النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ (١٢) - بَابُ مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ - حديث رقم (٤٣٢٠) (فَكَانَ لَهُ مِنَ الْمَالِ قَدْرُ مَا يَبْلُغُ قِيمَتَهُ)؛ أي: شيء يبلغ قيمة ذلك العبد، وتقييده بقوله: ((يبلغ)) يُخرج ما إذا كان له مالٌ لكنه لا يبلغ قيمة النصيب، وظاهره أنه في هذه الصورة لا يُقَوَّم عليه مطلقاً، لكن الأصحّ عند الشافعيّة، وهو مذهب مالك أنه يسري إلى القدر الذي هو موسر به؛ تنفيذاً للعتق، بحسب الإمكان، قاله في ((الفتح)). قال الجامع عفا الله عنه: عدم السراية هو الظاهر عندي؛ عملاً بالتقييد المذكور، فإنه ظاهر في إخراج هذا، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. (قُوِّمَ عَلَيْهِ) ببناء الفعل للمفعول (قِيمَةَ عَدْلٍ) بنصب ((قيمة)) على المصدريّة (وَإِلَّا) هي ((إن)) الشرطيّة أُدغمت في ((لا)) النافية؛ أي: وإن لم يكن له مال يبلغ قيمة العبد (فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ))) ببناء الفعلين للفاعل، ومن ضَبَط الثاني بضم العين، فقد غلط؛ لأنه لازم لا يبنى للمفعول، فتنبّه؛ أي: صار الجزء الذي أعتقه هذا المعتق حرّاً، ويبقى نصيب الشريك رقيقاً، فيُستسعى العبد في تخليص رقبته، غير مشقوق عليه، كما بُيّن في الروايات الأخرى. والحديث متّفق عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، وبيان المسائل المتعلّقة به في ((كتاب العتق)) برقم [٣٧٦٥/١] (١٥٠١) فارجع إليه تستفد علماً جمّاً، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَتُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٢٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَذَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ - كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَّيْكِ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ (ح) وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيِّدٍ الأَيْلِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ - يَعْنِي: ابْنَ زَبْدٍ - كُلُّ هَؤُلَاءٍ عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيّ ◌َّهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ فِي ٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان حَدِيثِهِمْ: ((وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ))، إِلَّا فِي حَدِيثٍ أَيُّوبَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فَإِنَّهُمَا ذَكَرَا هَذَا الْحَرْفَ فِي الْحَدِيثِ، وَقَالَا: لَا نَدْرِي أَهُوَ شَيْءٌ فِي الْحَدِيثِ، أَوْ قَالَهُ نَافِعٌ مِنْ قِبَلِهِ؟ وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ إِلَّ فِي حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ). قال الجامع عفا الله عنه: هذه الروايات بإحالاتها قد تقدّمت في ((كتاب العتق))، وتقدّم شرحها، وإكمال الإحالات فيها بما فيه الكفاية، فلم يبق غير رواية زهير بن حرب، عن إسماعيل ابن عليّة، عن أيوب، فلم تُذكر هناك، فنسوقها هنا، فقد ساقها النسائيّ تَّثُ في ((الكبرى))، فقال: (٤٩٥٦) - أخبرنا عمرو بن زرارة، قال: أنا إسماعيل، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ وَ لّ قال: ((من أعتق نصيباً له، أو قال: شِقْصاً، أو قال: شِرْكاً له في عبد، وكان له من المال ما يبلغ ثمنَهُ بقيمة عدل، فهو عتيق، وإلا فقد عَتَقَ ما عَتَقَ))، قال أيوب: وربما قال نافع هذا في الحديث، وربما لم يقله، فلا أدري هو في الحديث، أم قال نافع من قبله؟ يعني قوله: (فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ)). انتهى (١)، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَقَالَا: لَا نَدْرِي أَهُوَ شَيْءٌ فِي الْحَدِيثِ، أَوْ قَالَهُ نَافِعٌ مِنْ قِبَلِهِ)؛ أي: قال أيوب، ويحيى بن سعيد في حديثهما: ((لا ندري ... إلخ))، وفي رواية البخاريّ: ((قال أيوب: لا أدري، أشيء قاله نافع، أو شيء في الحديث؟))، قال في ((الفتح)): قوله: ((قال أيوب: لا أدري، أشيء قاله نافع، أو شيء في الحديث؟)) هذا شكّ من أيوب في هذه الزيادة المتعلقة بحكم المعسر، هل هي موصولة مرفوعة، أو منقطعة مقطوعة، وقد رواه عبد الوهاب، عن أيوب، فقال في آخره: ((وربما قال: وإن لم يكن له مال، فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ، وربما لم يقله، وأكثر ظني أنه شيء يقوله نافع من قبله))، أخرجه النسائيّ، وقد وافق أيوب على الشكّ في رفع هذه الزيادة يحيى بن سعيد، عن نافع، أخرجه مسلم، والنسائيّ. ولفظ النسائيّ: ((وكان نافع يقول: قال يحيى: لا أدري، (١) ((سنن النسائي الكبرى)) ١٨٣/٣. ٨٣ (١٢) - بَابُ مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ - حديث رقم (٤٣٢١) أشيء كان من قبله يقوله، أم شيء في الحديث؟ فإن لم يكن عنده، فقد جاز ما صنع))، ورواها من وجه آخر عن يحيى فجزم بأنها عن نافع، وأدرجها في المرفوع من وجه آخر، وجزم مسلم بأن أيوب ويحيى قالا: ((لا ندري، أهو في الحديث، أو شيء قاله نافع من قبله؟))