النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
(٨) - بَابُ صُحْبَةِ الْمَمَالِيكِ، وَكَفَّارَةٍ مَنْ لَطَمَ عَبْدَهُ - حديث رقم (٤٢٩٦)
لَهُ سُوَيْدٌ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الصُّورَةَ مُحَزَّمَةٌ؟ فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لَسَابِعُ إِخْوَةٍ
لِي، مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ وَمَا لَنَا خَادِمٌ غَيْرُ وَاحِدٍ، فَعَمَدَ أَحَدُنَا فَلَطَمَهُ، فَأَمَرَّنَا
رَسُولُ اللهِ وَهِ أَنْ نُعْتِقَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدُ الصَّمَدِ) أبو عبيدة البصريّ، صدوقٌ [١١]
(ت٢٥٢) (م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣١١/٤٩.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد الْعَنبريّ مولاهم التّنّوريّ،
أبو سهل البصريّ، ثقة ثبت في شعبة [٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٢.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ) بن عبد الله بن الْهُدَير التيميّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ
[٣] (ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٨٤/١١.
٤ - (أَبُو شُعْبَةَ الْعِرَاقِيُّ) المزنيّ مولاهم الكوفيّ، مقبول [٣].
وفي ((تهذيب التهذيب)): أبو شعبة مولى سُويد بن مقرّن المزنيّ، كوفيّ،
روى عن مولاه في تحريم لطم الصورة، وعنه ابن المنكدر، ذكره ابن حبّان في
(الثقات))، وقال شعبة: قال لي ابن المنكدر: ما اسمك؟ قلت: شعبة، فقال:
حدّثني أبو شعبة، وكان لطيفاً. انتهى(١).
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والمصنّف، والنسائيّ، وله في
هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
[فإن قلت]: كيف أخرج المصنّف رواية أبي شعيب، فهو وإن وثّقه ابن
حبّان، إلا أنه مجهول؛ لأنه لم يرو عنه إلا محمد بن المنكدر، ولذا قال عنه
في ((التقريب)) مقبول؟.
[قلت]: إنما أخرج له متابعة، ومثله يُحتمل في المتابعات، فتنبّه، والله
تعالى أعلم.
والباقیان ذُكرا قبله.
(١) (تهذيب التهذيب)) ٥٣٦/٤.

٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
وقوله: (مَا اسْمُكَ؟) إنما سأله عن اسمه إيناساً له، وتلطّفاً معه حيث إن
المحدّث له بهذا الحديث يوافق كنية والده.
وقوله: (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الصُّورَةَ مُحَرَّمَةٌ؟) قال النوويّ تَخْذَتُهُ: فيه إشارة إلى
ما صَرَّح به في الحديث الآخر: ((إذا ضرب أحدكم العبد، فليجتنب الوجه))؛
إكراماً له؛ لأن فيه محاسن الإنسان، وأعضاءه اللطيفة، وإذا حصل فيه شین،
أو أثر، كان أقبح. انتهى(١).
وقال الأبّي نقلاً عن القاضي عياض: قوله: ((محرّمة)»؛ أي: ذات حُرمة،
ويَحْتمل أن يريد تحريم الضرب، وهو إشارة إلى الحديث الآخر: ((إذا ضَرَب
أحدكم العبد، فليجتنب الوجه))؛ إكراماً له؛ لاجتماع محاسن الإنسان،
وأعضائه الرئيسة فيه، ولأن التشويه فيه أقبح، وقد علّله في الحديث الآخر
بأنها الصورة التي خلق عليها آدم، واختارها الله خليفةً في أرضه. انتهى (٢).
وقوله: (وَمَا لَنَا خَادِمٌ غَيْرُ وَاحِدٍ) تقدّم ما يدلّ على أنها جارية، ولعل
تذكيره هنا باعتبار لفظ خادم، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فَعَمَدَ أَحَدُنَا) يقال: عَمَدتُ للشيء عَمْداً، من باب ضرب،
وعمدت إليه: قصدته، ومثله تعمّدته(٣)؛ أي: قصد أحدنا للطمه (فَلَطَمَهُ، فَأَمَرَّنَا
رَسُولُ اللهِ وَلِ أَنْ تُعْتِقَهُ) بضمّ النون، من الإعتاق.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى شرحه، وتخريجه قبل حدیثین،
ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَقْلَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٩٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، عَنْ
وَهْبٍ بْنِ جَرِيرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: مَا اسْمُكَ؟
فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ عَبْدِ الصَّمَدِ).
(١) (شرح النوويّ)) ١٢٩/١١ - ١٣٠.
(٣) راجع: ((المصباح المنير)) ٤٢٨/٢.
(٢) (شرح الأتّي)) ٣٨٥/٤.

٢٣
(٨) - بَابُ صُحْبَةِ الْمَمَالِيكِ، وَكَفَّارَةٍ مَنْ لَطَمَ عَبْدَهُ - حديث رقم (٤٢٩٨)
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بن حازم الأزديّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [٩]
(ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((الإيمان) ٣١٥/٥٠.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الصَّمَدِ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير وهب بن
جرير.
[تنبيه]: رواية وهب بن جرير، عن شعبة هذه ساقها أبو عوانة ◌َُّ في
«مسنده))، فقال:
(٦٠٥٩) - حدّثنا إبراهيم بن مرزوق، قثنا وهب بن جرير، قثنا شعبة،
عن محمد بن المنكدر، قال: سألني عن اسمي، فقلت: شعبة، فقال: ثنا أبو
شعبة، قال: لطم رجل وجه خادم له عند سويد بن مقرِّن، فقال سويد: ألم
تعلم أن الصورة محرَّمة؟ لقد رأيتني، وأنا سابع سبعةٍ إخوةٍ مع رسول الله وَّه
وما لنا إلا خادم واحد، فلطم أحدنا وجهه، فأمره النبيّ وَ ◌ّ# أن نُعتقه.
انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلَفُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٩٨] (١٦٥٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ
- يَعْنِي: ابْنَ زِيَادٍ - حَدَّثَنَا الأَعْمَثُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ أَبُو
مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَاماً لِي بِالسَّوْطِ، فَسَمِعْتُ صَوْتاً مِنْ خَلْفِي:
((اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ»، فَلَمْ أَفْهَمِ الصَّوْتَ مِنَ الْغَضَبِ - قَالَ: فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: ((اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ»، قَالَ: فَأَلْقَيْتُ
السَّوْطَ مِنْ يَدِي، فَقَالَ: ((اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، أَنَّ اللهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا
الْغُلَام))، قَالَ: فَقُلْتُ: لَا أَضْرِبُ مَمْلُوكاً بَعْدَهُ أَبَداً).
(١) ((مسند أبي عوانة)) ٦٩/٤.

٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) الْعَبْديّ مولاهم، البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٦)
أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة» ١١/ ٥٨٤.
٢ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ) بن يزيد بن شريك، أبو أسماء الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ،
يرسل، ويدلّس [٥] (ت٩٢) وله أربعون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٠٦/٧٨.
٤ - (أَبُوهُ) يزيد بن شَرِيك بن طارق التيميّ الكوفيّ، يقال: إنه أدرك
الجاهليّة [٢] مات في خلافة عبد الملك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٠٦/٧٨.
٥ - (أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ الصحابيّ الشهير،
مات ربه قبل الأربعين، وقيل: بعدها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٥٨.
و((أبو كامل الجحدري)) هو: فضيل بن حسين ذُكِر أول الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه مسلسل بالكوفيين من الأعمش، والباقيان بصريّان، وفيه ثلاثة من
التابعين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم التيميّ، عن أبيه، وفيه
رواية الراوي عن أبيه، وفيه أن صحابيّه منسوب إلى خلاف الظاهر، فإنه إذا
قيل: فلان البدريّ، فإنما يتبادر إلى الذهن أنه حضر وقعة بدر، وهو ليس
كذلك عند الأكثرين، فإنه إنما نُسب إلى بدر لمجاورته لبدر، لا لشهوده
وقعتها، وإلى هذا أشار السيوطيّ تَخْثُ في ((ألفيّة الحديث)) في ((باب من نُسِب
إلى خلاف الظاهر)) فقال:
وَنَسَبُوا الْبَدْرِيَّ وَالْخُوزِيًّا لِكَوْنِهِ جَاوَرَ وَالتَّيْمِيًّا
لكن الذي اختاره البخاريّ كَُّ في ((صحيحه)) أنه ممن شهد وقعة بدر،
حيث عدّه في جملة أهل بدر حيث ذكر اسمه فيهم، فعلى هذا فهو منسوب إلى
الظاهر، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) يزيد بن شَرِيك، أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو
مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو (الْبَدْرِيُّ) نسبة إلى بدر المكان المعروف؛ إما لكونه

٢٥
(٨) - بَابُ صُحْبَةِ الْمَمَالِيكِ، وَكَفَّارَةٍ مَنْ لَطَمَ عَبْدَهُ - حديث رقم (٤٢٩٨)
جاور، كما قال الكثيرون، وإما لكونه حضر غزوة بدر، كما صححه
البخاريّ كَّلُهُ، وهو الراجح. (كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَاماً لِي) لم يُعرف اسمه، كما
قال صاحب ((التنبيه))(١). (بِالسَّوْطِ) بفتح، فسكون: هو الذي يُضرب به، جمعه
أسواط، وسِياطٌ، مثل ثوب وأثواب، وثياب(٢). (فَسَمِعْتُ صَوْتاً مِنْ خَلْفِي)؛
أي: صوت إنسان من ورائي يقول: ((اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ)) منادى بحذف حرف
النداء اختصاراً، كما قال الحريريّ في ((ملحته)):
وحَذْفُ ((يَا)) يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ كَقَوْلِهِمْ ((رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي))
(فَلَمْ أَفْهَمِ الصَّوْتَ مِنَ الْغَضَبِ)؛ أي: لأجل شدّة غضبي على العبد
(قَالَ: فَلَمَّا دَنَا)؛ أي: قُرُب (مِنِّي إِذَا) فجائيّة؛ أي: ففاجأني (هُوَ رَسُولُ اللهِ وَلـ
فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: ((اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ)) كرّره للتأكيد عليه (قَالَ)
أبو مسعود (فَأَلْقَيْتُ السَّوْطَ مِنْ بَدِي، فَقَالَ) وَ («اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، أَنَّ اللهَ
أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَام)))؛ أي: أتمّ، وأبلغ من قدرتك على عبدك
هذا؛ يعني: أن قدرة الله على تعذيبك أكثر وأشد من قدرتك على تعذيب هذا
العبد .
وفي الحديث هداية بليغة إلى أن الرجل ينبغي له أن يذكر عند سَوْرة
غضبه مقامه في الآخرة بين يدي ربّه، ويستحضر ذلك، حين يطلب من الله
تعالى العفو والغفران، فمن بذل ذلك لمن هو في قدرته رجا حصول ذلك له
من الله ثمخلق، ومن لم يبذله فرجاؤه على خطر عظيم، ولا حول ولا قوّة إلا بالله
العزيز الحكيم.
(قَالَ) أبو مسعود (فَقُلْتُ: لَا أَضْرِبُ مَمْلُوكاً بَعْدَهُ أَبَداً) قال النوويّ تَُّهُ :
فيه الحثّ على الرفق بالمملوك، والوعظ، والتنبيه على استعمال العفو، وكظم
الغيظ، والحكم كما يحكم الله تعالى على عباده. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) راجع: ((تنبيه المعلم)) ص٢٨١.
(٢) راجع: ((الصحاح)) ص٥٢٣، و((المصباح المنير)) ٢٩٥/١.
(٣) (شرح النوويّ)) ١٣٠/١١.

٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي مسعود البدريّ به هذا من أفراد
المصنّف ◌ْتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢٩٨/٨ و٤٢٩٩ و٤٣٠٠ ٤٣٠١ و٤٣٠٢]
(١٦٥٩)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (١٧١)، و(أبو داود) في ((سننه))
(٥١٥٩ و٥١٦٠)، و(الترمذيّ) في ((جامعه)) (١٩٤٨)، و(أحمد) في ((مسنده))
(١٢٠/٤ و٢٧٣ و٢٧٤)، و(أبو عوانة) (٧٠/٤)، و(الطبرانيّ) في ((المعجم
الكبير» (٢٤٥/١٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٠/٨)، وأما فوائد الحديث،
فقد تقدّمت، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٩٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدََّتِي
زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَهُوَ الْمَعْمَرِيُّ - عَنْ سُفْيَانَ (ح)
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو
بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثًّا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِإِسْنَادِ
عَبْدِ الْوَاحِدِ، نَحْوَ حَدِيثِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ جَرِيرٍ: فَسَقَطَ مِنْ يَدِي السَّوْطُ مِنْ
هَيْبَتِهِ).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضّبّيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ) اليشكريّ، أبو سفيان الْمَعَمريّ البصريّ، نزيل
بغداد، ثقةٌ، مشهورٌ بالصلاح والعبادة [٩].
رَوَى عن معمر، وهشام بن حسّان، وسفيان الثوريّ.
وروى عنه يحيى بن يحيى النيسابوريّ، والنفيليّ، وعبد الله بن عون
الخراز، ومحمد بن عيسى بن الطباع، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وعمرو
الناقد، وغيرهم.
قال ابن أبي خيثمة وغير واحد عن ابن معين: ثقةٌ، وقال عثمان

٢٧
(٨) - بَابُ صُحْبَةِ الْمَمَالِيكِ، وَكَفَّارَةٍ مَنْ لَطَمَ عَبْدَهُ - حديث رقم (٤٢٩٩)
الدارميّ، عن ابن معين: رجل صدوق، وقال صالح بن محمد الأسديّ، وابن
معين: المعمريّ أحب إليّ من عبد الرزاق، وقال أبو حاتم: صالح الحديث،
وقال أبو داود: ثقة، وقال النسائيّ: ليس به بأس، ووثقه أبو خيثمة زهير بن
حرب فيما ذكره ابن شاهين في ((الثقات))، وذكره العقيليّ في ((الضعفاء))،
وقال: في حديثه نظر، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
قال ابن قانع: مات سنة اثنتين وثمانين ومائة.
أخرج ه البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وله
في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث برقم (١٦٥٩)، وحديث (٢٨٤٦):
(تحاجّت النار والجنّة، فقالت ... )) الحديث.
[تنبيه]: قوله: (وَهُوَ الْمَعْمَرِيُّ) - بفتح الميمين، وإسكان العين المهملة
بينهما ـ: نسبة إلى معمر، وإنما قيل له ذلك؛ لأنه رحل إلى معمر بن راشد،
وقيل: لأنه كان يتتبع أحاديث معمر(١).
٣ - (عَفَّانُ) بن مسلم الصفّار، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٤ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، تقدّم في الباب
الماضي.
والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قبله، و((سفيان)) هو: الثوريّ.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ)؛ يعني: الثلاثة: جرير بن عبد الحميد،
وسفيان الثوريّ، وأبا عوانة، فكلهم رووا هذا الحديث عن الأعمش بإسناد
عبد الواحد، عنه نحو حديثه.
وقوله: (مِنْ هَيْبَتِهِ)؛ أي: لأجل إجلاله، وتعظيمه، يقال: هَابَهُ يَهَابه، من
باب تَعِبَ هَيْبةً: حَذِرَهُ، قال ابن فارس: الْهَيْبَةُ: الإجلال، فالفاعل: هائبٌ،
والمفعول: هَيُوبٌ، ومَهِيبٌ أيضاً، ويَهِيبه، من باب ضرب لغةٌ، وتهيّبته: خِفْتُهُ،
وتهيّني: أفزعني، قاله الفيّوميّ كَذُهُ(٢).
[تنبيه]: رواية جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، لم أجد من ساقها
بتمامها، غير أن الطبرانيّ قال في ((المعجم الكبير)):
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٠/١١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٤٤/٢.

٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
(٦٨٥) - حدّثنا إِذْرِيسُ بن عبد الْكَرِيمِ الْحَدَّادُ، ثنا عَاصِمُ بن عَلِيٍّ، ثنا
قَيْسُ بن الرَّبِيعِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عن إبراهيم التَّيْمِيِّ، عن أبيه، عن أبي مَسْعُودٍ،
قال: بَيْنَمَا أَنَا أَضْرِبُ غُلاماً لي، إِذْ سمعت صَوْتاً من خَلْفِي: ((اعْلَمْ أَبَا
مَسْعُودٍ))، فَالْتَفَتُّ، فإذا هو رسول اللهِ وَّهِ، فَسَقَطَ السَّوْطُ من يَدِي، من هَيْبَتِهِ،
فقال: ((أَمَا وَاللهِ، لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ على هذا)).
(٦٨٦) - حدّثنا الْحُسَيْنُ بن إِسْحَاقَ الْتُّسْتَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بن عبد اللهِ
الْحَضْرَمِيُّ، قَالا: ثنا عُثْمَانُ بن أبي شَيْبَةَ، ثنا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عن
إبراهيم التَّيْمِيِّ، عن أبيه، عن أبي مَسْعُودٍ، قال: إني لأَضْرِبُ غُلاماً لي، إِذْ
سمعت صَوْتاً من خَلْفِي: ((اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ))، فَالْتَفَتُّ، فإذا هو رسول اللهِ وَلِّ،
فذكر نَحْوَهُ. انتهى(١) .
وأما رواية سفيان الثوريّ، عن الأعمش، فساقها عبد الرزّاق تَظُّ في
((مصنّفه))، فقال:
(١٧٩٥٩) - عبد الرزاق، عن الثوريّ، عن الأعمش، عن إبراهيم
التيميّ، عن أبيه، عن أبي مسعود الأنصاريّ، قال: بينا أنا أضرب غلاماً لي،
إذ سمعت صوتاً من ورائي: ((اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود)) ثلاثاً،
فالتفتّ، فإذا أنا برسول الله وَله، فقال: ((واللهِ للهُ أقدر عليك منك على هذا))،
فحلفت أن لا أضرب مملوكاً لي أبداً. انتهى(٢).
وأما رواية أبي عوانة، عن الأعمش، فساقها الطبرانيّ تَّثُ في ((الكبير))
مقروناً بشعبة، فقال:
(٦٨٤) - حدّثنا زَكَرِيًّا بن حَمْدَوَيْهِ الصَّفَّارُ، ثنا عَفَّانُ، ثنا شُعْبَةُ، وأبو
عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عن إبراهيم التَّيْمِيِّ، عن أبيه، عن أبي مَسْعُودٍ، قال:
بَيْنَمَا أنا أَضْرِبُ غُلَاماً لي بِالسَّوْطِ، إِذْ سمعت صَوْتاً من خَلْفِي: ((اعْلَمْ أَبَا
مَسْعُودٍ))، فَجَعَلْتُ لا أَعْقِلُ مِنَ الْغَضَبِ، حتى دَنَا مِنِّ رسول اللهِ نَّهِ، فلما
رَأَيْتُهُ وَقَعَ السَّوْطُ من يَدِي، فقال: ((اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ اللهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ))،
(١) ((المعجم الكبير)) ٢٤٦/١٧.
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) ٤٤٦/٩.

