطبري الأول، ذكره في ((الفتح))(١). [تنبيه]: أشكل قوله في آية المحاربين: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِى الذُّنْيّاً (٣) مع حديث عبادة بن الصامت تظله الدالّ وَلَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمُ على أن من أقيم عليه الحد في الدنيا كان له كفارةً، فإن ظاهر الآية أن المحارب يُجمَع له الأمران. [والجواب]: أن حديث عبادة ظه مخصوص بالمسلمين، بدليل أن فيه ذكرَ الشرك، مع ما انضمّ إليه من المعاصي، فلما حصل الإجماع على أن الكافر إذا قُتل على شركه، فمات مشركاً أن ذلك القتل لا يكون كفارة له، قام إجماع أهل السُّنَّة على أن من أقيم عليه الحد، من أهل المعاصي، كان ذلك كفارةً لإثم معصيته، والذي يَضْبِط ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ الآية [النساء: ٤٨]، والله أعلم، ذكره في (الفتح))(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد ذكرتُ في ((شرح النسائيّ)) (٣) عشر مسائل تتعلّق بالآية المذكورة، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق. *وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٤٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ - قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، حَدَّثَنِي أَنَسْ أَنَّ نَفَرَأَ مِنْ عُكْلٍ ثَمَانِيَةً، قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَبَايَعُوهُ عَلَى الإِسْلَامِ، فَاسْتَوْخَمُوا الأَرْضَ، وَسَقُمَتْ أَجْسَامُهُمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَقَّالَ: ((أَلَا تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا، فِي إِلِهِ، فَتُصِيبُونَ مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا))، فَقَالُوا: بَلَى، فَخَرَجُوا، فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَصَحُوا، فَقَتَلُوا الرَّاعِيّ، وَطَرَدُوا الإِبِلَ (٤)، فَبَلِغَ ذَلِكَ (١) راجع: ((الفتح)) ٦٦/١٤ - ٦٧. (٢) ((الفتح)) ٥٩٤/١٥، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٨٠٥). (٣) راجع: ((ذخيرة العقبى في شرح المجتبى)) ٣٣٠/٣١ - ٣٤٠. (٤) وفي نسخة: ((واطّردوا الإبل)). ١٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ رَسُولَ اللهِ وَهِ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَأُدْرِكُوا، فَجِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ، فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ، وَسُمِرَ أَعْيُنُهُمْ، ثُمَّ نُبِذُوا فِي الشَّمْسِ، حَتَّى مَاتُوا، وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ فِي رِوَايَتِهِ: وَالطَّرَدُوا النَّعَمَ، وَقَالَ: وَسُمِّرَتْ أَعْيُنُهُمْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو جَعْفَرِ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) الدُّولابيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظً [١٠] (ت٢٢٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٧/٥. ٢ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم، تقدّم قبل بابين. ٣ - (حَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ) ميسرة، أو سالم الصوّاف، أبو الصَّلْت الكنديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت١٤٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٨/٥٢. ٤ - (أَبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ) اسمه سلمان الْجَرْميّ البصريّ، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن مولاه، وعمر بن عبد العزيز، وروى عنه أيوب، وحجاج الصوّاف، وابن عون، وحميد الطويل. وثّقه العجليّ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)»، أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، هذا الحديث في قصّة العرنيين، فقط . ٥ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو الْجَرْميّ، تقدّم قبل بابين. والباقيان ذُكرا في الباب. قوله: (مِنْ عُكْلٍ) - بضم العين المهملة، وسكون الكاف، وآخره لام - وعكل خمس قبائل، وذلك أن عوف بن عبد مناف وَلَد قيساً، فولد قيس وائلاً، وعوانة، فولد وائل عوفاً، وثعلبة، فولد عوف بن وائل الحارث، وجُشَماً، وسعداً، وعليّاً، وقيساً، وأمهم بنت ذي اللحية؛ لأنه كان مطائلاً لحيته، فحضنتهم أمة سوداء، يقال لها: عُكْل، كذا قاله الكلبي وغيره، ويقال: عُكْل امرأة حَضَنت ولد عوف بن إياس بن قيس بن عوف بن عبد مناة بن أدّ بن طابخة. وزعم السمعانيّ أنهم بطن من غَنْم، ورَدّ ذلك عليه أبو الحسن الجزري بأن عكل امرأة من حِمْير، يقال لها: بنت ذي اللحية، تزوجها عوف بن قيس بن ١٧٣ (٢) - بَابُ حُكْمِ الْمُحَارِبِينَ، وَالْمُرْتَدِينَ - حديث رقم (٤٣٤٧) وائل بن عوف بن عبد مناة بن أدّ، فولدت له سعداً، وجُشَماً وعلياً، ثم هلكت الحميرية، فحضنت عكل ولدها، وهم من جملة الرَّبَاب تحالفوا على بني تمیم. وقوله: (فَاسْتَوْخَمُوا الأَرْضَ)؛ أي: استثقلوها، ولم يوافق هواؤها أبدانهم . وقوله: (وَسَقُمَتْ أَجْسَامُهُمْ) بكسر القاف، وضمّها، يقال: سَقِمَ سَقَماً، من باب تَعِب: طال مرضه، وسَقُم سُقماً، من باب قَرُب، فهو سقيم، والجمع سِقَام، مثلُ كريم وكِرام، قاله الفيّوميّ تَظُّهُ(١). وقوله: (فَصَخُوا) زاد في رواية: ((وَسَمِنُوا))، وفي رواية: ((ورجعت إليهم ألوانهم)). وقوله: (وَطَرَدُوا الإِبِلَ)؛ أي: ساقوها، قال المجد تَظّتُهُ: الطَّرْد - بفتح، فسكون، ويُحرّك: الإبعاد، وضمّ الإبل من نواحيها. انتهى (٢). وقوله: (فَأَمَرَ بِهِمْ)؛ أي: أمر بَّر بقطعهم. وقوله: (وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ فِي رِوَايَتِهِ ... إلخ) بيان لاختلاف شیخیه: محمد بن الصبّاح، وابن أبي شيبة، فابن أبي شيبة قال: ((وطردوا النَّعم)) بتخفيف الطاء، من الطرد ثلاثيّاً، وسُمِرت أعينهم - بتخفيف الميم - من السمر، مبنيّاً للمفعول، وابن الصبّاح قال: ((واطّردوا النعم))، بتشديد الطاء، من الاطّراد، من باب الافتعال، وكذا قال: ((وَسُمِّرَتْ أَعْيُنُهُمْ)) بتشديد الميم، من التسمير مبنيّاً للمفعول أيضاً. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَظْثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٤٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو (١) ((المصباح المنير)) ٢٨٠/١. (٢) ((القاموس المحيط)) ص٧٩٦. ١٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ قِلَابَةَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَلِّ قَوْمٌ مِنْ عُكْلِ، أَوْ ء عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ نَّهَ بِلِقَاحٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، بِمَعْنَى حَدِيثٍ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَأَلْقُوا فِي الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ، فَلَا يُسْقَوْنَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان الْحَمّال، أبو موسى البغداديّ البزّاز، ثقةُ [١٠] (ت٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٦٤/ ٣٦١. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزديّ الواشحيّ البصريّ، القاضي بمكة، ثقةٌ إمام حافظ [٩] (ت٢٢٤) ولَه (٨٠) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦٨/٦. ٣ - (اُّوبُ) السختيانيّ، تقدّم قبل بابين. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. وقوله: (مِنْ عُكْلِ، أَوْ عُرَيْنَةَ) تقدّم ما يتعلّق بعُكل، وأما عُرينة، فهو: - بضم العين، وفتح الراء، وسكون الياء آخر الحروف، وفتح النون - ابن نذير بن قيس بن عبقر بن أنمار بن الغوث بن طي بن أُدَد، وزعم اليشكريّ أن عرينة: ابن عزيز بن نذير، قاله في ((العمدة))(١). وقوله: (فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ)؛ أي: أصابهم الْجَوَى - بالجيم - وهو داء الجوف إذا تطاول، ويقال: الاجتواء كراهية الْمُقام، يقال: اجتويت البلد: إذا كرهتها، وإن كانت موافقة لك في بدنك، واستوبلتها: إذا لم توافقك في بدنك، وإن أحببتها(٢). وقوله: (بِلِقَاحِ) - بكسر اللام - وهي الإبل، الواحدة: لَقُوحٌ، وهي الْحَلُوب، مثلُ قَلُوصَّ وقِلاص، قال أبو عمرو: إذا أنتجت فهي لَقُوح شهرين، أو ثلاثة، ثم هي لبون بعد ذلك. انتهى. وقوله: (وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ) - بضم السين، وتخفيف الميم، وتشديدها -؛ أي: كُحِلت بمسامير محمّاة. (١) ((عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ)) ٨٦/٥. (٢) ((عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ)) ٨٦/٥. ١٧٥ (٢) - بَابُ حُكْمِ الْمُحَارِبِينَ، وَالْمُرْتَدِّينَ - حديث رقم (٤٣٤٧) وقوله: (وَأَلْقُوا فِي الْحَرَّةِ) - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء -: هي الأرض ذات الحجارة السود، والمراد من الحرة هذه: حَرّة بظاهر مدينة الرسول وَل، بها حجارة سُود كثيرة، وكانت بها الوقعة المشهورة أيام يزيد بن معاوية(١) . وقوله: (يَسْتَسْقُونَ، فَلَا يُسْقَوْنَ) حَكَى ابن بطال(٢) عن المهَلَّب أن الحكمة في ترك سقيهم كفرهم نعمة السقي التي أنعشتهم من المرض الذي كان بهم، قال: وفيه وجه آخر يؤخذ مما أخرجه ابن وهب من مرسل سعيد بن المسيِّب أن النبيّ وَ ﴿ قال لَمّا بلغه ما صنعوا: ((عَطَّش الله مَن عَطَّش آل محمد الليلةَ))، قال: فكان ترك سقيهم إجابة لدعوته چچ . قال الحافظ: وهذا لا ينافي أنه عاقبهم بذلك، كما ثبت أنه سَمَلهم؛ لكونهم سَمَلوا أعين الرُّعاة، وإنما تركهم حتى ماتوا؛ لأنه أراد إهلاكهم، كما مضى في الحسم، وأبعد من قال: إنَّ تَرْكَهُم بلا سقي لم يكن بعلم النبيّ وَِّ. انتهى(٣). [تنبيه]: رواية أيوب السختيانيّ، عن أبي رجاء هذه ساقها البخاريّ ◌َُّ في ((صحيحه))، فقال: (٢٣٣) - حدّثنا سليمان بن حرب، قال: حدّثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: قَدِمَ أناس من عكل، أو عرينة، فاجتووا المدينة، فأمرهم النبيّ ◌َ ﴿ بلقاح، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلما صَحُوا قتلوا راعي النبيّ وَّه، واستاقوا النَّعَمَ، فجاء الخبر في أول النهار، فبعث في آثارهم، فلما ارتفع النهار جيء بهم، فأَمَرَ، فَقَطَعَ أيديهم وأرجلهم، وسُمِرت أعينهم، وأُلْقُوا في الحرّة، يستسقون، فلا يُسْقَون، قال أبو قلابة: فهؤلاء سَرَقُوا، وقَتَلُوا، وكَفَروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله. انتهى (٤)، والله تعالى أعلم. (١) ((عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ)) ٨٧/٥. (٢) راجع: ((شرح البخاريّ)) لابن بطّال ٤٢١/٨ - ٤٢٢. (٣) ((الفتح)) ٥٩٢/١٥ - ٥٩٣، كتاب ((الحدود)» رقم (٦٨٠٤). (٤) ((صحيح البخاريّ)) ١/ ٩٢. ١٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٤٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ التَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ السَّمَّانُ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: كُنْتُ جَالِساً خَلْفَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ لِلنَّاسِ(١): مَا تَقُولُونَ فِي الْقَسَامَةِ؟ فَقَالَ عَنْبَسَةُ: قَدْ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ كَذَا وَكَذَا، فَقُلْتُ: إِيَّاتِيَ حَدَّثَ أَنَسِ، قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ نَّهِ قَوْمٌ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثٍ أَيُّوبَ وَحَجَّاجٍ. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ عَنْبَسَةُ: سُبْحَانَ اللهِ - قَالَ أَبُو قِلَابَةَ - فَقُلْتُ: أَتَتَّهِمُنِي يَا عَنْبَسَةُ؟ قَالَ: لَا، هَكَذَا حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ يَا أَهْلَ الشَّامِ مَا دَامَ فِيَكُمْ هَذَا، أَوْ مِثْلُ هَذَا). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل بابين. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ) بن نصر بن حسّان الْعَنْبَريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣. ٣ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ) أبو عثمان البصريّ، يُلقّب أبا الْجَوْزاء، ثقة [١١] (ت٢٤٦) (م ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٩/٦٥. ٤ - (أَزْهَرُ السَّمَّانُ) ابن سعد، أبو بكر الباهليّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٣) وهو ابن (٩٤) سنةً (خ م د ت س) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)» ٠١٣٤٤/٢٦ ٥ - (ابْنُ عَوْنٍ) عبد الله، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٥] (ت١٥٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٣. والباقون ذُكروا قبله. (١) وفي نسخة: ((فقال لناس)). ١٧٧ (٢) - بَابُ حُكْمِ الْمُحَارِبِينَ، وَالْمُرْتَدِّينَ - حديث رقم (٤٣٤٨) شرح الحديث: (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد، أنه (قَالَ: كُنْتُ جَالِساً خَلْفَ عُمَرَ بْنِ عَبْدُ الْعَزِيزِ) الخليفة الزاهد المشهور المتوفّى سنة (١٠١هـ) تقدّمت ترجمته في (المقدّمة)) ٤٦/٦. (فَقَالَ لِلنَّاسِ) وفي بعض النسخ: ((فقال لناس)) (مَا) استفهاميّة؛ أي: أَيَّ شيء (تَقُولُونَ فِي الْقَسَامَةِ؟)؛ أي: في حكمها، هل يقاد بها أم لا؟. قال في ((الفتح)): زاد أحمد بن حرب، عن إسماعيل ابن عُلَيّة، عند أبي نعيم في ((المستخرج)): ((فَأَضَبَّ الناسُ))؛ أي: سكتوا مُطْرقين، يقال: أَضَبُّوا: إذا سكتوا، وأضبوا: إذا تكلموا، وأصل أضبّ: أضمر ما في قلبه، ويقال: أضب على الشيء: لَزِمه، والاسم: الضَّبّ كالحيوان المشهور، ويَحْتَمِل أن يكون المراد أنهم عَلِمُوا رأي عمر بن عبد العزيز في إنكار القسامة، فلما سألهم سكتوا، مضمرين مخالفته، ثم تكلم بعضهم بما عنده في ذلك، كما وقع في هذه الرواية: ((قالوا: نقول: القسامة الْقَوَد بها حقّ، وقد أقادت بها الخلفاء))، وأرادوا بذلك ما تقدم نقله عن معاوية، وعن عبد الله بن الزبير، وكذا جاء عن عبد الملك بن مروان، لكن عبد الملك أقاد بها، ثم نَدِمَ كما ذكره أبو قلابة بعد ذلك، في رواية حماد بن زيد، عن أيوب، وحجاج الصَّاف، عن أبي رجاء: ((أن عمر بن عبد العزيز استشار الناس في القسامة، فقال قوم: هي حقُّ قَضَى بها رسول الله