، ولم يُخْتَلف عن مالك في وصلها، ولا عن عبيد الله بن عمر، لكن اختُلِف عليه في إثباتها وحذفها، كما تقدم، والذين أثبتوها حُفّاظ، فإثباتها عن عبيد الله مقدم، وأثبتها أيضاً جرير بن حازم، وإسماعيل بن أمية عند الدارقطنيّ، وقد رجّح الأئمة رواية من أثبت هذه الزيادة مرفوعةً، قال الشافعيّ: لا أَحْسَب عالِماً بالحديث يشك في أن مالكاً أحفظ لحديث نافع من أيوب؛ لأنه كان ألزم له منه، حتى ولو استويا فشكّ أحدهما في شيء لم يشك فيه صاحبه، كانت الحجة مع من لم يشك، ويؤيد ذلك قول عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: مالكٌ في نافع أحبُّ إليك، أو أيوب؟ قال: مالكٌ، وقد تقدّم هذا البحث في ((كتاب العتق)) برقم [١/ ٣٧٦٥] (١٥٠١) فراجعه تستفد علماً، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٢١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((مَنْ أَعْتَقَ عَبْداً بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ، قُوَّمَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ، ثُمَّ عَتَقَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، إِنْ كَانَ مُوسِراً))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرُو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير، تقدّم قريباً. ٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم أيضاً قريباً . ٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الشهير، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٤/٢١. ٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان ٥ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عمر، أو أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه عابدٌ فاضلٌ، من كبار [٣] (ت١٠٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٢. و((ابن عمر ﴿﴿)) ذُكر قبله. وقوله: (لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ) قال العلماء: الْوَكْسُ: الغِشّ، والْبَخْسُ، وأما الشَّطَطُ: فهو الْجَوْرُ، يقال: شَطَّ الرجلُ، وأشطّ، واستشط: إذا جار، وأفرط، وأبعد في مجاوزة الحدّ، والمراد: يُقَوَّم بقيمة عدل، لا بنقص، ولا بزيادة، قاله النوويّ تَّهُ(١). وقال في ((الفتح)): والْوَكْسُ - بفتح الواو، وسكون الكاف، بعدها مهملة -: النقص، والشَّطَطُ - بمعجمة، ثم مهملة مكررة، والفتح -: الْجَوْر، واتَّفَقَ مَن قال من العلماء على أنه يباع عليه في حصة شريكه جميعُ ما يباع عليه في الدَّين، على اختلاف عندهم في ذلك، ولو كان عليه دَين بقدر ما يملكه، كان في حكم الموسر على أصح قولي العلماء، وهو كالخلاف في أن الدَّين هل يمنع الزكاة أم لا؟ ووقع في رواية الشافعيّ، والحميديّ: ((فإنه يقوّم عليه بأعلى القيمة، أو قيمة عدل))، وهو شكّ من سفيان، وقد رواه أكثر أصحابه عنه بلفظ: ((قُوِّم عليه قيمةَ عدلٍ))، وهو الصواب. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَقْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٢٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: (مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ، عَتَقَ مَا بَقِيَ فِي مَّالِهِ، إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلهم تقدّموا في الباب، وقبله، غير عبد بن حُميد، فتقدّم قبل أربعة أبواب. (١) ((شرح النوويّ)) ١٣٨/١١ - ١٣٩. (٢) ((الفتح)) ٣٤٥/٦، كتاب ((العتق)) رقم (٢٥٢١). ٨٥ (١٢) - بَابُ مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ - حديث رقم (٤٣٢٣ - ٤٣٢٤) والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُهُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٢٣] (١٥٠٢) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ فِي الْمَمْلُوكُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، فَيُعْتِقُ أَحَدُهُمَا، قَالَ: ((يَضْمَرُ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (النَّضْرُ بْنُ أَنَسٍ) بن مالك الأنصاريّ، أبو مالك البصريّ، وَلَدُ الصحابيّ الجليل، ثقةٌ [٣] مات سنة بضع ومائة (ع) تقدم في ((العتق)) ٢/ ٣٧٦٧. ٣ - (بَشِيرُ بْنُ نَهِيك) - بفتح النون، وكسر الهاء - السَّدُوسيّ، ويقال: السَّلُوليّ، أبو الشعثاء البصريّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((العتق)) ٢/ ٣٧٦٧. والباقون تقدّموا في البابين الماضيين. وقوله: ((يَضْمَنُ))) يَحْتَمِل أن يكون بفتح أوله، وثالثه، مبنيّاً للفاعل، من ضَمِنَ، من باب تَعِبَ، والفاعل ضمير ((أحدهما))، ويَحْتَمِل أن يكون بضمٌ أوله، وتشديد الميم، مبنيّاً للمفعول؛ أي: يُغَرَّمِ المُعتِقُ للذي لم يُعتِق. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه برقم [٣٧٦٧/٢] (١٥٠٢)، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٢٤] (١٥٠٣) - (وَحَدَّثْنَاه عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ: ((مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصاً مِنْ مَمْلُودٍ، فَهُوَ حُرٍّ مِنْ مَالِهِ))). رجال هذا الإسناد: ثلاثة : ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً . و(شعبة)) ذُكر قبله. ٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان وقوله: (مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصاً) قال النوويّ تَخَُّ: هكذا هو في معظم النسخ (شقيصاً)) بالياء، وفي بعضها: ((شِقْصاً)) بحذفها، وكذا سبق في ((كتاب العتق))، وهما لغتان: شِقْصٌ، وشَقِيصٌ، كنِصْفٍ، ونَصِيفٍ؛ أي: نصيب. انتهى(١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى في ((كتاب العتق))، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٢٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ قَالَ: ((مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصاً لَّهُ فِي عَبْدٍ، فَخَلَاصُهُ فِي مَالِهِ، إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ، غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) هو: سعيد بن أبي عروبة مِهْرَان، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصاً لَهُ)؛ أي: نصيباً، ومثله ((الشِّقْصُ))، و((الشِّرْكُ)) بكسر، فسكون فيهما . وقوله: (فَخَلَاصُهُ فِي مَالِهِ) ((الخلاص)) بالفتح: مصدرٌ، يقال: خَلَصَ الشيءُ من التَّلَف خُلُوصاً، من باب قَعَدَ، وخلاصاً، ومَخْلَصاً: سَلِمَ، ونَجَا، قاله الفيّومِيّ ◌َّتُهُ(٢). والمعنى هنا: أن تخليص رقبة العبد من الرقّ في نصيب صاحبه يكون على المعتِق في ماله. وقوله: (اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: إذا كان المعتِقُ فقيراً ليس له مالك يُخلّص به رقبة العبد، طُلِب من العبد أن يسعى في تخليص رقبته من نصيب الشريك الذي لم يُعتقه. وقوله: (غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ) بنصب ((غيرَ)) على الحال، قال ابن التين تَخْتُهُ: (١) ((شرح النوويّ)) ١٣٩/١١. (٢) ((المصباح المنير)) ١/ ١٧٧. ٨٧ (١٢) - بَابُ مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ - حديث رقم (٤٣٢٦) معناه: لا يُستغلى عليه في الثمن، وقيل: معناه: غير مكاتَب، وهو بعيد جدّاً، قاله في ((الفتح))(١) . قال الإمام البخاريّ كَّتُهُ في ((صحيحه)): ((باب إذا أعتق نصيباً في عبد وليس له مال استُسعي العبدُ غير مشقوق عليه، على نحو الكتابة))، قال الحافظ تَّتُهُ: أشار البخاريّ بهذه الترجمة إلى أن المراد بقوله في حديث ابن عمر: ((وإلا فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ))؛ أي: وإلا فإن كان المعتِقِ لا مال له، يبلغ قيمةَ بقيةِ العبد، فقد تَنَجَّز عتقُ الجزء الذي كان يملكه، وبقي الجزء الذي لشريكه على ما كان عليه أوّلاً إلى أن يُسْتَسْعَى العبدُ في تحصيل القدر الذي يُخَلِّص به باقيه من الرقّ، إن قَوِيَ على ذلك، فإن عَجَّزَ نفسه استمَرَّت حصة الشريك موقوفةً، وهو مصيرٌ منه إلى القول بصحة الحديثين جميعاً، والحكم برفع الزيادتين معاً وهما قوله في حديث ابن عمر ضًا: ((وإلا فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ))، وقوله في حديث أبي هريرة ◌َظُه: ((فاستُسْعيَ به غيرَ مشقوق عليه)). انتهى(٢). وقد تقدّم تمام البحث في هذا في ((كتاب العتق)) برقم [٣٧٦٨/٢] (١٥٠٣) فارجع إليه تستفد علماً جمّاً، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٢٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَم، قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، جَمِيعاً عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثٍ عِيسَى: (ثُمَّ يُسْتَسْعَى فِي نَصِيبٍ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ، غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ)). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل، ثقةٌ [٨] (١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. (١) ((الفتح)) ٦/ ٣٥١، كتاب ((العتق)) رقم (٢٥٢٦). (٢) ((الفتح)) ٦/ ٣٥٠ - ٣٥١ رقم (٢٥٢٦ و٢٥٢٧). ٨٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٧/١. ٣ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم) المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) وقد قارب المائة (م ت س) تقدَّم في ((المقدمة)) ٢٥/٤. والباقون ذُكروا في الباب والبابين السابقين. [تنبيه]: رواية عليّ بن مُسْهِر، عن سعيد بن أبي عروبة، ساقها ابن أبي شيبة تَخّْثهُ في ((مصنّفه))، فقال: (٢١٧٢٦) - حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا عليّ بن مسهر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نَهِيك، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَ له: ((من أعتق شِقْصاً له في مملوك، أو نصيباً فعليه خلاصه من ماله، إن كان له مال، وإن لم يكن له مال استُسْعِي العبد في قيمته، غير مشقوق عليه)). انتهى(١). وأما رواية محمد بن بشر، عن سعيد بن أبي عروبة، فقد ساقها أبو داود تَخْثُ في ((سننه))، فقال: (٣٩٣٨) - حدّثنا نَصْرُ بن عَلِيٍّ، أخبرنا يَزِيدُ - يَعْنِي: ابن زُرَبْعِ - (ح) وثنا عَلِيُّ بن عبد اللهِ، ثنا محمد بن بِشْرٍ، وَهَذَا لَفْظُهُ، عن سَعِيدٍ بَن أبي عَرُوبَةَ، عن قَتَادَةَ، عن النَّصْرِ بن أَنَسٍ، عن بَشِيرٍ بن نَهِيكٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ، عن رسول اللهِوَّ قال: ((من أَعْتَقَ شِقْصاً له، أَو شَقِيصاً له، في