٢٩
(٨) - بَابُ صُحْبَةِ الْمَعَالِيكِ، وَكَفَّارَةٍ مَنْ لَطَمَ عَبْدَهُ - حديث رقم (٤٣٠٠)
فقلت: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لا أَضْرِبُ عَبْداً أبداً. انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٣٠٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً،
حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ:
كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَاماً لِي، فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي صَوْتاً: ((اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، لَلَّهُ أَقْدَرُ
عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ)، فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ هُوَ حُرٍّ
لِوَجْهِ اللهِ، فَقَالَ: (أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ(٢) لَلَفَحَتْكَ النَّارُ، أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة
بلا واسطة، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس
لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، وقد رُمي بالإرجاء، من كبار [٩]
(ت١٩٥) وله (٨٢) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ)؛ أي: أتمّ، وأبلغ من قدرتك على
عبدك، قال الطيبيّ نَّثُ: عَلَّق عمل اعلم باللام الابتدائية، و((الله)) مبتدأ،
و((أقدر)) خبره، و((عليك)) صلة ((أقدر))، و((منك)) متعلق به، وقوله: ((عليه)) لا
يجوز أن يتعلق بقوله: ((أقدر))؛ لأنه أخذ ماله، ولا بمصدر مقدَّر عند قوله:
((منك))؛ أي: من قدرتك كما ذهب إليه المظهر؛ لأن المعنى يأباه، بل هو حال
من الكاف؛ أي: أقدر منك حال كونك قادراً عليه(٣).
وقوله: (فَالْتَقَتُّ)؛ أي: نظرت إلى خلفي.
وقوله: (فَقُلْتُ)؛ أي: بسبب نظرته المباركة.
(١) ((المعجم الكبير) ٢٤٥/١٧.
(٢) وفي نسخة: ((أما والله لو لم تفعل)).
(٣) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٣٥١/١٠ - ٣٥٠.

٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
وقوله: (هُوَ حُزٍّ لِوَجْهِ اللهِ)؛ أي: لابتغاء مرضاته، قال القاضي
عياض ◌َخْذَلُ: ليس فيه أنه و ﴿ أمره بعتقه، ولكنه رأى أنه زاد على حدّ الأدب
مما استوجب به عقوبة الله تعالى، ألا ترى كيف كان العبد يستغيث منه بالله
تعالى، وهو يضربه، حتى استعاذ برسول الله وَلٍ(١).
وقوله: ((أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ) وفي نسخة: ((أما والله لو لم تفعل))، و((أما))
بالتخفيف للتنبيه، والاستفتاح، كـ((ألا))؛ أي: لو ما فعلت ما فعلت من إعتاق
هذا العبد.
وقوله: (لَلَفَحَتْكَ النَّارُ، أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ))) ((أو)) للشكّ من الراوي؛ أي:
أحرقتك، أو لمستك النار؛ أي: أصابتك؛ إذ ضربته ظلماً، ولم يَعْفُ عنك.
وقال القرطبيّ كَّقُ: فيه تنبيه على أن الذي فعله من ضرب عبده حرام،
فكأنه تعدَّى في أصل الضرب؛ بأن ضربه على ما لا يستحقّ، أو في صفة
الضرب، فزاد على المستَحَقّ. ولا يُخْتَلَف: في أن تأديب العبد بالضرب،
والحبس، وغيره جائز إذا وقع في محله وعلى صفته.
ومساق الرواية الأخرى يدلُّ على تحريم قذف المملوك، وأنَّه ليس فيه في
الدنيا حدٌّ للقذف، وهو مذهب مالك، والجمهور، وهو المفهوم من قوله
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَّةَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ الآية [النور: ٤]،
فإن الإحصان هنا يمكن حمله على الإسلام والحرية والعفة، على قول من
يرى: أن اللفظ المشترك يحمل على جميع محامله، ولأن العبد ناقص عن
درجة الحر نقصاناً عن كفر، فلا يحدُّ قاذفه، كما لا يحدُّ قاذف الكافر، ولأنَّه
ناقصٌ عن درجة الحُر، فلا يحدُّ الحر بقذفه؛ كما لا يقتل به.
وقد ذهب قوم: إلى أن الحرَّ يحدُّ إذا قذف العبد. والحجة عليهم كلّ ما
ذكرناه من الحديث، والقرآن، والقياس. انتهى كلام القرطبيّ ◌َقَّهُ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تحقيق هذه المسألة بأدلّتها في محلها - إن
شاء الله تعالى -.
(١) راجع: ((شرح الآتّيّ)) ٣٨٥/٤ - ٣٨٦.
(٢) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٤٩/٤ - ٣٥٠.