وَّر، وقضى بها الخلفاء))، أخرجه أبو عوانة في ((صحيحه))، وأصله عند الشيخين من طريقه. انتهى (١). (فَقَالَ عَنْبَسَةُ) - بفتح المهملة، وسكون النون، وفتح الموحدة، بعدها سين مهملة - ابن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أميّة، أبو أيوب، ويقال: أبو خالد الأمويّ، أخو عمرو الأشدق، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبي هريرة، وأنس، وعمر بن عبد العزيز قوله في القسامة. ورَوَى عنه أبو قلابة، والزهريّ. قال ابن معين، وأبو داود، والنسائيّ، والدارقطنيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: (١) ((الفتح)) ٩٣/١٦ - ٩٤، كتاب ((الديات)) رقم (٦٨٩٩). ١٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ لا بأس به، وقال الدارقطنيّ: كان جليس الحجاج، ورَوَى عنه أيضاً محمد بن عمرو بن علقمة، قال الزبير: كان انقطاعه إلى الحجاج، وحُكِي أنه بعد موت أبيه دعا مروان بن الحكم في وليمة عرسه، ورأى بِزّةً حسنةً، فسأله: أعليك دَين؟ قال: نعم، فقال: لِمَ لا جعلت هذه الْبِزّة في وفائه؟ قال: فاهتممت بذلك حتى قضيت دَيني، واقتنيت المال بعدُ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)»، ووثّقه يعقوب بن سفيان. وقال في ((الفتح)): عنبسة المذكور هو الأمويّ، أخو عمرو بن سعيد المعروف بالأشدق، واسم جدّه العاص بن سعيد بن العاص بن أمية، وكان عنبسة من خيار أهل بيته، وكان عبد الملك بن مروان بعد أن قتل أخاه عمرو بن سعيد يُكرمه، وله رواية، وأخبار مع الحجاج بن يوسف، ووثقه ابن معين وغيره. انتھی(١). أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الموضع. (قَدْ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) ◌َبه (كَذَا وَكَذَا) وفي رواية: فقال عنبسة بن سعيد: فأين حديث أنس بن مالك في الْمُكْليين؟ قال في ((الفتح)): كذا في هذه الرواية، وتقدّم في (الطهارة)) وغيرها بلفظ: ((الْعُرنيين))، وأوضحت أن بعضهم كان من عُكْل، وبعضهم كان من عُرينة، وثبت كذلك في كثير من الطرق. انتھی . قال أبو قلابة: (فَقُلْتُ: إِنَّايَ حَدَّثَ أَنَسٌْ) ﴿به؛ أي: حدّثني أنس بحديث العرنيين، فقال: (قَدِمَ) بكسر الدال (عَلَى النَّبِيِّ وَِّ قَوْمٌ) وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل ((ساق)) ضمير ابن عون؛ أي: ساق حديث قصّة العرنيين (بِنَحْوٍ) سياق (حَدِيثٍ أَيُّوبَ) السختياني المذكور في الحديث الذي قبله (وَ) بسياق حديث (حَجَّاجِ) بن أبي عثمان المذكور قبل حديث. قال الجامع عفا الله عنه: رواية ابن عون هذه ساقها البخاريّ كَّثُهُ في (التفسير)) من ((صحيحه))، فقال: (١) ((الفتح)) ٩٥/١٦ رقم (٦٨٩٩). ١٧٩ (٢) - بَابُ حُكْمِ الْمُحَارِبِينَ، وَالْمُرْتَدِّينَ - حديث رقم (٤٣٤٨) (٤٦١٠) - حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدّثنا محمد بن عبد الله الأنصاريّ، حدّثنا ابن عون، قال: حدّثني سلمان أبو رجاء مولى أبي قلابة، عن أبي قلابة، أنه كان جالساً خلف عمر بن عبد العزيز، فذكروا، وذكروا (١)، فقالوا، وقالوا: قد أقادت بها الخلفاء، فالتفت إلى أبي قلابة، وهو خلف ظهره، فقال: ما تقول يا عبد الله بن زيد؟ أو قال: ما تقول يا أبا قلابة؟ قلت: ما عَلِمت نفساً حَلّ قتلها في الإسلام إلا رجل زنى بعد إحصان، أو قتل نفساً بغير نفس، أو حارب الله ورسوله بَله، فقال عنبسة: حدّثنا أنس بكذا وكذا، قلت: إياي حدّث أنسٌ، قال: قَدِمَ قوم على النبيّ وَّ، فكلموه، فقالوا: قد استوخمنا هذه الأرض، فقال: ((هذه نَعَمٌ لنا تَخْرُج(٢)، فاخرجوا فيها، فاشربوا من ألبانها وأبوالها))، فخرجوا فيها، فشربوا من أبوالها وألبانها، واستصحّوا (٣)، ومالوا على الراعي فقتلوه، واطّردوا(٤) النَّعَمَ، فما يستبطأ من هؤلاء؟ قتلوا النفس، وحاربوا الله ورسوله، وخَوَّفوا رسول الله وَله، فقال: سبحان الله، فقلت: تتهمني؟ قال: حدّثنا بهذا أنس، قال: وقال: يا أهل كذا، إنكم لن تزالوا بخير ما أُبقي هذا فيكم، ومثل هذا. انتهى (٥). (قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَلَمَّا فَرَغْتُ)؛ أي: حديث أنس ◌َظُهُ (قَالَ عَنْبَسَةُ) بن سعيد (سُبْحَانَ اللهِ) تعجّباً من حفظ أبي قلابة للحديث، ومعرفته بمعناه، وفي رواية البخاريّ: ((إن سمعت كاليوم قط))، و((إن)) بالتخفيف، وكسر الهمزة بمعنى (١) أي: ذكروا القسامة. (٢) قوله: ((هذه نَعَم لنا)) مغاير لقوله في الطريق المتقدمة: ((اخرجوا إلى إبل الصدقة))، ويُجمع بأن في قوله: ((لنا)) تجوزاً سوّغه أنه كان يحكم عليها، أو كانت له نَعَم ترعى مع إبل الصدقة، وفي سياق بعض طرقه ما يؤيد هذا الأخير، حيث قال فيه: ((هذه نَعَم لنا تخرج، فاخرجوا فيها))، وكأن نَعَمه في ذلك الوقت كان يريد إرسالها إلى الموضع الذي ترعى فيه إبل الصدقة، فخرجوا صحبةَ النعم، قاله في ((الفتح)) ١٠/ ٨٩. (٣) أي: حصلت لهم الصحّة. (٤) بتشديد الطاء؛ أي: أخرجوها طرداً؛ أي: سوقاً. (٥) ((صحيح البخاريّ)) ١٦٨٥/٤. ١٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ ((ما)) النافية، وحذف مفعول ((سمعت))، والتقدير: ما سمعت قبل اليوم مثل ما سمعت منك اليوم، وفي رواية: ((فقال عنبسة: يا قوم ما رأيت كاليوم قطّ)). (قَالَ أَبُو قِلَابَةَ - فَقُلْتُ: أَتْتَّهِمُنِي يَا عَنْبَسَةُ؟) وفي رواية البخاريّ: ((أترُدّ عليّ حديثي يا عنبسة؟))، قال في ((الفتح)): كأن أبا قلابة فَهِمَ من كلام عنبسة إنكار ما حدّث به. انتهى (١). (قَالَ) عنبسة (لَا)؛ أي: لا أتّهمك فيما حدّثت به من حديث العُكليين (هَكَذَا حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) وَظُه، وفي رواية البخاريّ: ((قال: لا، ولكن جئت بالحديث على وجهه))، وهذا دالّ على أن عنبسة كان سمع حديث الْعُكليين من أنس رَظُه، وفيه إشعار بأنه كان غير ضابط له على ما حَدّث به أنس ◌ُه، فكان يظن أن فيه دلالة على جواز القتل في المعصية، ولو لم يقع الكفر، فلما ساق أبو قلابة الحديث تذكر أنه هو الذي حدّثهم به أنس فاعترف لأبي قلابة بضبطه، ثم أثنى عليه(٢)، ولذا قال عنبسة بعده: (لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ يَا أَهْلَ الشَّامِ مَا دَامَ فِيكُمْ هَذَا)؛ يعني: أبا قلابة، وقوله: (أَوْ مِثْلُ هَذَا) ((أو)) فيه للشكّ مَن الراوي، وفي رواية البخاريّ: ((والله لا يزال هذا الجند بخير، ما كان هذا الشيخ بين أظهرهم))، والمراد بالجند أهل الشام، كما بُيّن في هذه الرواية، وفي رواية: ((والله لا يزال هذا الجند بخير ما أبقاك الله بين أظهرهم» . [تنبيه]: ساق البخاريّ كَّلُ حديث أبي قلابة هذا مطوّلاً في ((كتاب الديات)) من ((صحيحه))، فقال: (٦٨٩٩) - حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم الأسديّ، حدّثنا الحجاج بن أبي عثمان، حدّثني أبو رجاء من آل أبي قلابة، حدّثني أبو قلابة: أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يوماً للناس، ثم أَذِنَ لهم، فدخلوا، فقال: ما تقولون في القسامة؟ قال: نقول: القسامة الْقَوَد بها حقّ، وقد أقادت بها الخلفاء، قال لي: ما تقول يا أبا قلابة؟ ونَصَبَني للناس، (١) ((الفتح)) ٩٦/١٦، كتاب ((الديات)) رقم (٦٨٩٩). (٢) ((الفتح)) ٩٦/١٦ رقم (٦٨٩٩).