مَمْلُوكٍ، فَخَلَاصُهُ عليه في مَالِهِ، إن كان له مَالٌ، فَإِنْ لم يَكُنْ له مَالٌ، قُوِّمَ الْعَبْدُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ اسْتُسْعِيَ لِصَاحِبِهِ في قِيمَتِهِ، غير مَشْقُوقٍ عليه))، قال أبو دَاوُد: في حَدِيثِهِمَا جميعاً: ((فَاسْتُسْعِيَ غير مَشْقُوقٍ عليه))، وَهَذَا لَفْظُ عَلِيٍّ. انتهى(٢). وأما رواية إسحاق بن راهويه، عن عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة، فقد ساقها إسحاق تَخْدَثُ نفسه في ((مسنده))، فقال: (١٠١) - أخبرنا عيسى بن يونس، نا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بَشِير بن نَهِيك، عن أبي هريرة ◌َظُه، عن رسول الله وَله (١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤/ ٤٢٢. (٢) ((سنن أبي داود)) ٢٤/٤. ٨٩ (١٢) - بَابُ مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ - حديث رقم (٤٣٢٧) قال: ((من أعتق شِقْصاً في مملوك، فعليه خلاصه في ماله، إن كان له مال، فإن لم يكن له مال قُوِّم العبد قيمةَ عدل، ثم يُسْتَسعَى في نصيب الذي لم يُغْتِقِ، غير مشقوق عليه)). انتهى (١). أما رواية عليّ بن خَشْرَم، عن عيسى بن يونس، فقد ساقها الترمذيّ ◌َظَّثُ في ((جامعه))، فقال: (١٣٤٨) - حدّثنا عَلِيُّ بن خَشْرَم، أخبرنا عِيسَى بن يُونُسَ، عن سَعِيدٍ بن أبي عَرُوبَةَ، عن قَتَادَةً، عن النَّصْرِ بَن أَنَسٍ، عن بَشِيرٍ بن نَهِيكٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسول اللهِ وَّةِ: ((من أَعْتق نَصِيباً، أو قال: شِقْصاً في مَمْلُوكٍ، فَخَلَاصُهُ في مَالِهِ، إن كان له مَالٌ، فَإِنْ لم يَكُنْ له مَالٌ، قُوَّمَ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ يُسْتَسْعَى فِي نَصِيبِ الذي لم يُعْتَقْ، غير مَشْقُوقٍ عليه)). انتهى(٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَتُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٢٧] (١٦٦٨) - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنٍ خُصَيْنٍ، أَنَّ رَجُلاً أَعْتَقَ سِنَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللهِ لَّهِ، فَجَزََّهُمْ أَثْلَاثاً، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنٍ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَوْلاً شَدِيداً). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُوْ قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو الْجَرْميّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (أَبو الْمُهَلَّبٍ) الْجَرميّ البصريّ، عمّ أبي قلابة، اسمه عمرو، أو عبد الرحمن بن معاوية، أو ابن عمر، وقيل غير ذلك، ثقةٌ [٢] (بخ م ٤) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٢٩٦/١٩. ٤ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ) بن عُبيد بن خَلَف الخزَاعِيّ، أبو نُجَيد الصحابيّ (١) ((مسند إسحاق بن راهويه)) ١٦٠/١. (٢) ((جامع الترمذيّ)) ٦٣٠/٣. ٩٠ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان مضر عته سنة (٥٠) الشھیر، أسلم عام خیبر، وکان فاضلاً، وقضی بالكوفة، ومات بالبصرة (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٧٩. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسلٌ بالبصريين من ابن عُليّة، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، وفيه رواية الراوي عن عمه. شرح الحديث : (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) ﴿َا (أَنَّ رَجُلاً) لا يُعرف اسمه، ولا عبيده الذين أعتقهم، وفي الرواية التالية: ((أن رجلاً من الأنصار أوصى عند موته، فأعتق ستة مملوكين)) (أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ) وفي رواية أبي داود: ((ستة أعبد له)) (عِنْدَ مَوْتِهِ) قال القرطبيّ كَّلُهُ: ظاهره أنه نَجَّز عتقهم في مرض موته، وفي الرواية الأخرى: ((أنه أوصى بعتقهم))، وهذا اضطراب؛ لأن القضية واحدة، ويرتفع ذلك بأن بعض الرواة تجوَّز في لفظ: ((أوصى)) لَمّا نُفِّذ عتقهم بعد موت سيدهم في ثلثه؛ لأنه قد تساوى في هذه الصورة حكم تنجيز العتق، وحكم الوصية به؛ إذ كلاهما يَخرُج من الثلث، وإنما كان يظهر الفرق بينهما لو لم يمت، فإنه كان يكون له الرجوع عن الوصية بالعتق دون تنجيز العتق؛ فإنه إذا صحَّ لزمه إما عتق جميعهم له، وإما عتق ثلثهم؛ إذ ليس له مال غيرهم على الخلاف الذي في ذلك لأهل العلم(١). (لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ) بالرفع صفة لـ«مالٌ)) (فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللهِ وَلِ) وفي رواية النسائيّ: ((فبلغ ذلك النبيّ ◌َّ، فَغَضِبَ من ذلك، وقال: لقد هممتُ أن لا أصلي عليه)»، وفي رواية أبي داود: ((لو شهدته قبل أن يدفن، لم يُدفن في مقابر المسلمين)) (فَجَزَّأَهُمْ) بتشديد الزاي، وتخفيفها لغتان مشهورتان، ذكرهما ابن السِّكِيت وغيره، ومعناه: قَسَّمَهُم، قاله النوويّ تَذْتُ(٢). (أَثْلَاثاً)؛ أي: ثلاث أجزاء، وهو منصوب على أنه مفعول مطلق لـ((جزأ)) (١) ((المفهم)) ٣٥٦/٤. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٠/١١. ٩١ (١٢) - بَابُ مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ - حديث رقم (٤٣٢٧) مبيّن لعدده، وإنما ذكّره؛ لأن المعدود لم يُذكر بعده، كما أسلفناه غير مرّة. قال القرطبيّ كَّتُهُ: ظاهره أنه اعتَبَر عدد أشخاصهم دون قيمتهم، وإنما فَعَل ذلك لتساويهم في القيمة والعدد، فلو اختلفت قيمتهم لم يكن بُدٌّ من تعديلهم بالقيمة؛ مخافة أن يكون ثلثهم في العدد أكثر من ثلث الميت في القيمة، ولو اختلفوا في القيمة أو في العدد لَجُزِّئوا بالقيمة، ولعَتَق منهم ما يُخرجه السهم، وإن كان أقلّ من ثلث العدد، وكيفية العمل في ذلك مفصّلة في كتب أئمتنا. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ من أن قيمتهم متساوية محلّ نظر؛ إذ ليس في الحديث ما يدلّ عليه، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ) يقال: أقرعت بينهم إقراعاً: هيّأْتُهم للقُرعة على شيء، قاله الفيّوميّ كَذُ(٢). (فَأَعْتَقَ اثْنَيْنٍ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً) قال القرطبيّ ◌َُّ: هذا نصٌّ في صحّة اعتبار القرعة شرعاً، وهو حجَّة للجمهور: مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق على أبي حنيفة حيث يقول: إنه يَعْتق من كل واحد منهم ثلثه، ولا يُقرع بينهم، وهذا مخالف لنصّ الحديث، ولا حجَّة له بأن يقول: إن هذا الحديث مخالف للقياس، فلا يُعمل به؛ لأنا قد أوضحنا في الأصول أن القياس في مقابلة النصّ فاسد الوضع، ولو سلَّمنا: أنه ليس بفاسد الوضع لكانا كالدليلين المتعارضين، وحينئذٍ يكون الأخذ بالحديث أولى؛ لكثرة الاحتمالات في القياس وقلّتها في الحديث، كما بيّناه في الأصول. انتهى كلام القرطبيّ ◌َذْتُهُ(٣). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ كَُّهُ من فساد وضع القياس عند معارضته للحديث الصحيح هو الحقّ الحقيق بالقبول، وما عداه باطل مردود مخذول، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد. (وَقَالَ لَهُ قَوْلاً شَدِيداً)؛ أي: أغلظ له القول، حيث قال وَّي لمّا بلغه (١) ((المفهم)) ٣٥٦/٤. (٣) ((المفهم)) ٣٥٦/٤. (٢) ((المصباح المنير)) ٤٩٩/٢. ٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان ذلك: ((لقد هممتُ أن لا أصلي عليه))، رواه النسائيّ، وفي رواية أبي داود: ((لو شهدته قبل أن يُدفن، لم يُدفن في مقابر المسلمين)). وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: قوله: ((وقال له قولاً شديداً))؛ أي: غلّظ له بالقول، والذم، والوعيد؛ لأنه أخرج كل ماله عن الورثة، ومنعهم حقوقهم منه، ففيه دليل على أن المريض محجور عليه في ماله، وأن المدبَّر، والوصايا، إنما تُخرج من الثلث، وأن الوصية إذا مَنَع من تنفيذها على وجهها مانعٌ شرعي استحالت إلى الثلث، كما يقوله مالك. انتهى (١). وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((وقال له قولاً شديداً)): معناه: قال في شأنه قولاً شديداً؛ كراهيةً لفعله، وتغليظاً عليه، وقد جاء في رواية أخرى تفسير هذا القول الشديد، قال: ((لو علمنا ما صلينا عليه))(٢)، وهذا محمول على أن النبيّ ◌َ* وحده كان يترك الصلاة عليه؛ تغليظاً وزجراً لغيره على مثل فعله، وأما أصل الصلاة عليه فلا بُدّ من وجودها من بعض الصحابة (٣) ، ـة . انتهى" والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمران بن حصين ◌ًا هذا من أفراد المصنّف نظامُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣٢٧/١٢ و٤٣٢٨ و٤٣٢٩] (١٦٦٨)، و(أبو داود) في (العتق)) (٣٩٥٨)، و(الترمذيّ) في ((الأحكام)) (١٣٦٤)، و(النسائيّ) (١) ((المفهم)) ٣٥٦/٤. (٢) أخرجه البيهقيّ بهذا اللفظ، من رواية الحسن البصريّ، عن عمران بن حصين أنه مات رجل، وترك ستة رجال، فأعتقهم عند موته، فجاء ورثته، فذكروا ذلك لرسول الله صل﴿، فقال: ((لو علمنا ما صلينا عليه، وقال: ادعهم لي))، فدعاهم، فأقرع بينهم، فأعتق اثنين، ورَدّ أربعة في الرقّ. انتهى. ((السنن البيهقي الكبرى)) ٢٨٦/١٠. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٤٠/١١. ٩٣ (١٢) - بَابُ مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ - حديث رقم (٤٣٢٧) في ((الجنائز)) (١٥٥٨) و((الكبرى)) (٦٣٦/١ و١٨٧/٣ و١٨٨)، و(ابن ماجه) في ((الأحكام)) (٢٣٤٥)، و(مالك) في ((الموطًا)) (١٥٠٦)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٦٧٦٣)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (١٩٤/١)، و(الطيالسيّ) في (مسنده)) (١١٣/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٧/٥ و٢٨٠/٧)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٣٦٧/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٢٨/٤ و٤٣٠ و٤٣١ و٤٣٩ و٤٤٠)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣٣٤/١٨ - ٣٣٥) و((الأوسط)) (٢٣٥/١ و٢٩٣ و٢٨/٨)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (٤٠٨)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٤٦٢/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٣٢٠ و٤٥٤٢ و٥٠٥٢)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٢٣٨/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٨٧/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٨٦/١٠) و((المعرفة)) (٤٦٣/٧ و٤٨٨ و٥٠٠ و٥٠١) و((الصغرى)) (٤٧/٦ ٢٩٠/٩ و٢٩١ و٢٩٤)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الإمام أبو عمر بن عبد البرّ ◌َخُّْهُ: ذكر مالك تَّثهُ في هذا الباب سنّةً وعملاً بالمدينة، فالسُّنَّة في ذلك رواها عمران بن حصين، وأبو هريرة ظه، عن النبيّ وَّ، وحديث عمران أشهر، وأكثر طُرُقاً، وهي سُنَّة انفرد بها أهل البصرة، واحتاج فيها إليهم أهل المدينة وغيرهم، رواها عن عمران بن حصين: الحسن، وابن سيرين، وأبو المهلِّب الْجَرْميّ، ورواها عن الحسن، عن عمران بن حصين جماعة، منهم: قتادة، وحميد الطويل، وسماك بن حرب، ويونس بن عبيد، ومبارك بن فَضَالة، وخالد الحذّاء. ورواها عن محمد بن سيرين، عن عمران بن حصين: أيوب السختيانيّ، وهشام بن حسان، ويحيى بن عتيق، ويزيد بن إبراهيم التستريّ، وغيرهم. وروى هذا الحديث يزيد التستريّ عن الحسن وابن سيرين جميعاً، عن ـّا . عمران بن حصين ورواه أيوب وغيره عن أبي قلابة، عن أبي المهلِّب، عن عمران بن حصين ضـ وأما حديث أبي هريرة عته، فرواه محمد بن زياد، عن أبي هريرة، وروى إسماعيل بن أمية، وقيس بن سعد، وسليمان بن موسى، كلهم سمعوا مكحولاً يقول: سمعت سعيد بن المسيِّب يقول: ((أَعتقت امرأة - وفي رواية ٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان قيس بن سعد: أعتقت امرأته - أو رجل ستة أعبد لها عند الموت، على عهد رسول الله وَليّة، ليس لها مال غيرهم، فأقرع رسول الله وَلل بينهم، فأعتق اثنين، وأرقّ أربعة)». قال أبو عمر: وقد ذكرنا طُرُق هذا الحديث بالأسانيد في ((التمهيد)). (١) انتھی (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الوصيّة جائزة في المرض. ٢ - (ومنها): بيان أن العتق في مرض الموت جائزٌ، وأنه يُعتبر من الثلث. ٣ - (ومنها): بيان أن الوصية جائزة لغير الوالدين، والأقربين؛ لأن عتق العبيد في المرض وصية لهم، ومعلوم أنهم لم يكونوا بوالدين لمالكهم المعتق لهم، ولا بأقربين له، وقد قال بأن الوصية لا تجوز إلا الأقربين غير الوارثين، ولا تجوز لغيرهم، ولا عند عدمهم طائفةٌ من التابعين، قاله ابن عبد البرّ تَّتُهُ. ٤ - (ومنها): أن فيه دليلاً على أن أفعال المريض كلَّها من عتق، وهبة، وعطية، كالوصية لا يجوز فيها أكثر من الثلث، وقد خالف في ذلك قوم، زعموا أن أفعال المريض في رأس ماله كأفعال الصحيح، ولم يجعلوا ذلك كالوصايا، قاله ابن البرّ تَخْذَلُهُ أيضاً. ٥ - (ومنها): أن فيه إبطالَ السعاية التي زعمها أهل الكوفة، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الثانية - إن شاء الله تعالى -. ٦ - (ومنها): ما قاله النوويّ تَخْلَلهُ: في هذا الحديث دلالة لمذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وداود، وابن جرير، والجمهور، في إثبات القُرْعة في العتق ونحوه، وأنه إذا أَعتق عبيداً في مرض موته، أو أوصى بعتقهم، ولا يَخرُجون من الثلث أُقرع بينهم، فيُعْتَق ثلثهم بالقرعة، وقال أبو حنيفة: القرعة باطلة، لا مدخل لها في ذلك، بل يُعتق من كل واحد قسطه، ويُستسعى في الباقي؛ لأنها خطر، وهذا مردود بهذا الحديث الصحيح، وأحاديث كثيرة. قال: وقوله في الحديث: ((فَأَعتَقَ اثنين، وأرقّ أربعةً)) صريح (١) ((الاستذكار)) ٣٢١/٧ - ٣٢٢. ٩٥ (١٢) - بَابُ مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ - حديث رقم (٤٣٢٧) في الردّ على أبي حنيفة، وقد قال بقول أبي حنيفة: الشعبيّ، والنخعيّ وشُريح، والحسن، وحُكي أيضاً عن ابن المسيِّب. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الرجل يُعتِق في مرض موته عبيداً له، ولا مال له غيرهم: قال أبو عمر بن عبد البرّ تَخْتُهُ: اختلف العلماء في ذلك، فقال مالك، والشافعيّ، وأصحابهما بهذا الأثر الصحيح، وذهبوا إليه، وبه قال أحمد، وإسحاق، وداود، والطبريّ، وجماعة من أهل الرأي والحديث. قال: ولم يختلف مالك، وأصحابه في الذي يوصي بعتق عبيده في مرضه، ولا مال له غيرهم أنه يُقْرَع بينهم، فيُعْتَق ثلثهم بالسهم، وكذلك لم يَختلف الأكثر منهم أن هذا حكم الذي أعتق عبيده في مرضه عتقاً بَتْلاً، ولا مال له غيرهم، وقال أشهب، وأصبغ: إنما القرعة في الوصية، وأما البتل فهم کالمدبّرین . قال أبو عمر: قول أشهب، وأصبغ خلاف السُّنَّة المذكورة في صدر هذا الباب، وخلاف أهل الحجاز، وأهل العراق، ولم تَرِد السنّةُ إلا فيمن أَعتَق في مرضه ستة أعبد له عتقاً بَتْلاً، ولا مال له غيرهم، لا فيمن أوصى بعتقهم، فَحَكْم رسول الله وَّرَ فيهم بحكم الوصايا، فأَرَقَّ ثلثيهم، وأَعتق ثلثهم، فكيف يجوز لأحد أن يقول بالحديث في الوصية دون العتق البتلّ، فيخالفهم نصه؟ وقال الشافعيّ: وإذا أَعتق الرجل في مرضه عبيداً له عِثْقَ بَتَاتِ انْتُظِر بهم، فإن صحّ عَتَقُوا من رأس ماله، وإن مات، ولا مال له غيرهم أقرع بينهم، وأُعتق ثلثهم، قال الشافعيّ: والحجة في أن العتق البتات في المرض وصية: أن رسول الله ﴿ أقرع بين ستة مملوكين، أعتقهم الرجل في مرضه، وأنزل عتقهم وصيةً، فأَعتَق ثلثهم، قال الشافعيّ: ولو أعتق في مرضه عبداً له عِثْقَ بَتَاتٍ، وله مدَّرون وعبيد أوصى بعتقهم بعد موته، بُدىء بالذين بَتَّ عِثْقهم في مرضه؛ لأنهم يُعتقون عليه إن صَحَّ، وليس له الرجوع فيهم بحال. (١) (شرح النوويّ)) ١٤٠/١١. ٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان قال: وقال أحمد بن حنبل في هذا كله كقول الشافعيّ سواء. قال: وذَكَرَ عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني سليمان بن موسى، قال: سمعت مكحولاً يقول: ((أَعتقت امرأة من الأنصار عبيداً لها ستةً، لم يكن لها مال غيرهم، فلما بلغ النبيّ وَِّ غَضِبَ، وقال في ذلك قولاً شديداً، ثم دعا بستة قِداح، فأقرع بينهم، فأَعتق اثنين)). قال سليمان بن موسى: كنت أُراجع مكحولاً، فأقول: إن كان ثَمَنُ عَبْدٍ ألف دينار أصابته القرعة ذهب المال، فقال: قِفْ عند أمر رسول الله وَالت، قال ابن جريج: قلت لسليمان: الأمر يستقيم على ما قال مكحول، قال: كيف؟ قلت: يقيمون قيمةً، فإن زاد اللذان أُعتقا على الثلث أُخذ منهما الثلث، وإن نقصا عَتَقَ ما بقي أيضاً بالقرعة، فإن فَضَل عليه أُخذ منهم، قال: ثم بلغنا أن رسول الله وَ أقامهم. قال أبو عمر: قد رُوي في حديث ابن سيرين، عن عمران بن حصين، أن النبيّ وَلِّ جزّأهم ثلاثة أجزاء، وهذا يدلّ على أنه أقامهم، وعدّلهم بالقيمة، ولا يمكن غير ذلك في إخراج الثلث. قال: وهذا كله قول مالك، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، ومن ذكرنا معهم . وقال أبو حنيفة - فیمن أعتق عبيداً له في مرضه، ولا مال له غيرهم -: عَتَقَ من كل واحد منهم ثلثه، وسعوا في الباقي، وهو قول الحسن بن حيّ، وقال أبو حنيفة: حُكْم كل واحد منهم ما دام يسعى حُكْم المكاتب، وقال أبو يوسف ومحمد: هم أحرار، وثُلثا قيمتهم دَيْن عليهم، يسعون في ذلك، حتى يؤدوه إلى الورثة. قال أبو عمر: رَدّ الكوفيون السُّنَّة المأثورة في هذا الباب، إما بأن لم تبلغهم، أو بأن لم تصح عندهم، ومن أصل أبي حنيفة، وأصحابه عرض أخبار الآحاد على الأصول المجتمع عليها، أو المشهورة المنتشرة. قال: والحجة قائمة على من ذهب مذهبهم بالحديث الصحيح الجامع في هذا الباب، وليس الجهل بالسُّنَّة، ولا الجهل بصحتها علّةً يصح لعاقل الاحتجاج بها، وقد أنکرها قبلهم شیخهم حماد بن أبي سليمان. ٩٧ (١٢) - بَابُ مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ - حديث رقم (٤٣٢٧) ورَوَى مؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن محمد بن ذكوان أنه سمع حماد بن أبي سليمان، وذكر الحديث الذي جاء في القرعة بين الأعبد الستة الذين أعتقهم سيدهم في مرضه الذي مات فيه، قال: هذا قول الشيخ - يعني: إبليس - فقال محمد بن ذكوان له: وُضِع القلم عن المجنون حتى يفيق، فقال له حماد: ما دعاك إلى هذا؟ فقال له محمد بن ذكوان: وأنت ما دعاك إلى هذا؟ قال: وكان حماد ربما صُرع في بعض الأوقات. قال أبو عمر: بنى الكوفيون مذهبهم على أن العبيد المعتقين في كلمة واحدة في مرض الموت، قد استَحَقَّ كل واحد منهم العتق، لو كان لسيدهم مال يَخرُجون من ثلثه، فإن لم يكن له مال، لم يكن واحد منهم أحقّ بالعتق من غيره، وكذلك عَتَقَ من كل واحد ثلثه، وسعى في ثلثي قيمته للورثة؛ لقولهم بالسعاية في حديث أبي هريرة ﴿ه في معسر أعتق حصته من عبد بينه وبين آخر، على ما قدّمنا ذِكْره. قال: وهذا عندنا لا يجوز أن تُرَدَّ سُنَّة بمعنى ما في أخرى، إذا أمكن استعمال كل واحد منهما بوجهٍ مَا، وبالله التوفيق والصواب، لا شريك له. انتهى كلام ابن عبد البرّ دَّثُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الإمام أبو عمر بن عبد البرّ كَُّهُ في ردّه على الكوفيين حيث ردُّوا السُّنَّة الصحيحة الثابتة برأيهم، وذلك لأن الواجب على العاقل أن يقبلها إذا صحّت لديه، ولا يعارضها برأيه. ويا للعجب كم ردّ هؤلاء من الأحاديث الصحيحة، مما في (الصحيحين))، وغيرهما بدعوى أنها أخبار آحاد، عارضت القياس؟. فلو رأيت ما كتبه بعضهم في الدفاع عن الحنفيّة في هذه المسألة، كما فعل صاحب (تكملة فتح الملهم))، ومن أخذ منهم، لرأيت تعصّباً بغيضاً، وتحاملاً مريضاً، قاتل الله التعصّب، وكيف تردّ أحاديث رسول الله وَلقول الصحيحة، ويُترك ظواهر ما دلّت عليه؟ وهي التي أوجب الله تعالى قبولها، (١) ((الاستذكار)) ٣٢١/٧ - ٣٢٢. ٩٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان والانقياد لها، حيث قال: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا تَهَنَكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُوَأْ وَأَتَّقُواْ اللّهُ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾﴾ [الحشر: ٧]. ونفى الإيمان عمن لم يُحَكِّمها في القليل والكثير من أمره حيث قال: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيِّ [النساء: ٦٥]. أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا وتوعّد من خالفها بالفتنة، والعذاب الأليم، حيث قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَهُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيِئُ [النور: ٦٣] كيف تُرَدّ بالقياس المستنبط من عقول آحاد الناس غير المعصومين؟ إن هذا لهو العَجَب الْعُجَاب، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال (من الوافر]: إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْماً تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ ﴿رَبَّنَا لَا تُرْ قُوَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُّنْكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ [آل عمران: ٨]، اللهمّ أرنا الحقّ حقّاً، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْ أوّل الكتاب قال: [٤٣٢٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، عَنِ الثَّقَفِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، أَمَّا حَمَّادٌ فَحَدِيثُهُ كَرِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَأَمَّا الثَّقَفِيُّ فَفِي حَدِيثِهِ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ، فَأَعْتَقَ سِنَّةَ مَمْلُوكِينَ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم ذُكروا في الباب، و((حمّاد)) هو ابن زيد، و((إسحاق بن إبراهيم)) هو ابن راهويه، و(الثقفيّ)) هو: عبد الوهّاب بن عبد المجيد، و((ابن أبي عمر)) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، و((أيوب)) هو: السختيانيّ. وقوله: ((كلاهما)) الضمير لحمّاد بن زيد، والثقفيّ. ٩٩ (١٢) - بَابُ مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ - حديث رقم (٤٣٢٩) [تنبيه]: رواية حمّاد بن زيد، عن أيوب ساقها أبو داود الطيالسيّ تَخْذّثُهُ في ((مسنده))، فقال: (٨٤٥) - حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلَّب، عن عمران بن حصين، أن رجلاً أَعْتَق ستة مماليك له، على عهد رسول الله وَلته، فأقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأَرَقَّ أربعةٌ. (١) انتھی . وأما رواية عبد الوهّاب الثقفيّ، فساقها الإمام الشافعيّ كَّهُ في ((مسنده))، فقال : أخبرنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلَّب، عن عمران بن حصين، أن رجلاً من الأنصار، أوصى عند موته، فأعتق ستة مماليك، ليس له مال غيرهم، أو قال: أعتق عند موته ستة مماليك له، وليس له شيء غيرهم، فبلغ ذلك النبيّ ◌َ ل ، فقال فيه قولاً شديداً، ثم دعاهم، فجزأهم ثلاثة أجزاء، فأقرع بينهم، فأَعتَقَ اثنين، وأَرَقَّ أربعةً. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٢٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالِ الضَّرِيرُ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َّهُ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَحَمَّادٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ) التميميّ، أبو عبد الله، أو أبو جعفر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣١) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان) ٣٣٦/٦٠. ٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ) الضبّيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٣ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) الْعَيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧. (١) ((مسند الطيالسيّ)) ١١٣/١. (٢) ((مسند الشافعيّ)) ١٩٤/١. ١٠٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان ٤ - (هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) الْقُردوسيّ، تقدّم قريباً. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) الإمام الشهير، تقدّم أيضاً قريباً. ٦ - (عُمْرانُ بنُ حُصَيْنٍ) تقدّم قريباً. [تنبيه]: رواية محمد بن سيرين، عن عمران بن حصين ◌ّ هذه ساقها البيهقيّ تَظْتُ في ((السنن الصغرى))، فقال: (٤٤٤٣) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أحمد بن سليمان، أنا إسماعيل بن إسحاق، أنا محمد بن المنهال، أنا يزيد بن زُريع، أنا هشام بن حسّان، عن محمد بن سيرين، عن عمران بن حصين: أن رجلاً كان له ستة أعبد لم يكن له مال غيرهم، وأعتقهم عند موته، فرُفع ذلك إلى النبيّ ◌َِّ، فَكْرِهَ ذلك ثم جزّأهم أجزاء، وأقرع بينهم، فأَعتق اثنين، وأرقّ أربعة. انتهى (١). [تنبيهٌ آخر]: اعترض الدار قطنيّ كَُّ على مسلم تَظُّهُ في إخراجه رواية محمد بن سيرين، عن عمران بن حُصين ﴿يًا، فقال: وهذا لم يسمعه محمد من عمران فيما يقال، وإنما أرسله عنه (٢)، وإنما سمعه من خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلَّب، عن عمران ◌ُبه، قاله عليّ ابن المدينيّ، عن معاذ بن معاذ، عن أشعث، عن محمد، عن خالد الحذّاء. انتهى. وقد نقل العلائيّ استدراك الدارقطنيّ هذا في ((جامع التحصيل)) مقرّراً له، بل أكّده بقوله: والحكم بالإرسال في حديث العتق أقوى من جهة إدخال ثلاثة رجال بين ابن سیرین، وعمران فيه. انتهى(٣). وقد أجاب النوويّ كَّلُهُ بأنه ليس فيما ذكره الدارقطنيّ تصريح بأن ابن سيرين لم يسمع من عمران، ولو ثبت عدم سماعه منه لم يقدح ذلك في صحّة هذا الحديث، ولم يتوجّه على الإمام مسلم فيه عتبٌ؛ لأنه إنما ذكره متابعة بعد ذكره الطرق الصحيحة الواضحة، وقد سبق لهذا نظائر. انتهى (٤). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن اعتراض الدارقطنيّ المذكور فيه نظر؛ لأمور: (١) (السنن الصغرى)) للبيهقيّ ٢٩١/٩. (٢) المراد بالإرسال هنا الإعضال؛ لأنه سقط منه ثلاثة، فتنبه. (٣) ((جامع التحصيل)) ٢٥٩/١. (٤) ((شرح النوويّ)) ١٤٠/١١ - ١٤١.