٣١
(٨) - بَابُ صُحْبَةِ الْمَمَالِيكِ، وَكَفَّارَةٍ مَنْ لَطَمَ عَبْدَهُ - حديث رقم (٤٣٠١ -٤٣٠٢)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٣٠١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ
الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ
التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ غُلَامَهُ(١)، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَعُوذُ
بِاللهِ - قَالَ - فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ، فَقَالَ: أَعُوذُ بِرَسُولِ اللهِ، فَتَرَكَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الهِ وَِّ:
(وَاللهِ لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ))، قَالَ: فَأَعْتَقَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
وكلّهم ذُكروا في الباب، و((ابن أبي عديّ)) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي
عديّ، و(سليمان)) هو: الأعمش.
وقوله: (فَقَالَ: أَعُوذُ بِرَسُولِ اللهِ، فَتَرَكَهُ) تأوّل العلماء - رحمهم الله تعالى -
هذا عن أبي مسعود عليه بأنه لعله لم يسمع استعادته بالله تعالى؛ لشدّة غضبه،
كما لم يسمع نداء النبيّ ◌َّ﴿، حتى كرّره ثلاث مرّات: ((يا أبا مسعود)»، أو
يكون لَمّا استعاذ برسول الله وَّهُ تنبّه لمكانه، ذكره النوويّ كَُّ(٢)، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٣٠٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي: ابْنَ
جَعْفَرٍ - عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ: أَعُوذُ بِاللهِ، أَعُوذُ
بِرَسُولِ اللهِ وَ﴿).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) العسكريّ، أبو محمد الفرائضيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ
يُغْرِبُ [١٠] (ت٣ أو ٢٥٥) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٠/٢٣.
والباقيان ذُكرا قبله، ((ومحمد بن جعفر)) هو: المعروف بغندر.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ ... إلخ) فاعل ((لم يذكر)) ضمير محمد بن جعفر.
(١) وفي نسخة: ((يضرب غلاماً له)).
(٢) (شرح النوويّ)) ١٣١/١١.

٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن شعبة هذه ساقها الإمام أحمد تخلّفُ
في ((مسنده))، فقال:
(٢٢٤٠٤) - حدثنا محمد بن جَعْفَرٍ، ثنا شُعْبَةُ، عن سُلَيْمَانَ، عن إبراهيم
التيميّ، عن أبيه، عن أبي مَسْعُودٍ، أنه كان يَضْرِبُ غُلَاماً له، فقال له
النبيّ ◌َّهِ: ((والله، لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عليه))، قال: يا نبيّ اللهِ، فإني أُعْتِقُهُ
لِوَجْهِ اللهِ. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(٩) - (بَابُ التَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزِّنَا)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٣٠٣] (١٦٦٠) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ (ح)
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ، قَالَ:
سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي نُعْم، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ مَله:
(مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزُّنَا، يُقَامُ عَلَّيْهِ الْحَدُّ بَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَّ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ) - بفتح الغين المعجمة، وسكون الزاي - ابن جرير
الضبّيّ مولاهم، أبو الفضل الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٧] مات بعد سنة (١٤٠)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ٧٨/ ٤٠٥.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي نُعْم) - بضمّ النون، وسكون العين
المهملة - البَجَليّ، أبو الحكم الكوفيّ،ً صدوقٌ عابدٌ [٣] مات قبل المائة
(ع) تقدم في ((الزكاة)) ٢٤٥١/٤٥.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وقبل بابين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه مسلسلٌ بالكوفيين إلا الصحابيّ، فمدنيّ، وأنه مسلسل بالتحديث،
(١) ((مسند أحمد بن حنبل)) ٢٧٣/٥.

٣٣
(٩) - بَابُ التَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٣٠٣)
والسماع من أوله إلى آخره، وفيه أبو هريرة ظهته أحفظ من روى الحديث في
دهره .
شرح الحديث:
عَن (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي نُعْم) البجليّ، أنه قال: (حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ)
(قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ وَهَ) وفي الرواية التالية: ((سمعتُ أبا القاسم ◌َّ نبيّ
التوبة)) ((مَنْ) موصولةَ مبتدأ، خبره جملة ((يقام ... إلخ)) (قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزِّنَا)
وفي رواية الإسماعيليّ: ((من قَذَفَ عبده بشيء))، ومعناه: رماه به، يقال: قذَف
بالحجارة قذْفاً، من باب ضرب: رمى بها، وقَذَفَ المحصنة قَذْفاً: رماها
بالفاحشة، والْقَذِيفة: الْقَبِيحة، وهي الشتم، وقذَف بقوله: تكلّم من غير تدبّر،
قاله الفيّوميّ تَذْتُهُ(١).
زاد في البخاريّ: ((وهو بريء مما قال))، وهي جملة حاليّة.
(يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ)))؛ أي: فلا يُحدّ،
وفي رواية النسائي من هذا الوجه: ((أقام عليه الحدَّ يوم القيامة))، وأخرج من
حديث ابن عمر ◌ًا: ((من قذف مملوكه كان لله في ظهره حدٍّ يوم القيامة، إن
شاء أخذه، وإن شاء عفا عنه)).
قال النوويّ تَخُّْ: فيه إشارة إلى أنه لا حدّ على قاذف العبد في الدنيا،
وهذا مجمع عليه، لكن يُعَزَّر قاذفه؛ لأن العبد ليس بمحصَن، وسواء في هذا
كله من هو كامل الرقّ، وليس فيه سبب حرية، والمدبرُ والمكاتبُ، وأم الولد،
ومن بعضه حرّ، هذا في حكم الدنيا، أما في حكم الآخرة فيُسْتَوْفَى له الحدّ
من قاذفه؛ لاستواء الأحرار والعبيد في الآخرة. انتهى (٢)، وسيأتي تمام البحث
في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا متّفقٌ عليه.
(١) ((المصباح المنير)) ٢ /٤٩٤ - ٤٩٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٣١/١١ - ١٣٢.

٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣٠٣/٩ و٤٣٠٤] (١٦٦٠)، و(البخاريّ) في
((الحدود)) (٦٨٥٨)، و(أبو داود) في ((سننه)) (٥١٦٥)، و(الترمذيّ) في
(١٩٤٧)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٢٥/٤)، و(مالك) في ((الموطإ)) (٢/
٥٦٨)، و(أحمد) في («مسنده)) (٤٣١/٢ و٤٩٩)، و(ابن راهويه) في ((مسنده))
(٢٧٢/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٧١/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط))
(١٣٠/١)، و(الدارقطنيّ) في ((مستدركه)) (٤١١/٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم فيمن قذف عبده بالزنا:
قال في ((الفتح)): قال المهلَّب: أجمعوا على أن الحرّ إذا قذف عبداً لم
يجب عليه الحدّ، ودلّ هذا الحديث على ذلك؛ لأنه لو وجب على السيد أن يُجلَد
في قذف عبده في الدنيا لَذَكَره، كما ذَكَره في الآخرة، وانما خُصّ ذلك بالآخرة
تمييزاً للأحرار من المملوكين، فأما في الآخرة فإن مُلْكهم يزول عنهم، ويتكافئون
في الحدود، ويُقْتَصّ لكل منهم، إلا أن يعفو، ولا مفاضلة حينئذ إلا بالتقوى.
قال الحافظ تَُّ: في نقله الإجماع نظرٌ، فقد أخرج عبد الرزاق، عن
معمر، عن أيوب، عن نافع، سئل ابن عمر عمن قَذَف أم ولد لآخر، فقال:
يُضْرَب الحدَّ صاغراً، وهذا بسند صحيح، وبه قال الحسن، وأهل الظاهر، وقال
ابن المنذر: اختلفوا فيمن قذف أم ولد، فقال مالك، وجماعة: يجب فيه الحدّ،
وهو قياس قول الشافعيّ بعد موت السيد، وكذا كل من يقول: إنها عَتَقت بموت
السيد، وعن الحسن البصريّ أنه كان لا يرى الحدّ على قاذف أم الولد، وقال
مالك، والشافعيّ: من قذف حرّاً يظنه عبداً، وجب عليه الحدّ. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي هو ما ذهب إليه الجمهور
من عدم وجوب الحدّ على من قذف مملوكه في الدنيا، وإنما يعزّر، كما
تقدّم عن النوويّ، وذلك لعدم نصّ يوجب الحدّ عليه، بل حديث الباب
ظاهر في ذلك؛ لأنه لو كان عليه حدّ في الدنيا لذكره، كما ذكر الحدّ في
الآخرة، فليتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((الفتح)) ٧١٠/١٥ - ٧١١، كتاب ((الحدود)) رقم (٦٨٥٨).

٣٥
(٩) - بَابُ التَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزُّنَا - حديث رقم (٤٣٠٤)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُهُ أوّل الكتاب قال:
[٤٣٠٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ
حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ، كِلَاهُمَا عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِمَا: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ وَّ نَبِيَّ التَّوْبَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ) الواسطيّ، ثقةٌ [٩] (١٩٥) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٩١/٢٣.
والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي.
قوله: (سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ وَِّ نَبِيَّ النَّوْبَةِ) قال القاضي عياض ◌َُّهُ:
وسُمِّي بذلك؛ لأنه وَّهِ بُعِث بقبول التوبة بالقول، والاعتقاد، وكانت توبةٌ مَن
قَبْلَنا بقتل أنفسهم، قال: ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالتوبة الإيمان، والرجوع عن
الكفر إلى الإسلام، وأصل التوبة الرجوع. انتهى(١).
[تنبيه]: رواية إسحاق الأزرق، عن فُضيل بن غزوان هذه ساقها
البيهقيّ دَّثُ في ((الكبرى))، فقال:
(١٦٩٠٧) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن
يعقوب، ثنا الحسن بن عليّ بن عفان العامريّ، ثنا عبيد الله بن موسى، أنبأ
فُضيل بن غزوان (ح) وأخبرنا أبو عمرو الأديب، أنبأ أبو بكر الإسماعيليّ، أنبأ
أبو يعلى، أنبأ أبو خيثمة، ثنا إسحاق بن يوسف، عن فضيل بن غزوان، عن
ابن أبي نُعْم، عن أبي هريرة، سمعت نبيّ التوبة أبا القاسم وَّ ه يقول: ((أيما
رجل قذف مملوكه، وهو بريء مما قال، أقيم عليه الحدّ يوم القيامة، إلا أن
يكون كما قال له))، لفظ حديث إسحاق. انتهى(٢).
وأما رواية وكيع، عن فُضيل، فلم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله
تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) راجع: ((شرح النوويّ)) ١٣٢/١١.
(٢) ((سنن البيهقي الكبرى)) ٢٥٠/٨.

٣٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
(١٠) - (بَابُ إِطْعَام الْمَمْلُوكِ مِمَّا يَأْكُلُ، وَإِلْبَاسِهِ مَمَّا يَلْبَسُ،
وَلَا يُكَلِّفُهُ مَا يَغْلِبُهُ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَغْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٣٠٥] (١٦٦١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا
الأَعْمَشُ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: مَرَرْنَا بِأَبِي ذَرِّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ بُرْدٌ، وَعَلَى
غُلَامِهِ مِثْلُهُ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا ذَرِّ، لَوْ جَمَعْتَ بَيْتَهُمَا كَانَتْ حُلَّةً، فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ بَيْنِي
وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ إِخْوَانِي كَلَامٌ، وَكَانَتْ أَمُّهُ أَعْجَمِيَّةً، فَعَيَّرْتُهُ بِأَمِّهِ، فَشَكَانِي إِلَى
النَّبِيِّ وَّهِ، فَلَقِيتُ النَّبِيِّ نَّهِ، فَقَالَ: ((يَا أَبَا ذَرِّ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيَكَ جَاهِلِيَّةٌ))، قُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللهِ، مَنْ سَبَّ الرِّجَالَ سَبُّوا أَبَاهُ وَأُمُّهُ، قَالَ: ((يَا أَبَا ذَرِّ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيَكَ
جَاهِلِيَّةٌ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ،
وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّقْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (الْمَعْرُورُ بْنُ سُوَيْدٍ) الأسديّ، أبو أُميّة الكوفيّ، ثقةٌ [٢] عاش مائة
وعشرين سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧٩/٤٢.
٢ - (أَبُو ذَرٍّ) الغِفَاريّ الصحابيّ المشهور، اسمه جُنْدب بن جُنادة على
الأصحّ، وقيل: بُرَير بموحّدة مصغّراً، ومكبّراً، واختلف في أبيه كذلك، فقيل:
جُندب، وقيل غير ذلك، تقدّم إسلامه، وتأخّرت هجرته، فلم يشهد بدراً،
مات رُه سنة (٣٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٤/٢٩.
والباقون تقدّموا في البابين الماضيين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه مسلسلٌ بالكوفيين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، وفيه أبو ذرّ
الصحابيّ المشهور، أسلم قديماً، ورُوي عنه قال: أنا رابع أربعة في الإسلام،
ويقال: كان خامس خمسة، أسلم بمكة، ثم رجع إلى بلاد قومه، فأقام بها
حتى مضت بدر، وأُحُد، والخندق، ثم هاجر إلى المدينة، فصَحِب النبيّ وَلـ

٣٧
(١٠) - بَابُ إِطْعَامِ الْمَمْلُوكُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَإِلْبَاسِهِ مَمَّا يَلْبَسُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٣٠٥)
إلى أن مات، ومناقبه جمة، وزهده مشهور، وتواضعه وزهده مشبهان في
الحديث بتواضع عيسى؛ وزهدِهِ، ومن مذهبه أنه يحرم على الإنسان ادّخار ما
زاد على حاجته من المال(١)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْمَعْرُورِ) - بالعين المهملة والراء - (ابْنِ سُوَيْدٍ) مصغّراً، قال
الأعمش: رأيته، وهو ابن مائة وعشرين سنة أسود الرأس واللحية.
وفي رواية للبخاريّ في ((العتق)): ((سمعت المعرور بن سُويد)) (قَالَ: مَرَرْنَا
بِأَبِي ذَرٍّ) الغفاريّ ◌َبه، نسبة إلى غِفار بكسر الغين المعجمة: قبيلة من كنانة
(بِالرَّبَذَةِ) - بفتح الراء، والباء الموحّدة، والذال المعجمة -: موضع بالبادية،
بينه وبين العراق ثلاث مراحل، وهو منزل من منازل حجاج العراق، قريب من
ذات عرق(٢) .
وقال الفيّومِيّ ◌َغُّْهُ: الرَّبَذَةُ - وزانُ قَصَبَة - خِرْقة الصائغ يجلو بها الحُلِيَّ،
وبها سُمِّيت الرَّبَذَةُ، وهي قرية كانت عامرةً في صدر الإسلام، وبها قبر أبي ذرّ
٤، وهي في وقتنا دارسةٌ لا يُعْرَف بها رسم،
الغفاريّ، وجماعة من الصحابة
وهي عن المدينة في جهة الشرق على طريق حاج العراق نحو ثلاثة أيام، هكذا
أخبرني به جماعة من أهل المدينة، في سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة.
انتھی(٣) .
(وَعَلَيْهِ بُرْدٌ) - بضمّ الموحّدة، وسكون الراء -: كساء صغير مربّعٌ،
ويقال: كساء أسود صغير، قاله الفيّوميّ (٤).
وقال المجد تَخْلُهُ: والْبُرْدُ بالضمّ: ثوبٌ مُخَطَّطٌ، جمعه: أبرادٌ، وأبرُدٌ،
وبُرُودٌ، وأكسيةٌ يُلْتَحَف بها، الواحدة بِهاء. انتهى (٥) .
(وَعَلَى غُلَامِهِ مِثْلُهُ) كذا في هذه الرواية، وفي الرواية الآتية: ((رأيت أبا
(١) ((عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ)) ٥٠/٢.
(٢) ((الفتح)) ١٦١/١ كتاب ((الإيمان)) رقم (٣٠)، و((عمدة القاري)) ٣٢٦/١.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢١٥/١.
(٥) ((القاموس المحيط)) ص٩٢.
(٤) ((المصباح)) ٤٣/١.

٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
ذرّ، وعليه حلّةٌ، وعلى غلامه مثلها))، وقال في ((الفتح)) عند شرح رواية
البخاريّ بلفظ: ((وعليه حلّة، وعلى غلامه حلّة)) ما نصّه: هكذا رواه أصحاب
شعبة عنه، لكن في رواية الإسماعيلي من طريق معاذ، عن شعبة: ((أتيت أبا
ذرّ، فإذا حلة عليه منها ثوب، وعلى عبده منها ثوب))، وهذا يوافق ما في اللغة
أن الحلة ثوبان من جنس واحد، ويؤيده ما في رواية الأعمش، عن المعرور
عند البخاريّ في ((الأدب)) بلفظ: ((رأيت عليه بُرداً، وعلى غلامه برداً، فقلت:
لو أخذت هذا، فلبسته كانت حلة))، وفي رواية مسلم: ((فقلنا: يا أبا ذرّ لو
جمعت بينهما كانت حلةً))، ولأبي داود: ((فقال القوم: يا أبا ذر لو أخذت
الذي على غلامك، فجعلته مع الذي عليك لكانت حلة))، فهذا موافق لقول
أهل اللغة؛ لأنه ذكر أن الثوبين يصيران بالجمع بينهما حلة، ولو كان كما في
الأصل على كل واحد منهما حلة، لكان إذا جمعهما يصير عليه حلتان.
قال: ويمكن الجمع بين الروايتين بأنه كان عليه بُرد جيّد، تحته ثوب
خَلَقٌ من جنسه، وعلى غلامه كذلك، وكأنه قيل له: لو أخذت البرد الجيّد،
فأضفته إلى البرد الجيد الذي عليك، وأعطيت الغلام البُرد الخَلَق بدله، لكانت
حلة جيدةً، فتلتئم بذلك الروايتان.
ويُحْمَل قوله في حديث الأعمش: ((لكانت حلةً))؛ أي: كاملة الجودة،
فالتنكير فيه للتعظيم، والله أعلم.
وقد نقل بعض أهل اللغة أن الحلّة لا تكون إلا ثوبين جديدين يَحُلُّهما
من طَيِّهما، فأفاد أصلَ تسمية الحلّة.
قال: وغلام أبي ذر المذكور لم يُسَمَّ، ويَحْتَمِل أن يكون أبا مُراوح مولى
أبي ذر، وحديثه عنه في ((الصحيحين))، وذكر مسلم في الكنى أن اسمه سعد.
انتهى كلام الحافظ تَّهُ(١)، وقد تعقّبه العينيّ في ما ذكره من الجمع بين
الروايات، وكذا في قوله: ويَحْتَمل أن يكون أبا مُراوح(٢) .
ودونك حاصل ما ذكره في وجه الجمع، قال تَّثُ ما حاصله: قد
(١) ((الفتح)) ١٦١/١، كتاب ((الإيمان)) رقم (٣٠).
(٢) ((عمدة القاري)) ٣٢٨/١.

٣٩
(١٠) - بَابُ إِطْعَامِ الْمَعْلُوكُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَإِلْبَاسِهِ مَمَّا يَلْبَسُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٣٠٥)
اختلفت ألفاظ هذا الحديث في الحلة، فقد وقع بلفظ: ((عليه حلةٌ، وعلى
غلامه حلةٌ))، وفي رواية الأعمش بلفظ: ((رأيت عليه برداً، وعلى غلامه برداً،
فقلت: لو أخذت هذا فلبسته، كانت حلةً))، وفي رواية لمسلم بلفظ: ((فقلنا: يا
أبا ذرّ لو جمعت بينهما كانت حلة))، وفي رواية أبي داود: ((فقال القوم: يا أبا
ذر لو أخذت الذي على غلامك، فجعلته مع الذي عليك لكانت حلة))، وفي
رواية الإسماعيليّ من طريق معاذ، عن شعبة: ((أتيت أبا ذرّ، فإذا حلة عليه،
منها ثوب، وعلى عبده منها ثوب))، وقد بيّنا أن الحلة ثوبان من جنس واحد.
قال: والتوفيق بين هذه الألفاظ أن لفظه ههنا (١) يدل على الحلتين: حلة
على أبي ذرّ، وحلة على عبده، ولفظه في رواية الأعمش يدلّ على أن الذي
كان عليه هو البرد، وعلى غلامه كذلك، ولا يسمى هذا حلةً إلا بالجمع
بينهما، ولهذا قال في رواية مسلم: ((لو جمعت بينهما كانت حلة))، وكذا في
رواية أبي داود، وروايةُ الاسماعيليّ تدل على أنها كانت حلة واحدة باعتبار
جمع ما كان على أبي ذرّ وعلى عبده من الثوبين، فتُحمل ((عليه حلّة، وعلى
غلامه حلّة)) على المجاز باعتبار ما يؤول، ويضم إلى الثوب الذي كان على كل
واحد منهما ثوب آخر، أو باعتبار إطلاق اسم الكل على الجزء، فلما رأى
المعرور على أبي ذرّ ثوباً، وعلى غلامه ثوباً من الأبراد، أطلق على كل واحد
منهما حلةً باعتبار ما يؤول، وتدلّ عليه رواية مسلم: ((لو جمعت بينهما كانت
حلةً))، وكذا رواية أبي داود، وأما رواية الإسماعيليّ، بلفظ: ((فإذا حلة عليه،
منها ثوب، وعلى عبده منها ثوب))، فإنها أيضاً مجاز، ولكن المجاز فيها في
موضع واحد، وأما في الرواية التي فيها لفظ: ((وعليه حلّة، وعلى غلامه حلّة))
فالمجاز في الموضعين، فافهم. هذا حاصل ما ذكره العينيّ كَُّ(٢) من وجه
الجمع بين هذه الروايات، وهو جمع حسنٌ، والله تعالى أعلم.
(فَقُلْنَا) وفي رواية: ((فقال القوم)) (يَا أَبَا ذَرٍّ، لَوْ جَمَعْتَ بَيْنَهُمَا)؛ أي: بين
(١) يعني: رواية البخاريّ في ((الإيمان)) بلفظ: ((لقيت أبا ذرّ بالربذة، وعليه حلّة، وعلى
غلامه حلّة)).
(٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٣٢٨/١، كتاب ((الإيمان)).

٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
البُرد الذي عليك، والبرد الذي على غلامك (كَانَتْ حُلَّةً) بالنصب على أنه خبر
((كانت))، واسمها مقدّر؛ أي: كانت المجموعةُ حلةً، ويَحْتَمل أن تكون (كان))
تامّةً، و((حُلةٌ)) مرفوع على الفاعليّة؛ أي: حصلت حلّةٌ كامةٌ، وإنما قال ذلك؛
لأن الحلّة عند العرب ثوبان، ولا تُطلَق على ثوب واحد، قاله النوويّ تَخْذُ(١).
وقال في ((العمدة)): الْحُلّة - بضم الحاء المهملة، وتشديد اللام -: هي
إزار ورداء، ولا يُسَمَّى حُلَّةً حتى تكون ثوبين، ويقال: الحلة ثوبان غير لفقين،
رداء وإزار، سُمِّيا بذلك؛ لأن كل واحد منهما يَحُلّ على الآخر. انتهى.
[تنبيه]: قد جاء في سبب إلباس أبي ذر غلامه مثل لبسه أثر مرفوع أصرح
من هذا وأخص: أخرجه الطبراني من طريق أبي غالب عن أبي أمامة أن
النبي وَثم أعطى أبا ذر عبداً فقال: ((أطعمه مما تأكل وألبسه مما تلبس))، وكان
لأبي ذر ثوب فشقّه نصفين، فأعطى الغلام نصفه فرآه النبي و لتر فسأله، فقال:
قلت: يا رسول الله أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون، قال: ((نعم)).
(فَقَالَ) أبو ذرّ ◌َظُه (إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الضمير الذي تفسّره جملة
بعده، كما قال ابن مالك في ((الكافية الشافية)):
بِجُمْلَةٍ كَـاإِنَّهُ زَيْدٌ سَرَى»
وَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضَمِيرٌ فُسِرَا
إِذَا أَتَى مُرْتَفِعاً أَوِ انْتَصَبْ
لِلابْتِدَا أَوْ نَاسِخَاتِهِ انْتَسَبْ
حَتْماً وَإِلَّا فَتَرَاهُ قَدْ ظَهَرْ
وَإِنْ يَكُنْ مَرْفُوعَ فِعْلِ اسْتَتَرْ
كَـ((إِنَّ مَنْ يَجْهَلْ يَسَلْ مَنْ يَعْرِفُ)»
فِي بَابٍ ((إِنَّ) اسْماً كَثِيراً يُخْذَفُ
أُنَّ أَوْ تَشْبِيهَ أُنْثَى أَفْهَمَا
وَجَائِزٌ تَأْنِيثُهُ مَتْلُوَّ مَا
تَأْنِيُهُ كَـ((إِنَّهَا هِنْدٌ رَشَا))
وَقَبْلَ مَا أُنْثَ عُمْدَةً فَشَا
(كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ إِخْوَانِي) يريد أُخُوّة الإسلام، قيل: إن هذا
الرجل هو بلال المؤذّن مولى أبي بكر ﴿ه، وروى ذلك الوليد بن مسلم
منقطعاً (٢).
وقال النوويّ كَّتُهُ: أما قوله: ((رجل من إخواني)) فمعناه: رجل من
المسلمين، والظاهر أنه كان عبداً، وإنما قال: من إخواني؛ لأن النبيّ وَلّ قال
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٢/١١.
(٢) راجع: ((الفتح)) ١٦٢/١.